عمد أفراد عديدون في دول شتّى، إلى أن يحتفظوا بتلك الموادّ التي كانت تنجم عن الأنشطة المختلفة، التي بادروا إلى أن يزاولوها، وقد دأب هؤلاء الأشخاص في الاعتناء بتلك الموادّ التي أطلق عليها اسم الوثائق، فجهدوا في أن يوفّروا لها أسباب الحماية، وانبعثت في نفوس النّاس أيضاً في عدّة بلدان، الرّغبة في ترتيب وتنظيم تلك الوثائق، فكانت تلك الأهداف المشتركة والغايات المتماثلة، التي نشأت عند الجماعات المنضوية إلى أقطار متنوّعة، حفزت العديد من أفراد شعوب العالم، إلى التّفكير في إنشاء منظّمة دوليّة، تسعى إلى تمهيد السّبيل إلى تحقيق أهدافهم في حماية تلك الوثائق، والاستفادة منها، وقد تأتّى لتلك المنظّمة أن تنشأ في عام 1948، فتأسّس حينئذ المجلس العالميّ للأرشيف، "ICA" "International council on archives"، وقد تقرّر أن يكون مقرّ ذلك المجلس في باريس، وقد أقام مجلس الدّوليّ للأرشيف جلسته العامّة في سنة 1950 في مقرّ اليونسكو، الذي يوجد أيضاً في مدينة باريس، وذلك المجلس هو منظّمة "غير ربحيّة وغير حكوميّة، يتكفّل أعضاؤها بتمويل نشاطها الذي يقوم أساساً على نشاطات الأعضاء المتنوّعة"(1)، وقد اعتبر ذلك المجلس منظّمة دوليّة نظراً إلى اتّساع نطاق تلك الأعمال التي يأتيها "حيث يعمل بالتّعاون المكثّف مع الهيئات الحكوميّة مثل اليونسكو "UNESCOكما تربطه علاقات وطيدة بمنظّمات غير حكوميّة أخرى"(2)، فيسعى المجلس إلى تنفيذ مهامه التي تتشعّب إلى عدّة مجالات في ميدان العمل الأرشيفيّ.

يضمّ المجلس الدّوليّ للأرشيف المؤسّسات والجمعيّات المهنيّة الأرشيفيّة، بالإضافة إلى الأفراد الذين يزاولون الأنشطة التي تندرج في ميدان الأرشفة بصفتهم الشّخصيّة، وقد انتسب إلى ذلك المجلس 1500 عضو من 199 بلد وإقليم، ويتوزّع أعضاء المجلس الدّوليّ للأرشيف إلى فئات أربع، فتضمّ الفئة "أ" "مديريّات مركزيّة للأرشيف أو مؤسّسات أرشيفيّة وطنيّة وهيئات مماثلة في دول الأعضاء" بينما تشمل الفئة "ب" "جمعيّات وطنيّة تضمّ أشخاصاً مادّيّين أو معنويّين يولون اهتماماً مهنيّاً بتسيير أو حفظ الوثائق والأرشيف أو بالتّعليم والتّكوين الأرشيفيّ"، وتجمع الفئة "ج" "مؤسّسات أو شركات معنية بتسيير أو حفظ الوثائق والأرشيف أو بالتّعليم والتّكوين الأرشيفيّ"، بينما تضمّ الفئة "د" "الأفراد من العاملين الحاليّين أو القدامى في مجال تسيير أو حفظ الوثائق والأرشيف، أو مجال التّعليم والتّكوين الأرشيفيّ"(3)، ويهدف المجلس إلى تنمية خبرات الأفراد سواء أكانوا يزاولون نشاط الأرشفة بصفة شخصّية، أو كانوا يعملون ضمن الجمعيّات والمؤسّسات الأرشيفيّة، وقد هدف المجلس أيضاً إلى "إضفاء الفعاليّة في تسيير الأرشيف والاعتناء بالتّراث الأرشيفيّ وحفظه واستعماله، وهذا من خلال تمثيل مهنيّي الوثائق والأرشيف في العالم قاطبة"(4)،ولا ريب في أنّ تحقّق تنمية مهارات الأرشيفيّين في تأدية مهامّهم في نطاق العمل الأرشيفيّ، يقتضي تهيّئة المجال لهم، في تبادل الخبرات مع سائر الأرشيفيّين في العالم، فسعى المجلس إلى "ترشيد تسيير الأرشيف وضمان حماية مادّيّة للتراث الأرشيفيّ، وإنتاج معايير تحظى بالاعتراف الدّوليّ وإرساء ممارسات مهنيّة حسنة، وتشجيع الحوار والتّبادل وتوصيل المعرفة والخبرة خارج الحدود الوطنيّة(5)، فأتاح المجلس للأرشيفيّين الفرص التي يقدّمون فيها خبراتهم إلى جميع الأشخاص، الذين يسعون إلى التّعامل مع الموادّ الأرشيفيّة المتنوّعة.

تختزن الوثائق الأرشيفيّة خبرات ومعلومات غزيرة، وهي تعتبر مصدراً خصباً للأخبار والمعلومات التي يستند إليها الباحثون والأفراد كافّة، والمجلس الدّوليّ للأرشيف، قدّم الأفكار التي بيّن فيها حقيقة الأرشيف، الذي اعتبره ذلك المجلس أنّه "يمثّل مصدراً فريداً من نوعه، فهو الأثر الوثائقيّ للنّشاط البشريّ. وبذلك فإنّه الشّاهد الذي لا يمكن الاستغناء عنه في سرد أحداث الماضي، ودعم هويّة الأفراد والجماعات"(6)، وقد لحظ المجلس ضرورة توفير الوقاية لتلك الوثائق الأرشيفيّة، لأنّ الأرشيف "يبقى مادّة هشّة معرّضة لمختلف المخاطر. لذا فإنّ المجلس الدّوليّ للأرشيف يبذل قصارى جهوده لحمايته وضمان الوصول إليه، وهذا من خلال الدّفاع عن المهنة، ووضع المعايير، وتنمية القدرات المهنيّة، وتمكين الحوار بين الأرشيفيين وصانعي القرار ومنتجي ومستعملي الأرشيف"(7)، ولا تتحقّق الاستفادة من وجود الوثائق من دون تسهيل سبل الاطّلاع عليها،والإحاطة بها بيسر، من غير أن تحول العوائق دون الوصول إلى تلك الوثائق الأرشيفيّة.

توالى انعقاد المؤتمرات والنّدوات الدّوريّة التي كان يقيمها المجلس الدّوليّ للأرشيف، إذ كان المؤتمر الدّولي للأرشيف "يجتمع مرّة كلّ أربع سنوات في المكان والزّمان اللذين تحدّدهما الجمعيّة العامّة التي تجتمع سنويّاً، في الحالات العادّيّة، ويمكن أن تجتمع استثنائيّاً بدعوة من الرّئيس واللّجنة التّنفيذيّة، أو بدعوة من ثلثي الأعضاء من المؤسّسات والجمعيّات الأرشيفيّة"(8)، ويقيم أيضاً المجلس الدّوليّ للأرشيف "النّدوة الدّوليّة للمائدة المستديرة للأرشيف (CITRA) وتجتمع سنويّاً، بهدف التّداول حول مسائل إستراتيجيّة ومهنيّة كبرى"(9)، وأمّا المناطق التي يؤدّي فيها ذلك المجلس أعماله، فهي تشمل دولاً عديدة في العالم، فالمجلس هو "منظمّة لا مركزيّة وتشكل فروعها منتديات إقليميّة للأرشيفيّين بمختلف بلدان العالم"(10)، فما برح يزداد على الدّوام في دول عديدة في العالم، أعداد الأفراد الذين يستندون إلى تلك الوثائق الأرشيفيّة، في إنجاز أعمالهم في ميادين الأنّشطة المختلفة التي يزاولونها.

1- موقع المجلس الدّوليّ للأرشيف على الأنترنت.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السابق.

9- المصدر السّابق.

 

10- المصدر السّابق.



 

كابدت النّساء طيلة عصور مديدة مصاعب جمّة عرقلت سعيهنّ إلى أن تذليل العقبات، التي اعترضت دون أن يمضين في تحقيق العديد من رغائبهنّ الملّحة، وقد كانت تتنوّع تلك المطامح التي كانت النّساء يتطلّعن إلى أن يدركنها، بيد أنّهنّ لم يكنّ في أغلب الأحيان يظفرن بطائل من محاولتهن اجتياز العوائق، التي كانت تحول بينهنّ وبين أن يدركن مآربهنّ، وقد تعدّدت تلك المشاقّ التي كانت النّساء عرضة لها، بيد أنّ أشدّ عناء، كنّ يقاسينه، كان مكابدتهنّ تلك القسمة الجائرة، التي وزّعت بها على النّاس مهامّ تنفيذ الأعمال التي كانت تقام في المجتمع، حيث خصّص للنّساء أن يزاولن أعمالاً محدّدة، انحصرت في نطاق عدد معيّن من الأنشطة، ولم يكن يعود على النّساء من مزاولتهن أغلب تلك الأنشطة التي ضمّتها تلك المجموعة الضّيقة من الأعمال، إلّا الفائدة اليسيرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فتأطّر نشاط المرأة في نطاق ضيّق من الأعمال، وتحدّدت المهامّ التي تؤدّيها في حيّز محدود من الأفعال، التي كانت تقصر عن أن تلبّي بها النّساء تلك الحاجات التي تطرأ عليهنّ، وقد زادت أحوال النّساء سوءاً، عندما اندرجت تلك القسمة الضّيزى المجحفة، في التّقاليد والأعراف التي تضرب بجذورها في مجتمعات شتّى، ولم يكن في وسع النّساء أن يتخلّصن من وطأة تلك التّقاليد البالية التي عفّى عليها الزّمن، وإذا كان الضّرر الذي ينجم عن تلك التّقاليد المتهافتة، يصيب الأفراد جميعهم الذين يتشبّثون بتلك التّقاليد، إلّا أنّ معاناة المرأة تلك العادات والأعراف التي تتناقلها الأجيال فيما بينها، كانت أكثر حدّة من مقاساة سائر النّاس تلك الأعراف والتّقاليد البالية.

 

ظلّت المرأة منذ زمن موغل في القدم، تتجلّد صابرة على تلك الأوضاع التي استقرّت عليها معيشتها، وقد ألحّ عدد كبير من النّاس على الحديث عن تلك الصّفات التي تتّسم بها المرأة، التي كانوا ينعتونها برقّة الجانب، ولين العريكة، وكانوا يؤكّدون تلك النّعوت التي يطرون بها شمائل المرأة وهيئتها، كي يسموا طبعها بسمة الضّعف، من دون أن يتدبّروا في تلك المعاني التي تنطوي عليها تلك النّعوت، التي إن كانوا وصفوا بها المرأة، إلّا أنّه غاب عن أذهانهم أنّ تلك الصّفات كانت تظهر في سياق نشوء الوشائج والرّوابط، التي تجمع بين النّاس في المجتمع، من دون أن تنتقص تلك النّعوت من ثبات عزيمة المرأة وشدّة مريرتها على التّصدّي بصلابة، لتلك المصاعب التي كانت تعترض مجرى الحياة التي تعيشها، وأولئك النّاس الذّين لم يرعووا عن أن يصفوا هيئة المرأة بالضّعف، هدفوا إلى أن يؤكّدوا بحسب زعمهم أنّ المرأة لا تملك القدرة على تذليل العوائق، التي تحول دون أن تنطلق إلى مزاولة الأنشطة العديدة، التي لم تتهيّأ لها الفرص كي تمارسها في الأيام الماضية، ودأب أولئك الأقوام في أن يوهموا النّساء بأنّهنّ يعجزن عن مجاراة الرّجال في مزاولة أنشطة عديدة، بل أنّهم أنكروا على النّساء أيضاً محاولتهنّ أن يتبرمّن من ذلك المآل الذي انتهت إليه أوضاعهنّ، وفرضوا عليهنّ أيضاً أن يستكنّ خاضعات لمصيرهنّ المحتوم، ولم تكن النّساء ينعمن بأغلب تلك المنافع التي تتوافر في المجتمع الذي يعشن فيه، وقد كابدت النّساء في بلدان شتّى، تلك الأعراف والتّقاليد البالية، التي كانت لها سطوة وقدرة على تحديد أحوال تلك المعيشة التي تحياها أولئك النّساء، اللواتي كنّ يقسرن على الرّضوخ لتلك التّقاليد، وقد بدرت من النّساء، مساعي عديدة في التّصدّي لتلك الأعراف والتّقاليد البالية، وقد جهدن في أن يدحضن تلك الحجج والادّعاءات، التي ذهبت فحاويها إلى تسويغ خضوع النّساء لتلك التّقاليد الباطلة.

بدأت قضايا النّساء تحظى منذ مطلع القرن العشرين الفائت، باهتمام وعناية مجموعات عديدة من النّاس، الذين أفضت مساعيهم في معالجة تلك القضايا، إلى أن يخصّص يوماً واحداً في السّنة، يكرّس للاحتفال بثمار تلك الجهود، التي بذلتها النّساء في تذليلهنّ تلك المصاعب التي كنّ يتعرّضن لها، وقد بدئ منذ سنوات العقد الأوّل من القرن العشرين، بالاحتفال بذلك اليوم الذي تستذكر فيه تلك الأعمال، التي كانت أتتها النّساء في سعيهنّ إلى إدراك تلك الأهداف التي كنّ يتطلّعن إليها، وقد سمّي ذلك اليوم الذي يجري فيه ذلك الاحتفال بيوم المرأة العالميّ، وقد بدئ في عام 1975 بالاحتفال بذاك اليوم على نطاق دوليّ، وقد رغبت بعض الدّول في إطالة تلك المدّة، التي يستغرقها الاحتفال بتلك المآثر التي حقّقتها النّساء، حتّى تتجاوز تلك المدّة فترة اليوم الذي كان اعتمد في الأيام الماضية، إذ قرّر أن تمتدّ المدّة التي يجري فيها ذلك الاحتفال حتّى تبلغ أسبوعاً تامّاً، يبتدئ من يوم الثّامن من آذار، وما لبث أن امتدّت أيضاً فترة ذلك الأسبوع في بعض المجتمعات في هذا العالم، حتّى بلغت تلك الفترة التي يستغرقها الاحتفال بالمآثر التي حقّقتها النّساء، مدّة شهر بأكمله، إذ اختير شهر آذار كلّه، ليجري فيه ذلك الاحتفال بشهر المرأة، وكان في أثناء تلك الفترة التي يجري فيها الاحتفال بالمآثر التي حققتها النّساء، تروى الأحاديث التي تخبر عن سعي النّساء إلى مكافحة تلك العوائق، التي كانت تحول دون أن يحصلن على الفرص التي يحققن فيها مطامحهنّ، وقد أصبحت أولئك النّساء اللواتي تمكّن من أن يحققن النّجاح في أعمالهنّ، قدوة يئتمّ بها، وما برحت النّساء يدأبن في تحصيل تلك المنافع التي كانت تتوفّر في المجتمعات الذي ينضوين إليها، ويجهدن في أن يؤكّدنّ أحقّيّتهنّ في أن يستفدن من تلك الفرص التي يحقّق فيها النّاس، تلك الرّغائب التي تلحّ عليهم.



استمرّ النّاس على أن ينتهجوا طرائق متنوّعة في معالجتهم الوقائع المختلفة، التي كانت تظهر في مجرى الحياة التي يعيشونها، وكانت تختلف أحياناً كثيرة تلك الآماد، التي يبلغها عزمهم على أن يأخذوا بتلك السّنن المتنوّعة، التي كانوا يتّبعونها في تصرّفهم في الأحداث المختلفة التي يتصدّون لها، إذ كانوا يحرصون على أن يداوموا على انتهاج طرائق محدّدة، من دون أن يتردّدوا في المضيّ فيها، وكانت تلك الطّرائق ذاتها التي يدأبون أشدّ الدّأب في أن يواظبوا على أن يتّبعوها، في تعاملهم مع الأحداث التي تطرأ عليهم، تندرج أيضاً في مجموعة تلك السّنن، التي اهتدت بها الأجيال المتتالية في تنظيمها أحوال معيشتها، فكانت تلك الأقوام المتعاقبة، تتناقل فيما بينها تلك السّنن التي كانت اتّبعت في أزمنة خلت، في تلك المجتمعات التي اكتنفت أولئك النّاس الذين أخذوا بتلك السّنن المتوارثة، التي كانت غالبيّتها كوّنت جملة العادات والتّقاليد التي ما برحت تتمسّك بها الأجيال المتتالية، إذ كان ينقل الخلف عن السّلف تلك التّقاليد، التي ما برح يتوطّد تمسّك النّاس بها، كلّما مرّت الأزمنة الممتدّة على تلك التّقاليد المتوارثة، التي كانت تسكن إليها نفوس الأفراد الذين مالوا إلى أن يتشبّثو بها.

تهيّأت في تلك العصور التي تطاولت على العادات والتّقاليد المتوارثة، أن ينبعث عند أولئك الأفراد الذين أخذوا بتلك التّقاليد، ذلك الشّعورُ بالسّكينة والاستقرار، اللذين مكّن رسوخهما في نفوس هؤلاء النّاس، مواصلة الأجيال المتعاقبة الأخذ بتلك العادات، التي ربّما لم تكن في ذلك الأوان الغابر الذي نشأت فيه، تبعث في نفوس النّاس، الذين ابتدؤوا في أن يستنّوا بها، ذلك القدر الكبير من الشّعور بالسّكينة، الذي بعثته تلك التّقاليد في أنفس الأفراد الذين عاشوا في تلك الأزمنة، التي أعقبت ذلك الحين الذي نشأت فيه تلك التّقاليد، التي كانت المكانة التي تحلّ بها، تعلو عند الأفراد كلّما طال الزّمن على تلك الفترة التي انبعثت فيها، وقد كانت في أحيان كثيرة، تغيب عن أذهان النّاس تلك الحاجة التي دفعت إلى نشوء تلك التّقاليد، وخصوصاً عندما تمرّ على ذلك الوقت الذي قامت فيه، العصور الطّويلة، وكانت تلك العادات والتّقاليد قد استخلصت من حصيلة الخبرات التي تتراكم عند الأفراد، الذين ما برحوا يلجّون في اعتبارهم تلك التّقاليد معياراً، يحدّدون به آراؤهم في أحوال وأشكال تلك المعيشة التي يحيونها، وغالباً ما كانت تلك التّقاليد تتّسم بثباتها الدّائم، حتّى أنّه كان الأفراد الذين يأخذون بها، يرفضون أن يحيدوا عن أن يتّبعوها، ويحاذرون أن يتهاونوا في التّمسّك بها، ويجهدون في أن يزيدوا منعة تلك التّقاليد في المجتمع الذي ينضمون إليه، حتّى أنّهم لا يتوانون في أن يحبطوا المساعي التي قد يأتيها بعض الأفراد، الذين يقصدون إلى أن يتنصّلوا من التّشبّث بتلك العادات المتوارثة.

 

لم يكن يتأتّى للأجيال المتعاقبة أن تنفكّ من قيد العديد من تلك التّقاليد، التي ظلّت عصيّة على التّغيير، ومنيعة على التّبدّل، وكان يمتدّ ذلك المجال الذي يتحقّق فيه نفوذ تلك التّقاليد، حتّى يشمل أنشطة مختلفة شتّى، كانت تمارس في المجتمعات التي ترسخ فيها تلك التّقاليد، التي حدّدت آراء النّاس في العديد من القيم والمبادئ السّياسيّة والأخلاقيّة، التي كانوا يتطرّقون إلى النّظر فيها، وكثيراً ما كان النّاس يميلون إلى أن يعتقدوا أنّ تلك التّقاليد هي الحصن المنيع، الذي يصون ويحمي المجتمعات التي يعيشون فيها، فيظنّون أنّ تلك التّقاليد هي الدّعائم الثّابتة والرّكائز الوطيدة التي تقوم عليها الجماعات المختلفة، التي ينضمّون إليها، وتعتبر تلك العادات والتّقاليد قوانين غير مكتوبة، فهي غير مسطورة في لوائح القواعد التي تنظّم التّصرّفات التي يأتيها النّاس، وهي غير مرقومة في الكتب التي تنصّ فيها على المبادئ، التي يقوم عليها السّلوك الذي يجب أن يتّبعه الأفراد، وكثيراً ما كانت الأقوام تهتدي بتلك العادات والتّقاليد، في سعيها إلى أن تسنّ تلك التّشريعات التي تنظّم بها المناشط المتنوّعة التي كانت تنشئها، وغالباً ما كانت تلك التّقاليد تتصادم مع تلك الحاجات المستجدّة في حياة النّاس، الذين كان يحول تقيّد البعض منهم بتلك العادات المتوارثة، دون أن يتّبع سنناً جديدة قد تفضل على تلك التّقاليد المتوارثة، في تمهيد السّبيل إلى تحقيق تلك الرّغائب الجديدة التي تنبعث في نفوس أولئك النّاس، الذين كان يتعذّر عليهم في العديد من الأحيان أن يتبيّنوا بضحة، ذلك التّعارض الحاصل بين تلك التّقاليد والعادات، وتلك السّنن والقواعد التي كان يتطّلب نشوؤها، تحقّق رغائبهم المستحدثة، وإذا ما كانت تلك العادات التي يتشبّث بها هؤلاء النّاس، تنطوي على الأفكار البالية والمعتقدات المتهافتة، فتكون حينئذ وطأة هذه التّقاليد والعادات شديدة على أولئك الأناس الذين يأخذون بها.