يحرص الأفراد الذين يرتبطون في علائق متنوّعة مع الشّركات التّجاريّة، على أن يطّلعوا على القوائم الماليّة، التي تعدّها تلك الشّركات، ويرغب أولئك الأشخاص الذين يقفون على تلك القوائم، في أن تكون المعلومات الماليّة التي تتضمّنها تلك القوائم، دقيقة وصحيحة، حيث كانوا يستندون إلى تلك المعلومات، في اختيارهم الطّرائق التي يعتمدونها في تعاملهم مع تلك الشّركات، التي كانت تراعي تلك الرّغائب، التي تنشأ عند أولئك النّاس الذين يرتبطون بها، فتسعى في أن تؤكّد تمتّع قوائمها الماليّة بالمصداقيّة، وتنحو تلك الشّركات إلى أن تقدّم البراهين التي تثبت دقّة تلك القوائم الماليّة التي تعدّها، فتعمد إلى أن تعيّن شخصاً أو طرفاً مستقلّاً من خارج نطاق هذه الشّركات، ليجري "اختبار العمليّات الأساسيّة التي تشكّل أساس القوائم الماليّة، وتكوين رأي محايد عن مدى عدالة القوائم الماليّة"(1)، وتهدف عمليّة التّدقيق التي يجريها ذلك الشّخص المستقلّ، في تلك القوائم، إلى أن تؤّكد إمكانيّة "الاعتماد على تلك النّظم التي تنتج القوائم الماليّة"(2)،ويطلق على الشّخص أو الطّرف المستقلّ الذي ينجز عمليّة التّدقيق في القوائم الماليّة، التي تعدّها الشّركة التّجاريّة، اسم المراجع الخارجيّ، والمهمّة التي يؤدّيها، تسمّى بعمليّة المراجعة الخارجيّة "External Audit"، التي يتحدّد مفهومها بأنّها "عمليّات استعراض شامل للدّفاتر والسّجلات المحاسبيّة الأخرى لهيئة العمل، بواسطة موظّفين من الخارج لا ينتمون لهذه الهيئة، وذلك للتّحقّق من أنّ السّجّلات دقيقة وشاملة وكاملة"(3)، فإذا كان الأشخاص والأجهزة الذين يرتبطون بتلك الشّركات التّجاريّة، يعوّلون على وجود سمة الدّقّة في القوائم الماليّة الصّادرة عن تلك الشّركات، فإنّ مسعى أشخاص أو أطراف لا ينتمون إلى تلك الشّركات، في تدقيق تلك القوائم الماليّة، يلبّي رغائب الأفراد الذين يتعاملون مع تلك الشّركات التّجاريّة، في أن يولوا ثقتهم المعلومات التي تحتويها القوائم الماليّة، التي يطّلعون عليها.

يسعى المراجع الخارجيّ في تدقيقه القوائم الماليّة الصّادرة عن الشّركة التّجاريّة، في أن يجري "فحصاً ناقداً يسمح بالتّأكّد من أنّ المعلومات التي تنتجها وتنشرها المؤسّسة صحيحة واقعيّة، فالمراجعة تتضمّن كلّ عمليّات الفحص التي يقوم بها مهنيّ كفء خارجيّ ومستقلّ، بهدف الإدلاء برأي فنّيّ محايد عن مدى اعتماديّة وسلامة وشفافيّة القوائم الماليّة السّنويّة، وأساس الميزانيّة وجدول حساب النّتائج"(4)، وقد عُرّفت عمليّة المراجعة أيضاً، إذ اعتبرت أنّها "عمليّة منظّمة ومنهجيّة وتقييم الأدلة والقرائن بشكل موضوعيّ، التي تتعلّق بنتائج الأنشطة والأحداث الاقتصاديّة، وذلك لتحديد مدى التّوافق والتّطابق بين هذه النّتائج والمعايير المقرّرة وتبليغ الأطراف المعنية بنتائج المراجعة"(5)، فعندما تثبت صحّة تلك القوائم الماليّة التي يدقّقها المراجع الخارجيّ، تنجم آنئذ عن عمليّة تلك المراجعة الخارجيّة "تأكيدات خارجيّة وموضوعيّة لمجلس الإدارة والمساهمين، بأنّ القوائم الماليّة تمثّل بصدق المركز الماليّ وأداء الشّركة في كافّة النّواحي الماديّة والهامّة"(6)، فيتوخّى ذلك المراجع الخارجيّ أن يتأكّد من وجود الدّقّة في تلك القوائم الماليّة، ليتاح له أن يعبّر عن قناعته بعدئذ بأنّ تلك الشّركات التي يدقّق في قوائمها "تقدّم قوائم ماليّة سليمة إلى مساهميها، بفرض تقديم انعكاس حقيقيّ وعادل عن أعمالها وأدائها الماليّ، وأنّ نظم الرّقابة الدّاخليّة الضّروريّة موجودة، ويتمّ رصدها بانتظام وبنشاط"(7)،فتهيّئ تلك المراجعة الخارجيّة، لأولئك الأفراد والأطراف الذين يتعاملون مع الشّركات التّجاريّة، أن يقفوا على حقيقة تلك المعلومات التي تتضمّنها القوائم الماليّة التي تعدّها تلك الشّركات.

تتضمّن عمليّة تدقيق القوائم الماليّة، التي يجريها المراجع الخارجيّ، المسعى الذي يحقّقه ذلك المراجع في تأكّده من "أنّ القوائم الماليّة التي تقوم الشّركة بنشرها، تتضمّن جميع المعلومات الماليّة المتاحة لديهم، وأنّ الشّركة لا تقوم بإخفاء أيّ معلومات، وأنّ القوائم الماليّة تمّ إعدادها وفق السّياسات المحاسبيّة المناسبة لطبيعة نشاط الشّركة"(8)، وقد كانت شركة إنرون الأمريكيّة للطّاقة، سعت في أن تبرز تلك المشاريع التي كانت تنفّذها، حيث كان أعضاء في مجلس الإدارة فيها، يدلون بتصريحات، تتضمّن أخباراً عن ذلك النّجاح، الذي كان أولئك المدراء يؤكّدون أن الشّركة حقّقته في نطاق تلك المشاريع، التي كانت تنفّذها، وقد تمكنّت شركة إنرون من أن تجمع أموالاً طائلة من المستثمرين، قبل أن تتدهور أسعار أسهمها، حتّى بلغت مستوى الحضيض، حيث ذكر في الحديث عن أوضاع تلك الشّركة أنّه "تبيّن أنّ قصص النّجاح الباهرة لم تكن سوى زور وبهتان، وأنّ العديد من رجالات الأعمال الذين وثق بهم المواطنون واطمأنوا إلى نواياهم، لم يكونوا في واقع الحال سوى محتالين نصّابين. ولم يتقن أحدٌ من رجال الأعمال هذا النّصب والاحتيال بالنّحو الذي أتقنته الشّركة المقيمة في تكساس، أعني شركة إنرون (Enron)"(9)، وقد اتبّع في سرد غالبيّة العبارات التي تتضمّنها الحديث عن شركة إنرون، أسلوب التّلميح، كي يكون للحديث عن تلك الشّركة، تأثير قوي في نفوس الأفراد الذين يقفون على ذلك الحديث، ثمّ أنهي ذلك الكلام بالإفصاح عن اسم تلك الشّركة، وتحديداً بعد أن عيّن اسم الولاية التي قامت فيها تلك الشّركة، إذ ذكر أنّ اسم الشّركة هو إنرون، وكانت حالة الانهيار التي وقعت فيها تلك الشّركة، قد سببّت بتلاشي ثقة المستثمرين بشّركة إنرون، علاوة على فقدانهم الأموال، التي كانوا استثمروها في المشاريع التي أقامتها تلك الشّركة، التي صدمت أولئك الأفراد المستثمرين، بإعلانها حالة الإفلاس التي وقعت فيها.

أثار انهيار شركة إنرون عند العديد من الأشخاص، تساؤلات عن الطّريقة التي كانت تتبّع، في تنفيذ مهمّة تدقيق العمليّات والقوائم الماليّة داخل تلك الشّركة، حيث ذكر أنّ شركة إنرون كانت "أسندت إلى لجنة المراجعة واجبات سريعة لمراجعة الصّفقات، ولكنّ اللّجنة قامت بالمراجعة فقط بطريقة متعجّلة وسطحيّة Cursoryوقد أخفى عن مجلس الإدارة، معلومات هامّة كان يمكن أن تؤدّي إلى اتّخاذ إجراءات أخرى"(10)، وأنجزت هذه المراجعة المقصودة في ذلك الحديث الذي أوردته آنفاً، لجنة داخل شركة إنرون، وهي اللّجنة التي نفذّت عمليّة مراجعة الصّفقات، بطريقة متسرّعة خاطفة،وقد كانت شركة أرثر أندرسون، نفّذت عمليّة المراجعة الخارجيّة في شركة إنرون، حيث كانت شركة إندرسون "ArthurAndersen" تعتبر واحدة من الشّركات الخمس الكبار "The Big Five" في العالم، في تنفيذ عمليّة المراجعة والتّدقيق، وكانت تضمّ موظّفين يزيد عددهم عن الثّمانين ألفاً، وهي تأسّست في عام 1913، فتولّت شركة إندرسون تنفيذ مهمّة تدقيق العمليّات الماليّة والمحاسبيّة في شركة إنرون، إلّا أنّه بعد أن عرضت ملابسات عمليّة انهيار شركة إنرون في ساحات المحاكم القضائيّة، للنّظر في حقيقة الاتّهامات التي أنحيت على عدد من المدراء في تلك الشّركة، استدعيت شركة أرثر إندرسون للمثول أيضاً أمام المحكمة، للنّظر في الاتّهام الموجّه إليها في تورّطها مع شركة إنرون في تلك القضايا، التي كانت تنظر فيها المحكمة، وفي أثناء تلك المدّة التي تتابعت فيها مجريات تلك المحاكمة القضائيّة، بدأت شركة أندرسون تفقد زبائنها، إلى أن أزف ذلك الحين الذي انهارت فيه تلك الشّركة أيضاً، وتوقّفت نهائياً عن أن تنجز تلك الأعمال التي كانت تأتيها طيلة السّنوات الماضية.

ترتّب على مثول شركة أندرسون أمام المحكمة، إثارة البحث في طبيعة تلك العلاقة التي نشأت بين شركة أندرسون للمراجعة الخارجيّة، وشركة إنرون، وقد توخّي في الإحاطة بحقيقة العلاقة النّاشئة بين هاتين الشّركتين، إنارة تفاصيل تلك القضايا التي كانت، عرضت على المحاكم القضائيّة، فأفضى البحث في تلك العلاقة النّاشئة بين هاتين الشّركتين، إلى الوقوف على تلك المهامّ التي كانت تنفّذها شركة إندرسون، في علاقتها مع شركة إنرون، حيث لم تكن شركة إندرسون تقتصر على تنفيذ عمليّة المراجعة الخارجية، بل إنّها أدّت أيضاً إلى شركة إنرون خدمات إضافيّة، وهي تلك الخدمات التي أطلق عليها مصطلح خدمات غير المراجعة "Non- Audit Services"، فكانت تقدّم شركة إندرسون خدمات استشاريّة إلى شركة إنرون، وإن كان بعض الشّركات يعمد إلى أن يوكل إلى المراجع الخارجيّ، تنفيذ خدمات إضافيّة، فضلاً عن عمليّة تلك المراجعة الخارجيّة التي يؤدّيها، فإنّه كانت تلك الشّركات، تنبّه إلى وجوب مراعاة "مراجعة أتعاب الاستشارات بخلاف المراجعة وتقدير ما إذا القيام بهذه العمليّات يؤثّر على استقلال عمل المراجعة الخارجيّة"(11)، وقد اقتضى تأكيد الحفاظ على استقلال المراجع الخارجيّ، أن ينظر في مقدار المردود الماليّ الذي يعود على المراجع الخارجيّ، من تنفيذه الخدمات الإضافيّة، في الشّركة التي ينجز فيها عمليّة المراجعة الخارجيّة، حيث "يكون ضروريّاً عمل تصنيف لأتعاب العمليّات الأخرى، التي يقوم بها المراجع الخارجيّ بخلاف عمليّة المراجعة نفسها، وجعل لجنة المراجعة توصي بما هو العمل الاستشاريّ الإضافيّ الذي يجب أو لا يجب أن يقوموا به"(12)، فوجب أن يحدّد ذلك المردود الماليّ الذي يلائم تلك الخدمات الإضافيّة، التي يؤدّيها المراجع الخارجيّ، كي لا تتسبّب تلك المبالغ التي يتقاضاها إن كانت زادت عن الحدّ المألوف، بإضعاف إرادته في التّحلّي بسمة الاستقلاليّة، في تعامله مع تلك الشّركة التي يدقّق البيانات الماليّة الصادرة عنها.

إنّ الاستقلاليّة التي يجب أن يتمتّع بها المراجع الخارجيّ، تتيح تحقّق مصداقيّة تلك النّتائج، التي تفضي إليها عمليّة تدقيقه القوائم الماليّة، التي تعرض عليه، وقد كان محلّلون عكفوا على "دراسة حالة شركة Enron الأمريكيّة التي أحدثت هزّة في الاقتصاد الأمريكيّ عام 2002 عندما تمّ اكتشاف تلاعب ماليّ بها"(13)، وقد توصّل أولئك المحلّلون من تلك الدّراسات التي أجروها، إلى أن يبيّنوا "أنّ الشّركة قامت بدفع مبلغ 25 مليون دولار مقابل خدمات المراجعة العاديّة للمراجع الخارجيّ، ومبلغ 27 مليون دولار لنفس المراجع لقيامه بتقديم خدمات غير المراجعة"(14)، وتلك النّتائج التي استخلصت من الدّراسات، التي بحثت فيها تلك الخدمات الإضافيّة التي قدّمتها شركة إندرسون للمراجعة الخارجيّة، أدّت إلى إثارة "الجدل والشّكوك حول تأثير هذا النّوع من الخدمات على استقلاليّة المراجع"(15)، حيث دعي إلى ضرورة "التّأكّد من إنّ قيام المراجع الخارجيّ بها لا يؤثّر على استقلاليّة وفاعليّته في تأدية مهامّه المتعلّقة بالمراجعة العاديّة"(16)، فلم تكن شركة إنرون تراعي تحقّق شروط الحفاظ على استقلاليّة المراجع الخارجيّ، في تعاملها مع شركة إندرسون، وقد اعتبر إخلال شركة إنرون بمراعاة سمة الاستقلاليّة، التي يجب أن يتحلّى بها المراجع الخارجيّ، أحد البواعث على إثارة الشّكوك عند الناس، في حقيقة تلك المهامّ التي كانت تنفّذها شركة أرثر إندرسون، التي كانت تتقاضى من شركة إنرون مبالغ طائلة، تجاوزت مقدار المردود الماليّ الملائم والمخصّص لمهمّة تقديم الاستشارات الماليّة.

1_ طارق عبد العال حمّاد، حوكمة الشّركات، المفاهيم، المبادئ، التّجارب، المتطلّبات، شركات قطّاع عامّ وخاصّ ومصارف، الطبعة الثانية، الدّار الجامعيّة، الإسكندريّة 2007، ص205.

2_ المصدر السّابق.

3_ موقع المحاسبة الماليّة على الأنترنت.

4_ موقع الاستثمار الماليّ على الإنترنت.

5_  المصدر السّابق.

6_ محمّد مصطفى سليمان، حوكمة الشّركات ومعالجة الفساد الماليّ والإداريّ، الدّار الجامعيّة، الإسكندريّة، 2006، ص388.

7_  طارق عبد العال حمّاد، ص38.

8_ محمّد مصطفى سليمان، ص159.

9_أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص175.

10_ طارق عبد العال حمّاد، ص171.

11_ المصدر السّابق، ص174.

12_ المصدر السّابق.

13_ محمّد مصطفى سليمان، ص184.

14_ المصدر السّابق، ص184، 185.

15_ المصدر السّابق، ص185.

 

16_ المصدر السّابق.



يحفز التّنافس الحاصل بين الرّياضيّين المتبارين، أفرادَ الجمهور إلى متابعة تلك المباريات الرّياضيّة التي تجري في ساحات الملاعب، حيث كانت تلك المنافسة الواقعة بين أولئك اللّاعبين في ميادين الرّياضة، تشدّ في كثير من الأحايين العديد من النّاس، إلى الملاعب، وتجذبهم إلى تلك المضامير التي يحمى فيها وطيس التّنافس، فكأنّما غالبيّة أفراد ذلك الجمهور، تصبح واقعة في حبائل تلك الفرجة على ذلك التّنافس الرّياضيّ، وكان الأفراد الذين يديرون الاّتحادات الرّياضيّة الدّوليّة، يدركون ذلك الدّافع الذي يحثّ أكثريّة الجمهور على الإقبال إلى ملاعب الرّياضة، وهو تحديداً ذلك التّباري المثير لنفوس أفراد الجمهور، فتحرص تلك الاتّحادات الرّياضيّة على أن تحول دون أن يقع ذلك الجمهور في الملل، وتسعى في أن تجنّبه الشّعور بالسّأم من التّفرّج على تلك المباريات، التي دأبت في أن تقيمها تلك الاتّحادات الرّياضيّة، وأمّا إذا فقدت المباريات طابع تلك الإثارة، التي تبعث الحماس في نفوس أفراد الجمهور، فإنّه قد ينفر أولئك الأشخاص حينئذ من متابعة المباريات، ويصدفون عن ارتياد الملاعب، وتفتر هممهم في متابعة تلك المباريات الرّياضيّة، وهذه الحالة التي قد يقع فيها الجمهور، تكون النّتيجة السّوأى، التي تحقّقها تلك الاتّحادات الرّياضيّة في تنظيمها المباريات بين اللّاعبين المتبارين، وقد وصف أفراد الجمهور بأنّهم لاعب تشمله عمليّة تعداد اللّاعبين المتبارين في الملعب، فيقال على سبيل المثال، أنّه اللّاعب الثّاني عشر في الحديث عن الفرق الرّياضيّة المتبارية في لعبة كرة القدم، ويذكر أنّه اللّاعب السّادس في فريق كرة السّلّة.

تضع الاتّحادات الرّياضيّة جميعها، دائماً في اعتبارها ذلك الجمهور، الذي تعتبره الحافز الأقوى الذي يدفعها إلى تطوير قوانين الألعاب الرّياضيّة، فتسعى دائماً إلى أن تصيغ في تنظيمها التّباري الرّياضيّ، القواعد المستحدثة، التي تحثّ بها اللّاعبين المتنافسين على أن يتحلّوا بالحماس والحيويّة، في أدائهم المباريات الرّياضيّة، كي يبعثوا في نفوس أفراد الجمهور التّشويق لمتابعة تلك المنافسات الجارية في الملاعب، فيذهب الأشخاص القيّمون على تلك الاتّحادات الرّياضيّة، إلى أن يعتقدوا أنّه لا غنى عن حضور الجمهور وقائع ذلك التّنافس الرّياضيّ، كي ترتفع تلك السّويّة، التي تبلغها تأدية الرّياضيّين ذلك التّنافس الذي يجري بينهم، حتّى كاد أن يعتبر قدوم الجمهور إلى الملاعب للتّفرّج على المباريات، هو الهدف الأبرز بين الغايات، التي تسعى إلى أن تدركها تلك الاتّحادات الرّياضيّة، في إقامتها ذلك النّشاط الرّياضيّ، وبات يصحّ الاعتقاد أنّ مباراة تقام من دون أن يحضرها أفراد الجمهور، تكون حينئذ كشأن المسرحيّة التي تجري من دون أن يحضرها جمهور يتابع الوقائع الدّراميّة، التي تعرض على خشبة المسرح، وتضع تلك الاتّحادات الرّياضيّة أيضاً في حسبانها، تلك الأرباح المادّيّة، التي تعود عليها من اندفاع الجمهور في متابعة المباريات الرّياضيّة، فتتشعّب تلك المكاسب المادّيّة، التي تحصل عليها تلك الاتّحادات الرّياضيّة، فلا تقتصر على المردود الماليّ الذي يرجع عليها، من عمليّة بيع بطاقات حضور المباريات، إذ تدرّ عليها عمليّة تسويق حقوق الإعلان والدّعاية في الملاعب، أرباحاً ماليّة طائلة، فلا يعجز الإنسان عن أن يتخيّل مقدار الخسارة التي تمنى بها تلك الاتّحادات الرّياضيّة، إن غاب الجمهور عن الملاعب.

ما برحت الاتّحادات الرّياضيّة الدّوليّة، تفصح عن سعيها في أن تحقّق التّكافؤ في التّنافس بين الرّياضيّين المتبارين في ملاعب الرّياضة، ومن يتأمّل في تلك البطولات الرّياضيّة التي تجري بين اللّاعبين، قد يخطر في ذهنه سؤال مشروع وجيه، إذ يتساءل في قرارة نفسه، هل يتّفق أن يحدث تعارض بين مسعى تلك الاتّحادات الرّياضيّة، في تحقيق ذلك التّكافؤ بين اللّاعبين الرّياضيّين، ودأبها في أن تشدّ الجمهور إلى متابعة المباريات الرّياضيّة، حيث أصبح إقبال الجمهور على تلك المنافسات الرّياضيّة، يمهّد السّبيل إلى تحقيق قدر كبير من الأهداف التي تتطلّع إليها تلك الاتّحادات في إقامتها البطولات الرّياضيّة العديدة، وأفراد الجمهور الذين يحضرون المباريات الرّياضيّة في البطولات العالميّة، يدركون أنّه قد يتحقّق ذلك التّعارض الذي تحدّثت عنه آنفاً، ولا يخفى على من يتابع تلك البطولات الرّياضيّة، اندفاع أفراد جمهور الدّولة المضيفة التي تقام فيها إحدى البطولات الرّياضيّة العالميّة، في تحمّسه إلى أن يشجّع الرّياضيّين الذين ينتمون إلى تلك الدّولة المضيفة، فيتطلّع ذلك الجمهور إلى أن يستمرّ أولئك المتبارون وهم أبناء وطنهم، على اللّعب في هذه البطولة، وأن يصلوا إلى الأدوار النّهائيّة، من دون أن يمنوا بخسارة، تسدّ عليهم السّبيل إلى البقاء في منافسات هذه البطولة، التي يستضيفها البلد الذي ينضوي إليه ذلك الجمهور، الذي لا ريب في أنّ عزائم أفراده على متابعة مباريات البطولة، ستهن إن خرج اللّاعبون الذين يشجّعهم ذلك الجمهور، من منافسات هذه البطولة، في المراحل الأولى من تلك البطولة الرّياضيّة، فيسبّب عزوف الجمهور حينئذ عن حضور المنافسات المتبقّية في تلك البطولة، بإلحاق الخسائر الكبيرة بالاتّحاد الرّياضيّ الدّوليّ، الذي كان قرّر إقامة تلك البطولة العالميّة، وقد تلحق تلك الخسائر أيضاً المؤسّسات التي تصدّت لتنظيم تلك المباريات، في ذلك البلد الذي استضاف تلك البطولة الرّياضيّة، وحالة ذلك الجمهور، تعمّ البلدان كافّة، حتّى أنّها باتت تندرج في عداد طبائع الأمور، التي لا ينكر النّاس نشوءها.

كانت تجري في تلك البطولات الرّياضيّة العالميّة، منافسات تجمع بين لاعبين رياضيّين يقدمون من بلدان عديدة، بالإضافة إلى أولئك الرّياضيّين الذين ينتمون إلى تلك الدّول التي تستضيف تلك البطولات العالميّة، وكان أولئك الرّياضيّون الذين يأتون إلى تلك الدّول المضيفة، يعمدون في بعض الأحايين إلى أن يدقّقوا النّظر في ذلك المسلك الذي يتّبعه الاتّحاد الدّوليّ، في التّصرّف مع الرّياضيّين الذين ينتمون إلى تلك الدّول، التي أوكل عليها احتضان مباريات البطولة، ويشارك العديد من أفراد الجمهور أيضاً في دول شتّى، أولئك الرّياضيّين، في تدقيق النّظر في التّصرّفات، التي تبدر من ذلك الاتّحاد الدّوليّ، في التّعامل مع رياضيّي الدّولة التي تستضيف البطولة الرّياضيّة العالميّة، وقد كانت صدرت غير مرّة من الرّياضيّين المشاركين في البطولات العالميّة، شكايتهم من مجاملة الحكّام في تلك البطولات الرّياضيّة، الرياضيّين الذين ينتمون إلى الدّولة المضيفة، وقد يذهب بعض أولئك الرّياضيّين المتشكّين، إلى أن يفصح عن اعتقاده بانحياز هؤلاء الحكّام إلى فرق ولاعبي تلك الدّولة التي تستضيف تلك المنافسات الدّوليّة، ومن دون أن نبحث في المدى الذي تدركه تلك الشّكاوى، من الدّقّة والصّحّة، في تلك الحالات التي أعرب فيها هؤلاء الرّياضيّون عن تلك الشّكاوى، فإنّه يفترض في تلك الحالات التي تنظّم الاتّحادات الدّوليّة البطولات الرّياضيّة العالميّة، ألّا تحابي أو تجامل تلك الاتّحادات الدّوليّة، رياضيّي الدّول المضيفة، فتنحاز إلى الرّياضيّين الذين ينتمون إلى تلك الدّول، وأتابع كلامي في سياق ذلك الحديث عن القواعد التي يجب أن تراعى، في تنظيم البطولات الرّياضيّة العالميّة، فأذكر إن كان يحقّ لتلك الاتّحادات الرّياضيّة أن تسعى في أن تحصل على الرّبح الماليّ، التي يعود عليها، من تلك البطولات الرّياضيّة التي تقيمها، فإنّ تلك المكاسب الماليّة التي تضعها نصب عينيها، يجب ألّا تحجب عن أنظارها تلك المبادئ الرّياضيّة، التي تهدف إلى أن تؤكّدها، في إقامتها تلك البطولات الرّياضيّة العالميّة.

إن رغبنا أن نقيس تصرّف الاتّحادات الرّياضيّة الدّوليّة في البطولات الرّياضيّة العالميّة، بالمعايير التي تحدّد الرّبح والخسارة الماليّين، بغضّ النّظر عن مراعاة مسائل القيم والأهداف الرّياضيّة، التي يتوجّب أن تلحظها دائماً، فإنّ تلك الاتّحادات الرّياضيّة، إذا رفضت أن تنحاز إلى رياضيّي البلد المضيف، فلأنّها إن كان يتاح لها أن تنال تلك المكاسب الآنيّة، التي قد تحصل عليها في الأمد القريب، إن هي جاملت وانحازت إلى ذلك البلد الذي يستضيف البطولة الرّياضيّة، فإنّ ذلك التّصرّف الذي يبدر منها في تلك البطولة آنئذ، سيتسبّب بإلحاق خسائر جمّة بها في الأمد البعيد، حيث يفوق مقدار تلك الخسائر الماليّة، ذلك الرّبح الذي تكون حصلت عليه، في تلك البطولة، التي انحازت فيها إلى الدّولة المضيفة، حيث سيدفع ذلك الانحياز إن تحقّق، الجمهورَ إلى أن يقرّر العزوف عن حضور المباريات الرّياضيّة في البطولات العالميّة، فيحقّ لتلك الاتّحادات الرّياضيّة أن تحصل على المنافع الماليّة، التي تجنيها من تلك البطولات العالميّة التي تقيمها، شريطة أن تتّبع الطّرائق المشروعة في سعيها إلى أن تنال ذلك المردود الماليّ، من دون أن تكون لتلك المنافع الماليّة الأولويّة بين الأهداف، التي تسعى تلك الاتّحادات الرّياضيّة الدّوليّة في أن تحقّقها في تلك المنافسات العالميّة التي تنظّمها.

إنّ تلك الحالات، التي تصدر فيها تلك الشّكاوى من اللّاعبين الرّياضيّين المشاركين في البطولات العالميّة، غالباً ما تنشأ عندما يتسبّب الحكّام، بنزول الخسارة بأولئك الرّياضيّين الذين ينافسون رياضيي الدّول المضيفة، في تلك المباريات التي تجمعهم معاً، فيمضّ نفوس أولئك الخاسرين ذلك الجور والظّلم اللذان يصيبانهم، فتنشأ حينئذ تلك الحالة التي يتشكّى فيها الرّياضيّون من قرارات الحكام الجائرة، بعد أن يكونوا قد انحازوا إلى أولئك الرّياضيّين الذي ينتمون إلى الدّولة المضيفة، وإن كان يجب أن يدقّق في تلك الشّكاوى التي يقدّمها أولئك الرّياضيّون الخاسرون، حتّى إن كانت قرارات الحكّام تثير النّقاش بين الجمهور، في تحديد طبيعتها، فقد يعمد الرّياضيّون الخاسرون، إلى أن يتّخذوا انحياز الحكّام المزعوم، تعلّة يحتجّون بها في الطّعن في تلك النّتيجة التي انتهت إليها المباراة التي أدّوها، بينما ربّما تكون هي النّتيجة العادلة، التي يجب أن تنتهي إليها تلك المنافسة الرّياضيّة التي خاضوها.

لا يخفى على أحد المغزى في سعي أولئك الرّياضيّين الخاسرين، في الاحتجاج بقرارات الحكّام، لأنّهم يظنّون أنّ هذا الدّليل الذي يبرزونه، لا يطاله الشّكّ أو الطّعن في وجاهته، نظراً لتهيّؤ النّاس المسبق للاقتناع بفكرة انحياز الحكّام إلى رياضيّي الدّول المضيفة، فأيقن أولئك الرياضيّون بأنّ تلك الحجّة التي يدلون بها، تفي بتبرير خسارتهم في المباراة التي خاضوها، فلولا وجود حالة ذلك الجمهور الذي يرتاب من حياد الحكّام في تعاملهم مع رياضيّي الدّول المضيفة، لما استطاع أولئك اللّاعبون الخاسرون أن يثيروا في نفوس أفراد الجمهور، بواعث الشّكّ في القرارات التي يصدرها الحكّام، الذين يدّعي الرّياضيّون الخاسرون بانحيازهم إلى رياضّيي الدّول المضيفة، وإذا ثبتت صحّة ذلك الادّعاء، الذي يصرّح به أولئك الرّياضيّون الذين يتشكّون من قرارات الحكّام، فإنّه ليس بالضّرورة أن يكون الاتّحاد الرّياضيّ الدّوليّ، ضليعاً بتلك الحالة التي نشأ فيها انحياز الحكّام إلى رياضيّي الدّولة المضيفة، وربّما لا يكون ذلك الاتّحاد الدّوليّ متواطئاً مع الحكّام في محاباتهم رياضيّي الدّولة المضيفة، وإن كانت الشّكوك غالباً ما تثار في نفوس الجمهور، في طبيعة تلك الإجراءات التي ينظّم بها الاتّحاد الرّياضيّ تلك البطولة الدّوليّة، فيستند ذلك الجمهور إلى قاعدة البحث عن المستفيد في تلك الحالة، التي ارتكبت فيها عمليّة انحياز هؤلاء الحكّام.

 

ما برحت الاتّحادات الدّوليّة الرّياضيّة، تفصح عن رغائبها في تنظيم بطولات الألعاب الرّياضيّة، من دون أن تستغلّ النّفوذ الذي تتمتّع به، في تحديد المجرى الذي تمضي عليه مباريات تلك البطولة، وقد استعرضت تلك الحالة التي يظنّ حدوث التّواطؤ فيها بين الحكّام ورياضيّي الدولة المضيفة، لأنّه قد يرد في خواطر النّاس احتمال نشوء حالة ذلك التّواطؤ، حتّى قبل أن تبدأ مباريات البطولة، نظراً لصدور الشّكاوى عند الرّياضيّين من قرارات أولئك الحكّام في بعض الأحيان، وقد ذكرت آنفاً أنّه يجب ألّا نذهب إلى الأخذ بكلّ تلك الشّكاوى، التي تقدّم ضدّ أولئك الحكّام، والاتّحادات الرّياضيّة الدّوليّة، التي يدّعى بأنّها تميل إلى رياضيّي الدّولة المضيفة، ويستخلص من تلك الحالة التي استعرضتها مغازي عديدة، تكاد تكون في صدارتها، مسألة تأثير حضور الجمهور في تنظيم وإدارة منافسات البطولة الرّياضيّة، وبخاصّة إذا كان يقاس ذلك الحضور بكمّيّة المردود الماليّ، الذي يعود من متابعة الجمهور مباريات البطولة، فيصبح الجمهور في حالة وقوع الانحياز إلى رياضيّي الدّولة المضيفة، هو اللّاعب رقم واحد في الملعب، وميل الحكّام إلى أولئك الرياضيّين إن كان حدث في بعض الأحيان، فليس هو الحالة الوحيدة، التي يجري فيها التّعارض بين المسعى في تحقيق التّكافؤ والعدالة بين اللّاعبين المتنافسين، ودأب تلك الاتّحادات الرّياضيّة في الحصول على المنافع، التي تعود عليها من تلك البطولات الرّياضيّة التي تقيمها، وإذا اتّفق أن وجدت الاتّحادات الدوليّة الرّياضيّة نفسها في تلك الحالة، التي يقع فيها ذلك التّعارض الذي تحدّثت عنه سابقاً، فيكون الأفراد الذين يديرون شؤون تلك الاتّحادات الرّياضيّة، قد خاضوا آنئذ امتحاناً دقيقاً، ولا ريب في أنهم يستطيعون أن يحدّدوا بملء إراداتهم، نتيجة ذلك الامتحان، الذي تتّضح فيه حقيقة تلك الإجراءات التي ينفّذها ذلك الاتّحاد الرّياضيّ الدّوليّ، في تنظيم وإدارة البطولات الرّياضيّة العالميّة.