اشتدّت وطأة الأزمة الماليّة على بلدان النّمور الآسيويّة، التي عكف العديد من النّاس فيها، على التّحرّي عن أسباب نشوء ذلك الانهيار الذي أصاب المؤسّسات الماليّة، ولم يتوان الأفراد الذين انتموا إلى دول خارج ذلك الإقليم الآسيويّ، في أن يدلوا أيضاً بآرائهم في تلك النّقاشات، التي بحثت فيها علل نشوء تلك الأزمة الماليّة في تلك الأقطار الآسيويّة، وكثيراً ما كان يستحكم الخلاف الحادّ بين أولئك الأفراد الذين ساهموا في ذلك الحوار، الذي تطرّقوا فيه إلى النّظر في تلك الأزمة التي وقعت فيها دول جنوب شرق آسيا، فتباينت آراء أولئك المتحاورين، في تفسير تلك الأزمة الماليّة، إذ عمد كلّ منهم إلى أن ينحي باللّوائم على الأشخاص أو المؤسّسات، الذين اعتقد أنّها تتحمّل مسؤوليّة نشوء تلك الأزمة الماليّة، ولا غرو من أن تتناقض وتختلف تلك التّفاسير التي طرحت في تلك النّقاشات الجارية المحتدمة، حيث كانت الأزمة شديدة الوقع على تلك الدّول الآسيويّة، التي اعتقد أنّ تدهور المؤسّسات الماليّة فيها، كان التّعبير عن "أزمة محلّيّة عميقة الجذور"(1)، فحدّد مصدر نشوء تلك الأزمة الماليّة، التي اعتقد أنّ شررها قد اندلع من تلك المؤسّسات الماليّة القائمة في بلدان النّمور الآسيويّة.

استرعت أنظار الدّارسين الذين بحثوا في أزمة النّمور الآسيويّة، مسألة تلك العلاقة التي جمعت بين المسؤولين الحكوميّين في تلك البلاد الآسيويّة، والأفراد الذين استثمروا أموالهم في المشاريع التّجاريّة المتنوّعة، وقد عزي نشوء الأزمة الماليّة في بلدان جنوب شرق آسيا، إلى قيام تلك العلاقات بين مجموعة أولئك الأفراد، الذين ذكرتهم آنفاً، وقد أطلق مصطلح رأسماليّة المحسوبيّة "crony capitalism على تلك العلاقات النّاشئة بين المستثمرين والأفراد الذين يعملون في المؤسّسات الحكوميّة، حيث حدّدت تلك الرّأسماليّة بأنّها "نوع من رأسماليّة غير نظاميّة تلعب فيها شبكات المعارف والأصدقاء والأقرباء، دوراً طاغياً في تقرير العلاقات الاقتصاديّة"(2)، فكانت عمليّة الحصول على التّراخيص لإقامة المشاريع التّجاريّة، تستند في نطاق رأسماليّة المحاسيب إلى"العلاقات القويّة التي تنشأ بين القائمين على العمل التّجاريّ والمسؤولين الحكوميّين، ويمكن أن تتّسم بالمحاباة فيما يتعلّق بتوزيع التّصاريح القانونيّة، أو المنح الحكوميّة أو التّخفيضات الضّريبيّة الخاصّة أو غيرها من أشكال تدخّل الدّولة في توجيه الشّؤون الاقتصاديّة"(3)، فإن توخّى كلّ من هؤلاء الأفراد أن يحقّق مصالحه الخاصّة، في نطاق ذلك النّظام الذي تنشئه رأسماليّة المحاسيب، فإنّه كان يمهّد السّبيل للأشخاص الآخرين أن يحقّقوا أيضاً منافعهم الذّاتيّة، فدأب كلّ منهم في أن يحابي سائر الأفراد في تلك العلاقات التي جمعتهم معاً، وقد اقتضى اقتصار أولئك الأفراد جميعهم على تحقيقهم مصالحهم الذّاتيّة، ألا يراعوا في تلك الأعمال التي كانوا ينجزونها، مسألة جلب المنافع إلى مجموعات كبيرة من النّاس، الذين كانوا يشاركونهم في العيش ضمن المجتمع الذي ينضوون جميعهم إليه.

رجعت على الشّركات الكبرى في دول جنوب شرق آسيا، المنافع من نشوء تلك العلاقات بينها وبين المؤسّسات الحكوميّة في تلك البلدان الآسيويّة، التي اعتبرت فيها رأسماليّة المحاسيب نظاماً ينطوي على"توجيه حكوميّ للاستثمار يتمّ تمويله بصورة رئيسيّة من خلال البنوك من أجل تحقيق أهداف الدّولة"، وقد طعن في قدر تلك الجدوى التي تتحقّق في اتّباع ذلك النّهج، الذي كانت تسلكه تلك البلدان الآسيويّة، لأنّ نظام رأسماليّة المحاسيب كان "لا بدّ من أن يؤدّي إلى الانهيار.... لما يحتوي عليه من إفراط في الاستثمار وأخطاء في التّقدير والحساب"(4) وكانت الرّكائز التي استند إليها نظام رأسماليّة المحاسيب، تتشكّل من "الثّالوث الأساسيّ وهو البنوك والحكومة ووحدات قطّاع الأعمال، هذا النّظام القائم على التّشابك أو رأسماليّة المحسوبيّة "Crony Capitalism"، ولا شكّ في أنّ مصلحة كلّ طرف من هذه الأطراف في التّوسّع في الائتمان واضحة والعائد من هذا التّوسّع ظاهر لكلّ طرف من أطراف هذا الثّالوث"(5) فتتبيّن في جلاء تلك المضارّ التي تنجم عن ارتباط البنوك بتلك العلاقات، التي تنشأ في نطاق رأسماليّة المحاسيب، لأنّ "المخاطر المعنويّة تثور حينما تقوم البنوك بالاقتراض (تلقّي الودائع) على أساس وجود ضمان ضمنيّ أو ظاهريّ لخصوم أو مطلوبات البنك. فإذا كانت القاعدة الرّأسماليّة في البنوك ضعيفة أو أنّ البنوك لا تتّبع قواعد الحيطة والحذر، فإنّها قد تستخدم الأموال المتاحة لديها لإقراض مشروعات ذات مخاطر عاليّة"(6)، فتهاون البنوك في انتهاج سبيل الحيطة، التي تحول دون التّعرّض لتلك الأخطار المعنويّة، يثير عند النّاس الشّكوك في الأعمال التي تنجزها تلك المصارف، إذ كان "استخدام البنوك السّيّئ للودائع المتاحة لديهم (الأموال المتاحة لديهم) نظراً لاعتبار وجود أو توافر الضّمانات الحكوميّة يدخل تحت مسمّى "اقتصاديّات السّرقة"(7)، وقد ذكر أنّ تلك النّقائص التي شابت الطّريقة التي اتبّعتها المصارف في كوريا الجنوبيّة، في تعاملها مع المؤسّسات الصّناعيّة، قد أتاح للفساد أن ينشأ في نطاق تلك العلاقات التي جمعت بين المصارف والمؤسّسات الصّناعيّة الإنتاجيّة.

ترتّب على إلقاء اللّوم على الأجهزة الماليّة في بلدان النّمور الآسيويّة، أن غدا المستثمرون الأجانب بريئوا السّاحة، حيث عزي نشوء الأزمة الماليّة إلى وجود "نواقص أساسيّة في سياسات ومؤسّسات البلد المتلقّي"(8)، وقد ذكر في الحديث عن تلك المثالب التي كانت تعتري الأنشطة الاقتصاديّة، التي كانت تزاول في تلك البلدان الآسيويّة "أنّ آسيا تعرّضت لأزمة لأنّ مختلف بلدانها لم تقم بلبرلة قطّاعات المال بدرجة كافية. وإنّ هذه البلدان أخفقت في تحويل بنوكها المحلّيّة إلى مؤسّسات تعمل على الطّراز الغربيّ، بدرجة عالية من الشّفافيّة، وتخصيص الموارد اعتماداً على معايير عقلانيّة موجّهة للسّوق. وإنّها فشلت في تطوير المؤسّسات الملائمة للإشراف على الشّؤون الماليّة القوميّة وانتهاج سياسات حصيفة لضبط الاقتراض المفرط"(9)، ومن يطّلع على تلك اللّوائم التي كانت أنحيت على دول النّمور الآسيويّة، قد تنتابه الدّهشة، التي لن تثيرها في نفسه تلك المغازي التي تضمّنتها تلك التّصاريح التي ذكرت فيها تلك اللّوائم، بل أنّ سبب نشوء تلك الدّهشة هو تحديداً أنّ "مؤسّسات غربيّة ملتزمة بمشروع لبرلة الأسواق، مثل صندوق النّقد الدّوليّ والبنك الدّوليّ، قد أغرقت الثّناء على جهود أندونيسيا، مثلاً، للبرلة أسواق المال"(10)، وكان أغلب المؤسّسات والأفراد الذين انتقدوا تلك الدّول الآسيويّة على النّهج، الذي اتّبعته في إدارة الأنشطة الاقتصاديّة القائمة فيها، قد لامت تلك الأقطار الآسيويّة على تسرّعها في تحقيق الانفتاح الاقتصاديّ، بل إنّه وصف أيضاً ذلك التّصرّف الذي اعتمدته تلك الأقطار الآسيّوية، في تحقيقها تحرير أسواقها الماليّة، بأنّه كان تصرّفاً متهوّراً، إذ لم تراع تلك البلدان الآسيويّة تطبيق قواعد الحيطة والحذر المناسبين لقيام النشّاط الماليّ المستقرّ.

لم يكن يعسر على النّاس أن يدركوا أسباب ذلك التّراشق بالتهمّ، الذي جرى بين الأفراد والمؤسّسات، الذين كانوا على صلة وثيقة بتلك الحالة، التي نشأ فيها ذلك النّهج الاقتصاديّ الذي اتّبعته دول النّمور الآسيويّة، إذ سعت الأجهزة والمؤّسّسات الاقتصاديّة الدّوليّة، إلى أن تلقي عنها مسؤوليّة انهيار الأسواق الماليّة في تلك الدّول الآسيويّة، فلا عجب من أن نرى تفسيراً إضافيّاً يناقض ويجابه تلك التّفاسير التي سيقت من قبل، وقد وصف ذلك التّفسير الإضافيّ بأنّه "الصّورة المقلوبة"(11)، للتّفسير الذي أورده أولئك الأفراد، الذين ألقوا مسؤوليّة قيام الأزمة الماليّة على تلك الدّول الآسيويّة ذاتها، وقد كان هذا التّفسير الإضافيّ تضمّن المغازي التي أكّدت أنّ تلك الأزمة الماليّة قد تسبّب بنشوئها "وجود اقتصاد كونيّ جديد، ووجود نزعة تدميريّة متأصّلة فيه. وإنّ الأزمة ترجع إلى السّحب الفجائيّ للأرصدة قصيرة الأجل من جانب المستثمرين الغربيّين، والبيع المبكّر واسع النّطاق في البورصات الأجنبيّة وأسواق الأسهم من جانب المضاربين. وقد أدّى ذلك إلى إيقاع اضّطرابات حادّة في مختلف الاقتصادات الآسيويّة دونما وجود ضرورة محلّيّة فعليّة: إنّها أزمة صنعتها الأسواق الكونيّة المتقلّبة"(12)، فإذا كنت استعرضت في مستهلّ حديثي، تلك التّفاسير التي تحدّد مصدر نشوء الأزمة في داخل بلدان جنوب شرق آسيا، فإنّه قد طرح ذلك التّفسير الإضافيّ، كي يبرهن على سداد تلك الفكرة التي أكّد فحواها أنّ الأزمة الماليّة قد "صنعتها الأسواق الكونيّة المتقلّبة. إنّ منابع الأزمة هنا، خارجيّة من حيث الجوهر. وإنّ المشكلات النّاشبة هي نواتج عرضيّة للهروب المفرط، غير العقلانيّ إلى حدّ كبير، للرّساميل، وتأثيرات العدوى التي عمّمت الأزمة"(13)، فظهر التّعارض جليّاً بين تلك التّفاسير التي أوردت في تلك المناقشات، التي حاول الأفراد الذين ساهموا فيها، أن يتنصّلوا من تحمّل مسؤوليّة نشوء تلك الأزمة الماليّة التي وقعت فيها بلدان النّمور الآسيويّة.

أنّ آراء الاقتصاديّين الذين ظنّوا أنّ الأسواق الكونيّة تتحمّل المسؤوليّة عن نشوء تلك الأزمة الماليّة، لم تكن بمنأى عن الشّكوك التي طعن بها في مضامين تلك الآراء التي نعتت بالضّعف والرّكاكة، وذكر أنّ أولئك الأشخاص الذين أوردوا تلك الآراء، التي تعرّضت للطّعن، قد عرضوا التّحليل الذي كان "يغفل الأبعاد والمنابع الدّاخليّة للأزمة. ذلك أنّ مختلف البلدان تعرّضت لدرجات مختلفة من الاضّطراب، تبدأ من الحالة التي تضارع الانهيار الماليّ في أندونيسيا، ومروراً بما يرجّح أن يكون نكوصاً كبيراً...، وانتهاء بغليان الاقتصاد. كما هي حال ماليزيا"(14)، وقد تنصّل المضاربون أيضاً من تحمّل مسؤوليّة التّسبّب بنشوء تلك الأزمة الماليّة، التي ظنّ أنّ علّتها لا تكمن في ذلك النّشاط الماليّ الذي زاوله أولئك المضاربون، بل تعزا إلى "إفراط دول النّمور في الاستدانة من العالم الخارجيّ بغية تمويل تطلّعات تفوق إمكاناتها بكثير. فهذا الإفراط في المديونيّة هو الأمر الذي أغرى البعض بممارسة المضاربة"(15)، وربّما بات في إمكاننا أن نجمع كلّ تلك الأقوال المتناقضة والمتعارضة فيما بينها، لنشكّل صورة واضحة تامّة تتبيّن فيها أحداث تلك الأزمة الماليّة، إذ اتّضح أنّ "ليس ثمّة شكّ في أنّ الحقّ مع كلتا وجهتي النّظر. فالمضاربون أزاحوا السّتار، على أعنف ما يكون، عن مناحي الضّعف السّائدة في البلدان الصّاعدة حديثاً. فهم وضعوا أصابعهم في جرح متقيّح وزادوه اتّساعاً من غير إبداء أيّ اهتمام بالنّتائج الاجتماعيّة النّاتجة عن فعلهم هذا"(16)، فإذا كان أولئك المتحاورين قد تبادلوا إلقاء التّهم على بعضهم البعض، إلّا أنّ حقائق تلك الأزمة الماليّة كانت في الآن ذاته، تتكشّفت في تلك التّفاسير المتعارضة، التي كان طرحها أولئك المتحاورون في تلك النّقاشات التي دارت بينهم.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص67.

2- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص202.

3- الموسوعة الاقتصاديّة.

4- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص150.

5- المصدر السّابق، ص164.

6- المصدر السّابق، ص92.

7- المصدر السّابق.

8- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص203.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق، ص203، 204.

15- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص151.

 

16- المصدر السّابق.



اشتدّت وطأة الأزمة الماليّة على بلدان النّمور الآسيويّة، التي عكف العديد من النّاس فيها، على التّحرّي عن أسباب نشوء ذلك الانهيار الذي أصاب المؤسّسات الماليّة، ولم يتوان الأفراد الذين انتموا إلى دول خارج ذلك الإقليم الآسيويّ، في أن يدلوا أيضاً بآرائهم في تلك النّقاشات، التي بحثت فيها علل نشوء تلك الأزمة الماليّة في تلك الأقطار الآسيويّة، وكثيراً ما كان يستحكم الخلاف الحادّ بين أولئك الأفراد الذين ساهموا في ذلك الحوار، الذي تطرّقوا فيه إلى النّظر في تلك الأزمة التي وقعت فيها دول جنوب شرق آسيا، فتباينت آراء أولئك المتحاورين، في تفسير تلك الأزمة الماليّة، إذ عمد كلّ منهم إلى أن ينحي باللّوائم على الأشخاص أو المؤسّسات، الذين اعتقد أنّها تتحمّل مسؤوليّة نشوء تلك الأزمة الماليّة، ولا غرو من أن تتناقض وتختلف تلك التّفاسير التي طرحت في تلك النّقاشات الجارية المحتدمة، حيث كانت الأزمة شديدة الوقع على تلك الدّول الآسيويّة، التي اعتقد أنّ تدهور المؤسّسات الماليّة فيها، كان التّعبير عن "أزمة محلّيّة عميقة الجذور"(1)، فحدّد مصدر نشوء تلك الأزمة الماليّة، التي اعتقد أنّ شررها قد اندلع من تلك المؤسّسات الماليّة القائمة في بلدان النّمور الآسيويّة.

استرعت أنظار الدّارسين الذين بحثوا في أزمة النّمور الآسيويّة، مسألة تلك العلاقة التي جمعت بين المسؤولين الحكوميّين في تلك البلاد الآسيويّة، والأفراد الذين استثمروا أموالهم في المشاريع التّجاريّة المتنوّعة، وقد عزي نشوء الأزمة الماليّة في بلدان جنوب شرق آسيا، إلى قيام تلك العلاقات بين مجموعة أولئك الأفراد، الذين ذكرتهم آنفاً، وقد أطلق مصطلح رأسماليّة المحسوبيّة "crony capitalism على تلك العلاقات النّاشئة بين المستثمرين والأفراد الذين يعملون في المؤسّسات الحكوميّة، حيث حدّدت تلك الرّأسماليّة بأنّها "نوع من رأسماليّة غير نظاميّة تلعب فيها شبكات المعارف والأصدقاء والأقرباء، دوراً طاغياً في تقرير العلاقات الاقتصاديّة"(2)، فكانت عمليّة الحصول على التّراخيص لإقامة المشاريع التّجاريّة، تستند في نطاق رأسماليّة المحاسيب إلى"العلاقات القويّة التي تنشأ بين القائمين على العمل التّجاريّ والمسؤولين الحكوميّين، ويمكن أن تتّسم بالمحاباة فيما يتعلّق بتوزيع التّصاريح القانونيّة، أو المنح الحكوميّة أو التّخفيضات الضّريبيّة الخاصّة أو غيرها من أشكال تدخّل الدّولة في توجيه الشّؤون الاقتصاديّة"(3)، فإن توخّى كلّ من هؤلاء الأفراد أن يحقّق مصالحه الخاصّة، في نطاق ذلك النّظام الذي تنشئه رأسماليّة المحاسيب، فإنّه كان يمهّد السّبيل للأشخاص الآخرين أن يحقّقوا أيضاً منافعهم الذّاتيّة، فدأب كلّ منهم في أن يحابي سائر الأفراد في تلك العلاقات التي جمعتهم معاً، وقد اقتضى اقتصار أولئك الأفراد جميعهم على تحقيقهم مصالحهم الذّاتيّة، ألا يراعوا في تلك الأعمال التي كانوا ينجزونها، مسألة جلب المنافع إلى مجموعات كبيرة من النّاس، الذين كانوا يشاركونهم في العيش ضمن المجتمع الذي ينضوون جميعهم إليه.

رجعت على الشّركات الكبرى في دول جنوب شرق آسيا، المنافع من نشوء تلك العلاقات بينها وبين المؤسّسات الحكوميّة في تلك البلدان الآسيويّة، التي اعتبرت فيها رأسماليّة المحاسيب نظاماً ينطوي على"توجيه حكوميّ للاستثمار يتمّ تمويله بصورة رئيسيّة من خلال البنوك من أجل تحقيق أهداف الدّولة"، وقد طعن في قدر تلك الجدوى التي تتحقّق في اتّباع ذلك النّهج، الذي كانت تسلكه تلك البلدان الآسيويّة، لأنّ نظام رأسماليّة المحاسيب كان "لا بدّ من أن يؤدّي إلى الانهيار.... لما يحتوي عليه من إفراط في الاستثمار وأخطاء في التّقدير والحساب"(4) وكانت الرّكائز التي استند إليها نظام رأسماليّة المحاسيب، تتشكّل من "الثّالوث الأساسيّ وهو البنوك والحكومة ووحدات قطّاع الأعمال، هذا النّظام القائم على التّشابك أو رأسماليّة المحسوبيّة "Crony Capitalism"، ولا شكّ في أنّ مصلحة كلّ طرف من هذه الأطراف في التّوسّع في الائتمان واضحة والعائد من هذا التّوسّع ظاهر لكلّ طرف من أطراف هذا الثّالوث"(5) فتتبيّن في جلاء تلك المضارّ التي تنجم عن ارتباط البنوك بتلك العلاقات، التي تنشأ في نطاق رأسماليّة المحاسيب، لأنّ "المخاطر المعنويّة تثور حينما تقوم البنوك بالاقتراض (تلقّي الودائع) على أساس وجود ضمان ضمنيّ أو ظاهريّ لخصوم أو مطلوبات البنك. فإذا كانت القاعدة الرّأسماليّة في البنوك ضعيفة أو أنّ البنوك لا تتّبع قواعد الحيطة والحذر، فإنّها قد تستخدم الأموال المتاحة لديها لإقراض مشروعات ذات مخاطر عاليّة"(6)، فتهاون البنوك في انتهاج سبيل الحيطة، التي تحول دون التّعرّض لتلك الأخطار المعنويّة، يثير عند النّاس الشّكوك في الأعمال التي تنجزها تلك المصارف، إذ كان "استخدام البنوك السّيّئ للودائع المتاحة لديهم (الأموال المتاحة لديهم) نظراً لاعتبار وجود أو توافر الضّمانات الحكوميّة يدخل تحت مسمّى "اقتصاديّات السّرقة"(7)، وقد ذكر أنّ تلك النّقائص التي شابت الطّريقة التي اتبّعتها المصارف في كوريا الجنوبيّة، في تعاملها مع المؤسّسات الصّناعيّة، قد أتاح للفساد أن ينشأ في نطاق تلك العلاقات التي جمعت بين المصارف والمؤسّسات الصّناعيّة الإنتاجيّة.

ترتّب على إلقاء اللّوم على الأجهزة الماليّة في بلدان النّمور الآسيويّة، أن غدا المستثمرون الأجانب بريئوا السّاحة، حيث عزي نشوء الأزمة الماليّة إلى وجود "نواقص أساسيّة في سياسات ومؤسّسات البلد المتلقّي"(8)، وقد ذكر في الحديث عن تلك المثالب التي كانت تعتري الأنشطة الاقتصاديّة، التي كانت تزاول في تلك البلدان الآسيويّة "أنّ آسيا تعرّضت لأزمة لأنّ مختلف بلدانها لم تقم بلبرلة قطّاعات المال بدرجة كافية. وإنّ هذه البلدان أخفقت في تحويل بنوكها المحلّيّة إلى مؤسّسات تعمل على الطّراز الغربيّ، بدرجة عالية من الشّفافيّة، وتخصيص الموارد اعتماداً على معايير عقلانيّة موجّهة للسّوق. وإنّها فشلت في تطوير المؤسّسات الملائمة للإشراف على الشّؤون الماليّة القوميّة وانتهاج سياسات حصيفة لضبط الاقتراض المفرط"(9)، ومن يطّلع على تلك اللّوائم التي كانت أنحيت على دول النّمور الآسيويّة، قد تنتابه الدّهشة، التي لن تثيرها في نفسه تلك المغازي التي تضمّنتها تلك التّصاريح التي ذكرت فيها تلك اللّوائم، بل أنّ سبب نشوء تلك الدّهشة هو تحديداً أنّ "مؤسّسات غربيّة ملتزمة بمشروع لبرلة الأسواق، مثل صندوق النّقد الدّوليّ والبنك الدّوليّ، قد أغرقت الثّناء على جهود أندونيسيا، مثلاً، للبرلة أسواق المال"(10)، وكان أغلب المؤسّسات والأفراد الذين انتقدوا تلك الدّول الآسيويّة على النّهج، الذي اتّبعته في إدارة الأنشطة الاقتصاديّة القائمة فيها، قد لامت تلك الأقطار الآسيويّة على تسرّعها في تحقيق الانفتاح الاقتصاديّ، بل إنّه وصف أيضاً ذلك التّصرّف الذي اعتمدته تلك الأقطار الآسيّوية، في تحقيقها تحرير أسواقها الماليّة، بأنّه كان تصرّفاً متهوّراً، إذ لم تراع تلك البلدان الآسيويّة تطبيق قواعد الحيطة والحذر المناسبين لقيام النشّاط الماليّ المستقرّ.

لم يكن يعسر على النّاس أن يدركوا أسباب ذلك التّراشق بالتهمّ، الذي جرى بين الأفراد والمؤسّسات، الذين كانوا على صلة وثيقة بتلك الحالة، التي نشأ فيها ذلك النّهج الاقتصاديّ الذي اتّبعته دول النّمور الآسيويّة، إذ سعت الأجهزة والمؤّسّسات الاقتصاديّة الدّوليّة، إلى أن تلقي عنها مسؤوليّة انهيار الأسواق الماليّة في تلك الدّول الآسيويّة، فلا عجب من أن نرى تفسيراً إضافيّاً يناقض ويجابه تلك التّفاسير التي سيقت من قبل، وقد وصف ذلك التّفسير الإضافيّ بأنّه "الصّورة المقلوبة"(11)، للتّفسير الذي أورده أولئك الأفراد، الذين ألقوا مسؤوليّة قيام الأزمة الماليّة على تلك الدّول الآسيويّة ذاتها، وقد كان هذا التّفسير الإضافيّ تضمّن المغازي التي أكّدت أنّ تلك الأزمة الماليّة قد تسبّب بنشوئها "وجود اقتصاد كونيّ جديد، ووجود نزعة تدميريّة متأصّلة فيه. وإنّ الأزمة ترجع إلى السّحب الفجائيّ للأرصدة قصيرة الأجل من جانب المستثمرين الغربيّين، والبيع المبكّر واسع النّطاق في البورصات الأجنبيّة وأسواق الأسهم من جانب المضاربين. وقد أدّى ذلك إلى إيقاع اضّطرابات حادّة في مختلف الاقتصادات الآسيويّة دونما وجود ضرورة محلّيّة فعليّة: إنّها أزمة صنعتها الأسواق الكونيّة المتقلّبة"(12)، فإذا كنت استعرضت في مستهلّ حديثي، تلك التّفاسير التي تحدّد مصدر نشوء الأزمة في داخل بلدان جنوب شرق آسيا، فإنّه قد طرح ذلك التّفسير الإضافيّ، كي يبرهن على سداد تلك الفكرة التي أكّد فحواها أنّ الأزمة الماليّة قد "صنعتها الأسواق الكونيّة المتقلّبة. إنّ منابع الأزمة هنا، خارجيّة من حيث الجوهر. وإنّ المشكلات النّاشبة هي نواتج عرضيّة للهروب المفرط، غير العقلانيّ إلى حدّ كبير، للرّساميل، وتأثيرات العدوى التي عمّمت الأزمة"(13)، فظهر التّعارض جليّاً بين تلك التّفاسير التي أوردت في تلك المناقشات، التي حاول الأفراد الذين ساهموا فيها، أن يتنصّلوا من تحمّل مسؤوليّة نشوء تلك الأزمة الماليّة التي وقعت فيها بلدان النّمور الآسيويّة.

أنّ آراء الاقتصاديّين الذين ظنّوا أنّ الأسواق الكونيّة تتحمّل المسؤوليّة عن نشوء تلك الأزمة الماليّة، لم تكن بمنأى عن الشّكوك التي طعن بها في مضامين تلك الآراء التي نعتت بالضّعف والرّكاكة، وذكر أنّ أولئك الأشخاص الذين أوردوا تلك الآراء، التي تعرّضت للطّعن، قد عرضوا التّحليل الذي كان "يغفل الأبعاد والمنابع الدّاخليّة للأزمة. ذلك أنّ مختلف البلدان تعرّضت لدرجات مختلفة من الاضّطراب، تبدأ من الحالة التي تضارع الانهيار الماليّ في أندونيسيا، ومروراً بما يرجّح أن يكون نكوصاً كبيراً...، وانتهاء بغليان الاقتصاد. كما هي حال ماليزيا"(14)، وقد تنصّل المضاربون أيضاً من تحمّل مسؤوليّة التّسبّب بنشوء تلك الأزمة الماليّة، التي ظنّ أنّ علّتها لا تكمن في ذلك النّشاط الماليّ الذي زاوله أولئك المضاربون، بل تعزا إلى "إفراط دول النّمور في الاستدانة من العالم الخارجيّ بغية تمويل تطلّعات تفوق إمكاناتها بكثير. فهذا الإفراط في المديونيّة هو الأمر الذي أغرى البعض بممارسة المضاربة"(15)، وربّما بات في إمكاننا أن نجمع كلّ تلك الأقوال المتناقضة والمتعارضة فيما بينها، لنشكّل صورة واضحة تامّة تتبيّن فيها أحداث تلك الأزمة الماليّة، إذ اتّضح أنّ "ليس ثمّة شكّ في أنّ الحقّ مع كلتا وجهتي النّظر. فالمضاربون أزاحوا السّتار، على أعنف ما يكون، عن مناحي الضّعف السّائدة في البلدان الصّاعدة حديثاً. فهم وضعوا أصابعهم في جرح متقيّح وزادوه اتّساعاً من غير إبداء أيّ اهتمام بالنّتائج الاجتماعيّة النّاتجة عن فعلهم هذا"(16)، فإذا كان أولئك المتحاورين قد تبادلوا إلقاء التّهم على بعضهم البعض، إلّا أنّ حقائق تلك الأزمة الماليّة كانت في الآن ذاته، تتكشّفت في تلك التّفاسير المتعارضة، التي كان طرحها أولئك المتحاورون في تلك النّقاشات التي دارت بينهم.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص67.

2- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص202.

3- الموسوعة الاقتصاديّة.

4- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص150.

5- المصدر السّابق، ص164.

6- المصدر السّابق، ص92.

7- المصدر السّابق.

8- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص203.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق، ص203، 204.

15- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص151.

 

16- المصدر السّابق.



استأثرت الأزمة الماليّة التي أصابت دول جنوب وشرق آسيا في عام 1997، باهتمام النّاس الذين وقفوا على ذلك النّمو الاقتصاديّ، الذي كانت حقّقته تلك الدّول الآسيويّة، ولا غرابة من أن يهتمّ بمتابعةوقائع انهيار المؤسّسات الماليّة في تلك البلدان الآسيويّة، هؤلاء الأقوام الذين تناهت إلى علمهم الأنباء التي تتحدّث عن نشوء تلك الأزمة الماليّة التي "وقعت في أسرع الأقاليم نموّاً وهو إقليم جنوب شرق آسيا. فدول شرق وجنوب شرق آسيا تساهم بحوالي ربع الإنتاج العالميّ، ونصف النّمو العالميّ خلال التّسعينيّات، وثلثي الإنفاق الاستثمارّيّ العالميّ"(1)، وقد عكف الباحثون على أن يتحرّوا عن تلك الأسباب، التي تذرّعت بها دول النّمور الآسيويّة إلى أن ترتقي في مدارج النّمو الاقتصاديّ، بيد أنّ أولئك الباحثين طالما اختلفواعلى تحديد الأسس، التي استندت إليها تلك الدّول الآسيويّة في تحقيق نموّها الاقتصاديّ، إذ "أثار موضوع مصادر النّمو السّريع والمتواصل للدّول الآسيويّة خلافاً كبيراً، حتّى قبل وقوع الأزمة وذلك في إطار تقييم نموذج التّنمية في هذه الدّول، وفي ظلّ إطار الكتابات المبالغة في تحديد عوامل نمو هذه الاقتصاديّات. ولقد حاول البعض دراسة المساهمة الرّئيسيّة لكلّ من حجم عناصر الإنتاج المستخدمة، سواء أكان رصيد رأس المال أم رصيد القوى البشريّة، والعوامل الأخرى كالتّقدّم التّكنولوجيّ، بما ينطوي عليه من مهارات وقدرات ومعارف القوى البشريّة المستخدمة"(2)، ولا ريب في أنّ تحديد الأسس التي استندت إليها تلك الدّول الآسيويّة في تحقيق المشاريع الإنتاجيّة، سيتيح للنّاس الإحاطة بخصائص ذلك النّمو الاقتصاديّ الذي تحقّق في تلك البلدان الآسيويّة.

يقتضي نشوء المشاريع الاستثماريّة في أقطار العالم، أن تتوفّر لتلك الأنشطة الاقتصاديّة القائمة، الموارد المتنوّعة في شقّيها المادّيّ وغير المادّيّ، فتشتمل الموارد المادّيّة، على الموادّ الأوّليّة، والعمّال الذين يعملون في تلك المشاريع، بالإضافة إلى الآلات والمعدّات، ورؤوس الأموال، وأمّا الموارد غير المادّيّة التي يتأسّس عليها قيام تلك المشاريع الإنتاجيّة، فتضمّ الأنباء والمعلومات التي تتحدّث عن التّطوّرات التّكنولوجيّة، وأحوال العمليّة التّسويقيّة، وشؤون البيئة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والقوانين، التي تؤسّس الظّروف التي تحيط بعمليّة إنتاج السّلع المتنوّعة، وتلك المواد المختلفة التي ذكرتها آنفاً، هي مدخلات الإنتاج التي تعدّ أساس العمليّة الإنتاجيّة، وقد رؤي في تحديد عوامل النّمو في تلك البلدان الآسيويّة، أنّ "التّراكم الرّأسماليّ كان هو العامل الحاسم في تحديد معدّل النّمو، أي تلك المدخلات الكمّيّة من عناصر الإنتاج وهي العمل ورأس المال. وعلى الرّغم من ارتفاع معدّل نمو الإنتاجيّة الكلّيّة لعناصر الإنتاج، فما زالت المدخلات الكمّيّة خاصّة رأس المال هي العامل الحاسم في تحديد النّمو"(3)، فتهيّأت في تلك البلدان الآسيويّة الأموال الوفيرة، التي ضخّت خلال مدّة طويلة في تلك المشاريع التي أقيمت في تلك الأقطار، خلال الفترة التي امتدّت بين عامي 1973 و1994، وأمّا معدّل ذلك التّراكم الرّأسماليّ فكان يحدّد في نسبة الاستثمار إلى النّاتج القوميّ.

اعتمدت تلك الدّول الآسيويّة، على تراكم رأس المال في إنشائها تلك المشاريع، التي دفعت إليها بالعاملين الذين زاولوا فيها النشاط الإنتاجيّ، فكانت تلك العوامل الكمّيّة "هي المتغيّرات الحاسمة في تحديد النّمو في هذه البلدان، في حين أنّ العوامل النّوعيّة أو الكيفيّة الخاصّة بالتّقدّم الفنّيّ ونوعيّة القوّة العاملة (تعليمها وخبرتها ومعارفها المتراكمة) قد لعبت دوراً ضعيفاً للغاية"(4)، وطالما كان يتحدّث عن النّمو الاقتصاديّ الذي تحقّق في بلدان جنوب وشرق، بأنّه كان يعبّر عن معجزة النّمو التي أنجزتها دول النّمور الآسيويّة، إلّا أنّه ذهب عدد من الباحثين إلى أن يجرّدوا سمة المعجزة عن ذلك النّمو الاقتصاديّ، الذي تحقّق في أقطار جنوب وشرق آسيا، حيث شكّكوا في نشوء "النّموّ المستديم في آسيا، وإمكان انتشاره الواسع في أماكن أخرى"(5)، وكان النّموّ الاقتصاديّ السّريع عند النّمور الآسيويّة "يرتكز إلى مستويات استثنائيّة عالية من مدخلات عوامل الإنتاج factor inputs(6)، فطعن في سداد فكرة المعجزة التي توصف بها حالة ذلك النّمو الاقتصاديّ، الذي تحقّق في بلدان النّمور الآسيويّة، وقد ذهب أحد الباحثين إلى أن يؤكّد أنّه "لم تكن ثمّة معجزة، بل مجرّد معدّلات عالية من الاستثمار، وزيادات، مرّة وإلى الأبد، في نوعيّة وكمّيّة قوّة العمل الصّناعيّة، بينما كانت القطّاعات التّقليديّة غير التّجاريّة تُسحق، والتّعليم الثّانويّ يُعمّم للمرة الأولى"(7)، وكان الباحثون الذين شكّكوا في تحقّق المعجزة، في ذلك النّمو الاقتصاديّ، استندوا إلى وقائع ذلك الاستثمار الذي أنجز في تلك الدّول الآسيويّة، إذ "حقّقت هذه الدّول معدّلات للاستثمار غير مسبوقة في تاريخها ولا مثيل لها في الدّول النّامية الأخرى، بل في العديد من الدّول المتقدّمة، فقد تخطّى متوسّط معدّل الاستثمار (نسبة الاستثمار إلى النّاتج المحلّيّ الإجماليّ نسبة 35%"(8)، فكانت تلك الدّول الآسيويّة اعتمدت على تلك الكمّيّات الوفيرة من الأموال، التي اندرجت في عداد المدخلات الكمّيّة، التي تأسّست عليها المشاريع الاستثماريّة.

جهد العاملون الذين زاولوا الأنشطة الاستثماريّة في دول جنوب وشرق آسيا، في أن يستفيدوا من توفّر تلك الموارد، التي استخدموها في المشاريع المنشأة في تلك البلدان الآسيويّة، وقد حلّل باحثون إجماليّ إنتاجيّة عوامل الإنتاج، في تلك الدّول الآسيويّة، فاستخلص من تلك الدّراسة المنجزة أنّه "لم يكن هناك أدنى دليل على وجود استخدام للموارد، أكثر كفاءة وأكثر إنتاجيّة، وعليه، فبعد الفراغ من تعبئة الموارد البشريّة، التي لم تكن مستثمرة، ودمجها بمستويات عالية جدّاً من رأس المال قياساً إلى إجماليّ النّاتج المحلّيّ، ستتحقّق مكاسب كبرى مرّة وإلى الأبد، لكنّ هذه المكاسب سوف تذوي وتتضاءل، وتأخذ معدّلات النّموّ بالهبوط في أعقاب ذلك. وسيخضع الاقتصاد لقانون "تناقص العائدات" diminishing return"(9)، ويثبت قانون تناقص تلك العائدات أو الغلّة أنّ "زيادة أحد عناصر الإنتاج المستخدم في عمليّة إنتاج ما، مع بقاء العناصر الأخرى ثابتة، فإنّ مقدار الزّيادة في النّاتج الكلّيّ النّاجمة عن إضافة وحدة واحدة من عامل الإنتاج المتغيّر، تتزايد أوّلاً ثمّ تأخذ في التّناقص بعد حدّ معيّن"(10)، وقد اعتقد استناداً إلى ذلك البحث الذي درست فيه حالة ذلك النّشاط الاستثماريّ في تلك البلدان الآسيويّة، أنّه "لم يقتصر الأمر على عدم وجود أيّ معجزة آسيويّة، بل إنّ النّموّ الآسيويّ نفسه لم يكن استثنائيّاً. الواقع أنّ نموّ إنتاجيّة عوامل الإنتاج في بلدان النّمور الآسيويّة لم يكن أفضل ممّا حصل في بعض البلدان الأوروبيّة خلال فترة نموّها السّريع بعد عام 1945"(11)، وكان تحقيق تلك الدّراسة التي قورنت فيها وقائع الأنشطة الاستثماريّة في بلدان شتّى من العالم، أتاح الوقوف على حقيقة تلك المساعي التي حاولت فيها تلك الدّول، أن تنجز ذلك النّمو الاقتصاديّ، الذي كانت تتطلّع إليه.

إنّ البحث الذي سبر فيه أغوار النّشاط الاستثماريّ في تلك البلدان الآسيويّة، أفضى بحسب اعتقاد عدد من الدّارسين الاقتصاديّين، إلى الطّعن في مضامين تلك الدّعاية، التي روّجت فيها تلك الطّرائق التي اتبّعتها الشّركات في بلدان النّمور الآسيويّة في مزاولة النّشاط الإنتاجيّ، حيث اتّضح لهؤلاء الباحثين تداعي أسس "الإعلانات الاقتصاديّة، الأمّيّة، المبهرجة، الصّادرة عن آسيا والغرب على حدّ سواء، والقائلة بأنّ هناك منطقاً جديداً للنّموّ الاقتصاديّ يقوم على القيم والمؤسّسات الآسيويّة المتميّزة، إنّ النّظرة الواقعيّة، بدّدت الخرافة القائلة إنّ آسيا رقعة استثنائيّة من حيث كفاءتها الاقتصاديّة ومنابع نموّها"(12)، واستخلص من التّدقيق في ذلك النّشاط الاستثماريّ الجاري في تلك الأقطار الآسيويّة، أنّ "من الصّعب تكرار مثل هذه المستويات من الادّخار المحلّيّ، واستثمار رأس المال القائمة في سنغافورة وكوريا الجنوبيّة، وهكذا فإنّ نوعاً من الخصوصيّة ينسب مجدّداً إلى المؤسّسات الآسيويّة"(13)، بيد أنّه أجريت أبحاث اقتصاديّة أخرى، عارضت الخلاصة التي حصّلت منها، تلك النّتائج التي أفضت إليها الدّراسات، التي شكّك فيها في دوام ذلك النّمو الاقتصاديّ في تلك البلدان الآسيويّة، حيث اعتقد أنّ "ارتفاع معدّلات الاستثمار يمكن أن يستمرّ في تعزيز الإنتاجيّة"(14)، وقد ضرب مثلاً على تطوّر ذلك النّتاج الحاصل في تلك البلدان الآسيويّة، بـأوضاع العمليّات الإنتاجيّة في سنغافورة التي تحقّق فيها "التّطوير المستمرّ لنوعيّة كلّ من المنتجات وعمليّات الإنتاج على حدّ سواء"(15)، وإنّ كانت وقائع تلك الأزمة الماليّة التي حدثت في بلدان النّمور الآسيويّة، أرسخت الاعتقاد في الأذهان "أنّ الحجج عن ارتفاع النّموّ المولّد ذاتيّاً، تبدو بالية تماماً في إطار الأزمة الآسيويّة التي اندلعت في منتصف العام 1997"(14)، وهذا الاختلاف والتّعارض النّاشئان بين تلك الأبحاث الاقتصاديّة، التي حللّت فيها حالة النّشاط الإنتاجيّ في تلك البلدان الآسيويّة، لم يكونا لينشآ لولا اتّساع التّجربة الاستثماريّة، التي نجم عنها في تلك الاقتصادات النّاشئة الآسيويّة،  ذاك النّمو الاقتصاديّ السّريع.

اعتمدت دول جنوب وشرق آسيا، نهج التّصدير، فجهدت في أن تطلق سلعها المصنّعة إلى بلدان العالم، وكانت كوريا الجنوبيّة في عام 1996، وهو العام الذي سبق موعد نشوء الأزمة في تلك الدّول الآسيويّة، قد قاربت "عتبة الاقتصاد الصّناعيّ المتطوّر، لكنّ أداءها الاقتصاديّ بقي مرهوناً بمستويات النّمو الموجّه نحو التّصدير، وهي ميزة بعيدة عن الاقتصادات المتطوّرة، لم يكن بالوسع إدامتها في أسواق العالم قبل الأزمة الآسيويّة، ناهيك بعد هذه الأزمة"(15)، فكان يقتضي تحقّق تعزيز الإنتاج الصّناعيّ أن تُستخدم بكفاءة عالية مدخلات الإنتاج كافّة، إذ كان "انضمام البلدان حديثة التّصنيع إلى الاقتصادات المتطوّرة، يتطلّب منها أن تطوّر شركات ذات قدرة تنافسيّة مدفوعة بالتّقدّم التّكنولوجيّ والتّجديد المؤسّساتيّ، لا بمجرّد انخفاض تكاليف العمل وإمكان الحصول على وفرة من الرّساميل، كما يتوجّب عليها أن تطوّر كامل اقتصاداتها، بحيث أنّ انتشار الازدهار يمكّن السّوق المحلّيّ من استيعاب نسبة متزايدة من الإنتاج"(16)، فتتعرّض تلك الدّول الآسيويّة لمخاطر عديدة تنجم عن اقتصار تلك البلدان على اتّباع سبيل التّصدير، وكانت كوريا الجنوبيّة ذات الكثافة السّكانيّة المتدنّية نسبيّاً (45 مليوناً في العام 1996)، رسّخت "قطّاع صناعة تحويليّة يعتمد في بقائه اعتماداً مستديماً على ارتفاع مستوى تصدير المنتوج ارتفاعاً كبيراً. وإنّ هذا يضع هذا القطّاع في موضع بالغ الهشاشة أمام الصّدمات الخارجيّة، أو أمام أيّ هبوط في الاقتصاد العالميّ، أو أمام ضغط من الصّناعيّين المنافسين في بلدان ترتقي بصناعتها، مثل الصّين"(17)، فكان يتطلّب من دول النّمور الآسيويّة، أن تعنى بتطوير مدخلات الإنتاج كافّة، لتتّقي تلك المخاطر التي تطرأ عليها من خارج ذلك الإقليم، الذي يضمّ تلك الأقطار الآسيويّة، التي يلزم عليها أيضاً أن تبني القواعد كافّة، التي يتأسّس عليها النّشاط الاقتصاديّ المتطوّر، الذي كثيراً ما سعت إلى أن تبنيه.

كانت دول جنوب وشرق وآسيا، توصف بأنّها تتميّز بتحقيقها "نموّ موجّه للتّصدير، حيث يكون إجماليّ الطّلب.... شديد الحساسيّة لظروف السّيولة عند الشّركات"(18)، وقد اتّبعت دول النّمور الآسيويّة نهج تصدير منتجاتها المصّنعة منذ أمد بعيد، إذ "تعزّزالنّموّ الاقتصاديّلبلدانمثل:تايوان وكورياالجنوبيّة منذمنتصفالسّتيناتباتّباعاستراتيجيّةالصّناعةكثيفةالعمالة الموجّهةللسّوقالأمريكيّة"(19)، بيد أنّ ذلك النّمط من العلاقات التّجاريّة التي نشأت بين الولايات المتّحدة والدّول الآسيويّة، لم يستمرّ، بعد أن نفّذت الولايات المتّحدة عمليّة حماية منتوجاتها الصّناعيّة، ففيمنتصفالثّمانينيّات"تغيّرالوضعمعتحوّلأمريكا نحوالحمايةالمتشدّدة.فوضعتحصصاًعلىالوارداتمنالمنسوجاتوالملابس. وأنهتنظامصادراتهذهالدّولالمعفاةمنالرّسوموهوالإعفاءالذيتقرّرفي ظلّنظامالأفضليّاتالمعمّم"(20)، فتعرّضت شركات تلك الدّول الآسيويّة لمصاعب ماليّة، بعد أن تغيّر نمط تلك العلاقات التّجاريّة التي كانت قائمة بين الولايات المتّحدة ودول النّمور الآسيويّة، وقد جابهت تلك الشّركات أيضاً مصاعب إضافيّة، نشأت من طرف أجنبيّ آخر، فقد كان "ارتقاء بلدان الازدهار الاقتصاديّ الآسيويّة بدأ في منتصف الثّمانينيّات، أي بدأ حينما أقدمت اليابان على رفع قيمة عملتها. فالين القويّ سمح لليابانيّين أن يزيدوا من استيراد السّلع المنتجة في بلدان الجوار. وسرعان ما شعرت هذه البلدان بازدهار يعمّ اقتصادها الذي بات ينمو بمعدّلات تتراوح بين 8 و9 بالمائة، لا بل بات ينمو بمعدّل وصل على 10 في المائة"(21)، فنجم ذلك الازدهار الاقتصاديّ بسبب تلك العلاقات التّجاريّة الخارجيّة المتنامية بين دول النّمور الآسيويّة واليابان، بيد أنّ ذلك العامل الخارجيّ من عوامل تحقّق النّمو الاقتصاديّ، ألحق الأضرار بدول النّمور الآسيويّة، عندما وقعت اليابان في الأزمة الماليّة، التي تأذّت من نشوئها أيضاً دول جنوب وشرق آسيا،وعلى الرّغم من تنوّع تلك الخبرات التي استخلصتها شركات بلدان النّمور الآسيويّة، من الأنشطة الإنتاجيّة التي كانت تزاولها، بيد أنّها لم تحل تلك الخبرات الواسعة دون أن تصيب تلك الشّركات الآسيويّة في عام 1997 أزمة ماليّة طاحنة.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص71.

2- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص107.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001، ص199.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق.

8- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص114.

9- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص199، 200.

10- موقع الموسوعة الاقتصاديّة.

11- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص200.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص201.

15- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص220.

16- المصدر السّابق.

17- المصدر السّابق.

18- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص240.

19- فؤاد مرسي، الرّأسماليّة تجدّد نفسها، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 147، الكويت، مارس _ آذار 1990م،  ص394.

20- المصدر السّابق.

21-أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص151.