دفع الوضع الذي صارت إليه حالة الكتاب في المجتمعات العربيّة، إلى أن تثار في أحايين يسيرة بين النّاس تلك الأحاديث التي كانوا يتناولون فيها المصير الذي انتهى إليه هذا الكتاب، وكانت تذاع بين جموع القوم تلك الأخبار التي تبيّن حالة الكتاب، الذي أطبقت عليه وطأة الوحشة الشّديدة، بعد أن صدفت عنه أغلبيّة الأشخاص، وقد انتشرت بين النّاس في المجتمعات العربيّة، عبارةٌ صيغت في قالب النّصيحة التي تسدى إلى الشّخص الذي يريد أن يخبّئ شيئاً ثميناً يمتلكه، فأشير إليه بأن يحفظه في حرز منيع، كي يردّ عنه مخاطر السّرقة، وأمّا ذلك المكان الحصين، فقد عيّن تحديداً بالكتاب، لأنّ أحداً من النّاس لن يقرب من الكتاب، أو يطالعه أو يقلّب صفحاته ويطّلع على محتواه، فبات الكتاب هو المكان الملائم لإيداع ذلك الشّيء النّفيس فيه، فكان يخاطب ذلك الشّخص الذي كان تلقى عليه النّصيحة، بالقول بأنّه "إذا أردت أن تخبّئ شيئاً ثميناً فضعه في كتاب، فلا أحد يحبّ القراءة"، وكانت إحدى الفحاوي التي تضمّنتها تلك النّصيحة التي كان النّاس يتناقلونها فيما بينهم، تؤكّد ازدراء أكثريّة النّاس الكتاب، وتهاونهم به، حتّى أنّه لا ينبعث في نفوسهم الفضول للاطّلاع عليه، وكان انتشر أيضاً بين النّاس في المجتمعات العربيّة، خبر عن تعرّض أحد الأشخاص للسّرقة، حيث كان أودع المقتنيات التي كانت في حوزته بأحد الأماكن، الذي اضطّر ذلك الشّخص إلى الابتعاد عنه بعض الوقت، ثمّ عندما عاد إلى ذلك المكان الذي كان يتواجد فيه، فإذا به يصاب بصدمة عنيفة، حيث لم يعثر على تلك الأشياء التي أودعها في ذلك المكان، الذي ابتعد عنه برهة، فأيقن بأنّ تلك المقتنيات قد سرقت، ما عدا كتاباً كان ضمن مجموعة تلك الأشياء التي كانت في حوزته، فوجد الكتاب بمفرده، فتأكّد بأنّ ذلك اللّصّ الذي افترض أنّه قد سرق مقتنياته، لم يملأ عينه ذلك الكتاب، إذ رأى أنّه غير جدير بأن يسطو عليه.

إنّ هذه العبارات التي كان النّاس يتناقلونها فيما بينهم، في أثناء حديثهم عن حالة الكتاب، تضمّنت الحديث بأسلوب غير مباشر عن ذلك الكتاب، وهذه الطّريقة في الحديث، هي أفضل الطّرائق في الكلام، والتي يتذرّع بها لتمكين رسوخ المعاني، التي يتضمّنها الحديث في أذهان النّاس، الذين يكون تأثير ذلك الكلام في نفوسهم آنئذ، أشدّ وقعاً وأقوى نفوذاً في إثارة الأفكار، التي كانت يتوّخى انبعاثها في نفوس الأشخاص الذين يوجّه إليهم ذلك الحديث، فللتّعبير عن شدّة إعراض النّاس عن الكتاب، أكّد هذان الخبران اللذان أوردتهما آنفاً، أنّ ذلك الكتاب لا يغري اللّصوص على أن يسرقوه، وذلك الأسلوب في الكلام، يتّبع عندما يعتمد تحقيق الأساليب البلاغيّة في الحديث، الذي يسرد من دون أن يصرّح بأسلوب مباشر عن ذلك المقصد، الذي رمى إليه من أورد ذلك الحديث.

إنّ هذين الخبرين اللذين أوردتهما آنفاً يبيّنان حالة الكتاب، وقد مررت شخصيّاً بأحداث وقفت فيها على الوضع الذي أمسى فيه مصير ذلك الكتاب، ففي زمن مضى كنت قد التقيت أحد الأصدقاء في مقهى، وقد اتّفق أن قررنا أنا وصديقي أن نغادر ذلك المقهى بعض الوقت، فتركنا مؤقّتاً تلك المنضدة التي كنا نجلس إليها، وهممنا بأن نخرج من هذا المقهى، التي كنّا قرّرنا أن نعود إليه بعد أن ننهي مشوارنا الذي اعتزمنا على أن ننجزه، وعندما التفت إلى المنضدة التي كنّا نجلس إليها، لاحظت أنّ صديقي قد ترك على تلك المنضدة كتاباً ثميناً جدّاً، وتقديري لقيمة ذلك الكتاب يشمل الوجهتين الفكريّة والمادّيّة معاً، اللّتين قد ينظر إليهما من يطّلع على ذلك الكتاب، فبادرت على الفور إلى أن أنبّه صديقي إلى أنّه نسي أن يصطحب معه الكتاب، وقد تفاجأت بردّ صديقي على ملاحظتي التي ذكرتها له، إذ أجابني مؤكّداً أنّه لن يقترب إلى ذلك الكتاب أحد، ولن يخطر على بال أيّ شخص أن يطّلع عليه أو أن يأخذه، وقد رسخت في نفس صديقي ثقة قويّة جدّاً بأنّه سيجد الكتاب في موقعه تماماً على المنضدة، عندما نعود إلى المقهى، وقلّما وقفت طيلة الأيام الغابرة التي أمضيتها في هذه الحياة، على شعور بالسّكينة، مماثل لذلك الإحساس بالطّمأنينة التي ملأت نفس صديقي الذي وثق كلّ الثّقة، بأنّ الكتاب الذي تركه على المنضدة لن يدنو منه أحد من النّاس، وعندما رجعنا إلى المقهى وجدنا الكتاب في المكان ذاته الذي تركه فيه صديقي، فلم ينعتل الكتاب شبراً، ولم يحرّك قيد إنملة عن المكان الذي كان مستقرّاً فيه.

تبيّنت أيضاً في حادثة ثانية ذلك المصير الذي انتهى إليه شأن الكتاب، إذ كنت بعد أن فرغت من مزاولة رياضة السّباحة، في مسبح كنت أواظب على أن أتردّد إليه، قرّرت أن أستحمّ قبل أن أغادر هذا المسبح، وعندما وصلت إلى المشلّح، وقبل أن أشرع في الاستحمام، وضعت كتاباً على منضدة كانت على مقربة من تلك الخزانة التي وضعت فيها ثيابي، وقد كنت مثلما هو دأبي باستمرار أمضي الوقت في المسبح بمطالعة الكتب بالإضافة إلى مزاولة رياضة السّباحة، وعندما فرغت من الاستحمام، عمدت إلى أن أتفقّد الكتاب، إلّا أنّي لم أجده فوق تلك المنضدة التي كنت وضعته عليها، وجهدت في أن أبحث عنه من دون أن أعثر عليه، ولم أكد أتيقّن بأنّ الكتاب قد فقدته، بادرت فوراً إلى أن أتحدّث إلى أصدقائي الذين كانوا حولي في المشلّح، بعد أن خطر لي أنّ الكتاب المفقود قد كان عرضة للسّرقة، وبخاصّة أنّه لم يبيّن لي أحد من الأصدقاء والأشخاص، سبباً مقنعاً يبرّر به غياب ذلك الكتاب، فقلت لهم: "إنّ الدّنيا ما زالت بخير"، وسرعان ما علت وجوه أصدقائي معالم الدّهشة، التي مازجتها الابتسامة التي قابلوا بها كلماتي التي تفوّهت بها، وما لبثوا أن استغرقوا في الضّحك، بعد أن أدركوا مغزى العبارة التي تكلّمت بها، وتعالت أصوات قهقاتهم، إذ كان وقع عبارتي في نفوسهم لطيفاً، بل أنّهم اعتبروا أنّ ردّ فعلي على حادثة تلك السّرقة التي يفترض أنّي تعرّضت لها، يندرج في عداد الطّرائف والمُلح التي يتناقلها النّاس فيما بينهم.

 

اعترت الدهشة أصدقائي الذين كانوا بالقرب منّي، عندما فقدت ذلك الكتاب، لأنّ الطّريقة التي عالجت فيها موضوع تلك السّرقة التي تعرّضت لها، خالفت ظنونهم التي تصوّروا فيها، أنّي سأكون غضبان حزيناً لفقداني الكتاب الذي كنت أصطحبه معي، فبدلاً من أن أندب حظّي المنكود وأتحسّر على ضياع ذلك الكتاب، فإنّهم سمعوا كلمات تؤكّد نقيض تلك الحالة التي توقّعوا أنّي سأكون عليها، لأنّهم وجدوني هادئ البال منشرح النّفس لتعرّضي للسّرقة، بعد أن علمت أنّه يوجد في هذا العالم من يرغب في قراءة كتاب، ولو أنّه عمد إلى أن يسرق الكتاب الذي كان في حوزتي، وقد اكتمل شعورهم بالسّرور وأخذوا يستغرقون في الضّحك الشّديد، عندما رؤوني متأسفاً بشدّة وقد انتابني الامتعاض، بعد أن قدم أحد الأشخاص نحوي وأعاد إليّ كتابي الذي كان موجوداً على المنضدة، فأرجعه إليّ مبيّناً أنّه قد استغلّ الفترة التي كنت أمضيتها في أثناء الاستحمام، فأراد أن يطالع الكتاب، وعندما علم بأنّي عدت إلى غرفة المشلّح، تقدّم نحوي ليردّ إليّ الكتاب، وهاتان الحادثتان اللتان مررت بهما، لم تكونا من نسج الخيال، بل اندرجتا في صميم تلك الأحداث التي تجري في الحياة، وكانت المعاني التي توضّحانها، تتّفق مع المعازي التي تتضمّنها الأخبار والأحاديث العديدة، التي كان النّاس يتحدّثون بها عن الأوضاع، التي انتهى إليها مصير الكتاب.