زار لاعب الشّطرنج بوبي فيشر وهو أمريكيّ الجنسيّة، اللّاعبَ الرّوسيَّ ميخائيل تال بطل العالم في الشّطرنج، عندما كان في المشفى، ليطمئنّ على صحّته، والتقطت في أثناء تلك الزّيارة صورة ظهر فيها هذان البطلان في لعبة الشّطرنج، وقد أرفقت بهذه الصّورة التي أنشرها الآن، كلمات أذكرها كما وردت في المصدر الذي نقلت عنه هذا الخبر، مع تصحيح بعض الأخطاء المطبعيّة الطّفيفة، وأمّا تلك الكلمات فقد ذكرت في العبارات التّالية: (هكذا توطّدت علاقتهما...! كان ميخائيل تال أحد المشاركين في دورة التّرشّح التي أقيمت بجزر كوراساو العام 1962، حين أُصيب بوعكة صحّيّة اضطّرته للانسحاب، وملازمة المشفى لبعض الوقت...، والصّورة المرفقة تُظهر بوبي فيشر وهو في حضرة تال على فراش المرض وقد ذكر الأخير أنّ بوبي فيشر كان الوحيد من ضمن المشاركين في دورة التّرشّح تلك والذي قام بزيارته !وقد كان لهذه المبادرة وقع عظيم على نفسيّة تال ومن يومها توطّدت العلاقة بينالكبيرين!)، انتهت كلمات المصدر التي وضّحت الظّروف التي جرت فيها تلك الزّيارة، وإن كانت عيادة بوبي فيشر لميخائيل تال، هي حدث يتّفق مع المبادئ والقيم التي تستند إليها المنافسات الرّياضيّة، إلّا أنّه يجب ألّا يغيب عن بالنا أنّ تلك الزّيارة قد جرت في أجواء الحرب الباردة، التي كانت قائمة بين أمريكا والاتّحاد السّوفييتيّ، وإن كانت العلاقات الرّياضيّة ظلّت مستمرّة بين هذين البلدين خلال تلك الحرب البادرة، حيث كانت يلتقي رياضيو هذين البلدين مع بعضهم البعض في المنافسات الرّياضيّة الدّوليّة، إلّا أنّ حدوث تلك الزّيارة في ظلّ تلك الحرب البادرة، أتاح لها أن تشغل موقعاً فريداً بين سائر اللّقاءات التي كانت تجمع بين اللّاعبين الرّياضيّين الذين ينضوون إلى بلدان هذا العالم، بل أنّي أعتقد أنّ لهذه الزّيارة، موقعاً فريداً بين الأحداث التي اندرجت في سجل التّاريخ الحديث.

 

إنّ الزّيارة التي التقى فيها بوبي فيشر مع ميخائيل تال، حدثت قبل تسع سنوات من نشأة مفهوم دبلوماسيّة "البينغ بونع" كرة الطّاولة، التي انطلقت تحديداً في عام 1971، بزيارة الفريق الأمريكيّ لكرة الطّاولة، إلى بلد آخر هو الصّين، ولا يعسر علينا أن نجد الاختلاف والفارق اللذين يميّزا بين هذين الحدثين الرّياضيّين عن بعضهما البعض، والحدثان الرّياضيّان الذين عنيتهما بحديثي، هما اللّقاء الذي اجتمع فيه بطلا الشّطرنج، ومباريات البينغ البونغ التي جرت في بكين بالصّين، فزيارة بوبي فيشر إلى ميخائيل تال، يغلب عليها الطّابع الفرديّ الشّخصيّ، وهي لا تندرج ضمن العلاقات الرّسميّة التي تنشأ بين الدّول، بينما تندرج دبلوماسيّة "البينغ بونغ" كرة الطّاولة، في نطاق تلك العلاقات الرّسميّة، إلّا أنّه على الرّغم من تلك الدّلائل الصّريحة على اختلاف هذين الحدثين، فإنّي أعتقد أنّه توجد رابطة متينة بينهما، وهي أنّهما كلاهما تؤكّدان النّفوذ القويّ الذي تتمتّع به الرّياضة، في ترسيخ أواصر التّفاهم والألفة بين البشر، ولا ريب في أنّ ذلك النّمط من تلك الرّوابط التي تقيمها الرّياضة بين النّاس، يتحقّق في أبهى تلك الصّيغ التي ينجز فيها، إذا كانت تلك المنافسات الرّياضيّة التي تجمع بين اللّاعبين الرّياضيّين المتبارين، تستند إلى القيم والمبادئ الرّياضيّة القويمة.



إنّ العزلة التي ضربت على الجزيرة البريطانيّة، ليست أمراً طارئاً، أو شأناً مستحدثاً، لأنّ تلك العزلة ترجع إلى الزّمن الماضي السّحيق، والعصور الموغلة في القدم، فتلك الجزيرة البريطانيّة التي تقع مقابل السّاحل الشّماليّ الغربيّ للقارة الأوروبيّة، ظلّت متّصلة بأراضي تلك القارة، حتّى عام 7955 ق.م.، إذ ثبت أنّ مدينة "كاليه" الفرنسيّة، ومدينة "دوفر" البريطانيّة، كانت على اتّصال برّيّ حتّى ذلك العام الذي تحقّق فيه الانفصال الجيولوجيّ بين الأراضي البريطانيّة وبرّ تلك القارة الأوروبيّة قبل ما يقارب الثّمانية آلاف سنة قبل الميلاد، ويحيط بتلك الجزيرة البريطانيّة من جهة الشّرق بحر الشّمال، بينما يتاخمها من جهتي الشّمال، والشّمال الشّرقيّ، المحيط الأطلسيّ، وهي تطلّ من جهة الغرب على البحر الإيرلنديّ، وأمّا القنال الانكليزيّ فهو يفصلها من جهة الجنوب عن الأراضي الفرنسيّة، وتبقى ناحية الجنوب الغربيّ، حيث يحدّها من تلك الجهة البحر الكلتيّ والمحيط الأطلسيّ، وذلك الوصف الجغرافيّ لموقع تلك الجزيرة البريطانيّة، يبيّن ذلك الحصار الذي ضربته أمواه البحار والمحيط على تلك الجزيرة، بيد أنّ طابع تلك العزلة التي وقعت فيها بريطانيا، لم يكن يتحدّد فقط بتلك السّمة الجغرافيّة التي تميّز بها موقع تلك الجزيرة البريطانيّة، إذ كانت معالم عديدة من مجريات الحياة التي عاشها سكّان تلك الجزيرة، يغلب عليها أيضاً طابع العزلة، التي أفصحت عنها الوقائع الكثيرة التي انطوى عليها تاريخ الشّعب البريطانيّ، الذي كانت له تجارب وخبرات عديدة في تعامله مع بواعث تلك العزلة، وكان تاريخ البشريّة أخبرنا أيضاً أنّ شعوب دول أخرى، كانت تطبّق في الأنشطة المتنوّعة التي تزاولها، مبدأ العزلة التي كان يعزى نشوء قدر محدّد من أسبابها، إلى ذلك الموقع الجغرافيّ الذي كانت تحلّ به تلك الأراضي التي سكنتها تلك الشّعوب.