تعمد الشّركات والمؤسّسات التّجاريّة والاستثماريّة، إلى أن تضع قوائم ماليّة، توضّح فيها أوضاع الأنشطة والأعمال، التي كانت أنجزتها في مدّة محدّدة، فتغدو تلك القوائم الماليّة، سجلّاً يبيّن مقدار ميزانيّة تلك الشّركات، بالإضافة إلى الدّخل الماليّ القائم فيها، وكمّيّة التّدفّقات النّقديّة التي تجري فيها، وتحدّد أيضاً تلك القوائم الماليّة مقدار الأرباح، التي يتاح لأولئك المساهمين في تلك الشّركات والمؤسّسات أن يحصلوا عليها، وتنجز تلك القوائم باتّباع طرائق في المحاسبة، توضّح أوضاع تلك الشّركات، وتفصح عن تفاصيل العمليّات الماليّة، التي تجري فيها، فتطبّق في عمليّات المحاسبة، قواعد وطرائق علميّة، يتناول فيها الأنشطة الماليّة المتنوّعة التي تحدث في فترة زمنيّة معيّنة، فتتوفّر بعد أن تنجز عمليّات المحاسبة، المعلومات التي تتأسّس عليها سائر الأنشطة الإداريّة والقانونيّة والاقتصاديّة، حيث تكون تلك المعلومات هي الرّكائز التي تستند إليها، تلك الأنشطة المتنوّعة التي تعتمد على البيانات التي تعلن في تلك القوائم الماليّة، ويهتمّ بمتابعة تلك القوائم الماليّة، أفراد عديدون، سواء أكانوا عاملين أو موظّفين في تلك الشّركة نفسها، التي تنجز تلك القوائم الماليّة، أم كانوا بقيّة الأشخاص الذين هم خارج نطاق تلك الشّركة، وتتحقّق صياغة وتنظيم المعلومات التي تتضّمنها تلك القوائم الماليّة، وفق طرائق تتيح لمن يتابع تلك المعلومات أن يستفاد منها، وقد أعدّت مبادئ عامّة تقوم عليها عمليّات المحاسبة، حيث تجري بوضوح من دون أن يكتنفها الغموض أو يداخلها الالتباس، فتنجلي حقيقة وضع تلك الشّركة، التي إن لم تكن قد أعدّت تلك القوائم الماليّة، فإنّه يتعذّر آنئذ على النّاس الذين يتعاملون معها، أن يتبيّنوا بدقّة تلك الإجراءات التي يستنسب لهم أن يعتمدوها، في تلك العلاقة التي تنشأ بينهم وبين تلك الشّركة.

إنّ القوائم الماليّة التي تعدّ في الشّركات التّجاريّة وفق معايير المحاسبة الدّقيقة القويمة المعتمدة، يتوجّب أن تتّسم بالشّفافيّة والوضوح، اللذين يهيّئان لتلك العلاقات التي تنشأ بينها، وبين سائر الأشخاص والمؤسّسات المتنوّعة، الذين يتعاملون مع تلك الشّركات، أن تقوم على المبادئ الثّابتة، التي تتحقّق في تطبيقها، مصالح وحقوق الأطراف التي ترتبط مع بعضها البعض في تلك العلاقات الماليّة النّاشئة المتنوّعة، إلّا أنّه قد يخلّ أحياناً بعض الشّركات بالقواعد المعتمدة، التي اتّفق على تطبيقها في إعداد القوائم الماليّة، فتصبح في تلك الحالة المحاسبة "أداة للخداع"(1)، بل أنّها تصبح أيضاً آنئذ "لعبة الأرقام"، "TheNumbers Game"(2)، حيث لا تظهر تلك الأرقام، التي تتضمّنها القوائم الماليّة، الوضع الحقيقيّ الذي تكون عليه تلك الشّركات التّجاريّة، وقد صدم انهيار شركة إنرون، أشخاصاً كثيرين، كانوا استثمروا أموالهم في تلك الشّركة، التي طالما وصفت بأنّها عملاق الطّاقة الأمريكيّ، الذي كان في خاتمة المطاف قد "انهار تحت وطأة ديونه غير المعلنة"(3)، وقد كانت أزمة شركة إنرون "ما هي إلّا واحدة فقط من سلسلة من الأزمات المحاسبيّة الحديثة"(4)، وقد وسم انهيار تلك الشّركة بسمة الفضيحة، حيث كان انهيارها مفاجأة مدويّة، ظلّت أصداؤها تتردّد في مجالس ومحافل عديدة.

أنجزت شركة إنرون القوائم الماليّة، التي بيّنت فيها أوضاع تلك الشّركة، في صورة غابت عنها معالم تلك المشاكل التي كانت وقعت فيها تلك الشّركة، وعلى الرّغم من طابع المفاجأة الذي غلب على حادثة انهيار تلك الشّركة، إلّا أنّ "فضيحة إنرون لم تكن حدثاً فريداً. فالصّفقات غير المشروعة وتزوير الحسابات الختاميّة والميزانيّات كانت أموراً شائعة في الاقتصاد الجديد. ففي العام 2002، اعترفت مئات الشّركات الأمريكيّة بأنّها كانت تزوّر بياناتها الحسابيّة. وكانت العشرات من هذه الشّركات قد أعلنت إفلاسها"(5)، وكانت صدرت تنبيهات من الشّركة ذاتها، تنذر بوقوع ذلك الانهيار، وكان الذي تلقّى تلك التّحذيرات هو المدير التّنفيذيّ في شركة إنرون، إذ كانت إحدى الموظّفات في تلك الشّركة "تنبّأت، في وقت مبكّر، بالكارثة التي ستحلّ بإنرون. فهي كتبت، في أغسطس من العام 2001، رسالة "إيميل" تحذّر فيها لاي وتؤكّد له فيها إنّ إنرون ستنهار بكلّ تأكيد من جراء العديد من الفضائح المحسابيّة"(6)، وقد ذكر في إيضاح ردّ فعل ذلك المدير التّنفيذيّ في الشّركة، بعد أن تلقّى ذلك التّحذير، أنّ "لاي لم يحرّك ساكناً"(7)، وقد أوردت حادثة أخرى، بيّنت الطّريقة التي يتصرّف فيها ذلك المدير التّنفيذيّ، في معالجته شؤون الشّركة، إذ كان في "أحد اجتماعات لاي بالمحلّلين الماليّين، ألحّ أحد الحاضرين في السّؤال عن أوضاع الشّركة. غير أنّ لاي لم يأبه بما قاله الرّجل، بل نهره بعبارات سوقيّة يندى لها الجبين. وبعد بضعة أشهر من ذلك اليوم أفلست شركة إنرون إفلاساً مريعاً"(8)، فكان ناقوس الخطر يدقّ في شركة إنرون، إلّا أنّه لم يكن يلقى في تلك الشّركة آذان صاغية.

سعت إدارة شركة إنرون قبل فترة وجيزة من انهيار تلك الشّركة، في أن تؤكّد تحقّق الازدهار الزّاهي الذي ستنعم به تلك الشّركة في قادمات الأيّام، وقد تحدّث رئيس مجلس الإدارة فيها عن أوضاع هذه الشّركة، في ذلك الأوان قبيل لحظة الانهيار وإعلان الإفلاس، فقال: "أنا على ثقة في مستقبل الشركة الباهر ونموها المؤكّد"(9)، وإذا استذكرنا الحديث عنموضوع "تزوير الحسابات الختاميّة والميزانيّات" في تلك الشّركة، فإنّه عمد كثير من الباحثين إلى أن يفنّدوا تلك المعاني، التي تضمّنتها تلك العبارة التي ذكرها رئيس مجلس إدارة شركة إنرون، الذي اتّهم بأنّه قصد إلى أن يموّه على النّاس حقيقة وضع تلك الشّركة، التي توفّر لأعضاء من مجلس الإدارة فيها، الوسائل الملائمة لتحقيق مآربهم في تمويه حقيقة أوضاع الشّركة، حيث كان خبراء الشّركة "المتخصّصون بالتّحايل الماليّ أسّسوا أكثر من 4000 "شركة"، ما كان لديها أيّ وجود في الحسابات الختاميّة. ولم تكن هذه "الشّركات" أكثر من عالم من نسج الخيال. عالم كان يُراد منه تزويق البيانات الحسابيّة الخاصّة بالشّركة. وكانت أغلب هذه الشّركات الوهميّة تقيم في جزر الكيمن Cayman Islands _ أي في الجزر التي تندرج ضمن الواحات الضّريبيّة الواقعة في البحر الكاريبيّ"(10)، وأمّا تلك الشّركات الصّوريّة الوهميّة، التي اتّخذت عمليّة إنشاءها، طابعاً شكليّاً، فهي "وفق المصطلح الدّارج في القطّاع الماليّ، فإنّ اسم هذا النّوع من الشّركات هو "Specail Purpose Vehicles" (شركات ذات أغراض خاصّة)، والمراد من هذه الشّركات هو التّستّر على الوضع الحقيقيّ للشّركة مقابل المصارف والمساهمين ومكاتب الضّريبة"(11)،وقد تناول باحثون وسياسيّون عديدون موضوع جزر الكيمن، التي هي جزء من الأراضي البريطانيّة الموجودة وراء البحار، وتقع غرب  البحر الكاريبيّ، وتعتبر جزر كيمن مركزاً ماليّاً عالميّاً رئيسيّاً، وأكبر القطاعات التّجاريّة الموجودة فيها هيالصّيرفة.

باتت جزر الكيمن مقصداً يهرع إليه تلك الشّركات التي تتهرّب من دفع الضّرائب، والمؤسّسات والأفراد الذين يتحايلون على القوانين، حيث "يقوم بهلوانات المال بنقل جزء متزايد من النظام الماليّ العالميّ إلى أقاليم لا توجد فيها رقابة حكوميّة، إلى واحات ضريبيّة نائية من قبيل جزر الكيمن، هذه الجزر التي لا توجد فيها لا لجان مكلّفة بالرّقابة ولا مكاتب تجبي الضّرائب"(12)، وكانت وصفت تلك "الشّبكة الواسعة"(13) من الشّركات التي أنشأتها شركة إنرون، بأنّها امبراطوريّة ظلّت "خفيّة عن الأنظار"(14)، وقد كان رئيس القسم الماليّ في شركة إنرون "قد أدّى الدّور الرّئيسيّ في نشأة هذه الامبراطوريّة الخفيّة"(15)، وقدذكر أنّه "كان يحيط علماً بالأسلوب المناسب لخديعة سلطات الرّقابة"(16)، وفي ذلك الوقت الذي أخذت فيه الدّيون تتزايد على إنرون، أخذ رئيس القسم الماليّ "في العام 1999 في تأسيس شركتين من طينة الشّركات ذات الأغراض الخاصّة "Specail Purpose Vehicles"، وكان قد أطلق اسم LJM Cayman على الأولى واسم LJM2 Co- Investment على الثّانية"(17)، وقد كانت قواعد الأنظمة الماليّة، تتيح إنشاء تلك الشّركات ذات الأغراض الخاصّة، وقد نصّ أيضاً على شروط محدّدة، أوجب أن تتحقّق لقيام تلك الشّركات التي كانت شركة إنرون عمدت إلى أن تنشئها.

كان رئيس القسم الماليّ في شركة إنرون، قد رأى في هاتين المنشأتين اللتين أقامهما "الوسيلة المثلى لحلّ مشكلة الدّيون المتراكمة في ذمّة إنرون: فالمطلوب منهما أن تتحمّلا الدّيون المتراكمة في ذمّة إنرون وأن تقامرا على صفقات غاية في الخطورة وتتكفّلا بتحويل الأرباح إلى الشّركة الأمّ"(18)، إلّا أنّ ذلك التّصرّف الذي أدّى إلى تأسيس هاتين الشّركتين، لم يجد في أن يجنّب شركة إنرون وقوعها في الانهيار حيث "سرعان ما تبيّن أنّ الشّركتين التّابعتين ليستا سوى خطر يتهدّد إنرون، فالشّروط المكتوبة بين سطور العقود كانت تقرّ بأنّ الشّركة العملاقة هي التي تتحمّل، في نهاية المطاف، الخسائر التي تسفر عن النّشاطات التي تمارسها المنشأتان"(19)، فتلك الشّركات ذات الأغراض الخاصّة، التي ذكر أنّها أسسّت لتتحمّل الدّيون المترتّبة على الشّركة الأمّ، كانت هي "المبدأ الذي قاد شركة إنرون إلى الإفلاس"(20)، فارتكبت تلك الشّركة مخالفات عديدة في إعدادها قوائمها الماليّة، لتظهر تضخّم الأرباح في أرقام بالغت في زيادتها، كي تخفي الوضع المتردّي الذي وقعت فيه، وقد تضرّر أولئك الأفراد الذين استثمروا أموالهم في تلك الشّركة، التي تمكّنت من أن تضّللهم، بعد أن عرضت عليهم تلك الشّركة قوائمها الماليّة، التي لم تكن المعلومات الواردة فيها تطابق حقيقة أوضاعها المتأزمّة.

1_ طارق عبد العال حمّاد، حوكمة الشّركات، المفاهيم _ المبادئ _ التّجارب _ المتطلّبات، شركات قطّاع عامّ وخاصّ ومصارف، الاسكندرية، الطبعة الثّانية، الدّار الجامعيّة، الإسكندريّة 2007، ص245.

2_ المصدر السّابق.

3_ مجلّة نيوزويك.

4- طارق عبد العال حمّاد، ص107.

5-أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص180- 181.

6- المصدر السّابق، ص180.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق.

9- موقع الاستثمار الماليّ والمصرفيّ على الأنترنت.

10- أولريش شيفر، ص179.

11- المصدر السّابق.

12- أولريش شيفر، ص194، 195.

13- أولريش شيفر، ص179.

14- المصدر السّابق.

15- أولريش شيفر، ص180.

16- المصدر السّابق.

17- المصدر السّابق.

18- المصدر السّابق.

19- المصدر السّابق.

 

20- أولريش شيفر، ص194.