تطلّع العديد من الأرشيفيّين في دول العالم، إلى أن يزيدوا خبراتهم في إعداد وتنظيم الموادّ الأرشيفيّة، خصوصاً بعد أن تنوّعت تلك المهامّ التي دأبوا في أن يحقّقوها، في مزاولتهم نشاطهم الأرشيفيّ، الذي كانوا يعكفون فيه، على سبيل المثال لا الحصر، على إعداد وتنظيم وصيانة الموادّ الأرشيفيّة، وقد عمد المجلس الدّوليّ للأرشيف، إلى أن يقيم كلّ أربع سنوات مؤتمراً واحداً، كان يدعو إلى أن يشارك فيه، الجمعيّات المهنيّة المتنوّعة، والأرشيفيّين الذين يهتمّون بالبحث في شؤون الأرشيف، حيث يتاح لأولئك الأرشيفيّين المشاركين في ذلك اللّقاء الذي يجمعهم معاً، أن يطلع بعضهم بعضاً على الخبرات التي حصّلوها في ميدان العمل الأرشيفيّ الذي يؤدّونه، وكان كلّ من أولئك الأرشيفيّين، يسعى في أن يطوّر تلك الطّرائق التي كان ينتهجها في ممارسته عمله، بعد أن تيسّر له الوقوف على تلك الأعمال التي أدّاها سائر الأرشيفيّين في العالم.

كان الأفراد الذين زاولوا أعمالهم في ميدان الأرشفة، يعمدون إلى الإفصاح عن نظرتهم إلى الأرشيف، فيستندون إلى تلك التّجربة التي خاضوها في ممارسة عملهم الأرشيفيّ، في حديثهم عن شؤون ذلك النّشاط الذي كانوا يمارسونه، وقد حدّد أحد الكتّاب في مصر، رأيه في الأرشيف، الذي اعتبر أنّه "لا يعني مجرّد الاحتفاظ بأوراق قديمة، بل هو يعني ذاكرة أيّ شعب المتّصلة، والتي تنمو كنمو الأشجار المعمّرة، طبقة فوق طبقة. والأرشيف هو التّاريخ الحيّ لأيّ شعب، وهو المرجع الذي نحتفظ فيه ونرجع إليه لمعرفة الرّوح والسّمات القوميّة للشّعب. على هذا القدر هي حقيقة الأرشيف"(1)، وقد كان ذلك الكاتب الذي أوردت آنفاً الرّأي الذي أفصح عنه، تولّى إدارة مقرّ تحفظ فيه وثائق الأرشيف في مصر، فكان حديثه عن الأرشيف، هو كلام العارف بالمآل الذي انتهت إليه أوضاع ذلك الأرشيف، وحديث الدّاري بأحوال الموادّ الأرشيفيّة التي كان يطّلع عليها، وقد حدّد ذلك الطّابع الذي اتّسم به حديثه عن شؤون الطّريقة، التي تعالج فيها مسائل ذلك الأرشيف، إذ قال: "إنّني هنا أتحدّث حديث الشّاهد الذي عانى ويعاني من هذا القصور الخطير"(2)، فكان ذلك الكاتب قد خبر المشاكل التي تظهر في ميدان الأرشيف، حيث أدرك المصاعب التي تعرقل تنفيذ عمليّة الأرشفة.

ذكرت تلك العبارات التي كان قالها ذلك الكاتب في حديثه عن الأرشيف، لأنّ الشّعرة التي قصمت ظهر البعير في أوضاع ذلك الأرشيف، الذي أتيح له أن يقف عليه، كانت ذلك المشهد الذي تابعه في أحد مؤتمرات الأرشيف الدّوليّة، الذي كان شارك فيه، وذلك المؤتمر جرى في عام 2000، قبل ستة عشر عاماً، من هذا الأوان الحاليّ، وقد تحدّث عن ذلك المؤتمر قائلاً: "لقد طفح بي الكيل في أشبيلية، "أندلس" العرب الغاربة، وأسبانيا المشرقة، في الشّهر الماضي عندما حضرت المؤتمر الرّابع عشر للمجلس الدّوليّ للأرشيف. ذهلت من حضور ما يقرب من 2500 مشارك، ليس بينهم سوى ما لا يزيد على عشرين عربيّاً!!"(3)، وبعد أن حدّد ذلك الكاتب عدد الأرشيفيّين الذين شاركوا في هذا المؤتمر، تحدّث عن صفة تلك المشاركة، التي اتّسم بها حضور أولئك الأرشيفيّين ذلك المؤتمر، فذكر أنّه "كان كلّ العرب في المؤتمر ممثّلين لأرشيفات دولهم القوميّة، بينما كان غير العرب ممثّلين لأرشيفات قوميّة ومحلّيّة، وخاصّة وأهليّة وجامعات ونوعيّة. بل وجاء حتّى هواة الأرشيف على نفقتهم الخاصّة ليستفيدوا"(4)، وتلك الملاحظات التي أوردها ذلك الكاتب عن الأحداث التي اطّلع عليها، تفصح عن الخصائص التي تتّسم بها عمليّة الأرشفة، التي لا تنحصر في نطاق المؤسّسات والجمعيّات المهنيّة، مهما كان الحجم الذي تبلغه تلك الأجهزة الأرشيفيّة، لأنّه يتاح للأفراد أيضاً أن يمارسوا عمليّة الأرشفة، في مجرى حياتهم التي يعيشونها.

عمد العديد من أولئك الأشخاص الذين مارسوا هواية الأرشفة، حسبما ذكر ذلك الكاتب، إلى أن يشاركوا في ذلك المؤتمر، الذي أقيم في إسبانيا، بصفتهم الشّخصيّة، حتّى إن لم يكونوا منضوين إلى تلك الجمعيّات المهنيّة والمؤسّسات، التي كانت تؤدّى فيها مهامّ الأرشفة المتنوّعة، فقصدوا ذلك المؤتمر ليحصّلوا تلك المنافع العديدة، التي يتيسّر لهم أن يحوزوها في تلك اللّقاءات، التي كانت يجتمع فيها الأرشيفيّون الذين قدموا من دول شتّى في العالم، وإذا كان ذلك الكاتب قد لحظ غياب الأفراد العرب، الذين لا ينضوون إلى الجمعيّات المهنيّة الأرشيفيّة، عن ذلك المؤتمر الذي حضره، فإنّ ذلك الغياب يؤكّد ضرورة نشوء الوعي عند النّاس بأهمّيّة عمليّة الأرشفة، التي يحفظون بها تلك الخبرات والتّجارب، التي يستندون إليها في الأنشطة المتنوّعة التي يزاولونها.

1_ موقع الكتب والوثائق التاريخيّة في الأنترنت، ونشر حديث الكاتب في ذلك الموقع في عام 2000.

2_ المصدر السّابق.

3_ المصدر السّابق.

4_ المصدر السّابق.



يقبل النّاس على شراء البضائع المتنوّعة، التي يلبّون بها حوائجهم العديدة، التي كانت تختلف فيما بينها، بعدد تلك الفترات الزّمنيّة التي تعاود فيها تلك الحوائج أولئك النّاس، في مجرى الحياة التي يعيشونها، وقد يتنوّع مقدار قوّة إلحاح الحاجة الواحدة على النّاس، خلال تلك الأوقات المتعدّدة التي كانت تنشأ فيها عندهم، فكان يمرّ أحياناً زمن طويل على الأشخاص، حتّى يستأنفون شراء سلعة معيّنة، وكان طول تلك المدّة التي تفصل بين تلك الأوقات التي كانوا يبتاعون فيها تلك السّلعة، يتحدّد بحسب المقدار الذي يستهلكونه من تلك السّلعة التي كانوا قد اشتروها، وإذا نظرنا في أصناف السّلع التي يداوم أغلب النّاس على أن يبتاعوها بانتظام، ويستمرّون على سعيهم في أن يحصلوا عليها، في أزمان متتالية متقاربة، فإنّنا نجد أولئك النّاس يحرصون على شراء مادّة غذائيّة على مدار السّنة، دون أن يفتروا عن محاولتهم في أن يبتاعوها، إذ تنشأ عندهم حاجة ملّحة إلى شراء تلك السّلعة الغذائيّة، وذلك الصّنف الغذائيّ الذي كانوا يواظبون على أن يشتروه، هو مادّة الخبز، الذي يكاد لا يزاحمه صنف آخر من السّلع طرّاً، في تبوّئ مرتبة الصّدارة بين تلك البضائع التي يرغب دائماً في الحصول عليها أولئك النّاس، الذين يتعذّر عليهم أن يستغنوا عن الخبز، الذي كانوا اعتادوا أن يتناولوه مع إدام الطّعام.

تعدّدت الدّلائل على استمرار النّاس على طلبهم تلك المادّة الغذائيّة وهي الخبز، فإذا وضعنا جانباً الإحصاءات الرّقميّة، التي يحسم بها الجدل والنّقاش، عند البحث في مسألة ديمومة الطّلب على تلك المادّة الغذائيّة، فإنّه حسبنا أن نورد تلك العبارة الذّائعة بين النّاس، وهي تؤكّد استمرار الأشخاص على ابتياع وتناول الخبز، فعند الحديث عن الأشياء التي تبرز أهميّتها المستمرّة في حياة النّاس، حيث كانوا يواصلون سعيهم في أن يحصلوا عليها، فإنّه يقال آنئذ أنّ تلك الأشياء هي مثل الخبز اليوميّ، حيث كان هؤلاء النّاس يواظبون على سعيهم في إدراك وملازمة تلك الأشياء، فتستخدم تلك العبارة للدلالة على العادة المستمرّة والحالة المتكرّرة، فأصبح الأشخاص يذكرون تلك العبارة، ويستخدمونها ليتمثّلوا بها، من دون أن يعنوا تحديداً المعاني التي تتضّمنها كلمات تلك العبارة، التي كانت تستخدم من غير أن تنحصر في نطاق الحالة التي تصفها أساساً تلك الكلمات التي تحتويها، حيث تورد تلك العبارة في وصف حالات أخرى تتوافق مع المعنى، الذي تتضمّنه تلك العبارة، من دون أن تتغيّر فيها الكلمات التي تحتويها، عندما تذكر في وصف تلك الحالات الأخرى.

 

أصبحت مادّة الخبز تعرض في أسواق مدينة دمشق في محلّات البقالة، والحوانيت التّجاريّة الواسعة، التي كانت تحتوي على أصناف شتّى من الموادّ الغذائيّة، وعلى الرّغم من توفّر الخبز في تلك الدّكاكين التّجاريّة، إلّا أنّه ما زال العديد من النّاس يؤثرون أن يقصدوا الأفران التي يبتاعون فيها أصناف الخبز المتنوّعة، وإذا ذكرنا نتيجة تلك المفاضلة التي يجريها أولئك النّاس، الذين يترجّح عندهم الرّأي في اعتماد الذّهاب شطر تلك الأفران، فإنّنا نظرنا أيضاً في الدّوافع العديدة، التي لها نفوذ مؤثّر في حفز الأشخاص إلى اتّباع طرائق محدّدة، في شراء حوائجهم الاستهلاكيّة، وقد كان إقبال النّاس يزداد على شراء خبز الصّاج، وخبز المنقوش، فأصبحت الأفران في أسواق متعدّدة في مدينة دمشق، تعرض خبز المشروح، على أولئك الزّبائن الذين كانوا يقصدونها، وكان الوقت الذي بدئ فيه إنتاج تلك الأنواع من الخبز، موغل في القدم في تاريخ البلدان العربيّة، فاستحقّ خبز الصّاج، وخبز التّنور أن يدرجا في عداد أصناف الطّعام التّراثيّ، حيث بدأ النّاس في إنتاج تلك الأنماط من الخبز منذ زمن غابر بعيد.