أكّدت دول جنوب وشرق آسيا في منتصف العقد الثّامن من القرن العشرين، تحقيقها الازدهار الاقتصاديّ، إذ تراوح معدّل ذلك النّمو الاقتصاديّ الذي أنجزته في ذلك الأوان "بين 8 و9 في المائة، لا بل بات ينمو بمعدّل وصل، في بعض الأحيان، إلى 10 في المائة"(1)، وطالما وصف ذلك الازدهار الاقتصاديّ الذي حقّقته تلك الدّول الآسيويّة بأنّه أعجوبة اقتصاديّة، ففي ذلك الأوان الذي بدأت تلك الدّول تحقيق النّمو الاقتصاديّ،  "لم يدم الأمر طويلاً حتّى بدت هذه الدّول وكأنّها "صرعة العصر الجديد"(2)، وكان المضاربون الذين يطمعون دائماً في أن يحقّقوا أرباحاً ماليّة كبيرة، اندفعوا إلى التّوافد على تلك الدّول الآسيويّة التي كانت "تستقطب أنظار أولئك المستثمرين، على وجه الخصوص، الذين يتطلّعون للحصول على الرّبح السّريع"(3)، وكانت كمّيّات رؤوس الأموال التي انتقلت إلى بلدان الاقتصاديّات النّاشئة والبلدان النّامية، في العام الذي نشأت فيه أزمة النّمور الآسيويّة، ارتفع مقدارها إلى "خمسة أضعاف القيمة التي سجّلتها قبل سبع سنوات: فقيمة رؤوس الأموال التي ضخّها المستثمرون في دول الاقتصاديّات النّاشئة والبلدان النّامية ارتفع من 42 مليار دولار أمريكيّ في العام 1990 إلى 256 مليار دولار أمريكيّ في العام 1997. وكانت حصّة دول النّمور من هذه الأموال قد وصلت إلى الثّلثين"(4)، فازداد مقدار تلك الأموال التي استثمرت في تلك البلدان الآسيويّة، حيث مهّد الانفتاح الاقتصاديّ الذي أنجز في بلدان النّمور الآسيويّة، السّبيل لذلك المقدار الكبير من الأموال إلى أن يفد إلى تلك البلاد الآسيويّة.

سعت دول النّمور الآسيويّة إلى أن تنتفع من سهولة تنقّل رؤوس الأموال بين دول العالم، فكانت الأموال تتخطّى بيسر وحرّيّة تلك الحدود، التي تضاءل نفوذها في تحقيق الفصل بين بلدان هذه المعمورة، فصار في وسع بلدان تلك الاقتصادات النّاشئة "الاقتراض من العالم الخارجيّ بأسعار فائدة مغرية وذلك بغية استثمار هذه الأموال في المصانع والعقارات. فهذه البلدان كانت تدفع في الدّول الصّناعيّة، معدّلات فائدة تقلّ كثيراً عن المعدّلات السّائدة لديها. وكانت هذه القروض الميسّرة قد عزّزت فعلاً، النّمو في هذه البلدان، غير أنّها تسبّبت أيضاً، في نشأة فقاعة معتبرة فيها"(5)، فأفضى تدفّق تلك الأموال التي ضخّت في تلك البلدان إلى أن يزداد في مدنها الكبيرة "عدد العمارات الشّاهقة، المخصّصة للمكاتب وعدد العمارات السّكنيّة والفنادق، من غير أن يكون هناك طلب عليها. كما مضت الشّركات المختلطة قدماً في شراء مصانع لا تحقّق أيّ أرباح"(6)، واستمرّت حكومات تلك الدول الآسيويّة على الاقتراض الذي جعلها عرضة لوطأة "مديونيّة لا قدرة لها على الوفاء بأعبائها"(7)، وأمّا البورصات في تلك الدّول فقد حقّقت "ارتفاعات متواصلة، وأرقاماً قياسيّة متلاحقة، وكان السّياسيّون يمنّون شعوبهم باندلاع عصر ذهبيّ ويتحدّثون، بحماسة، عن النّموذج الآسيويّ _وعن سعيهم إلى التّفوّق، عمّا قريب على الغرب"(8)، فسهّل انتقال رؤوس الأموال إلى تلك الأقطار الآسيويّة، تحقيق الزّيادة في عدد المشاريع الاستثماريّة، التي استند إليها ذلك النّمو الاقتصاديّ الذي أنجز في بلدان تلك الاقتصادات النّاشئة.

إنّ ذلك الازدهار الاقتصاديّ الذي تحقّق في تلك البلدان الآسيويّة، استمال إليه أنظار النّاس في أقطار شتّى، وقد بيّنت التّعاليق التي تحدث فيها عن تلك المعجزة الآسيويّة، حقيقة آراء النّاس، في ذلك النّمو الاقتصاديّ الحاصل في تلك الدّول الآسيويّة، وقد ذهبت إحدى الصّحف إلى أن تشبّه أوضاع تلك الدّول الآسيويّة التي نجحت في تحقيق ذلك النّمو الاقتصاديّ، بتلك الحالة التي كانت عليها ولاية كاليفورنيا في ذلك الأوان الذي اكتشف فيه الذّهب، إذ ذكرت المجلّة الاقتصاديّة Eastern Economic Journal: "أنّ جنوب شرقيّ آسيا يعيش صيغة حديثة من صيغة النّشوة التي مرّت بها كاليفورنيا، في حقبة اكتشاف الذّهب فيها"(9)، وقد استخدمت عبارةحمى الذّهب في وصف انطلاق النّاس إلى كاليفورنيا في 24 يناير 1848، إذ كان ذلك التّاريخ هو الأوان الذي اكتشف فيه الذهب في بعض مجاري الأنهار في كاليفورنيا، وقد ذاعت أخبار العثور على الذّهب في أماكن شتّى، وتوالت هجرات النّاس إلى كاليفورنيا، التي أقبل إليها الأقوام زرافات ووحداناً، حيث كان هؤلاء النّاس الذين قدموا إلى تلك الولاية، يسابق بعضهم بعضاً، وقد أتوا من كلّ حدب وصوب، راغبين في أن يحصلوا على ذلك المعدن الأصفر الرّنّان، وأن يحقّقوا ثروة كبيرة بحيازتهم القطع الكثيرة من معدن الذّهب، وقد أنجز التّجار ورجال الأعمال الذين قدموا إلى كاليفورنيا، ازدهاراً كبيراً في تلك الولاية الأمريكيّة، التي أطلق عليها عبارة الولاية الذّهبيّة، حيث انطلقت منها حمى الذهب أو مرض الثّراء السّريع، بحسب التّعابير التي استخدمت في وصف حالة هؤلاء الأفراد، الذين قدموا إلى تلك الولاية الأمريكيّة في ذلك الأوان الذي يقارب منتصف القرن التّاسع عشر.

عاد على ولاية كاليفورنيا من عمليّة التّنقيب عن الذهب التي جرت في تلك الولاية، فوائد جمّة، إذ أقام في تلك الولاية العديد من المستثمرين والتّجّار، الذين حقّقوا في تلك الولاية تطوّراً كبيراً في ميادين شتّى من أنواع المناشط الإنسانيّة، وعندما اندلعت الأزمة الاقتصاديّة في تلك الدّول الآسيويّة، ذكر في التّعليق على معاناة تلك البلدان المصاعب الاقتصاديّة التي تعرّضت لها، بأنّنشوة الذّهب التي شبّهت بها حالة الازدهار الاقتصاديّ في تلك البلدان الآسيويّة، "قد أصبحت من مخلّفات التّاريخ في العام 1997"(10)، وكان المستثمرون حريصين على تتبّع أوضاع الأنشطة الاقتصاديّة الجارية في تلك الأقطار الآسيويّة، وفي ذلك الأوان الذي سبق موعد انهيار أسواق المال في تلك البلدان الآسيويّة، كانت قد "ساور المستثمرين الشّكوك حول ما إذا كانت دول النّمور ستستطيع مواصلة النّمو المستدام فعلاً، وعلى خلفيّة هذه الشّكوك سحب المستثمرون جزءاً من ملياراتهم متسبّبن في إحداث رجّة قويّة للعملات"(11)، وما لبثت أن نشأت الأزمة الاقتصاديّة في تايلند التي "كانت البلد الأوّل الذي هبّت عليه رياح العاصفة الهوجاء"(12)، إذ كان الانهيار الذي وقعت فيه إحدى الشركات في ذلك البلد قد أفضى إلى اندلاع تلك الأزمة الماليّة، وقد اتّضح في تلك الفترة التي سبقت حدوث تلك الأزمة، أنّه قد "تسلّل المهاجمون إلى بانكوك... يوم الثّالث عشر من مايو من العام 1997. وتكوّنت الذّخيرة الحيّة التي استخدمها المهاجمون من أرقام كثيرة غادرة, ففي هذه الليّلة، شنّ السّماسرة المتعاملون بعملات بلدان العالم قاطبة هجوماً شرساً على العملة التّايلنديّة، على البات (Bath)"(13)، وكانت طبيعة ذلك الاعتداء على العملة التّايلنديّة، تحدّدت في بيع أولئك المضاربين "كلّ ما يستطيعون بيعه من العملة التّايلنديّة، يبيعون البات كأنّه كان من فضلات البضائع التّافهة"(14)، وبدأ هؤلاء المضاربون بنقل أموالهم إلى خارج تلك البلدان الآسيويّة، فألحقوا أضراراً فادحة بتلك العملات الآسيويّة التي بدؤوا في أن يتخلّصوا منها.

كان الوقت الذي أرّخ فيه، لبداية اندلاع الأزمة الآسيويّة، هو الثّاني من يوليو في عام 1997، حيث في ذاك الأوان تحديداً "اتّضح جليّاً أنّ المصرف المركزيّ التّايلنديّ قد خسر المعركة بنحو لا رجعة فيه"(15)، فأعلن أنّ ذلك المصرف المركزيّ "قد أفلس، وأنّ تايلند كلّها قد أفلست أيضاً"(16)، وتوالت الأحداث عقب ذلك الإفلاس الذي وقعت فيه تايلند، وقد كانت في طليعة تلك القرارات التي صدرت بعد نشوء تلك الأزمة، هو القرار بإلغاء ارتباط قيمة العملة التّايلنديّة بقيمة الدّولار الأمريكيّ، وسرعان ما تحوّلت "تايلند إلى دمية تلهو بها الأسواق. وفي غضون بضع ساعات خسر البات نحو 20 في المائة من قيمته. وهلّل الغزاة في لندن ونيويورك وفرانكفورت بما حقّقوا من نصر. فقد أثبتوا، من جديد، أنّهم أعظم سلطاناً من أغلب الحكومات. وقوّضوا _إلى حين من الزّمن_ أسس الحلم بازدهار اقتصاديّ عظيم في دول النّمور"(17)، ولم يلبث أن اندفع أولئك المضاربون إلى بلدان أخرى، التي سبقتهم في الوصول إليها تلك الشّائعات التي أطلقها هؤلاء المضارون أنفسهم، فتوجّهوا "وقد أخذ الجشع منهم كل مأخذ، صوب دول أخرى: فقد ركّزوا هجومهم، في الأسابيع التّالية على الفلبين وإندونيسيا وماليزيا وهونغ كونغ، محاولين تركيع عملاتها"(18)، ولم تكن تلك الدّول التي أصابتها تلك الأزمة في منعة من التّعرّض لتلك المصاعب الماليّة، لأنّ "الحمى التي أصابت تايلند، انتقلت عدواها من بلد إلى آخر في الحال، أخذت تدبّ في جسم هذا الاقتصاد تارة وفي جسم الاقتصاد الآخر تارة أخرى. وعلى ما يبدو، ما كان هناك دواء ناجع يقي من شرور هذه العدوى. وتوّلدت عن الأزمة الاقتصاديّة في آسيا مآس محدودة التّداعيات وأخرى عظيمة النّتائج"(19)، فتعرقل تحقّق الأنشطة الاقتصاديّة التي كانت تمارس في مشاريع استثماريّة عديدة، وقد حدثت حالات الإفلاس، التي وقعت فيها أيضاً مصارف كثيرة.

توالت أحداث تلك الأزمة الاقتصاديّة التي أفضى تحقّقها، إلى أن تنتقل معالم  ذلك الانهيار تدريجيّاً إلى سائر البلدان الآسيويّة، إذ لم تمض ستة أسابيع على تاريخ بدء اندلاع تلك الأزمة الماليّة حتّى "فقدت إندونيسيا، أيضاً السّيطرة على عملتها. وبعد ثلاثة أسابيع أخرى انهار البيزو الفلبينيّ. وفي أكتوبر 1997، خسر مؤشّر بورصة هونغ كونغ، في غضون خمسة أيام، ما يقرب من ربع قيمته"(20)، وسهّل انتقال معالم تلك الأزمة بين هذه البلدان، الوشائج الاقتصاديّة المتينة التي لأمت بين تلك الأقطار الآسيويّة، وقد اضطّربت خصوصاً "سوق كلّ من ماليزيا وسنغافورة نظراً لأنّه كانت توجد ارتباطات قويّة بينهما"(21)، وكانت تلك الأزمة الآسيويّة، عالميّة الأبعاد، قصيّة المرامي، حيث شملت دولاً عديدة في العالم، حتّى بدا "كأنّ الأزمة الآسيويّة ستنشر ظلالها على الصّين واليابان أيضاً. ففي طوكيو انهار عديد من المصارف. وكان من بين هذه المصارف عاشر أكبر المصارف اليابانيّة"(22)، فأخذ انهيار أسواق صرف العملات الآسيويّة، يتدرّج متنقلّاً بين دول النّمور الآسيويّة، وأدّى "تزامن الأزمة في عدد من البلدان المجاورة إلى إطلاق اصطلاح "الأنفلونزا الآسيويّة"(23)، وقد حدّدت طابع التّدرّج الذي غلب على تحقّق ذلك الانهيار الماليّ، تلك الفترات الزّمنيّة اليسيرة التي كانت تفصل بين تلك التّواريخ المتتالية، التي حدثت فيها بتلك البلدان الآسيويّة الأزمة الماليّة الطّاحنة.

لم تنج كوريا الجنوبيّة من أن تصاب بعدوى تلك الأزمة الماليّة، فكانت ضحية العدوى بتلك الأزمة لأنّ "أزمتها جاءت في أعقاب الأزمة في جنوب شرق آسيا"(24)، إلّا أنّ تلك القناعة التي رسخت في أذهان بعض النّاس بأنّها كانت الضّحيّة، سرعان ما تداعت وتهافتت، لأنّ النّذر التي كانت تنبّه إلى قرب حلول ذلك الوقت الذي ستحدث فيه الأزمة الماليّة، قد ظهرت قبل أمد بعيد من اندلاع تلك الأزمة الآسيويّة، فكانت "بعض علامات التّحذير الكبرى تركّزت على كوريا ففي كانون الثّاني العام 1997، انهارت شركة هانبو Hanbo للفولاذ، وسط طوفان من الاتّهامات بالفساد والاستثمار الفاشل المحفّز بدوافع سياسيّة. وفي يونيو 1997 سقط مجمّع كيا Kia، وهو أكبر مجمّع صناعيّ، في الأزمة. وكان هبوط قيمة اليوان الصّينيّ والين اليابانيّ قد سدّد ضربة قاصمة لكوريا"(25)، ولم تقتصر تلك النّذر على تلك المصاعب التي تعرضت لها الشركات والمؤسّسات التّجاريّة في كوريا الجنوبيّة، حيث "عانت كوريا في العام 1996 من عجز هائل في الحساب الجاري بلغ 23,7مليار دولار. جاء ذلك في أعقاب عجز بمقدار 4,5 مليار دولار العام 1994، و8,9 مليار العام 1995،.... كما عانت كوريا تنامي الأزمة الماليّة في اليابان، إذ راحت المصارف اليابانيّة، تحت وطأة الحاجة الماسّة، إلى استرجاع القروض قصيرة الأجل لكي تفي بالتزاماتها"(26)، فتمكّن المضاربون في ديسمبر _كانون الأوّل_ من العام ذاته 1997، من النّجاح "في تركيع نمر آخر من نمور آسيا: كوريا الجنوبيّة. فبفعل الهجوم المروّع انهار انهياراً مريعاً سعر صرف العملة الكوريّة ال"وان" Won وهكذا تعيّن على حكومة سيؤول أن تتضرّع طلباً للنّجدة من العالم الخارجيّ(27)، وقد كانت الأسهم الكوريّة قد انهارت إلى أدنى مستوى بلغته منذ عقد من الزّمن، وأمّا أسواق المال في دول جنوب شرق آسيا فقد أصابها أيضاً الانهيار الذي حدث في فترات متعاقبة.

إنّ معالم الانهيار الماليّ، الذي أصاب كوريا الجنوبيّة، شمل العدد الكبير من تلك الأنشطة والاستثمارات الماليّة، التي كانت تجري في ذلك البلد، وكانت تنفّذ المشاريع الواسعة الكبيرة في كوريا الجنوبيّة ضمن مجمّعات صناعيّة عملاقة، ويطلق عليها اسم التّشيبولات باللّغة الكوريّة، وهي تشارك بنسبة عالية في النّاتج المحلّيّ، وتنجز في هذه المجمعات، علاوة على العمليّات التّصنيعيّة، عمليّات التّسويق والتّمويل أيضاً، ولكنّ في ذلك الوقت الذي وقعت فيه كوريا الجنوبيّة في تلك الأزمة الماليّة،تعرّضت "إلى هبوط عملتها الون won، بنسبة 49,1% إزاء الدّولار خلال الفترة من بدء الأزمة التّايلانديّة في 2 يوليو 1997 إلى 24 كانون الثّاني 1998،....لقد سبق لكوريا أن تمرّغت في ديون باهظة من قبل. لكنّ ميزانيّاتها كانت مستقرّة، وكانت لديها شركات ذات شهرة ضاربة.... ولكنّ ما إن داهمت الأزمة الماليّة التّشيبولات، وهي تخوض لعبة التّنافس على المقاعد الشّاغرة القليلة، حتّى قضت عليها المستويات العالية جدّاً من المديونيّة قياساً إلى الشّركات الغربيّة"(28)، وقد تعزّز عند أولئك المضاربين "الشّعور بالنّصر من خلال الانهيار الذي عصف باقتصادات دول النّمور"(29)، وكانت اعتمدت الشّركات الكوريّة على تلك القروض الكبيرة التي كانت تحصل عليها، وهي "كانت مهدّدة دوماً بتجاوز مستويات الدّيون لمستويات العائدات، بمجرّد أن يتوقّف تدفّق رأس المال، ويبدأ خفض قيمة العملة برفع تكاليف قروضها الخارجيّة"(30)، وكانت السّرعة التي اتسّم بها انطلاق الشّركات الكوريّة في ميدان التّصنيع "مكّنتها من التّطوّر العاصف بضخّ مقادير ضخمة من الرّساميل في المشاريع الرّئيسيّة، والتّركيز على أخذ حصّة من أسواق التّصدير، بدل أن تشغل نفسها بالرّبحيّة قصيرة الأجل، وعليه فإنّ هذه الشّركات ستكون بالغة الضّعف أمام أيّ أزمة ائتمان، ما لم تتمتّع بعلاقة تعاونيّة طويلة الأمد مع المصارف"(31)، وكانت كوريا الجنوبيّة حقّقت نمواً اقتصاديّاً مطّرداً، وهي "لم تعد بلداً ناميّاً مثل تايلاند(32)، حيث انضمّت كوريا الجنوبيّة إلى صفوف البلدان الصّناعيّة، وأصبحت عضواً في منظّمة التّعاون والتّنمية الاقتصاديّة في العام 1996.

تحقّق الانفتاح الاقتصاديّ الواسع في كوريا الجنوبيّة في مطلع سنوات التّسعينيّات، فأنشئت المصارف الكثيرة آنذاك، وقد "استغلّت التّشيبولات تدنّي معدّلات الفائدة في الخارج لتقترض العملات الأجنبيّة بإفراط. وبدأت بالاستثمار في مشاريع ملتبسة، ممّا أدّى إلى فيض الإنتاج، في ظلّ آفاق ضعيفة لتحقيق الرّبح"(33)، ولم يكن يتاح بسهولة للشّركات الكوريّة، أن تدرك النّجاح في اتّباعها ذلك النّهج الذي سلكته في إنجاز عمليّاتها الاستثماريّة، حيث لم يكن "في مقدور هذا النّموذج أن ينجح تماماً إلّا إذا ركّز على الصّناعة التّحويليّة الموجّهة إلى التّصدير، وحافظ على ضوابط داخليّة قويّة تنظّم الإقراض المصرفيّ، وضوابط خارجيّة على رأس المال"(34)، وبعد أن اندلعت تلك الأزمة الماليّة في دول النّمور الآسيويّة، فإنّرؤوس الأموال "غادرت بلدان الاقتصادات النّاشئة وعادت إلى أمريكا وأوروبا. عادت لتخلق في هذه المناحي من العالم الازدهار المحموم الذي مرّ به الاقتصاد الجديد، أي قطّاع التّكنولوجيا الحديثة. فكما هو معروف، فإنّ هذا الازدهار انتهى، في آخر المطاف، نهاية كان لها دوي عظيم"(35)، وفي ذلك الأوان في عام 1997، الذي حدثت فيه الأزمة الماليّة، كانت نشوة الذّهب أو الازدهار الاقتصاديّ، قد تلاشت مضمحلّة، وأمّا النّتائج التي أفضت إليها تلك الخسائر التي نكب بها النّشاط الاقتصاديّ، في بلدان النّمور الآسيويّة، فكانت جليّة في الأنشطة العديدة، التي كان يمارسها في تلك البلاد النّاس الذين تكبّدوا متاعب عديدة، ومشاقّ شديدة.

1-أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص151.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق، ص152.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق، ص152، 153.

6- المصدر السّابق، ص153.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق، ص146، 147.

14- المصدر السّابق، ص147.

15- المصدر السّابق، ص149.

16- المصدر السّابق.

17- المصدر السّابق.

18- المصدر السّابق.

19- المصدر السّابق، ص149، 150.

20- المصدر السّابق، ص153.

21- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص33.

22- أولريش شيفر، مصدر سابق، ص153.

23- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص234.

24- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص218.

25- المصدر السّابق.

26- المصدر السّابق.

27- أولريش شيفر، مصدر سابق، ص153.

28- بول هيرست، مصدر سابق، ص219.

29- أولريش شيفر، مصدر سابق، ص168.

30- بول هيرست، مصدر سابق، ص219.

31- المصدر السّابق، ص217.

32- المصدر السّابق.

33- المصدر السّابق، ص218.

34- المصدر السّابق، ص217.

 

35- أولريش شيفر، مصدر سابق، ص168.



يستميل التّنافس الذي يجري بين اللّاعبين الرّياضيّين، أفراد الجمهور إلى متابعة وقائع المباريات التي تجمع بين أولئك المتبارين في ميادين الرّياضة، وكان كلّما ازداد ذلك التّنافس الجاري في تلك المباريات شدّة، وتصاعدت حميّا ذلك التّباري حدّة، يتقوّى شغف أفراد الجمهور بمشاهدة تلك المباراة الرّياضيّة، ويتأكّد ولعهم بمتابعة أحداث ذلك التّنافس الحاصل بين اللّاعبين المتبارين، وعندما كانت تبلغ تلك المنافسة الرّياضيّة أشدّها، سرعان ما يتوثّق ميل أفراد الجمهور إلى رؤية تلك المباراة، التي تبلغ فيها المنافسة أوجها، فيحلّ ذلك التّنافس الرّياضيّ بصدارة تلك الأسباب، التي يفضي تحقّقها إلى ازدياد أعداد الجماهير التي تتابع المباريات الرّياضيّة، وتكاد تلك المنافسة القويّة، ترجح على سائر الذّرائع، التي يتوسّل بها، إلى حثّ الجموع الغفيرة من النّاس على متابعة وقائع التّباري الرّياضيّ، فإذا افترضنا أنّ الجمهور الذي يرى المباريات، يرغب أساساً في أن يرى أداء اللّاعبين المتقن، في إنجازهم الألعاب الرّياضيّة التي تتضمّنها تلك المنافسات التي يخوضون غمارها، وأنّ أفراد ذلك الجمهور، يمنّون أنفسهم برؤية طرائق اللّعب التي يتّبعها اللّاعبون، ترتفع إلى مستوى عال من مراتب الرّوعة، فإنّ أفراد ذلك الجمهور إذا أرادوا حقّاً أن يكون الرّياضيّون في تلك المنافسات التي يخوضون غمارها، يتّصفون بتلك المهارة الفائقة في إنجازهم ذلك اللّعب الرّياضيّ في ساحات الملاعب، فإنّ أفراد ذلك الجمهور يعمدون أحياناً كثيرة إلى أن يتنازلوا عن سعيهم إلى أن ينالوا ذلك المأرب، الذي كانوا وضعوه نصب أعينهم، عندما انتووا أن يشاهدوا المباريات الرّياضيّة، ويضربون بذلك المبتغى عرض الحائط، بشرط أن يتحقّق التّنافس الرّياضيّ الشّديد بين اللّاعبين.

إنّ هذه الرّغبة التي يتطلّع جمهور الرّياضة إلى أن يدركها، في رؤيته أحداث التّنافس الرّياضيّ القويّ، يجب ألا تغيب عن بال الأشخاص، الذين ينعمون النّظر في مسألة اندفاع الجمهور في رؤية المباريات الرّياضيّة، فأفراد الجمهور يرتضون أن تكون المباراة الرّياضيّة خالية من معالم اللّعب الرّائع المتقن، إن كانت تنطوي تلك المباراة على أحداث ذلك التّنافس المثير الحاصل بين اللّاعبين الرّياضيّين، ويقبل ذلك الجمهور بانحدار مستوى الأداء الرّياضيّ عن تلك المرتبة العالية، التي كان يرغب في أن يرتقي إليها أداء اللّاعبين، إن استعاض عن تحقّق ذلك الإتقان الذي يفترض أن يتّسم به أداء الرّياضيّين في المباريات، بذلك التّنافس الشّديد الذي يجري بين اللّاعبين المتبارين، فيعرض ذلك الجمهور عن متابعة مباراة رياضيّة، يظهر فيها اللّاعبون مهاراتهم في تنفيذ طرائق اللّعب الرّفيع، إن كانت تفتقد تلك المباراة، إلى خاصيّة التّنافس الرّياضيّ القويّ، بيد أنّ حقيقة ذلك الاختيار الذي قرّر أن يجريه هذا الجمهور، وتلك الموازنة التي ينجزها بين حالتين من ذلك التّباري الرّياضيّ الجاري في الملاعب، لا يعبّران في ذاتيهما عن تقييم الجمهور تلك الخصائص التي تتّسم بها هاتين الحالتين من أنماط الأداء الرّياضيّ، لأنّ اللّعب المتقن هو مطلب الجمهور الأساسيّ، لكنّه يجب أن يغلب على طريقة اللّعب الرّفيعة، طابع التّحفيز والتّشويق اللذين يدفعان الجمهور إلى متابعة وقائع التّنافس الرّياضيّ الشّديد.



كان الانهيار الماليّ الذي أصاب أسواق سعر الصّرف في منتصف عام 1997، في دول النّمور الآسيويّة، دليلاً بيّناً على نشوء تلك الأزمة الماليّة التي وقعت فيها تلك البلدان الآسيويّة، إذ قدّر عدد المصارف التي أعلنت إفلاسها في بلدان تلك الأزمة الآسيويّة بالمئات، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من المشاريع التي توقّف فيها مجرى الأنشطة الماليّة لعلّة الإفلاس(1)، وقد تركّزت حدّة ذلك التّدهور الماليّ بخاصّة في كوريا الجنوبيّة وتايلاند وإندونيسيا، وإذا كان انتقال رؤوس الأموال إلى خارج تلك البلاد الآسيويّة، أخلّ بانتظام مجرى العمليّات الماليّة في تلك الدّول الآسيويّة، فإنّه لا يتعذّر الوقوف على علّة ذلك الضّعف الذي يكمن في قوام النّظام الماليّ في تلك البلدان، التي تأكّد في الحديث عن الأزمة التي أصابتها رجحان "الفكرة القائلة إنّ الأزمة كانت في الأساس (أزمة سيولة)، وأزمة النّظام الماليّ، لا أزمة نابعة من (الأسس الفعليّة) التي ظلّت بمعظمها سليمة"(2)، وقد ثبتت رجاحة تلك الفكرة بعد أن تبيّن أنّ إجماليّ العرض كان "أكبر من إجماليّ الطّلب، وهذا افتراض معقول عن الوقائع نظراً لأنّ الأزمة تركت هذا الاقتصاد بفيض عرض ممكن"(3)، وقد عانت المصارف الآسيويّة نقصان سيولة النّقد الأجنبيّ، إذ كانت المشاكل التي وقعت فيها تلك المصارف، نجمت عن أزمة شحّ السّيولة الدّوليّة التي أصابت تلك الأقطار الآسيويّة.

اعتمدت الشّركات في بلدان النّمور الآسيويّة اعتماداً وطيداً على التّوسّع في تحقيق عمليّات التّمويل، التي تستجلب بواسطتها رؤوس الأموال التي كانت بحاجة إليها، وكانت تلك الشّركات الآسيويّة جهدت في أن تحقّق ذلك التّمويل الواسع، نظراً إلى تلك الخصائص التي اتّسم بها قوام تلك الشّركات، التي كانت تختلف عن الشّركات المناظرة لها في سائر بلدان العالم، فإذا كانت "ترتيبات تمويل الشّركات الأنجلو_ أمريكيّة، التي تعتمد بالأساس على رأس المال المساهم، فإنّ الشّركات الآسيويّة تتوجّه إلى، وتعتمد على، القروض المصرفيّة ذات الفائدة الثّابتة. وعليه فإنّ الشّركات في شرق آسيا تتعرّض لصدمات أعنف من ناحية السّيولة خلال أيّ ركود ماليّ، وتتطلّب دعماً مستديماً وسخياً من السّيولة، إن كان لها أن تخرج من الرّكود بنجاح"(4)، والمعنى الذي تتضمّنه فكرة توفّر السّيولة الدّوليّة في أيّ بلد من أقطار العالم، هو إظهار "قدرة الدّولة على الوفاء بديونها للدّول للأخرى وتسوية معاملاتها الدّوليّة"(5)،وتحرص دول العالم على أن تنمّي "احتياطيّاتها من الذّهب والعملات الأجنبيّة، لتسوّي مديونيّاتها إلى الدّول الأخرى، إمّا بتحويل الذّهب وإمّا بمدفوعات من عملتها الخاصّة، أو من عملات أجنبيّة"(6)، وتحدث أزمة السّيولة في قطاع الأعمال الماليّة عندما يحدث "نقص في السّيولة النّقديّة اللّازمة لنمو الأعمال التّجاريّة, والدّفع للمعاملات اليوميّة, أو الالتزام بالوفاء بالدّيون في مواعيد محدّدة. وتعتبر السّيولةعلى أنّها كمّيّة الموجودات القابلة للتّحويل إلى نقد، مضافاً إليها ما يمكن الحصول عليه من الأسواق الماليّة، ومن تسديد العملاء لالتزاماتهم تجاه المصرف، سواء على شكل فوائد كان هذا التّسديد، أو أقساط قروض"(7)، فتسبّب خروج رؤوس الأموال الأجنبيّة من تلك البلاد الآسيويّة، بعرقلة تلك الأنشطة التي كانت تمارس في الشّركات المؤسّسات الماليّة في تلك الأقطار الآسيويّة.

تدأب أقطار العالم في أن تزيد مقدار السّيولة النّقديّة في احتياطيّاتها من العملات الأجنبيّة، كي تفي بتسديد التزاماتها الماليّة، لأنّ "تدنّي أو اختفاء السّيولة الدّوليّة لأيّ نظام ماليّ، كان يؤدّي إلى عدم الاتّساق أو التّوافق بين آجال استحقاق كلّ من الأصول والخصوم (الموجودات والمطلوبات) الدّوليّة لهذا النّظام"(8)، فكانت تتحدّد حالة الشّحّ في السّيولة الدّوليّة لأيّ نظام ماليّ، إذا عجز عن أن يفي بتعهّداته الماليّة، ويتجلّى ذلك العجز الذي يقع فيه ذلك النّظام "حينما تفوق التزاماته قصيرة المدى وبالعملة الأجنبيّة، ما في حوزته أو ما يمكن أن يحصل عليه من عملة أجنبيّة في المدى القصير. فإذا عجزت أصوله المقوّمة بالعملة الأجنبيّة قصيرة المدى _أو بمعنى أدقّ أصوله السّائلة بالعملة الأجنبيّة_ عن تغطية خصومه والتزاماته قصيرة المدى المقوّمة بالعملة الأجنبيّة، فإنّ النّظام الماليّ يفقد سيولته الدّوليّة، ويصبح عاجزاً عن الاستجابة والتّصدّي لأيّ صدمة خارجيّة يترتّب عليها النّزوح من العملة الوطنيّة(9)، وتعبّر الخصوم عن الالتزامات المستحقّه على المؤسّسات الماليّة، فهي الحقوق الماليّة التي تتعهّد تلك المؤسّسات بأنّ تسدّدها للأشخاص والأجهزة، التي تتعامل مع تلك المؤسّسات الماليّة، وكان المستثمرون والأشخاص الذين كانوا ضخّوا أموالهم في المؤسّسات الماليّة الآسيويّة، قد استدلّوا على وقوع الأزمة الماليّة في تلك المؤسّسات، بدلائل عديدة كانت تنذر بنشوء تلك الأزمة، وما لبث أن اندفع أولئك المستثمرون في أن يسحبوا أموالهم من تلك الأجهزة الماليّة الآسيويّة، ودأبوا في أن يحوّلوها إلى خارج تلك البلدان الآسيويّة، وكانت في طليعة تلك الدّلائل، التي استرشد بها أولئك المستثمرون على قرب موعد نشوء تلك الأزمة الماليّة في تلك البلاد الآسيويّة، هو كميّة النقّود الشّحيحة من العملات الأجنبيّة، التي لم تكن كافية لأن يسدّد بها التزامات تلك المؤسّسات الماليّة.

اندرجت في عداد الخصوم أو المطلوبات الدّوليّة أو الأجنبيّة "رصيد المديونيّة الأجنبيّة قصيرة الأجل، والودائع تحت الطّلب المقوّمة بالعملات الأجنبيّة"(10)، وقد ميّز بين هذين النّوعين من الخصوم لأنّ أولى تلك المطلوبات "تمثّل التزامات تجاه الأجانب، في حين أنّ الثّانية تمثّل التزامات تجاه المحلّيّين"(11)، وقد تلحق أيضاً بتلك الخصوم الدّوليّة "رصيد الودائع تحت الطّلب المقوّمة بالعملة المحلّيّة، وذلك على أساس أنّه في ظلّ نظام سعر الصّرف الثّابت مع القابليّة للتّحويل، يمكن النّظر إلى هذه الودائع باعتبارها فعليّاً وواقعيّاً التزامات بالعملة الأجنبيّة"(12)،وقد حدّدت الأسباب التي تؤدّي إلى تدنّي مقدار السّيولة الدّوليّة للأنظمة الماليّةفي "زيادة الالتزامات الدّوليّة قصيرة الأجل بمعدّلات متسارعة، وزيادة المديونيّة المقوّمة بالعملات الأجنبيّة"(13)،ولا ريب في أنّ توافر السّيولة من العملات الأجنبيّة عند الأنظمة الماليّة، تعزّز في نفوس الأفراد الذين يتعاملون معها، الثّقة بقدرة تلك الأنظمة على الوفاء بالتزاماتها وتعهداتها الماليّة.

لا تقتصر المنافع التي يحقّقها توافر السّيولة الدّوليّة، على تأكيد إمكانيّة وفاء المؤسّسات الماليّة بتعهداتها، وإثبات قدرتها على تسديدها الالتزامات الماليّة، بل إنّ تلك السّيولة الماليّة الوفيرة، كانت تزيد أيضاً منعة تلك الأنظمة الماليّة في مجابهة الأشخاص المضاربين، الذين يجهدون في جني المكاسب بتنفيذهم عمليّات المضاربة، التي كانت تجابهها الدّول بشرائها العملة المحلّيّة "لرفع قيمتها (سعر صرفها) ولو مؤقّتاً، وذلك لعقاب هؤلاء الذين يراهنون على انخفاضها"(14)، وبالنّظر إلى تلك المنفعة التي تتحقّق باستخدام تلك الأموال المتوفّرة من العملات الأجنبيّة، في مجابهة المضاربين، فإنّه كان يطلق على تلك السّيولة الدّوليّة عبارة "نظام الحماية الذّاتيّة"(15)، فتعتبر السّيولة الدّوليّة "بحقّ هي مفتاح الحماية الذّاتية لأيّ نظام ماليّ من الانهيار، وأيّ دولة لديها حجم كاف من السّيولة الدّوليّة _أي حجم كبير من احتياطيّ النّقد الأجنبيّ، بجانب توافر مصدر مضمون وسريع للاقتراض بالعملة الأجنبيّة_ من الصّعب أن تتعرّض لأزمة العملة أي أزمة سعر الصّرف"(16)، فتوفّر السّيولة يحقّق استقرار المعاملات الماليّة، بل تغرس في نفوس المستثمرين الثّقة باستمرار ذلك النّشاط الماليّ، وتحرص المؤسّسات الماليّة على أن تتوفّر عندها دائماً كمّيّة وفيرة من السّيولة النّقديّة الأجنبيّة، كي تتمكّن من أن تفي بالتزاماتها الماليّة، ولتزيد من منعتها تجاه الأزمات التي قد تصيب تلك المؤسّسات الماليّة.

1-أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص150.

2- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص238.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- موقع الموسوعة الاقتصاديّة.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق.

8- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص94.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق، ص95.

11- المصدر السّابق.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق، ص211.

15- المصدر السّابق.

         16- المصدر السّابق، ص215.



بدأ متوسّط العمر في العديد من دول العالم، في أن يرتفع بعد أن رسخت في تلك البلدان قواعد العناية بصحّة الأفراد، الذين توفّرت لهم وسائل الوقاية من الإصابة بالأمراض، علاوة على أنّهم أخذوا ينعمون بوجودأسباب الرّعاية الصّحّيّة المتطوّرة، وقد أفضى أيضاً التّقدّم الطّارئ على طرائق معالجة تلك الأمراض التي تصيب النّاس، إلى أن يرتفع متوسّط العمر في دول شتّى، حيث قدّرت إحدى الدّراسات الإحصائيّة التي نشرت في عام 2002، أنّه يتوقّع أن يزداد في العالم عدد المسنّين الذين تخطّوا السّتين من العمر، من نسبة 10% إلى نسبة 20%، بين سنة 2000 و2050، وقد ذكر في دراسة أصدرتها إحدى المنظّمات الدّوليّة التي ترعى شؤون المسنّين "أنّ نسبة الأفراد الذين تخطّوا سنّ السّتين في الأقطار العربيّة والنّامية بلغت  10% من مجموع السّكّان"، ويقدّر أنّ أعداد المسنّين الذين سيتخطّون السّتين عاماً من العمر، في دول العالم قاطبة، سيبلغ في العام 2020 مليار مسنّاً، وكانت منظّمة الصّحّة العالميّة قدّرت أعداد المسنّين في العام 2000 "بنحو {590} مليون مسنّاً منهم {230} مليون يعيشون في البلاد المتقدّمة، و{360} مليون يعيشون في البلاد النّامية، وتبلغ نسبة المسنّين في البلاد العربيّة {55%} من أعداد المسنّين في تلك البلاد النّامية"، فأدّى تطوّر وسائل العناية بالصّحّة، إلى أن تتحقّق تلك المنافع الجليلة التي هنأ بها خصوصاً أولئك النّاس الطّاعنون في السّنّ.

إنّ تغيّر أنماط المعيشة التي اعتاد النّاس أن يأخذوا بها في سالف الأزمان، تسبّب بأن تنشأ عند غالبيّة الأفراد حاجات جديدة، لم تكن توجد عندهم من قبل، وكانت فئة الأفراد المسنّين هي في عداد الجماعات، التي تأثّر أفرادها بذلك التّبدّل الذي طرأ على طريقة معيشة النّاس في بلدان العالم، فإذا كانت نشأت عند أولئك المسنّين حاجات صحّيّة جديدة نجمت عن تقدّمهم في العمر، فإنّ العناية الطّبّيّة المتوفّرة في العديد من المجتمعات، كانت كفيلة بأنّ تهيّئ الطّرائق المناسبة التي تسدّ بها تلك الحاجات الصّحّيّة، وقد كانت تلك الرّعاية الطّبّيّة ساهمت أساساً في أن يرتفع متوسّط أعمار النّاس، إلّا أنّ تلك الفئة ذاتها من الأفراد المسنّين، لم تكن لتظهر في ضحة بيّنة، لولا ذلك التّغيّر الحادث في أنماط معيشة النّاس، حيث طرأ التّبدّل على حجم الأسر، التي شرعت في أن تتّخذ هيئة الأسرة النّوويّة التي تضمّ الزّوجين وأولادهما، فبدأت تتفكّك الرّوابط العائليّة، التي كانت تجمع بين الأجيال المختلفة، إذ كانت تضمّهم معاً في غابر الأيّام تلك العائلة الممتدّة، وكانت فئة الأشخاص المسنّين، التي تمخّض بها ذلك التّغيّر الذي طرأ على حجم الأسرة، قد تميّزت عن سائر مجموعات الأفراد الذين يضمّهم المجتمع، بتلك الحاجات الجديدة التي نشأت عند أولئك المسنّين، وقد سعت منظّمات دوليّة عديدة إلى أن تدرج مسألة تلبية تلك الحاجات عند المسنّين، في عداد تلك الحقوق، التي يجب أن ينعم بها أولئك الأفراد المسنّون، فتبدّل أنماط المعيشة التي يحياها النّاس في هذا الزّمن المعاصر، ما برح ينتج عند المسنّين مجموعة جديدة من الحاجات، التي لم تكن تحظى برعاية المؤسّسات والمنظّمات الموجودة في المجتمع، الذي يعيش فيه هؤلاء المسنّون، وقد دفعت تلك الحال التي آل إليها مصير أولئك المسنّين، إلى أن تولي المنظّمات والمؤسّسات الدّوليّة شؤون المسنّين، الرّعاية الملائمة لتحقيق مطالب هؤلاء الأفراد الذين تقدّموا في العمر.

 

اندفعت منظّمات عديدة في أن ترعى شؤون كبار السّنّ، وقد انطلقت منظّمة الصّحّة العالميّة في رعاية صحّة هؤلاء المسنّين منذ سنوات الثّمانينيّات، وكانت هيئة الأمم المتّحدة قرّرت أن يكون عام 1999 عاماً دوليّاً للمسنّين، بينما خصّصت منظّمة الصّحة العالميّة شعارها لذلك العام ذاته، ليكون أساسه هو العناية بصحّة المسنّين،وقد قرّرت هيئة الأمم المتّحدة أن يكون يوم 1 أكتوبر في كلّ عام، هو اليوم الدّوليّ للمسنّين، أو كبار السّنّ كما يذكر أحياناً، حيث يكون ذلك اليوم هو مناسبة سنويّة عالميّة، وقد سبق ذلك القرار الذي أصدرته الأمم المتّحدة، بتحديدها العيد السّنويّ للمسنّين، بروزُ العديد من الأعمال، التي أتتها المؤسّسات والمنظّمات السّاعية إلى تحقيق العناية بشؤون أولئك المسنّين، واندرجت في عداد تلك المساعي التي بادرت إلى أن تنجزها تلك المؤسسّات الدّوليّة "خطّة عمل فيينا الدّوليّة للشّيخوخة والتي اعتمدتها الجمعيّة العالميّة الأولى للشّيخوخة في عام 1982، وأيّدتها الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة"، وقد اعتمدت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة "مبادئ الأمم المتّحدة المتعلّقة بكبار السّنّ بموجب القرار 46/91 في 16 كانون الأوّل في عام 1991"، وأمّا المناسبة السّنويّة التي يجري فيها إحياء اليوم العالميّ للمسنّين فقد حدّدتها الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة "بموجب القرار 106/45 في 14 كانون الأوّل في عام 1990"، إذ نصّ ذلك القرار على اعتبار يوم الأوّل من تشرين الأوّل يوماً دوليّاً لكبار السّنّ، ثمّ اعتمدت الجمعيّة العامّة الثّانية للشّيخوخة "خطّة عمل مدريد الدّوليّة المتعلّقة بالشّيخوخة للاستجابة للفرص والتّحدّيّات في ما يتّصل بالشّيخوخة في القرن الحادي والعشرين، وتعزيز تنمية المجتمع لكلّ الفئات العمريّة"، وقد قرِّر أن يكون موضوع الاحتفال لهذا العام الحاليّ 2015 هو "الاستدامة وشمول جميع الأعمار في البيئة الحضريّة"، فكانت أنشطة تلك المنظّمات الدّوليّة، تتوسّع دائماً في رعايتها شؤون المسنّين، على قدر امتداد ونمو تلك الحاجات التي تنشأ عند كبار السّنّ.