أقبل المستثمرون على أن يضخّوا أموالهم في تلك المشاريع التي أنشئت في بلدان النّمور الآسيويّة، التي تحقّقت فيها عمليّة الانفتاح الاقتصاديّ، حيث تيسّرت لأصحاب رؤوس الأموال الأسباب الملائمة، التي حفزتهم إلى أن يستثمروا في تلك البلاد أموالهم، بيد أنّ لم يكد يرى هؤلاء المستثمرون في عام 1997 الدّلائل على اندلاع شرر الأزمة الماليّة في بلدان جنوب وشرق آسيا، حتّى أخذوا في أن يسحبوا أموالهم من تلك البلاد الآسيويّة، ثمّ سعوا إلى أن يحوّلوها إلى بلدان أخرى في هذا العالم، وقد أدّت عمليّة سحب تلك الأموال الذي أنجزه هؤلاء المستثمرون، إلى أن تزداد أوضاع المناشط الاقتصاديّة سوءاً في تلك البلدان الآسيويّة، التي اعتقد فيها العديد من الأشخاص الذين تصدّوا لمعالجة تلك الأزمة الماليّة، أنّه "لا بدّ من إدخال الرّقابة على حساب رأس المال، أي على انتقال رؤوس الأموال"(1)، وقد كانت تلك الدّول الآسيويّة ألغت الرّقابة على عمليّات الصّرف الأجنبيّ، منذ أن أخذت في تنفيذ عمليّة الانفتاح الاقتصاديّ.

تعدّدت أنماط تلك الأضرار التي ألحقها نشوء الأزمة الماليّة، بتلك الشّركات الإنتاجيّة في بلدان النّمور الآسيويّة، التي كان دعي فيها إلى أن تدرج الرّقابة على حركة رؤوس الأموال، في عداد تلك المساعي التي يتصرّف بها في معالجة الأزمة الماليّة، التي وقعت فيها تلك البلدان الآسيويّة، فتكون تلك الرّقابة آنئذ هي "رقابة لاحقة لحدوث الأزمة وليست رقابة واقية، بمعنى آخر هي رقابة ذات طابع علاجيّ بهدف وقف استفحال الأزمة"(2)، وفكرة الرّقابة في ذاتها، لم تكن لتثير في نفوس الأفراد الذين ينظرون في أوضاع المناشط الاقتصاديّة القائمة في تلك البلدان الآسيويّة، دوافع الاعتراض والاحتجاج على تحقيق تلك الرّقابة، بيد أنّ شكّك في جدوى إقرار الأخذ بتلك الرّقابة في ذلك الأوان، عند نشوء تلك الأزمة الماليّة، حيث اعترض على "التّدخل لفرض هذه الرّقابة والتّنظيم، أو فرض نوع من القيود في أثناء الأزمة، ذلك أنّ مثل هذا الإجراء قد يكون من شأنه زيادة النّار اشتعالاً، بمعنى أن يكون كمن صبّ الزّيت على النّار ليزيدها اشتعالاً"(3)، فإذا كانت تلك الأزمة الماليّة التي وقعت فيها تلك الدّول الآسيويّة، واسعة في امتداها حتّى شملت مناشط اقتصاديّة عديدة، فإنّ الخلاف كان كبيراً أيضاً بين وجهات نظر أولئك الأفراد، الذين تصدّوا للبحث عن تلك الطّرائق الملائمة لمعالجة تلك الأزمة الماليّة الضّارية.

كان مقدار الأموال الوفيرة التي غادرت تلك البلدان الآسيويّة، دفع أفراد عديدين إلى أن يلحّوا على أن يثيروا مناقشة مسألة الرّقابة على حساب رأس المال، في تلك الحوارات التي كان يتطرّق فيها إلى النّظر في أوضاع الأنشطة الاقتصاديّة، في بلدان جنوب وشرق آسيا بعد أن نشأت فيها تلك الأزمة الماليّة، ولا سيّما أنّه "كانت الرّؤية السّائدة في ذلك الوقت، أنّ استمرار خروج رأس المال من دول الأزمة الآسيويّة، سوف يحول دون إمكانيّة إنعاش الطّلب المحلّيّ، عن طريق زيادة الإنفاق وتخفيض سعر الفائدة، وبالتّالي استرداد هذه الاقتصاديّات لعافيّتها ووضعها على طريق النّمو مرّة أخرى"(4)، وكانت مجموعة من الأفراد حبّذت تطبيق تلك الرّقابة، حيث رأت "ضرورة إدخال إجراءات محدّدة لغرض تقييد ومنع خروج رأس المال إلى أن تعود الثّقة مرّة أخرى.... ذلك أنّ المطلوب والمطروح كان هو فرض نوع من حظر التّجوّل على رأس المال، ولفترة محدّدة كجزء من إستراتيجيّة الانتعاش الاقتصاديّ، وذلك في شكل قيود مؤقّته على قدرة المستثمرين في إخراج أموالهم من دول الأزمة"(5)، إلّا أنّ ذلك الرّأي الذي أفصح عنه هؤلاء الأشخاص، الذين دعوا إلى تطبيق الرّقابة على حساب رأس المال، لم يسلم من نقد الطّاعنين في فكرة الأخذ بتلك الرّقابة، حيث "تعالت أيضاً نبرات الأصوات المعارضة لهذه السّياسة، على أساس أنّ الرّقابة على حساب رأس المال في الحدود السّابقة، سوف تؤدّي إلى كارثة في شكل انهيار اقتصاديّ، وتضخّم جامح، واتّساع نطاق السّوق السّوداء"(6)، فاندفعت فئة من الأفراد في أن تقدح في فكرة تقييد حرّيّة تنقل رؤوس الأموال، إذ رأت أنّ تطبيق تلك الرّقابة سيفاقم تأزّم أوضاع الشّركات والمؤسّسات الاقتصاديّة، التي كانت تعاني أساساً قساوة الانهيار الشّديد.

أيّد أفراد عديدون تنفيذ عمليّة تلك الرّقابة على حساب رأس المال، حيث تحمّسوا لأن تبذل الجهود في السّعي إلى الحيلولة دون أن تسحب الأموال من تلك البلاد الآسيويّة، فاعتقد أنّه ينجم عن عمليّة منع تحويل حساب رأس المال "أنّ رؤوس الأموال التي تمّ حبسها في الدّاخل أو التي بقيت داخل المصيدة لا تستطيع الخروج، ولا تستطيع أنّ تدفع سعر الصّرف إلى أسفل، وبالتّالي لا تستطيع تضخيم الأزمة، وبالتّالي تصبح هذه الأموال جزءاً من الحلّ بدلاً من أن تكون سبباً في استفحال الأزمة"(7)، إلّا أنّ ما لبث أن تصدّى أشخاص آخرون لذاك الرّأي، الذي اعتنقه هؤلاء الأفراد الذين نادوا بتطبيق تلك الرّقابة، فصدرت من أشخاص  عديدين في تلك البلاد الآسيويّة، الدّعوة إلى تأييد تحقّق عمليّة تحويل رؤوس الأموال، حيث اعتقد أنّ "في بعض الأحيان قد يكون من المفيد إدخال بعض إجراءات الرّقابة على حساب رأس المال، إذ قد يترتّب على ذلك تحديد ومحاصرة الأضرار الحاليّة، ولكنّ ذلك ينطوي على نظرة سطحيّة للأمور، حيث قد يتسبّب عن هذا الإجراء انتقال عدوى الأزمة إلى الدّول الأخرى، دون أن يكون ذلك مقصوداً. فالخوف من انتشار الأزمة قد يدفع المستثمرين إلى اتّخاذ خطوة وقائيّة في كلّ مكان، وذلك عن طريق سحب أموالهم والخروج بها بدلاً من انتظار وصول أنباء سيّئة، وهو ما يترتّب عليه نتائج خطيرة وسلبيّة"(8)، فكان أولئك الأفراد الذين عارضوا تقييد تحويل رأس المال، يمتدّ نظرهم إلى تلك الآماد البعيدة، التي يستطلعون فيها تلك الأوضاع، التي سيفضي إليها تطبيق تلك الرّقابة على تحويل رأس المال.

ما برح النّقاش يحتدم بين هؤلاء الأفراد، الذين تباحثوا في مسألة معالجة تلك الأزمة الماليّة التي وقعت فيها تلك البلدان الآسيويّة، وقد كان كلّ طرف في تلك الحوارات، يعمد إلى أن يورد الحجج التي تسند آراءه وتدعم وجهة نظره، وغالباً ما كان كلّ من أولئك المتحاورين، يستشهد بتلك النّتائج العمليّة التي كانت تفضي إليها التّصرّفات، التي كانت يتناول فيها تلك الأزمة الماليّة، فكان الأشخاص الذين يؤيدون سياسة تقييد تنقّل رؤوس الأموال، يستحضرون في إفصاحهم عن أفكارهم التي اعتنقوها، تلك المساعي التي تحقّقت في ماليزيا في معالجة تلك الأزمة الماليّة، حيث كانت "الخبرة الماليزيّة تشير وبشكل لا يدع مجالاً للشّكّ، إلى نجاح التّجربة في فرض قيود على حركة رؤوس الأموال نجاحاً تامّاً، ولم تتحقّق أيّ من نبوءة المعارضين لهذه السّياسة"(9)، وكانت عمليّة تقييد حركة انتقال رؤوس الأموال في ماليزيا "انتقائيّة وتمّت بعناية شديدة، وصاحب تطبيقها إصلاحات اقتصاديّة مهمّة مثل إعادة هيكلة وتقوية قواعد الجهاز المصرفيّ، ومع حلول صيف 1999 ألغيت القيود على خروج الأموال، ومع ذلك لم تخرج رؤوس الأموال"(10)، وقد أدّت تلك التّصرفات التي أقرّت في ماليزيا إلى أن تسلك هذه الدّولة الآسيويّة "طريق الانتعاش الاقتصاديّ واسترداد عافيّتها الاقتصاديّة بخطى ثابتة"(11)، وعلى الرّغم من مسك الختام الذي أفضت إليه تلك الطّريقة، التي اتّبعتها ماليزيا في تطبيقها الرّقابة على تحويل رأس المال، بيد أنّ ذلك البلد الآسيويّ لم يسلم من الاعتراض على ذلك الخطاب السّياسيّ والإعلاميّ الذي تحدّث به في ماليزيا، لتبرير تنفيذ المساعي، التي كانت أقرّت في معالجة تلك الأزمة الماليّة التي وقعت ماليزيا فيها.

كانت النّتيجة التي استخلصت من الخبرة التي حصّلتها ماليزيا، في معالجة أزمتها الماليّة، تؤكّد أنّه "في الإمكان فرض قيود على حساب رأس المال في أثناء الأزمة الماليّة"(12)، وكان في الأوان الذي سبق موعد نشوء الأزمة الماليّة في بلدان النّمور الآسيويّة، وقبل أن تحدث تلك التّجربة الماليزيّة، يظنّ "أنّ الأزمة الماليّة إنّما تتعمّق بفعل منطق دائريّ يدفعه الهلع والذّعر الماليّ، وأنّ أقلّ ما يمكن القيام به هو إعادة جدولة القروض المصرفيّة، واتّخاذ بعض الإجراءات والانتظار إلى أن تعود الثّقة مرّة أخرى. أمّا البديل الآخر وهو القيود المؤقّتة على خروج أو هروب رؤوس الأموال، حتّى يمكن التقاط الأنفاس، فكان في عداد المستحيلات"(13)، فدحضت التّجربة العمليّة التي أنجزتها ماليزيا، تلك الحجج التي تعلّل بها أولئك الاقتصاديّون الذين عارضوا تقييد عمليّة تحويل الأموال.

إنّ أولئك الأفراد الذين لم يقبلوا بفرض القيود على حركة رؤوس الأموال، في أثناء اندلاع شرر الأزمة الماليّة، لم تنقطع حججهم، التي نافحوا بها عن آرائهم التي كانوا يعتنقونها، إذ اندفعوا في الحديث عن "تجربة أخرى ناجحة دون أن تصاحبها رقابة أو قيود ما على حساب رأس المال، ألا وهي التّجربة الكوريّة. فلا يختلف اثنان على أنّ انتعاش الاقتصاد الكوريّ قد حدث بسرعة فائقة لم يكن أحد يتوقّعها، وذلك على الرّغم من عدم فرض أيّة قيود على حركات رؤوس الأموال.... ويمكن القول أيضاً وبدرجة عالية من الدّقّة إنّ تايلاند على طريق الانتعاش والنّمو السّريع مرّة أخرى، دون وجود قيود على حساب رأس المال"(14)، ويجدر بمن ينظر في تلك المساعي، التي عالجت فيها كوريا الجنوبيّة تلك الأزمة الماليّة التي أصابتها، أن يستذكر أنّها "قد انفردت دون غيرها بإعادة جدولة قروضها في الأشهر الأولى لأزمتها في نهاية عام 1997 وبداية عام 1998"(15)، فيجب ملاحظة تلك الوسائل، التي تأتّى لكوريا الجنوبيّة أن تتذرّع بها إلى معالجة أزمتها الماليّة، وإنّ كانت اختلفت تلك الحلول التي طبّقتها دول النّمور الآسيويّة، في معالجتها تلك الأزمة الماليّة التي وقعت فيها، فلأن كلّ من تلك الدّول ارتأت أنّ تمضي على تطبيق الحلّ، الذي يلائم أوضاع الشّركات والمؤسّسات الاقتصاديّة التي كانت أنشئت في تلك الدّولة الآسيويّة.

تطلّعت دول النّمور الآسيويّة إلى أن تنجح في معالجتها الأزمة الماليّة التي أصابت مؤسّساتها الماليّة والإنتاجيّة، وقد تطلّب تحقيقها النّجاح في بلوغها تلك الأهداف التي كانت تطمح إليها، أن تكون متأنّية ومدقّقة في إقرار التّصرّفات المناسبة في تصدّيها لتلك الأزمة التي وقعت فيها، فإن لم تهتد إلى اتّخاذ التّصرّف الملائم لمعالجة تدهور أوضاع شركاتها ومؤسّساتها الاستثماريّة، فإنّها قد تتسبّب باستشراء أضرار تلك الأزمة الماليّة التي نشأت في تلك الدول الآسيويّة، وكان طعن في العديد من تلك المساعي، التي أقرّها بعض بلدان النّمور الآسيويّة في معالجة تلك الأزمة الماليّة، فكانت كوريا الجنوبيّة، على سبيل المثال، انتقدت على إتيانها ذلك المسعى الذي بادرت فيه إلى منع حيازة "النّقد الأجنبيّ بغرض التّعامل في سوق العقار"(16)، وقد حدّدت المضارّ التي قد تنجم عن ذلك التّصرّف، الذي أتته تلك الدّولة الآسيويّة، حيث انعدم الشّكّ في "أنّ هذه الإجراءات على الرّغم من كونها ربّما لا تبدو عميقة الأثر، إلّا أنّ خطورتها تكمن في إشعار المتعاملين في الأسواق الماليّة أنّ قواعد اللّعبة قد تغيّرت، وبالتّالي فإنّ الحلّ الأمثل في مثل هذه الحالة هو ترك آليّة السّوق تؤدّي دورها، حتّى تصل المتغيّرات إلى قيمتها التّوازنيّة الجديدة"(17)، وعلى الرّغم من أنّه كان وجد تشابه جليّ، بين العديد من أحوال تلك المناشط الاقتصاديّة في تلك الدّول الآسيويّة، إلّا أنّه قد اختلفت الطّرائق التي اتّبعتها تلك الدّول الآسيويّة في معالجة أزمتها الماليّة، إذ أتت كلّ من تلك الدّول، المساعي التي تناسب شؤونها الاقتصاديّة الخاصّة، التي كانت تميّزت بها عن سائر البلدان الآسيويّة، وكان ذلك التّباين الحاصل في الطّرائق التي اتبّعت في معالجة الأزمة الماليّة في دول النّمور الآسيويّة، نجم أيضاً عن تنوّع تلك الوسائل، التي أتيح لتلك الدّول الآسيويّة أن تتذرّع بها إلى معالجة تلك الأزمة الماليّة الطّاحنة، التي كانت وقعت فيها.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص269.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق، ص201.

4- المصدر السّابق، ص270.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق، ص269.

8- المصدر السّابق.

9- المصدر السّابق، ص270.

10- المصدر السابق.

11- المصدر السّابق، ص271.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق.

15- المصدر السّابق.

16- المصدر السّابق، ص201.

 

17- المصدر السّابق.



يعمد أفراد عديدون في أنحاء شتّى في العالم، إلى أن يشاهدوا وقائع المباريات الرّياضيّة، ويدأبون في أن يمنّوا أنفسهم بأن يستمتعوا بتفرّجهم على مجريات التّنافس الشّديد, الذي يجري في ميادين الرّياضة، حيث تعدّ تلك المنافسة القويّة التي تنشأ بين اللّاعبين المتبارين, أبرز البواعث التي تحثّ الجمهور على متابعة المباريات الرّياضيّة، وغالباً ما تكون فئة كبيرة من أولئك الأشخاص الذين يقصدون إلى الوقوف على ذلك التّباري الرّياضيّ، قد عمدت إلى أن تخصّ أحد الطّرفين المتباريّين، بدعائم المساندة التي لن تضنّ بها على أولئك الرّياضيّين، الذين عزمت تلك الجماهير على أن تشجّعهم على تحقيق الفوز في تلك المباراة، التي يخوضون غمارها، فلا يكتفي أفراد ذلك الجمهور بتحقيق رغائبهم في رؤية اشتداد ذلك التّنافس بين الرّياضيّين المتبارين، بل إنّهم يتطلّعون أيضاً إلى أن يتمكّن أولئك الرّياضيّون الذين آثروهم بتشجيعهم الدّائم، من أن يحقّقوا الانتصار في تلك المباراة الرّياضيّة التي يؤدّونها، فلا يفتر ذلك الجمهور في أن يدعم أولئك الرّياضيّين، الذين يميل إلى أن يشجّعهم على التّفوّق على منافسيهم في ميدان الرّياضة، ويأمل ذلك الجمهور أن يكون أولئك الرّياضيّين الذين خصّوهم بدعمهم الثّابت، جديرين بتحقيق الفوز في تلك المباراة الرّياضيّة التي كان يتابعها أفراد ذلك الجمهور، فيرغب هؤلاء المشجّعون في أن تكون النّتيجة، التي تفضي إليها أحداث التّنافس الرّياضيّ الذي شاهدوه، عادلةً ومنصفة، كي يكتمل حينئذ عند أفراد الجمهور إحساسهم بالمتّعة بمشاهدة وقائع ذلك التّباري الرّياضيّ.

تحرص اتّحادات الألعاب الرّياضيّة جميعها، على أن تراعي تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص بين اللّاعبين المتبارين، كي يتحقّق ذلك العدل والإنصاف في نطاق المنافسات الرّياضيّة، ويعتبر العدل هو القيمة الأساسيّة "في جميع العلوم المعياريّة كالحقوق، والأخلاق، التي تنظّم، بشكل مباشر أو غير مباشر، علاقة الفرد بأقرانه"، فيتوخّى تحقيق ذلك العدل كي يحظى" كلّ صاحب حقّ بحقّه"، وأن يدرك بيسر وسهولة ذلك الحقّ، متبّعاً الطّرق الممهّدة التي تفضي به إلى إدراك تلك الغاية التي يتطلّع إليها، فتغيب كلّ العراقيل عن السّبيل التي تؤدّي إلى أن يتمتّع الإنسان بالحقّ الذي خصّص له، فلا توضع أمامه العقبات، ولا تبرز الموانع، التي تعوقه عن أن يدرك غايته في أن ينال حقّه, ويشتدّ حرص تلك الاتّحادات الرّياضيّة على تحقيق ذلك التّكافؤ في الفرص بين اللّاعبين، كي تدفع أفراد الجمهور إلى أن يتقبّلوا راضين بنتيجة تلك المباراة التي يتفرّجون عليها، حتّى لو كانت تلك النّتيجة قد خيّبت آمالهم، وأحبطت توقّعاتهم بانتصار أولئك الرّياضيّين الذين كانوا ينحازون إليهم، ويخصّونهم بتشجيعهم ودعمهم الكبيرين.

إنّ القوانين التي تنظّم مجريات التّباري في ميادين الرّياضة، توجب أن يكون الطّرفان المتنافسان متساويين ومتماثلين في تقيّدهما بتطبيق الموادّ، التي تنصّ عليها قوانين الألعاب الرّياضيّة، حيث يتحقّق آنئذ مبدأ العدل في ذلك التّباري الرّياضيّ، والعدل في أصله اللّغويّ هو "مستمدّ من حياة البداوة، فقد كان البدو في رحلات متتابعة بحثاً عن الماء والكلأ، وكانوا حين يرحلون يعدّون أمتعة البيت، ويحزمونها من أجل حملها على الجمال. وكانوا يقسمونها أقساماً متساوية يسمّونها بالأعدال لتكون متعادلة على جنبي البعير أو الجمل. ومن هنا جاء: عادلت بين الشّئين _أي سوّيت بينهما_ ومن هنا جاءت أيضاً تسمية العِرارتين بالعديلتين من حيث أنّهما تتعادلان على جنبي البعير"(1)، ويرمز إلى العدالة بالميزان المتساوي الكفّتين، وهي "شكّلت منذ فجر التّاريخ ولا تزال المثل الأعلى لكلّ المجتمعات البشريّة"، وقد راعى كلّ من اتّحادات الألعاب الرّياضيّة، والهيئات التي تشرف على إقامة المباريات الرّياضيّة، أن تطبّق قوانين اللّعبة الرّياضيّة ذاتها على اللّاعبين المتبارين جميعهم, حيث لجأت تلك الاتّحادات الرّياضيّة إلى أن تنتدب أشخاصاً ضليعين في قوانين الألعاب الرّياضيّة، ليشرفوا على تطبيق تلك القوانين في المباريات، التي تجمع بين الرّياضيّين المتبارين، وقد أطلق على هؤلاء الأشخاص كلمة الحكّام، وهم فوّضوا أن يصدروا القرارات والأحكام في تلك الحالات التي يتطلّب فيها تطبيق الموادّ، التي تنصّ عليها قوانين الألعاب الرّياضيّة.

إنّ المهمّة التي ينفّذها الحكم الرّياضيّ في الملعب، تشابه الأعمال التي يؤدّيها القاضي في جلسات المحاكم التي تعقد لتبتّ فيها الأحكام القضائيّة، فيطلب من الحكم أن يطبّق القوانين الرّياضيّة بعدل على المتنافسين الرّياضيّين، وأن يشرف على تنفيذ تلك الأحكام وفق القواعد التي ذكرت في لوائح قوانين اللّعبة الرّياضيّة، كي تتحقّق العدالة في المباريات الرّياضيّة في أنصع صورها، وأبهى حالاتها، ومن دون أن تشوب القرارات والأحكام التي يصدرها ذلك الحكم الرياضيّ، شوائب الظّلم أو الجور، وإذا نظرنا في كلمة الحكم ذاتها، فإنّها تعني في أحد مدلولاتها في اللغة العربيّة من يُختار للفصل بين المتنازعين، فهي تدلّ على القاضي، والكلمة التي تقابل هذه الكلمة العربيّة، في اللّغتين الفرنسيّة والانكليزيّة، تدلّ أيضاً على القاضي، وكثيراً ما يطلق النّاس في أحاديثهم عن المباريات الرّياضيّة، كلمة القاضي على الحكم الرّياضيّ، ولا غرابة من أن يسمّي هؤلاء النّاس الحكم الرّياضيّ بتلك الكلمة تحديداً، لأنّ ذلك الشّبه الذي أوجده النّاس بين الأعمال التي يؤدّيها كلّ من الحكم الرّياضيّ والقاضي، لم ينشأ عبثاً، ولم تطلق كلمة القاضي اعتباطاً على الحكم الرّياضيّ، الذي خوّل إليه تطبيق قواعد الألعاب الرّياضيّة في تلك المباراة، التي يتولّى عمليّة التّحكيم فيها، حيث يكون الحكم الرّياضيّ هو القاضي في الملعب, وقد يثار أحياناً كثيرة النّقاش بين العديد من الأشخاص، في تلك الأحكام التي يصدرها الحكّام في منافسات رياضيّة شتّى، وقد كان عدد من تلك النّقاشات التي دارت بين أولئك الأفراد، يمتدّ إلى أمد قصيّ، من دون أن تحسم مجادلاتهم في تلك الطّرائق، التي طبّقت فيها قوانين الألعاب على الرّياضيّين المتنافسين في ميادين الرّياضة.

(1) الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، معهد الإنماء العربيّ، المجلّد الأوّل (الاصطلاحات والمفاهيم)، الطّبعة الأولى 1986، ص579، 580.



تسبّب نشوء الأزمة التي أصابت الأسواق الماليّة في دول جنوب وشرق آسيا، بانهيار العديد من المناشط الاقتصاديّة، التي ظنّ أنّها ستكون في منأى عن المضارّ النّاجمة عن الأزمة الماليّة، التي لم تنحصر في نطاق أسعار الصّرف والمعاملات الماليّة، إذ بلغت تلك الأزمة مناشط اقتصاديّة، لم تندرج في نطاق الأسواق الماليّة، فكان "التّصوّر السّائد.... أنّ الأزمة انفجرت في القطّاع الماليّ وترتبط بالمؤشّرات الماليّة، وأنّ الاقتصاد الحقيقيّ سليم تماماً وحركة مؤشّراته لم يصبها أيّ شيء، وأنّ الأزمة سوف تظلّ محصورة داخل القطّاع الماليّ، أمّا القطّاع الحقيقيّ فهو بخير. وقد ثبت زيف هذه الحجّة وتلك الفرضيّة، فالارتباط المتبادل بين النّشاط الماليّ والنّشاط الحقيقيّ ارتباط قويّ، كان من شأنه أن انتقلت الأزمة إلى الاقتصاد الحقيقيّ وبصورة سريعة وحاسمة، وأدّت إلى تراجع بل وتقلّص شديد في النّشاط الاقتصاديّ غير مسبوق"(1)، وإذا حدّدت تلك الأزمة التي أصابت تلك الدّول الآسيويّة، بأنّها أزمة ماليّة، إلّا أنّه كان تأثير تلك الأزمة "على الثّروة وحقوق الملكيّة عنيفاً، ممّا ترتّب عليه إفلاس العديد من وحدات قطّاع الأعمال في أيام قليلة، وهو أمر كان له تأثير أيضاً على القطّاع المصرفيّ. فالأزمة الماليّة أدّى غبارها إلى التّأثير على القطّاع الحقيقيّ، وتراجع القطّاع الحقيقيّ أدّى إلى تعميق الأزمة الماليّة من خلال تأثيره على القطّاع المصرفيّ"(2)، فأصابت تلك الأزمة الماليّة الاقتصاد الحقيقيّ وهو قطّاعات إنتاج السّلع والخدمات، فانتقلت تلك الأزمة إلى ذلك الاقتصاد العينيّ، بعد أنّ تجلّى في بداية نشوء تلك الأزمة، انهيار أسعار الصّرف وتقهقر أسعار الأصول الماليّة التي انحدرت قيمتها انحداراً شديداً.

بلغ امتداد تلك الأزمة الماليّة التي وقعت فيها دول النّمور الآسيويّة، إلى القطّاع المصرفيّ حيث "كان الوجه الآخر لانهيار أسعار الصّرف وأسعار الأصول الماليّة (الأسهم) هو تصاعد حجم الدّيون غير المنتظمة لدى الجهاز المصرفيّ، وزاد من حدّة هذا الأمر محاولات بعض السّلطات النّقديّة في هذه الدّول رفع سعر الفائدة لوقف تدهور أسعار الصّرف، حيث زاد ذلك من أعباء السّداد ممّا أدّى إلى تزايد عبء سداد الدّيون لوحدات القطّاع الأعمال ومن ثمّ تزايد حجم الدّيون غير المنتظمة لدى الجهاز المصرفيّ"(3)، فأدّى وقوع تلك المصارف في تلك الأزمة الماليّة، إلى أن تصبح "عاجزة عن سداد التزاماتها الخارجيّة"(4)، فتضرّرت الشّركات الإنتاجيّة ووحدات قطّاع الأعمال ضرراً بالغاً، إذ تعرّضت تلك الشّركات "لصعوبات عديدة في الحصول على الائتمان لتشغيل طاقاتها وسداد التزاماتها، ويرجع ذلك إلى عدم قدرتها على سداد التزاماتها الأولى، نظراً لانهيار أسعار الصّرف وقيم الضّمانات (الأصول الماليّة)"(5)، وممّا زاد الطّين بلّة والمشاكل علّة عند تلك الشّركات الإنتاجيّة، أنّ البنوك "تردّدت في منح الائتمان الجديد لها نظراً لاعتبارات المخاطر من ناحية ونتيجة لتزايد حجم الدّيون عير المنتظمة لديها من ناحية أخرى. وهكذا نشأت أزمة شحّ في السّيولة وأزمة شحّ في الائتمان لدى قطّاعات الإنتاج، ممّا أدّى إلى تراجع في معدّلات الإنتاج في جميع القطّاعات"(6)، فتعرقلت الأعمال التي كانت تنفّذها تلك الشّركات الصّناعيّة الإنتاجيّة، التي كانت المناشط التي تؤدّيها، تندرج أساساً في نطاق الاقتصاد الحقيقيّ.

كانت الأزمة الماليّة التي وقعت فيها تلك الدّول الآسيويّة، تمتدّ حتّى شملت العديد من فئات المجتمع، حيث رجع من تقهقر أسعار الأصول المتنوّعة، الضّررُ على "الثّروة أو حقوق الملكيّة سواء في وحدات قطّاع الأعمال أو وحدات القطّاع العائليّ، ممّا أثّر سالباً على الثّروة كان من نتيجته تراجع كلّ من الإنفاق النّهائيّ الاستهلاكيّ والاستثماريّ ممّا أدّى إلى التّأثير سلباً على معدّلات نمو الناتج المحلّيّ الإجماليّ والقطّاعيّ، وقد أدّت هذه العوامل إلى تراجع نشاط وحدات قطّاع الأعمال، وبالتّاليّ تراجع معدّلات أرباحها بشكل ملحوظ، وهو من العوامل التي ساعدت أيضاً على تراجع مؤشّرات الأسهم في بورصات هذه الدّول"(7)، فظلّت تلك الأزمة الماليّة، تشتدّ حتّى أحاطت بالعديد من تلك المناشط الجارية في بلدان الاقتصاديّات النّاشئة الآسيويّة، التي سبّب أيضاً تردي الأوضاع الاقتصاديّة فيها، بتأزّم معيشة النّاس في تلك البلدان الآسيويّة.

لم تكن أسواق رأس المال في تلك الدّول الآسيويّة، مهيأة لأن يدار فيها بكفاءة ذلك القدر من رؤوس الأموال، التي توفّرت في تلك الأسواق الماليّة، وقد كانت الشّركات الإنتاجيّة في تلك البلدان الآسيويّة، تعتمد على الائتمان المصرفيّ، في سعيها إلى الحصول على الأموال التي كانت بحاجة إليها، وقد تحدّد شحّ الائتمان الذي نجم عن اندلاع شرر تلك الأزمة، بأنّه كان "شحّاً مصرفيّاً؛ إذ ترتّب على انهيار أسواق الأصول وارتفاع أسعار الفائدة وتدهور سعر الصّرف، إخلال العديد من وحدات قطّاع الأعمال بالتزاماتها الماليّة تجاه البنوك، ممّا أدّى إلى زيادة حجم ونسبة الأصول المتعثّرة في محافظ البنوك الائتمانيّة، وهو ما يؤثّر في ربحيّتها، وكان تآكل قاعدتها الرّأسماليّة يهدّد تقييم بيوت الجدارة الائتمانيّة العالميّة لها، ويؤثر في مسألة منح خطوط الائتمان لها من البنوك العالميّة"(8)، وكانت البنوك في تلك الدّول الآسيويّة عمدت إلى الإحجام عن "منح ائتمان جديد حتّى للشّركات ذات البيانات الماليّة السّليمة نظراً لعدم قدرة هذه الشّركات على سداد التزاماتها القديمة كلّيّة، ولم تكن هذه الشّركات قادرة على الوفاء بالتزاماتها في ظلّ الأعباء الجديدة، ما لم تحصل على ائتمان جديد يمكّنها من تشغيل طاقاتها الإنتاجيّة، وبالتّالي زيادة تدفّقاتها النّقديّة لتتمكّن من الوفاء بالتزاماتها"(9)، ومن يتأمّل في تلك المصاعب المتفاقمة التي عانتها تلك الشّركات، سرعان ما يأخذه العجب من تلك الحالة التي آلت إليها أوضاع تلك الشّركات، ويعتقد حقّاً أنّ "الغريب أنّ بعض الشّركات التّصديريّة وقعت فريسة لهذه الحلقة المفرغة"(10)، فاشتدّ تقهقر أوضاع تلك الشّركات الإنتاجيّة في بلدان النّمور الآسيويّة، من دون أن يقدّم إليها الحلّ الذي يتيح لتلك الشّركات تحقيق الانفراج من تلك الأزمة الطّاحنة التي وقعت فيها.

أدّى نشوء الأزمة التي أصابت الأسواق الماليّة في دول الاقتصادات الآسيويّة النّاشئة، إلى أن تقع جموع العمّال في شراك البطالة، وقد تدهور في تلك الدّول الآسيويّة أيضاً الإنتاج الصّناعيّ، وما لبث أن تسبّب الانكماش في الطّلب المحلّيّ النّاجم عن تلك الأزمة الماليّة بإخلال "العديد من وحدات قطّاع الأعمال بالوفاء بالتزاماتها"(11)، فتراجع الإنتاج على المستوى الكلّيّ والقطّاعيّ، وكان "لا بدّ من أن تظهر على السّطح ظاهرة البطالة وتتعمّق مستوى معيشة أصحاب الأجور"(12)، فبعد أن تقهقرت أسعار صرف العملات الوطنيّة في العديد من تلك الدّول الآسيويّة، حدث "تراخي شديد في الطّلب المحلّيّ الإجماليّ وتراجع في حركة النّشاط الاقتصاديّ المحلّيّ. كما صاحب التّخفيض الحقيقيّ لسعر الصّرف _النّاجم عن الانخفاض الحادّ في سعر الصّرف الاسميّ_ في دول الأزمة الأربعة (كوريا، ماليزيا، إندونيسيا، الفلبين) تراجع في تقديرات النّاتج المحلّيّ الإجماليّ لعام 1998، وهي السّنة التّالية لسنة اندلاع الأزمة عام 1997"(13)، وقد اعتقد أنّ تخفيض أسعار الصّرف في تلك البلدان الآسيويّة، قد "يتولّد عنه آثار انكماشيّة على مستوى الإنتاج"، بيد أنّ ذهب بعض الدّارسين إلى الاعتقاد بأنّ "هذه الآثار الانكماشيّة قاصرة فقط على المدّة القصيرة"(14)، فكانت تلك الطّرائق العلاجيّة، التي اتّبعتها تلك الدّول الآسيويّة، قد أدّت إلى أن تشتدّ الأحوال الاقتصاديّة تأزّماً، وأن تزداد بخاصّة أوضاع الأسواق الماليّة تدهوراً، وأمّا الطّريقة الفضلى التي كان يجب على تلك الدّول أن تتّبعها، فإنّها تحدّدت في السّعي إلى دعم تلك الشّركات التي مازالت قائمة عند نشوء الأزمة الماليّة، بيد أنّ تلك الدّول الآسيويّة، لم تتمكّن من أن تهتدي إلى إيجاد الحلول النّاجعة، التي تعالج بها أوضاع تلك الشّركات، التي أخذت في أثناء اندلاع تلك الأزمة الماليّة في التّقهقر والتّدهور الشّديدين.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص286.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق، ص67.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق، ص284، 285.

9- المصدر السّابق، ص285.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق، ص176.

12-  المصدر السّابق، ص70.

13- المصدر السّابق، ص263.

 

14- المصدر السّابق.



كان النّاس الذين يدخلون إلى باحة خان أسعد باشا، يصعّدون نظرهم في الجدران التي توالت فيها المداميك في تلك الصّفوف المتتالية، التي ظهر فيها تعاقب الحجر الكلسيّ الأبيض والحجر البازلتيّ الأسود، فكانت تلك المداميك المتراصفة التي اختلفت ألوانها، تتوالى على الجدران العالية، وما يلبث هؤلاء الزّوّار الذين يؤمّون ذلك الخان، أن يرنوا إلى تلك القبب الثّمانية التي تعلو فوق ذلك الصّحن الفسيح، الذي توسّط الحجرات التي أحاطت بباحة ذلك الخان، حيث استندت تلك القِبب على أعمدة شاهقة، رسخت بالأرض في ثبات ومتانة، من دون أن تتجرّد من طابع الرّشاقة، إذ لم تكن لتنوء بها تلك الأحمال التي نهضت بها، وكانت تلك القبب التي تجاورت متحاذية، تحيط بأجواء ذلك الخان، وتكلأ باحته الرّحيبة، فأبرزت وفرة تلك القبب، وكثرة عددها، احتضان تلك القبب أرجاء ذلك الخان، وكانت تخلّلت وسط تلك القبب، فرجة تنفتح عن نواحي السّماء، التي اتّخذ مظهرها من خلال تلك الفتحة المركزيّة، هيئة القبّة، لتماثل أشكال تلك القبب التي توسّطتها، فيخلب أبصار زوّار ذلك الخان، منظر تلك السّماء، فيفتنون بذلك السّقف الذي تجمّعت فيه تلك القبب الثّمانيّة، التي أضيفت إليها قبّة السّماء الشّاهقة.