سعت الشّركات التّجاريّة في أن تثبت صحّة ودقّة القوائم الماليّة، التي كانت تعدّها، فعمدت إلى أن تعيّن مراجعاً خارجيّاً يدقّق قوائمها الماليّة، التي كان يعوّل على تلك المعلومات التي تتضمّنها، أولئك الأفراد والهيئات الذين يتعاملون مع تلك الشّركات، إذ كانوا يستندون إلى تلك القوائم في استجلائهم أحوال العلائق التي تربطهم بتلك الشّركات التّجاريّة، وقد توجّب أن يتّصف المراجع الخارجيّ بسمة الاستقلاليّة في تعامله مع تلك الشّركة التي يدقّق قوائمها الماليّة، كي يتحقّق طابع النّزاهة في العمل الذي يؤدّيه ذلك المراجع الخارجيّ، الذي إذا سعى في أن يقدّم خدمات استشاريّة إلى تلك الشّركة التي يجري فيها عمليّة المراجعة الخارجيّة،فإنّه قد يتعرّض لضغوط تصدر عن تلك الشّركة التي عيّنته ليدقّق قوائمها الماليّة، حتّى أنّه قد يفقد آنئذ سمة الاستقلاليّة التي يجب أن يتّسم بها،فعندما يصبح "المراجع مستشاراً للعميل، يمكن للعميل بسهولة أن ينهي خدمات المراجع كاستشاريّ (أو يقلّل استخدامه لخدمات شركة المراجعة الاستشاريّة) ردّاً على تعنّت المراجع"(1)، ويتّضح نفوذ الشّركة حينئذ في تعاملها مع ذلك المراجع الخارجيّ، إذ أنّ "العميل يمكنه أن يرشو (أو يجبر) المراجع في دوره المهنيّ المحوريّ عن طريق رفع (أو خفض) استخدامه للخدمات الاستشاريّة، وبالتّالي تكون الخدمات الاستشاريّة ترمومتر لمدى استجابة المراجع لما ترغبه الإدارة"(2)، فتلك الخدمات الاستشاريّة، التي يقدّمها ذلك المراجع الخارجيّ، قد تحول دون أن يتّسم بالاستقلاليّة، في إجرائه عمليّة التّدقيق الماليّ، "فممّا لا شكّ فيه أنّ قيام المراجع بتقديم هذا النّوع من الخدمات، سوف يؤثّر بطريقة أو بأخرى على درجة استقلاليّته في عمليّة المراجعة، بالشّكل الذي قد يؤدّي إلى تحيّز المراجع تجاه إدارة الشّركة على حساب المستثمرين وأصحاب المصالح الأخرى"(3)، فمن دون أن يحافظ ذلك المراجع الخارجيّ على سمة استقلاليّته، لا يستطيع أن يؤكّد طابع النّزاهة، التي يجب أن يتّصف بها مسعاه في تنفيذ عمليّة المراجعة الخارجيّة.

كان الأفراد والباحثون الذين اطّلعوا على تلك العلاقة التي نشأت بين شركة إنرون للطّاقة، وشركة إندرسون لتدقيق الحسابات، تأكّدوا من أنّه لم تكن تتحقّق في تلك العلاقة شروط الحفاظ على استقلاليّة المراجع الخارجيّ، حيث طعن العديد من الدّارسين في اتّصاف شركة أندرسون بالاستقلاليّة التي يجب أن تتوفّر عند المراجع الخارجيّ، الذي يؤدّي عمليّة تدقيق القوائم الماليّة التي تعدّها الشّركات التّجاريّة، لأنّ تلك الاستقلاليّة تعدّ "شيئاً أساسيّاً في إعداد القوائم الماليّة، نظراً لأنّ المراجع إذا لم يكن مستقلّاً، فسوف يكون التّقرير الذي يعدّه في نهاية عمليّة المراجعة غير موضوعيّ، وبالتّالي قد يؤثّر على ثقة متّخذي القرارات وأصحاب المصالح في صحّة وسلامة القوائم الماليّة التي تنشرها الشّركات"(4)، وتحقيق الحفاظ على تلك الاستقلاليّة، التي يجب أن يتّصف بها المراجع الخارجيّ، لا يقتصر على تحرّره من تأثير النّفوذ الذي تمتلكه تلك الشّركة التي يؤدّي فيها عمليّة المراجعة الخارجيّة، بل إنّه أيضاً، يجب أن يتحرّر من تأثير المنافسة التي قد تنشأ بينه وبين سائر المدقّقين الماليّين، الذين تتاح لهم أيضاً الفرص التي يقدّمون فيها الخدمات الإضافيّة إلى الشّركات، التي يؤدّون فيها عمليّة المراجعة الخارجيّة "لأنّ المراجع وخاصّة في ظلّ ظروف المنافسة، بينه وبين باقي المراجعين القادرين على تقديم هذا النّوع من الخدمات، يكون في وضع يسمح له بتقديم تنازلات إلى الإدارة قد تؤثّر على استقلاليّته، في سبيل قيام إدارة الشّركة بترشيحه للقيام بتقديم هذه الخدمات"(5)، فالمراجع الخارجيّ قد يتعرّض لضغوط تظهر من مصادر متعدّدة، في تنفيذه مهمّة المراجعة الخارجيّة، وإن اختلفت تلك الضّغوط في مقدار شدّتها، إلّا أنّ لها نفوذاً كبيراً في التّأثير في طابع تلك الاستقلاليّة، التي يجب أن يتّسم بها ذلك المراجع الخارجيّ.

إنّ الخدمات الإضافيّة التي يقدّمها المراجع الخارجيّ، قد تجرّده من سمتي الحياد والموضوعيّة، اللتين يجب أن يتّصف بهما في إنجازه مهمّة تلك المراجعة الخارجيّة، لأنّه "قد يؤدّي تقديم المراجعين الخارجيّين لهذا النّوع من الخدمات غير المتعلّقة بالمراجعة، إلى إفساد استقلالهم وقد يتضمّن قيامهم بمراجعة ما يعملونه هم شخصيّاً"(6)، فيصبح ذلك المراجع يراقب نفسه بنفسه، ويدقّق في الإجراءات التي اتّخذها بذاته، فيُطعن آنئذ في صفتي النّزاهة والموضوعيّة اللتين يجب أن يتّصف بهما ذلك المراجع الخارجيّ، وكانت قد عقدت جلسات المحاكمة في مدينة هيوستن في ولاية تكساس الأمريكيّة، للنّظر في تلك التّهم العديدة التي أنحيت على عدد من المدراء في شركة إنرون، بينما كانت "أكثر صرامة في الاقتصاص من الأبطال المزعومين"(7)، وقد قرّرت هيئة المحلّفين التي ضمّت ثمانية رجال وأربع نساء، إدانة كينث لاي، إلاّ أنّ "هذا الرّجل الذي أسّس شركة إنرون، لم يمتدّ به العمر ليعيش لحظة الإعلان لقرار الحكم؛ فقد مات بالجلطة القلبيّة في يوليو العام 2006، أي قبل الإعلان عن قرار الحكم ببضعة أشهر"(8)، فإذا كان الموت حال دون أن يتلقّى لاي قرار الإدانة، فإنّ "القاضي لم ير أيّ إمكانيّة للرّحمة بشريك لاي في عمليّات النّصب والاحتيال، جيفري سكيلينغ"(9)، حيث رأى ذلك القاضي أنّ "تصرّفات سكيلينغ قد "حكمت على مئات، لا بل آلاف من المواطنين، لأن يقضوا حياتهم فقراء معوزين". وهكذا دخل سكيلينغ السّجن ليقضي فيه 24 عاماً"(10)، وكان ذلكالقاضي الذي أصدر الحكم قال أثناء تلاوته قرار الحكم "إنّ جرائم بهذا الحجم تستحقّ عقوبة قاسية"(11)، وقد دعى انهيار شركة إنرون للطّاقة، جموع النّاس إلى النّظر في تلك الأسباب التي أدّت إلى إفلاس تلك الشّركة، التي كان انهيارها ألحق بأشخاص كثيرين خسائر ماليّة كبيرة.

1_ طارق عبد العال حمّاد _ حوكمة الشّركات، المفاهيم _ المبادئ _ التّجارب _ المتطلّبات، شركات قطّاع عامّ وخاصّ ومصارف، الاسكندرية، الطبعة الثّانية، الدّار الجامعيّة، الإسكندريّة 2007، ص100.

2_ المصدر السّابق.

3_ محمّد مصطفى سليمان، حوكمة الشّركات ومعالجة الفساد الماليّ والإداريّ، الدّار الجامعيّة، الإسكندريّة، 2006، ص183.

4_ المصدر السّابق، ص182.

5_ المصدر السّابق، ص183، 184.

6_ محمّد مصطفى سليمان، حوكمة الشّركات ودور أعضاء مجالس الإدارة والمديرين التّنفيذيّين، ، الدّار الجامعيّة، الإسكندريّة، 2008، ص194.

7_  أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص184.

8_المصدر السّابق.

9_المصدر السّابق.

10_المصدر السّابق.

11_  موقع الأعمال والاستثمار الاقتصاديّ على الأنترنت.

 



تعدّدت تلك الأفعال التي كان النّاس يواظبون مستمرّين على أن يأتوها على مدار الأيّام، وكان يعتري العديد من الأشخاص السّأمُ من تلك الأعمال اليوميّة، التي كانوا واصلوا دائبين في أن يؤدّوها باستمرار، فيصفون تلك الأعمال بالرّتابة، إذ ظنّوا أنّها تمضي في مجرى حياتهم على وتيرة واحدة لا تتبدّل، وتعتقد أغلبيّة هؤلاء النّاس أنّ تلك الوقائع والمهامّ اليوميّة، هي مجرّدة من سمة الجدّة، فلا تثير إحساسهم أو تبعث النّشاط في نفوسهم، فكان يعتريهم الفتور في إتيانهم تلك الأفعال، التي يحسبون أنّها تتكرّر على منوال ثابت لا يتغيّر، فلم تكن حدّة النّشاط تأخذهم في مزاولتهم تلك الأفعال التي تصدر منهم، فدأبوا في أن يحتجّوا بغياب طابع الإثارة عن تلك الأعمال اليوميّة التي يزاولونها، ليبرّروا فتور هممهم في تنفيذ تلك المهامّ المتكرّرة، فإن كان شأن العديد من النّاس في معالجتهم تلك الأفعال، التي دأبوا في أن يأتوها على الدّوام، هو مكابدتهم ذلك الملل الذي يعتريهم، فإنّي لم أكن أسايرهم في السّأم من تلك الأفعال اليوميّة، التي كان كلّ منّا يأتيها، لأنّي أعتقد أنّ تلك الأعمال، لا تتّصف بالرّتابة التي يتوهّم أولئك الأفراد، أنّها تسمّ تلك الأفعال بطابعها، وإذا كان النّاس يدرجون عمليّة شراء الخبز، في عداد تلك الأعمال المتكرّرة التي يزاولونها يوميّاً، أو في أوقات متقاربة بين الأيام المتتالية، إلّا أنّي ما زلت أقبل منطلق النّفس، ومنشرح الصّدر، ومبتهج الخاطر، على أن أقصد في مدينة دمشق، سوق الشّعلان حيث يقوم مخبز، ما برحت أشتري منه أرغفة خبز النّخالة السّاخنة، فكنت أدأب في الحرص على الذّهاب إلى ذلك المخبز، الذي كان بدأ بإنتاج خبز النّخالة، منذ أمد بعيد.

ما برحت تشتدّ رغبتي في أن أتوجّه بذاتي إلى ذلك المخبز في سوق الشّعلان، ولم يكن يقع في فكري، أن أكلّف أحد الأشخاص بأن يجلب إليّ أرغفة الخبز من ذلك المخبز، ولم أطلب من أحد أبداً أن يؤدّي عنّي مهمّة شراء تلك السّلعة الغذائيّة، كي لا أفوّت على نفسي، فرصة الذّهاب إلى ذلك المخبز، ولأنّه قد ثبت في نفسي العزم على شراء حوائجيّ الشّخصيّة بنفسي، من دون أن أكلّف أحد الأشخاص، بأن يتولّى شراء تلك السّلع التي أرغب في أن أحصل عليها، فلا أستطيع أن أتخيّل أنّ بوسعي أن أقدم على أن أهدر فرصة الذّهاب إلى ذلك المخبز، وقد ابتدأت قبل حوالي ثلاثين عاماً، بأن أقصد في حيّ الشّعلان ذلك المخبز، الذي يبيع خبز النّخالة، الذي يتمتّع بخصائص غذائيّة رفيعة، وفوائد صحّيّة عديدة، وقد تميّز ذلك المخبز بإنتاجه ذلك الصّنف من الخبز، وسيرة نجاحه في تحقيق ذلك التّميّز، تستحقّ أن تروى، وقد أطبقت شهرة ذلك المخبز الآفاق، حتّى كاد أن يكون في غنى عن كلّ الحملات الدّعائيّة، التي تنوّه بذلك المنتج الغذائيّ الذي يعرضه ذلك المخبز، من دون أن ننكر الأهمّيّة التي تتّسم بها الدّعاية في تحقيق عمليّة ترويج المنتجات المصنّعة كافّة، وقد كان والدي قد أسهب في مدح خبز النّخالة، وقد أخبرني بتلك المنافع الصّحّيّة والفوائد الغذائيّة، التي تعود على من يتناول خبز النّخالة، فكلّما كنت أذهب إلى ذلك المخبز في سوق الشّعلان، أتيقّن بأنّي أطبّق تلك النّصائح التي كان يمحضني إيّاها والدي، الذي أشار عليّ بأن أتناول خبز النّخالة، فكنت أنشط إلى أن أيمّم شطر ذلك المخبز، موفور الهمّة، يغمر نفسي الشّعور بالامتنان لتلك المشورة التي كان يذكرها والدي، فألهج بالثّناء على نصائحه، عرفاناً بطيب معروفه الذي كان يسديه إليّ.

واظبت على شراء خبز النّخالة، منذ بدأ ذلك المخبز في إنتاج ذلك الصّنف من الخبز، فثابرت على أن أذهب شخصيّاً إلى ذلك المخبز طيلة السّنوات الماضية، وربّما أكون متفرّداً بين النّاس الذين أتميّز عنهم، بمواصلتي الشّراء من ذلك المخبز طوال ذلك الزّمن المديد المنصرم، وإن كنت أعتقد أنّه يوجد أشخاص كثيرون يدأبون أيضاً في أن يتناولوا خبز النّخالة، إلّا أنّي لا أعلم إن كانوا بدؤوا مثلي بالشّراء من ذلك المخبز، منذ مستهلّ ذلك الأوان الذي بدئ فيه بإنتاج خبز النّخالة، أو ربّما يكونون أخذوا في الشّراء في وقت تلا ذلك الحين، الذي شُرع فيه بصنع ذلك الصّنف من الخبز الشّهي الطّعم، والكثير النّفع.