إنّ النّشاط الواسع الذي تنجزه الشّركات التّجاريّة، أتاح لأفراد وهيئات عديدين، لأن يرتبطوا بتلك الشّركات، في علاقات متنوّعة، وكانت تنشأ عند أولئك الأفراد والهيئات، تلك الرّغائب في أن يدركوا أهدافهم التي تطلّعوا إليها في تلك العلائق، التي أنشؤوها مع تلك الشّركات التّجاريّة، فإن نظرنا على سبيل المثال إلى أولئك المساهمين، الذين يستثمرون أموالهم في شركة تجاريّة، فإنّ أولئك الأفراد، يرغبون في أن تعود عليهم تلك المنافع التي يستخلصونها من الأعمال، التي تنجزها تلك الشّركة التي يرتبطون بها، حيث يسعى كلّ منهم في أن يظفر بمنافعه الخاصّة، ومكاسبه الشّخصيّة، التي يتاح له أن يحصل عليها، من ذلك النّشاط الاستثماريّ الذي تقيمه تلك الشّركة التّجاريّة، التي يجب أن يراعى فيها مسألة إتاحة الفرص المتكافئة لأولئك الأشخاص، في تحقيق رغائبهم المتنوّعة ومآربهم المختلفة، وتنشأ أيضاً بين أولئك الأفراد والهيئات، الذين يرتبطون بتلك الشّركة التّجاريّة، مجموعة من العلاقات فيما بينهم، حيث تتحدّد تلك الرّوابط التي تجمع بين هؤلاء الأفراد، بحسب الموقع الذي يشغله كلّ منهم في ذلك النّشاط الاستثماريّ القائم في تلك الشّركة، فقد يشغل بعض الأفراد، مناصب الموظّفين العاملين في أقسام الشّركة المتنوّعة، وقد يحلّ جزء محدّد من سائر هؤلاء الأفراد، بمواقع المستثمرين الذين يساهمون بأموالهم في تلك المشاريع، التي تنشئها تلك الشّركة التّجاريّة.

يرتكز النّشاط الاستثماريّ في الشّركات التّجاريّة على الأسس الوطيدة العديدة، التي يندرج في عدادها، تحقيق الرّغائب النّاشئة عند أولئك الأفراد والأطراف المرتبطين بتلك الشّركات، ونظراً لاختلاف تلك المواقع التي يشغلها كلّ منهم، في العلائق التي تربطهم بتلك الشّركة، فإنّه يقتضي أن يحدث بينهم تكافؤ في تلك الفرص، التي يحقّقون فيها رغائبهم المتنوّعة، في المشاريع الاستثماريّة التي تقيمها تلك الشّركة، بيد أنّه قد يسعى أحد الأشخاص العاملين في تلك الشّركة التّجاريّة، إلى أن ينتهك تلك القواعد، التي تنظّم ذلك التّكافؤ الحاصل بين الأطراف المتنوّعة المرتبطة بتلك الشّركة، حيث يدأب ذلك الموظّف في أن يحقّق مآربه الشّخصيّة، ضارباً عرض الحائط، بتلك القواعد التي تنصّ على وجوب مراعاة تلك الرّغائب التي يتطلّع إليها سائر الأشخاص، في تحقيقهم مكاسبهم ومنافعهم الشّخصيّة، وتلك الحالة التي يحصل فيها التّعارض بين مآرب أولئك الأفراد والأطراف المرتبطين بتلك الشّركة التّجاريّة، تسمّى بتعارض المصالح، وهي الحالة التي ذُكر أنّها يفتقد فيها الموظّف الموضوعيّة في إنجازه مهامّه، وتغيب عنه النّزاهة في مزاولة مهنته، فيخضع مرتهناً لتحقيق مصلحة شخصيّة سواء أكانت مادّيّة أو معنويّة تهمّه هو شخصيّاً، أو تهمّ أصدقاءه، وقد وضعت التّوصيات التي تدعى فيها الشّركات التّجاريّة، إلى أن تضع القواعد التي تنظّم الأنشطة الجارية فيها، وتحول دون أن ينشأ ذلك التّعارض في المصالح بين الأفراد والهيئات، الذين يرتبطون بتلك الشّركة، حيث يجب أن يفرض أيضاً على العاملين في تلك الشّركة، ألّا يستغلّوا المنصب الذي يشغلونه ضمن الشّركة، لتحقيق منافعهم الشّخصيّة، ولا يعمدوا إلى أن يجلبوا إلى أنفسهم، مكاسب مادّيّة أو معنويّة، لا يحقّ لهم أساساً أن يحصلوا عليها.

إنّ أولئك الموظّفين في الشّركات التّجاريّة، إذا ما سعوا في أن يستغلّوا تلك الإمكانيّات، التي يوفّرها لهم ذلك الموقع الذي يشغلونه في إدارة شؤون الشّركة التّجاريّة التي يعملون فيها، فيسعون في تحقيق مصالحهم الشّخصيّة، التي تتعارض مع مصالح الأفراد والأطراف الآخرين الذين يرتبطون بتلك الشّركة، لا ريب في أنّ سمة النّزاهة تنتفي عنهم آنئذ، حيث يبذلون جهودهم في جلب المنافع إليهم، من دون أن يأبهوا لذلك الوضع الذي ستصبح عليه تلك الشّركة، التي تتأذّى من الأفعال التي يجيئونها، فلا يكترثون لتلك الخسائر التي يلحقونها بتلك الشّركة، حيث يهتمّون بأن يحققوا منافعهم الشّخصيّة، ويدركوا مطامحهم غير المشروعة، وقد كان انهيار شركة إنرون في فصل خريف عام 2001 إذ "تداعت أركان هذه الامبراطوريّة المزعومة"(1)، إلّا أنّه قبل ذلك الوقت الذي انهارت فيه شركة إنرون، كان عدد من العاملين في تلك الشّركة، قد أتى بعض التّصرّفات، التي وضعت على بساط البحث والتّدقيق، بعد أن انتشرت الأحاديث عن تلك الأعمال التي أتاها أولئك الموظّفون في تلك الشّركة، إذ كان "قبل بضعة أسابيع من الإفلاس، باع قادة الشّركة العملاقة عشرات الآلاف ممّا لديهم من خيارات الأسهم وحصلوا، للمرّة الأخيرة، على ثروات كبيرة. وعلى ما يبدو، كان هؤلاء قد أدركوا أنّ إمبراطوريّتهم قد أوشكت على الانهيار كلّيّة"(2)، فتخلّص أولئك الموظّفون من أسهم تلك الشّركة التي كانت على وشك الانهيار، فباعوا أسهمهم في وقت قبيل ذلك الموعد الذي أعلن فيه إفلاس هذه الشّركة، التي كانوا أحاطوا علماً بأوضاعها المتأزّمة.

إنّ حالة أولئك الموظّفين الذين تستّروا على أوضاع شركة إنرون، التي لم تظهر مشاكلها التي تواجهها في القوائم الماليّة التي أعدّها هؤلاء الموظّفون، هي مثال صريح يبيّن التّعارض في المصالح بين عدد من أعضاء الإدارة، والمساهمين وسائر الأطراف، الذين يرتبطون بتلك الشّركة، التي كانت الإدارة فيها تقبض على ناصية إعداد القوائم الماليّة، التي أخفيت فيها المعلومات التي تبيّن تلك الأزمات التي تهدّد شركة إنرون، فلم يتح لأولئك المساهمين في تلك الشّركة، أن يطّلعوا على المعلومات الدّقيقة والصّحيحة، التي تبيّن حقيقة أوضاع تلك الشّركة، فهؤلاء الموظّفون الذين باعوا أسهمهم بأسعار عالية، قبل فترة وجيزة من الوقت الذي انهارت فيه تلك الشّركة، كانوا استبقوا حدوث انهيار تلك الشّركة، بالتّخلّص من تلك الأسهم التي كانت في حوزتهم، وعمدوا إلى تغيير تلك الصّورة التي تبدو فيها تلك الشّركة، بعد أن أعدّوا تلك القوائم الماليّة، التي لم يظهروا فيها الأرقام التي تبيّن حقيقة أوضاع تلك الشّركة، وإذا كان عدد من العاملين في تلك الشّركة، عمد إلى أن يطرح أسهمه للبيع في ذلك الأوان قبل انهيار تلك الشّركة، فإنّه وجد في تلك الإدارة من رغب في أن يترك تلك الشّركة، عند اشتداد تأزّم أوضاع تلك الشّركة، التي كانت خافية عن أنظار النّاس في ذلك الحين، الذي سبق الوقت الذي أعلنت فيه تلك الشّركة إفلاسها، وقد كان عدد من أعضاء إدارة تلك الشّركة، يعلم حقيقة أوضاع تلك الشّركة المتأزّمة علم اليقين، فقبيل ذلك الوقت الذي انهارت فيه تلك الشّركة، أقدم رئيس مجلس إدارة تلك الشّركة على أن يستقيل من منصبه، الذي كان يشغله في تلك الشّركة.

أثارت تلك الاستقالة التي قدّمها رئيس مجلس إدارة تلك الشّركة، تساؤلات عديدة عند الباحثين والأفراد الذين كانوا يتابعون أوضاع تلك الشّركة، حيث قصد الكثير منهم إلى أن يربط حدوث تلك الاستقالة، بالأوضاع الصّعبة التي كانت تواجهها تلك الشّركة، حيث اعتبروا أنّ مشاكلها، التي كانت خافية على أنظار النّاس في ذلك الأوان، قبيل لحظة الانهيار، هي الباعث القويّ على تقديم رئيس مجلس الإدارة استقالته من عمله في تلك الشّركة، وكانت وضعت عدد من القواعد التي تنظّم مجرى النّشاط في الشّركات التّجاريّة، وكان بعض تلك القواعد ينصّ على الإجراءات، التي يجب أن تنفّذ للحيلولة دون حصول ذلك التّضارب في المصالح في ميدان العمل في الشّركات التّجاريّة، حيث نصّت قاعدة وضعت لتنظيم العمل في الشّركات، على أنّه "يحظر على أعضاء مجلس إدارة الشّركة والمديرين والعاملين بها، التّعامل في أسهم الشّركة لمدّة محدّدة تسبق الإعلان عن نتائج نشاطها الماليّة، أو قبل الإعلان عن أيّة معلومات أخرى ذات طبيعة ماليّة مؤثّرة. كما يحظر التّعامل على أسهم الشّركة لفترة تالية للأحداث المفاجأة، التي تؤثّر على نشاط الشّركة ومركزها الماليّ، إلى أن يتمّ الإفصاح بذلك للجمهور"(3)، فكانت تلك القواعد الموضوعة، تهدف إلى تحقيق حماية مصالح الأفراد والهيئات المرتبطين بتلك الشّركات، من دون أن تفتئت فئة من أصحاب المصالح على فئة أخرى، برأيها في الانفراد بتحصيل المكاسب في تلك الشّركة، حيث كانت تهدف تلك القواعد الموضوعة أيضاً، إلى تحقيق التّوازن بين مصالح الأفراد كافّة المرتبطين بتلك الشّركة.

إنّ المعلومات التي تبيّن أوضاع شركة إنرون، لم تعلن في تلك القوائم الماليّة التي أعدت في تلك الشّركة، بينما تمكّنت قلّة من الموظّفين في إدارة تلك الشّركة فقط، من أن تطّلع على تلك المعلومات التي تفصح عن حقيقة المشاكل التي كانت تجابهها شركة إنرون، فرغب من أحاط بأزمات تلك الشّركة علماً، في أن يقتنص الفرص، التي يبيع فيها أسهمه، وتطلق على حالة المعلومات التي يتاح لبعض الموظّفين فقط الانفراد بمعرفتها، اسم المعلومات غير المتماثلة (Asymmetricinformation) وهي مفهوم يبيّن "أوضاع لا يُطّلع فيها المشترون والبائعون جيّداً وبالتّساوي على خصائص السّلع والخدمات المتوافرة للبيع في السّوق"(4)، وقد ذكر في إحدى التّوصيات التي وضعت في موضوع تنظيم العمل في الشّركات التّجاريّة، أنّه "ينبغي منع عمليّات تداول الأسهم التي تستند إلى معلومات داخليّة، وكذا منع أيّة عمليّات للتّبادل تستهدف تحقيق مصالح للأشخاص ذوي العلاقة بالشّركة"(5)، وقد نصّت إحدى تلك القواعد التي وردت في تلك التّوصيات، على أنّه يجب على الشّركة "تقديم معاملة متساوية لكافّة المساهمين، وعدم القيام بإفشاء معلومات إلى المستثمرين المؤسّسين، لا تتمّ إتاحتها في نفس الوقت للسّوق"(6)، فوضعت تلك القواعد كي يحال دون أن يستغلّ القيّمون على إدارة الشّركات التّجاريّة معرفتهم المعلومات، التي كان يتاح لهم دون سائر الأفراد أن يطّلعوا عليها.

كانت المعلومات غير المتماثلة، إحدى المسائل التي أثيرت في البحث عن الأسباب، التي أدّت إلى استفحال تلك المضارّ النّاجمة عن انهيار شركة إنرون، حيث أنّ "المستخدمين العاديّين في تلك الشّركة ما كان لديهم علم بالخطر الذي صار يحفّ بشركتهم، وبالتّالي فإنّ الخراب أخذهم على حين غرّة. فرواتبهم التّقاعديّة جرى استثمارها في أسهم إنرون، هذه الأسهم التي انخفض سعرها من 90 دولاراً أمريكيّاً إلى بضعة سنتات لا غير. وإذا كان البعض منهم قد خسر عشرات الآلاف من الدّولارات من جراء إفلاس إنرون، فإنّ البعض الآخر خسر مئات الآلاف من الدّولارات. من هنا، لا غرو أن يتناقل النّاس في طول البلاد وعرضها، قصص الخداع والنّصب التي تعرّض لها العاملون"(7)، فلم تتضمّن القوائم الماليّة التي قدّمتها شركة إنرون، المعلومات الدّقيقة التي كانت تتيح للمساهمين لو اطّلعوا عليها، أن يتّخذوا التّصرّف المناسب لتلك الحالة التي تمرّ بها تلك الشّركة، التي فوجئ فيها كثير من العاملين، بالإضافة إلى المساهمين، بذلك الوضع الذي انحدرت إليه، إذ أعلنت تلك الشّركة إفلاسها، مسبّبة حدوث خسائر ماليّة كبيرة، نزلت بغالبيّة العاملين فيها، بالإضافة إلى أولئك المساهمين الذين استثمروا أموالهم في تلك المشاريع التي كانت أنشأتها تلك الشّركة.

1_ أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص178.

2_ المصدر السّابق.

3_ دكتور طارق عبد العال حمّاد_ حوكمة الشّركات، المفاهيم_ المبادئ_ التّجارب_ المتطلّبات، شركات قطّاع عامّ وخاصّ ومصارف، الاسكندريّة، الطّبعة الثّانية، الدّار الجامعيّة، الإسكندريّة 2007، ص908.

4- موقع المصطلحات الاقتصاديّة والماليّة.

5- موقع الاستثمار الماليّ.

6_ المصدر السّابق.

7_ أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، ص178.