تعمد دول العالم إلى أن تقيم فيما بينها العلاقات الاقتصاديّة، التي تشتمل على المعاملات الماليّة والتّجاريّة المتنوّعة، ويترتّب على قيام تلك الرّوابط الاقتصاديّة، أن تنشأ مجموعة من الحقوق والالتزامات، التي تدرج في "بيان إحصائيّ يظهر المعاملات التي تتمّ بين حكومات ومواطنين ومؤسّسات محلّيّة لبلد ما، مع مثيلاتها لبلد أجنبيّ خلال فترة معيّنة تكون عادة سنة واحدة"(1)، وذلك البيان الإحصائيّ ويسمّى أيضاً بالسّجل المحاسبيّ، والذي يتضمّن معاملات الدّولة الماليّة خلال تلك الفترة الزّمنيّة المحدّدة، يطلق عليه عبارة ميزان المدفوعات، وهو يحتوي على الحساب الجاري (Current Account)، الذي يضمّ الميزان التّجاريّ (Trade Account) الذي يشتمل على الصّادرات والواردات من السّلع، وهي تسمّى بالتّجارة السّلعيّة، أو التّجارة المنظورة، ويعدّ الميزان التّجاري موجباً إذا زادت قيمة الصّادرات على قيمة الواردات، حيث يوجد فائض في الميزان التّجاريّ، ويكون الميزان التّجاريّ سالباً إذا زادت قيمة الواردات على قيمة الصّادرات، فيحدث عجز في الميزان التّجاريّ، ويضمّ ميزان المدفوعات أيضاً ميــزان الخدمــات(Trade in Services)  الــذي يشــتمل على معامــلات الخدمات، وهي على سبيل المثال خدمــات النّقــل والسّــياحة والشّحن والخدمات المصرفيّة، وتلك الخدمات تندرج في نطاق التّجارة غير المنظورة، ويتضمّن حساب ميزان المدفوعات أيضاً "الدّخــل مــن الاســتثمار (Investment Income)  الــذي يضــمّ العائــد علــى الاســتثمارات مثــل: العائــد علــى الودائــع، والأوراق الماليــّة، والاســتثمار الأجنبــيّ المباشــر. ويشمل أيضاً حســاب التّحويلات مــن طــرف واحــد(Unilateral Transfer)  ويضمّ المنح والمســاعدات، ويشتمل أيضاً على حســاب رأس المــال (Capital Account)  الذي يحتوي على حســاب رأس مــال الاســتثمارات الخاصــّة ((Private Investment التي تضــمّ الاســتثمار الأجنبــيّ المباشــر وغيــر المباشــر، مثــل بيــع وشــراء الأوراق الماليّــة (الأســهم والسّــندات)"(2) ويحتوي ميزان المدفوعات أيضاً القــروض الرّســميّة، بالإضافة إلى حســاب الاحتياطــيّ الرّســميّ ((Official Reserve Account الذي يشتمل على حيــازات الاحتياطــيّ الأجنبــيّ لــدى المؤسّســات النّقديـّـة.

عانت دول النّمور الآسيويّة منذ مطلع سنوات التّسعينيّات العجز في ميزان المدفوعات، الذي ازداد في منتصف ذلك العقد العاشر، حتّى بلغ ذروته قبيل نشوء الأزمة الماليّة التي أصابت تلك البلدان الآسيويّة، وكان يعزى نشوء الفجوة في حساب الخدمات لميزان المدفوعات إلى حساب الشّحن الذي "كان دائماً سالباً بالنّسبة لهذه الدّول نتيجة لغياب أسطول تجاريّ لها"(3)، وقد تكبّدت تلك الدّول الآسيويّة أيضاً "ارتفاع محتوى الواردات من الخدمات بالنّسبة للأنشطة الاقتصاديّة المحلّيّة، وهو ما يعكس اعتماد النّشاط الصّناعيّ المحلّيّ على العالم الخارجيّ (مثل الخدمات الصّناعيّة البتروليّة في إندونيسيا)"(4)، وقد فسّرت علّة نشوء العجز في ميزان المدفوعات، بخروج الأموال التي استدرّتها الاستثمارات الأجنبيّة، إلى خارج تلك البلاد الآسيويّة، إذ كان "الانسياب الضّخم للاستثمارات الأجنبيّة لهذه الدّول في السّنوات السّابقة، قد بدأ في دفع العائد (العائد على الاستثمار) إلى العالم الخارجيّ، وهي ظاهرة مشتركة لكلّ بلدان المنطقة (باستثناء الفلبين)"(5)، وقد سعت تلك الدّول الآسيويّة إلى أن تسدّ العجز في ميزان المدفوعات بواسطة التّدفّقات الأجنبيّة، بيد أنّ هذا المسعى الذي اعتمدته تلك الدّول "لا يصحّ النّظر إليه باعتباره "وجبة مجانيّة"، بل من المتوقّع أن يتزايد حجم الأموال المتّجه نحو الخارج، نتيجة لزيادة مدفوعات الفوائد على القروض الأجنبيّة، وتحويل الأرباح في الآونة الأخيرة"(6)، وقد استمرّ المستثمرون على أن يحوّلوا كمّيّة الأموال التي جنوها في تلك الاستثمارات التي أنشؤوها، إلى خارج تلك البلدان لآسيويّة، التي افتقدت مقداراً كبيراً من سيولة الأموال الأجنبيّة.

ازدادت كمّيّة التّدفّقات من رؤوس الأموال الأجنبيّة إلى دول الأزمة، حتّى بلغت حدّاً كبيراً، ولا سيّما في سنوات التّسعينيّات، حيث "تخطّت معدّلات الاستثمار معدّلات الادّخار المرتفعة، ممّا ترتّب عليه ظهور طاقات زائدة في العديد من القطاعات. وليس غريباً إذن أن توصف هذه الاقتصاديّات بظاهرة الإفراط في الاستثمار باعتبارها إحدى السّمات المهمّة والمميّزة لدول الأزمة"(7)، وكان من النّتائج التي تمخّض بها ذلك الإفراط في الاستثمار هو "خلق طاقة فائضة في العديد من الأنشطة والقطاعات الخدميّة والمحلّيّة التي لا تدخل منتجاتها في مجال التّجارة الدّوليّة، ولا تساهم بالتّالي في حصيلة النّقد الأجنبيّ "Non_ Tradeables"، ممّا كان له آثار وخيمة على اقتصاديّات هذه الدّول"(8)،ولم يقتصر الإفراط لذي حدث في الاستثمار على قطاع الخدمات المحلّيّة في تلك البلدان الآسيويّة، بل أنّه امتدّ إلى "النّشاط الصّناعيّ أيضاً فتشير بعض الدّراسات إلى وجود طاقة فائضة في صناعة الحديد والصّلب، وصناعات موادّ البناء، والصّناعات البتروكيماويّة في تايلاند، وتعتبر كوريا مثالاً حيّاً على الإفراط في الاستثمار في القطّاع الصّناعيّ، ولعل صناعة السّيّارات الكوريّة خير مثل لذلك"(9), فظلّت تلك الدّول تعاني فقدان سيولة النّقد الأجنبيّ، بينما ازدادت تلك الموانع، التي صعّبت عليها عمليّة سداد القروض المصرفيّة التي كانت أغلبيّتها قروض قصيرة الأجل.

أخذت تتّضح تلك المضارّ، التي تسبّب بإنزالها بالنّشاط الاقتصاديّ في تلك البلاد الآسيويّة، ازدياد كمّيّة رؤوس الأموال الكبيرة التي ضخّت في تلك البلدان الآسيويّة، وقد تجلّت تلك النّتائج التي تمخّض بها تلك الزّيادة من التدّفّقات الماليّة في تايلاند، التي إذا اتّخذت مثالاً يوضّح طبيعة تلك الأزمة الماليّة التي أصابت تلك الدّول الآسيويّة، فإنّه يلاحظ أنّه ارتفعت التّدفّقات الدّاخلة من رأس المال إلى الذّروة في ذلك البلد الآسيوّي حيث "بلغت 12,3% من إجماليّ النّاتج المحلّيّ العام 1995، وكان 11,6% من هذه التّدفّقات يتألّف من استثمارات أسهم وسندات ماليّة وتدفّقات أسهم عاديّة بدلاً عن استثمارات أجنبيّة طويلة الأمد،.... وبذا لم تكن تدفّقات الاستثمار الأجنبيّ تعزّز الإنتاج المحلّيّ الفعليّ، أو تقوم بتطوير الصّناعة التّحويليّة، بل تسهم في نفخ فقاعة أسعار الأصول(10)، وتلك الحالة من نفخ تلك الفقاعة تندرج في نطاق اقتصاد الفقاعة أو اقتصاد البالون (The Bubble Economy)، وتنشأ تلك الفقاعة عندما تتسبّب المضاربة على إحدى السّلع بأن يزيد سعرها "بطريقة تؤدّي لتزايد المضاربة عليها. وقتها يبلغ سعر هذه السّلعة مستويات خياليّة، تشبّه انتفاخ البالون، حتّى يبلغ مرحلة ما يسمّى بانفجار الفقاعة أو البالون (الانهيار) وحدوث هبوط حادّ ومفاجئ في سعر هذه السّلعة"(11)، وتتحقّق هذه الفقاعة أيضاً في "الاقتصادات التي تشهد رواجاً اقتصادياً كبيراً لفترات زمنيّة محدودة، دون أن تستند إلى قاعدة إنتاجيّة متينة قادرة على توليد الدّخل المنتظم، والاستمرار في الرّفاهة والرّواج على أسس دائمة ومتواصلة. في النّهاية يؤدّي ذلك لتضخّم أسعار بعــض الأصول الاقتصاديّة نتيجة المضاربات المحمومة، والتي تؤدّي بدورها لحدوث طفرات متوالية في أسعار الأسهم والأراضى والعقارات، دون الاستناد إلى أداء اقتصاديّ حقيقيّ"(12)، وكانت أغلبيّة تدفّقات الاستثمار الأجنبيّ المباشر هي التّدفّقات القصيرة الأجل، التي استخدمها المستثمرون في تحقيق عمليّة المضاربة، التي تسبّبت بانتفاخ فقاعة في أسعار الأصول التي ضخّوا فيها أموالهم.

إنّ تلك الأزمة التي أصابت المشاريع الاستثماريّة في تلك البلاد الآسيويّة، سرعان ما أخذت تمتدّ تلك المضارّ التي أحدثتها، إلى الأصول الماليّة في المصارف الآسيويّة، حيث أدّى "تراجع العائد على الاستثمار في بعض القطاعات وتراجع أسعار الأصول بشكل حادّ قبل انفجار الأزمة إلى تدهور الأصول المصرفيّة"(13)، وإذا كانت الأصول Assets هي مجموع حقوق يمكن تقدير قيمتها بالنّقود،"وهي الأشياء ذات القيمة التي يمكن تحويلها بسهولة إلى نقد، فإنّ النّقد في حدّ ذاته يعتبر أيضاً أحد تلك الأصول، التي تكون عنصراً موجباً للذّمّة الماليّة، وتقابلها الخصوم والدّيون، والأصول قد تكون ثابتة يحتفظ بها أو متداولة لا يحتفظ بها"(14)، وقد أفضى الإفراط في الإقراض إلى أن تتضخّم في تلك البلاد الآسيويّة "أسعار الأصول خاصّة الأصول العقاريّة ممّا أدّى في النّهاية إلى انفجار بالون أسعار هذه الأصول وانهيارها، وقد انعكس ذلك كلّه سلباً، على الجهاز المصرفيّ في شكل زيادة الأصول غير المنتظمة في المحافظ الائتمانيّة للمؤسّسات الماليّة المصرفيّة وغير المصرفيّة، وهو ما يعكس تدنّي إدارة المخاطر وحسابها في هذه المؤسّسات، بجانب التّراخي في الحفاظ على الحدّ الأدنى المطلوب من مؤشّرات سلامة الجهاز المصرفيّ، كالقاعدة الرّأسماليّة ونسبة السّيولة"(15)، وإذا كان حدّد لكلّ أصل من تلك الأصول "قيمة أساسيّة"، فقد اعتبرت الفقاعات هي زيادة في القيمة الحاليّة تفوق هذه القيمة الأساسيّة، وإن رغب في تقدير القيمة الحاليّة لتلك الأصول، فإنّه يجب أن تخفّض قيمة تلك الأصول إلى أن تبلغ القيمة الأساسيّة، وقد ذهب العديد من الاقتصاديّين إلى أن يطابقوا بين علل نشوء ذلك التّضخّم في الأسعار، وأسباب نشوء الفقاعات في أسعار تلك الأصول.

إنّ المستثمرين الذين يسحبون رؤوس أموالهم التي استثمروها في قطّاع العقارات، يلحقون أضراراً بالأصول الماليّة الموجودة في المصارف، إذ اعتبر "أنّ المشكلة في سوق العقار، أنّه كسوق الأسهم، يؤدّي الانسحاب الصّغير منه إلى آثار كبيرة على الأسعار، ممّا يترتّب عليه تعرّض الجهاز المصرفيّ لمخاطر كبيرة، وهي نوع المخاطر التي تدفع المودعين إلى سحب ودائعهم"(16)،فتحدث أزمات انفجار أو انهيار الفقاعة الماليّة، حينما يعمد المضاربون لشراء "أصل ماليّ بسعر يفوق قيمته الأساسيّة في ظلّ توقّع مكاسب رأسماليّة عالية. وفي كلّ فترة قد تنمو الفقاعة وتتضخّم (حيث يتمّ قياس الفقاعة بمدى انحراف سعر الأصل الماليّ عن سعره الأساسيّ ) وقد تنفجر"(17)، ويتابع المضاربون أحوال السّوق التي يقيسون المدى التي تزيد فيه الأسعار، على الرّغم من أنّه ليس في وسع أحد أن يدّعي بأنّ انفجار الفقاعة "حينما يحدث يكون متوقّعاً، كما لا يمكن القول أيضاً أنّه بعيد عن الرّؤية المستقبليّة للمشاركين والمتعاملين في السّوق، لأنّهم يكونون على وعي بوجود الفقاعة. وحقيقة الأمر أنّ أزمة انفجار الفقاعة الماليّة لا يمكن النّظر إليها بمعزل عمّا يحدث في بقيّة النّظام الماليّ والنّظام الاقتصاديّ، فهي لا تنفصل عن سياسة الائتمان والمخاطر المعنويّة. فحتّى يمكن أن يكون الدّخول إلى سوق الأصول الماليّة جذّاباً للمضاربين لا بدّ وأن تتصاعد من فترة لأخرى أسعار هذه الأصول أي أن تنمو الفقاعة وتتضخّم"(18)، ويظلّ المستثمرون المضاربون يرصدون التّبدّل الذي يطرأ على حجم الفقاعة في أسعار الأصول، حيث تسبّبوا هم أنفسهم بنفخ تلك الفقاعة التي ما إن تصل إلى مرحلة الانفجار، حتّى تنشأ تلك الأزمة التي تصيب ميادين عديدة من المعاملات الماليّة.

يفرط المضاربون في رفعهم سعر الأصول، التي ما يبرحون يجهدون في أن يزيدوا قيمتها كي يجنوا الأرباح، التي تنجم بحسب اعتقادهم عن الفارق في الأسعار، الذي يتوقّعون أن يتحقّق، فيعمدون إلى أن يضخّو "كمّيّة من القوّة الشّرائيّة في السّوق تكون كفيلة برفع أسعار الأصول، بحيث يعقب ذلك ضخّ موجة أخرى من القوّة الشّرائيّة لتظلّ الأسعار في ارتفاع مستمرّ، إلى أن يوقن المتعاملون في السّوق أنّ الأسعار السّائدة، وبالتالي معدّل العائد إلى السّعر، قد وصل إلى مستويات لا يمكن تبريرها، فتبدأ عمليّة التّصحيح التي قد تتحوّل إلى انفجار بناء على مدى نمو الفقاعة من جهة، ومدى ثقة المستثمرين في السّوق من جهة أخرى"(19)،وتتفاقم الأزمة الماليّة حينما ينفجر بالون أسعار الأصول ويبدأ التّراجع الحادّ في أسواقها، إذ كانت "مشكلة العقار أنّه يستخدم كضمان للعديد من القروض، وبالتّالي فإنّ تراجع أسعاره يؤدّي إلى انهيار قيم ضمانات البنوك"(20)، فتدفّق الاستثمارات الأجنبيّة يتسبّب بتهديد "الاقتصاد الوهميّ "bubble economy" في العقارات وقيم أصول الأسهم، ويدفعه إلى الصّعود إلى مستويات تتعذّر إدامتها، حيث تبدأ النّتائج السّيّئة والخسائر بالتّراكم"(21)، وقد جرت مقارنة بين أسعار الأصول بين إحدى البلدان الآسيويّة، وبلد يتميّز الأفراد فيه بتحقيق إنتاجية عالية في نشاطهم الاقتصاديّ، علماً بأنّ الإنتاجيّة بالنّسبة لكلّ بلد في العالم، تعتبرالمصدر الحقيقيّ للنّمو الاقتصاديّ ولتحقّق الرّفاهيّة الاجتماعيّة وتحسين وتطوير مستوى المعيشة، وقد اعتقد أنّ "بانكوك التي لا تزيد إنتاجيّة الفرد على 1/12 من إنتاجيّة الفرد في سان فرانسيسكو، ينبغي ألّا تكون قيمة الأرض فيها أعلى من قيمة الأرض في سان فرنسيسكو"(22)، وتظهر تلك المقارنة بجلاء بيّن، ذلك الحجم الكبير الذي بلغته فقاعة أسعار الأصول في تلك البلدان الآسيويّة.

لا تفتقد بلدان هذا العالم الوسائل المناسبة للتّصديّ لعمليّة المضاربة التي ترفع أسعار الأصول التي توجد في تلك الدّول، وتتسبّب بنشوء الأزمات الماليّة الطّاحنة، فلا تعجز المؤسّسات والأجهزة الحكوميّة في تلك البلدان عن مواجهة طرائق المضاربة المتنوّعة، إذ "يتوجّب على الحكومات أن تتّخذ التّدابير لمنع فلتان النّفخ الوهميّ لأسعار الأصول. كمّا أنّها بحاجة إلى أن تقدّر الحدّ الذي ينبغي التّحرّك عنده بحزم لكي تدفع الأسواق المحتدمة بالنّشاط إلى الانكماش"(23)، وقد سعت دولتان من بلدان الأزمة الآسيويّة إلى أن تتصّدى لعمليّة نفخ فقاعة الأصول فيهما، فكانت كلّاً من تايون وسنغافورة "تحرّكتا لكبح النّفخ الوهميّ للأصول، بل إنّ سنغافورة عملت بوجه خاصّ على فرض ضوابط ورسوم على إعادة بيع الممتلكات العقاريّة في العام 1996"(24)، فتبدّت في تلك الأزمة التي عصفت بالنّشاط الماليّ والتّجاريّ في بلدان النّمور الآسيويّة، معالم أزمة تضخّم فقاعة الأصول، حيث "ترتّب على تراجع سوق العقار بدءاً من عام 1995 في أغلب بلدان الأزمة الآسيويّة قبل حدوث انهيارها الكامل في النّصف الثّاني من عام 1997، ظهور العديد من الدّيون غير المنتظمة والمشكوك فيها في المحافظ الائتمانيّة للجهاز الماليّ، سواء أكانت مصارف أم مؤسّسات ماليّة غير مصرفيّة. هذا بجانب اختلال التّوازن بين آجال استحقاق كلّ من الأصول والخصوم، خاصّة للبنوك التّجاريّة والشّركات الماليّة"(25)، فلم تتّخذ تلك المصارف الآسيوّية وسائل الحيطة والحذر، التي تضمن لها تحقّق سلامة تلك المعاملات الماليّة التي تجري في تلك المصارف.

تسبّب الضّعف الذي تتّسم به هيكليّة المصارف الآسيويّة، بأن تتفاقم تلك المضارّ التي نجمت عن أزمة فقاعة الأصول، حيث كان "تسارع معدّلات نمو الائتمان للقطّاع الخاصّ، مع التّراخي في اتّباع قواعد الحيطة والحذر في حساب جدوى المشروعات أو مخاطر الاستثمار، أدّى إلى ظهور نسبة لا بأس بها من الدّيون غير المنتظمة في المحافظ الائتمانيّة للبنوك وشركات الأموال، وذلك قبل انفجار الأزمة، بحيث ترتّب على انفجار الأزمة وما ترتّب عليها من انهيار أسعار الصّرف، وأسعار الأصول الماليّة والعقاريّة وارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة نسبة هذه الأصول غير المنتظمة ممّا وضع النّظام الماليّ والمصرفيّ بصورة خاصّة في هذه البلاد على شفا الانهيار"(26)، فأدّت تلك المضاربة على أسعار العقارات إلى إحداث أزمة ماليّة في تلك المصارف، حيث كانت اتّخذت تلك العقارات رهناً لضمان القروض المصرفيّة، فأدى انهيار أسعار تلك العقارات إلى تلك الأزمة في الأصول الموجودة في المصارف الآسيويّة.

1- موقع الموسوعة الاقتصاديّة.

2- المصدر السّابق.

3- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص114.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق، ص115.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق، ص116.

8- المصدر السّابق، ص117.

9- المصدر السّابق.

10-بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص210، 211.

11- المصدر السّابق، ص211.

12- موقع الموسوعة الاقتصاديّة.

13- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص171.

14- موقع الموسوعة الاقتصاديّة.

15- المصدر السّابق، ص165.

16- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص169.

17- المصدر السّابق، ص93.

18- المصدر السّابق.

19- المصدر السّابق.

20- المصدر السّابق، ص179.

21- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص209، 210.

22- المصدر السّابق.

23- المصدر السّابق، ص228.

24- المصدر السّابق.

25- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص170.

 

26- المصدر السّابق.



اتّبعت دول جنوب وشرق آسيا نهج الانفتاح الاقتصاديّ، ودأبت في أن توطّد الأسس التي ترتكز عليها عمليّة تحرير أنظمتها الماليّة ومبادلاتها التّجاريّة، فرفعت القيود التي تعرقل تحقّق عمليّة التّحرير الاقتصادي الذي اعتمدته في إدارة المعاملات الماليّة، التي أقامتها مع المؤسّسات والأجهزة الاقتصاديّة الأجنبيّة، حيث أزيلت العوائق التي تمنع من أن تتدفّق رؤوس الأموال إلى تلك الدّول الآسيويّة، التي سعت جاهدة إلى أن تحفز الأموال الأجنبيّة للقدوم إليها، لتساهم في تمويل المشاريع الاقتصاديّة القائمة، وقد شجّعت المؤسّسات الاقتصاديّة الدّوليّة تلك الدّول على اتّباع نهج التّحرير الماليّ، بيد أنّ ما لبثت بعد أن وقعت تلك الدّول الآسيويّة في أزمتها الماليّة، أن ألقت عليها اللّوم لتسرّعها في تطبيق تحرير حساب رأس المال، حيث"تؤكّد تجربة الأزمة الآسيويّة أنّ التّحرير الماليّ السّريع الذي بدأ تطبيقه في دول تلك الأزمة، في السّنوات الأخيرة من الثّمانينيّات والسّنوات الأولى من التّسعينيّات، كان عاملاً حاسماً في التّمهيد للأزمة وتحقّق أسبابها"(1)، وكانت تلك الدّول الآسيويّة اقتنعت بأنّ لا مناص من أن تحقّق عمليّة التّحرير الماليّ، في سعيها إلى أن تجلب إليها الاستثمارات الماليّة، وقد نجمت تلك الأزمة المصرفيّة عن ذلك "الإسراع في تحرير حساب رأس المال بالكامل. إذ تشير التّجربة الآسيويّة إلى أنّ قدرة الحكومة على الرّقابة، وإدارة هذا التّحرير الماليّ لم تتمّ بذات سرعة عمليّة التّحرير الماليّ، ذلك أنّ تحرير حساب رأس المال يجب أن يتمّ على جرعات يفصلها عن بعض، فجوة زمنيّة حتّى يمكن استيعاب كلّ جرعة منها. ولا بدّ عند كلّ جرعة من جرعات التّحرير، خلق أدوات الرّقابة التي تضمن عدم انفلاتها. فتشير التّجربة الآسيويّة إلى أنّ تحرير حساب رأس المال الماليّ، قد تمّ دفعة واحدة ودون أن يتكوّن الإطار المؤسّسي للرّقابة"(2)، فبعد أن أصابت الأزمة الماليّة تلك الدّول الآسيويّة، ما برحت تتلقّى اللّوم لتهاونها في مراعاة مسألة تحديد تلك الفترات الزّمنيّة، التي يتدرّج فيها تحقّق عمليّة تحرير حساب رأس المال.

تدفّقت على دول النّمور الآسيويّة، الاستثمارات الماليّة التي كانت غالبيّتها رؤوس أموال قصيرة الأجل، وقد كانت تلك الأموال أحد أسباب نشوء تلك الأزمة المصرفيّة في تلك الدّول الآسيويّة، حيث استخدمت تلك التّدفّقات الماليّة قصيرة المدى "في القروض المصرفيّة قصيرة الأجل وفي تدفّقات رأس المال الماليّ أو التّدفّقات بغرض الاستثمار في المحافظ الماليّة"(3)، ويتاح لهذه الأموال قصيرة المدى أن تتحرّك بسهولة ويسر، فيسببّ انتقالها السّريع بين البلدان، الاضّطراب في قطّاع أسواق المال، وقد رئي أن يتحقّق في التّعامل مع تلك التدّفقات قصيرة الأجل "إحكام الرّقابة واستخدام الأدوات المناسبة لتقييد هذا النّوع من التّدفّقات قصيرة المدى"(4)، وقد زاد مقدار هذه التّدفّقات قصيرة الأجل في هذه الدّول الآسيويّة، في إثر تحقّق التّوسّع في عمليّات تحرير النّظم الماليّة، التي بدأت مع مطلع سنوات التّسعينيّات، وقد استطاعت عدد من دول العالم، أن تضبط عمليّة تدفّق رأس المال القصير الأجل، وقد أشيدت بالطّريقة التي تعاملت فيها دولة شيلي، مع تدفّق ذلك النّوع من رؤوس الأموال إليها، ففرضت الضّرائب على تدفّقات رأس المال قصيرة الأجل "حيث اشترطت شيلي ضرورة إيداع جزء من الأموال الأجنبيّة، في حساب لا يدرّ عائداً (فائدة) لمدّة عام. ويقال إنّ سبب نجاح شيلي في تجنّب الأزمة عند انفجار الاضّطراب الماليّ في المكسيك، هو هذه القيود المفروضة على تدفّقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل"(5)، وبالإضافة إلى ذلك التّصرّف الذي بادرت فيه دولة شيلي، إلى التّعامل مع ذلك النّوع من رؤوس الأموال، فإنّه قدّم العديد من الباحثين أفكاراً أخرى، في سعيهم إلى أن يوجدوا الطّرائق المثلى في استخدام تدفّقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل.

لم تراع دول النّمور الآسيويّة تلك المحاذير، التي أكّدت فحواها نشوء المخاطر عن ذلك النّمط من القروض، التي تدفّقت إلى تلك الدّول الآسيويّة، لأنّ "القروض قصيرة الأجل مثيرة للمصاعب بوجه خاصّ، فهي خلافاً للاستثمار الأجنبيّ المباشر لا تجلب معها خبرة أو تكنولوجيا أجنبيّة، أمّا المستثمرون المباشرون فليس لديهم ما يخشونه من الضّوابط المفروضة على العملة الصّعبة، وحركة رأس المال، شريطة ضمان حقوق الملكيّة وتوافر وضع تجاريّ سليم. فالهدف الرّئيسيّ للمستثمرين المباشرين هو الإفادة من الأجور المتدنّية في بلدان مثل إندونيسيا أو الإفادة من مزايا الموقع، كما هي حال سنغافورة"(6)، وإذا أردنا أن نستدلّ على النّفوذ الذي تتمّتع به القروض قصيرة الأجل، في إثارة تلك الأزمة المصرفيّة، فيتوجّب أن ننظر في التّفاوت الحاصل بين الدّول في مقدار اعتمادها على ذلك النّمط من القروض، وقد اتّضح "أنّ البلدان التي كانت فيها مستويات التّدفّقات الماليّة قصيرة الأجل، أدنى من حيث نسبتها في الاستثمار الأجنبيّ المباشر، تأثّرت بدرجة أخفّ"(7)، فتفاوتت دول النّمور في حجم تفاقم الأزمة الماليّة فيها، بحسب مقدار سيطرتها على تدفّق القروض قصيرة الأجل،  وثبت أنّ "البلدان التي حرصت على ضبط الإقراض قصير الأجل، لم تكن عزلاء بلا إستراتيجيّات قوميّة لصدّ هجمات المضاربة. فتايوان لم تتأثّر عمليّاً بالأزمة، لأنّها حرصت كلّ الحرص على تجنّب عبء دين كبير، ولأنّ نظامها الصّناعيّ بالغ التّنوّع، القائم على مشاريع صغيرة ومتوسّطة، كان يحصل على التّمويل من مصادر محلّيّة إلى حدّ كبير"(8)، فاختلفت الطّرائق التي تعاملت فيها تلك الدّول الآسيويّة مع ذلك النّوع من التّدفّقات الماليّة، التي كان يتاح لها المجال لأن تسخّرها لتحقيق منافعها الاقتصاديّة.

لم تكن دول النّمور الآسيويّة تعدم الوسيلة الملائمة للتّعامل مع المشاكل التي تسبّب بنشوئها، التّدفّقات الضّخمة لرؤوس الأموال السّاخنة، التي وصفت بأنّها تكون قصيرة المدى وتهدف إلى المضاربة، وقد "اضّطرت الحكومة الماليزيّة إلى فرض القيود والعقوبات المتعلّقة بحسابات الرّينجيت لغير المقيمين"(9)، واعتمدت أكثريّة العاملين في النّشاط الاقتصاديّ، على استخدام القروض قصيرة الأجل في تلك الدّول الآسيويّة، إذ كان "التّصميم الخاصّ لبرنامج التّحرير الماليّ في تلك الدّول، شجّع الاقتراض قصير الأجل من الخارج، ذلك أنّ إجراءات تقديم واستيفاء القروض قصيرة الأجل أقلّ تعقيداً من عمليّة الاقتراض طويل الأجل"(10)، وبالإضافة إلى ذلك التّساهل في تطبيق الإجراءات الماليّة الملائمة للاستثمار الماليّ، فإنّ الحكومة في كوريا الجنوبيّة "صرّحت للمؤسّسات غير البنكيّة بالاقتراض من الخارج لحسابها الخاصّ وتحت مسؤوليّتها ودون تنسيق مركزيّ. ويبلغ نصيب هذه المؤسّسات غير البنكيّة حوالي ثلث الدّين الخارجيّ لكويا الجنوبيّة. وبينما تقع مديونيّة هذه المؤسّسات غير البنكيّة خارج إجراءات ورقابة البنك المركزيّ إلّا أنّها تشكّل جزءاً من خصومه (مطلوباته) بالنّقد الأجنبيّ(11)، وقد بلغت تدفقّات القروض القصيرة الأجل إلى تلك البلدان الآسيويّة قدراً كبيراً، إذ كان "نصيب تدفّقات رؤوس الأموال قصيرة المدى من جملة التّدفّقات، قد بلغ حوالي 77% في كلّ من عام 1995 و1996. وقد تحوّل صافي تدفّق القروض الخاصّة (البنوك التّجاريّة) من تدفّق موجب نحو الدّاخل بلغ 62,7 بليون دولار أمريكيّ عام 1996، إلى صافي تدفّق نحو الخارج بلغ رقماً قياسياً قدره (_021,2) بليون دولار أمريكيّ عام 1996، وهو ما يعني أنّ حجم التّدفّقات التي عكست اتّجاهها نحو الخارج بدلاً من الاتّجاه نحو الدّاخل عام 1997، قد بلغت 83,9 بليون دولار أمريكيّ، وهي مبالغ ضخمة لا تتحمّلها موازين مدفوعات هذه الدّول، ومن شأن تغيير اتّجاهها حدوث اختلالات عنيفة لا تتحمّلها موازين مدفوعات هذه البلدان"(12)، وقد كان بإمكان تلك الدّول الآسيويّة أن تكبح الاندفاع في تقديم تلك القروض، ولم يكن يتعذّر عليها أن تجد الوسيلة الملائمة التي تمهّد لها السّبيل إلى تلافي تلك المشاكل، التي تنجم عن ذلك النّوع من القروض الماليّة.

لم تكن المصارف في دول النّمور الآسيويّة مهيّأة لاستقبال رؤوس الأموال قصيرة المدى، التي كان المقدار الكبير منها، عبارة عن قروض خارجيّة، وكانت كوريا الجنوبيّة وتايلاند أكثر دول النّمور اعتماداً على القروض الخارجيّة، وإذا نظرنا في أحوال البنوك في كوريا الجنوبيّة، فإنّنا نرى أنّه قد  "ترتّب على سلوك هذه البنوك الاستثماريّة قليلة الخبرة النّمو البالونيّ لديون كوريا الخارجيّة من 44 بليون دولار أمريكيّ عام 1993، إلى 120 بليون دولار أمريكيّ عام 1997، وأغلبها ديون خاصّة، هذا بجانب أنّ المديونيّة قصيرة الأجل يصل نصيبها إلى 70% من حجم هذه المديونيّة"(13)، ويسبّب تراكم الدّين الخارجيّ بمعدّل يفوق تكلفة الاقتراض، مضارّ جمّة، حيث كانت "المشكلة أنّ مثل هذه الدّيون الخاصّة الكبيرة من شأنها أن تقوّض سعر صرف العملة، إذا ما سحب المقرضون مقداراً كبيراً من الأرصدة قصيرة الأجل"(14)، وكان نجاح تلك الدّول الآسيويّة في تحقيق النّمو الاقتصاديّ  "من أهمّ العوامل التي دفعت إلى تدفّقات ضخمة من رؤوس الأموال (كانت في أغلبها رؤوس أموال ساخنة_ قصيرة الأجل) لم يستطع النّظام الماليّ استيعابها وتوجيهها نحو القنوات المنتجة، ومن هنا انهار النّظام عند تغيّر اتّجاه هذه الأموال من الدّاخل إلى الخارج"(15)، فلم يكد يرى أولئك المستثمرون الذين اندفعوا إلى أن يغتنموا تلك المنافع في تلك الدّول الآسيويّة، تباشير الأزمة الماليّة التي تطرأ على النّشاط الماليّ، حتّى سارعوا إلى أن يسحبوا رؤوس أموالهم من مصارف تلك البلدان الآسيويّة.

ازدادت كمّيّات الأموال التي وفدت إلى تلك الدّول النّامية، التي كانت تنتهج سبيل النّمو الاقتصاديّ، فالتّدفّقات الماليّة إلى البلدان النّامية منذ أواخر عقد الثّمانينات "كانت من أكثر التّدفّقات الماليّة إلى البلدان المتطوّرة من حيث نسبتها المئويّة إلى إجماليّ النّاتج المحلّيّ، وهي 2% مقابل 1% من إجماليّ النّاتج المحلّيّ"(16)، وقد سبّب انسحاب الأموال من البلدان الآسيويّة أزمة ماليّة طاحنة، وتعدّدت تلك المسوّغات التي احتجّ بها في تحريك تلك الأموال، التي ذكر في عداد الأسباب التي دعت إلى سحب تلك الأموال، الرّغبةُ في "استدعاء هذه القروض أو عدم مدّ آجالها أو رفض تجديدها عند حلول مواعيد استحقاقها. وقد استمرّ هذا التّدفّق السّالب ( الخروج ) طوال عام 1998"(17)، وقد كان النّشاط الماليّ يعتمد اعتماداً كبيراً على الاستثمار الأجنبيّ، حيث كان "ضيق أسواق حقوق الملكيّة (الأسهم) والأدوات الماليّة ذات الدّخل الثّابت في هذه البلاد، أدّى إلى زيادة أهمّيّة الجهاز المصرفيّ في توفير فرص عديدة للوساطة الماليّة الأجنبيّة"(18)، ولم تكن الشّروط التي وضعت لتحقيق عمليّة الإقراض في القطّاع الماليّ، ملائمة للحدّ من وقوع المخاطر، حيث "كان الإقراض قصير الأجل (سنة فأقلّ) وهو الذي يحتلّ النّصيب الأكبر من الإقراض المصرفيّ الدّوليّ (حوالي 70%)، هو النّمط الذي فضّلته البنوك الدّوليّة نظراً لتلاؤمه مع طبيعة أصول هذه البنوك، كما أنّها أكثر اتّساقاً مع آجال استحقاق أموالها (ودائعها) وبالتّالي لا تثير مشكلة عدم التّوافق أو عدم الاتّساق بين آجال استحقاق أصول وخصوم البنوك الدّوليّة وهي المشكلة المعروفة باسم (Mismatching)"(19)، فلم تتبّع تلك المصارف الآسيويّة ذلك السّبيل، الذي يفضي بها إلى مجابهة المخاطر، التي كانت اتّخذت في ذلك الأوان من عام 1997، مظهر تلك الأزمة الماليّة القاسية التي وقعت فيها.

لم تكن المصارف الآسيويّة تراعي مسألة فجوة آجال الاستحقاق، التي تحدث في وجود التّباين بين تلك الأوقات التي يجب أن تفي فيها بالتزاماتها، وقد غاب التّناسق بين الأصول المتوفّرة، وتلك الالتزامات التي كانت تعهّدت تلك المصارف بأنّ تنفّذها، وكانت القروض المصرفيّة التي ضخّت في قطّاع المصارف الآسيويّة، هي قروض قصيرة الأجل، وقد "استُخدمت لتمويل شراء أصول محلّيّة طويلة الأجل مثل العقار، أو لتمويل مشروعات محلّيّة طويلة الأجل أو حتّى شراء الأسهم. وقد خلق ذلك عدم توافق أو عدم اتّساق(Mismatching) بين آجال استحقاق كلّ من أصول وخصوم الجهاز المصرفيّ، وهو أمر على جانب كبير من الخطورة وينطوي على آثار سلبيّة مهمّة. وتظهر هذه الخطورة عندما يرغب الدّائنون (البنوك الدّوليّة) في عدم تجديد قروضهم، أو مدّ آجال هذه القروض Roll_ Over، وهو ما حدث بالفعل. كما كان عدم التّوافق أيضاً واضحاً بين الأصول والخصوم من حيث العملة المقوّم بها الأصل أو الخصم (الموجودات والمطلوبات)"(20)، ولم تسلم تلك الدّول الأسيويّة من المخاطر التي تتسبّب بنشوئها قروض القصيرة الأجل، حتّى عندما كانت تنساب إلى تلك الدّول الآسيويّة قروض متوسّطة وطويلة المدى، التي يفترض أنّها لا تسبّب تلك المشاكل التي تثيرها القروض قصيرة المدى، بيد أنّ العديد من عقود القروض المتوسّطة والطّويلة المدى تضمّنت "شروطاً متشابهة للمقرض تجعل من حقّه طلب السّداد خلال فترات محدّدة في أثناء عقد القرض. بمعنى آخر: إنّ الفروق بين القروض قصيرة المدى وطويلة المدى قد اختلّت"(21)، فكانت القروض قصيرة إحدى الأسباب التي أنتجت تلك الأزمة الماليّة، التي اندلع شررها في قطّاع ماليّ، كانت تكثر فيه مكامن الخلل والضّعف.

تضرّت تلك الدّول الآسيويّة من تسرّعها في تحرير أسواق المال فيها، حيث كانت تلك الدّول ارتكبت "خطأ السّرعة والعجلة التي تمّ بها تحرير حساب رأس المال لميزان المدفوعات في تلك الدّول، دونما ترتيبات تصاحب ذلك من شأنها تنظيم دخول وخروج رؤوس الأموال قصيرة الأجل (بهدف المضاربة)، كذلك فإنّ فتح الباب على مصراعيه لدخول رؤوس الأموال دون ترتيبات متعلّقة بالجهاز المصرفيّ المحلّيّ، إنّما هو أمر ينطوي على مخاطر جمّة"(22)، ولم تقتصر الأخطاء التي ارتكبتها تلك الدّول، على ذلك القرار الخاطئ في التّسرّع في تحرير حساب رؤوس الأموال، بل أنّها ارتكبت تلك الدّول الآسيويّة أخطاء أخرى، تبدّى أحدها في تحديدها التّوقيت الذي اعتمدته لتدخّلها في معالجة الأزمة الماليّة، وفرضها الرّقابة على تدفّق تلك الأموال قصيرة الأجل، حيث كان ذلك الخطأ هو "التّدخل لفرض هذه الرّقابة والتّنظيم، أو فرض نوع من القيود في أثناء الأزمة، ذلك أنّ مثل هذا الإجراء قد يكون من شأنه زيادة النّار اشتعالاً، بمعنى أن يكون كمن صبّ الزّيت على النّار ليزيدها اشتعالاً"(23)، فتنظيم الإجراءات الماليّة في أثناء نشوء تلك الأزمة الماليّة، قد يثير في نفوس المستثمرين الذّعر من ذلك التّغيّر الذي يطرأ على القواعد، التي كانت تطبّق في مجرى الأنشطة الماليّة والاقتصاديّة التي كانوا يستثمرون فيها أموالهم.

إنّ الطّريقة التي تعاملت بها المصارف الآسيوّية مع الأموال قصيرة الأجل، أثبتت في اعتقاد بعض الباحثين الرّأي بأنّه لا شكّ في "أن تحرير حساب رأس المال كاملاً قد تمّ قبل أوانه، وقبل أن تنضج الظّروف اللّازمة لذلك، وأنّه كان ولا بدّ أن يصاحب التّحرير على جرعات ترتيبات تنظيميّة تحول دون حدوث المشاكل النّاجمة عن تدفّق رؤوس الأموال قصيرة الأجل"(24)، والمضارّ التي تنجم عن تحرير حساب رأس المال، هي كبيرة إذا لم تنظّم الهيكليّة الإداريّة في قطّاع المصارف، كي تواكب سيل تلك المعاملات الماليّة التي تفد إلى تلك المصارف، التي ستنكب بالأزمات إذا كانت افتقدت "قاعدة مصرفيّة قويّة قادرة على الصّمود في وجه هذه التّدفّقات الضّخمة، ومعنى الصّمود هنا القدرة على الاستيعاب وتوجيهها إلى قنوات الاستثمار الكفء، والتّحوّط تجاهها وتهيئة الظّروف لسدادها. ومن هنا فإنّ تحرير أسواق رأس المال يتطلّب نظاماً مصرفيّاً متقدّماً يستند إلى قاعدة رأسماليّة قويّة، قادرة على تكوين خطّ الدّفاع ضدّ مخاطر العمل المصرفيّ"(25)، وقد كانت إحدى النّتائج التي استخلصت من النّظر في تلك الأزمة الماليّة، التي أصابت الدّول الآسيويّة، هي أنّ "حمى الإقراض المحلّيّ وتوسّعه ومن ثمّ زيادة نسبة الأصول المتعثّرة لدى البنوك، كانت عاملاً حاسماً في الأزمة"(26)، ولم يكد ينهار سوق العقار في تايلاند، حتّى بلغت النّتائج التي تمخّض بها ذلك الانهيار، القطّاع الماليّ، ثمّ أدركت أيضاً سوق الصّرف الأجنبيّ، فعمد المستشمرون والدّائنون آنئذ إلى أن يسحبوا أموالهم بعد أن أيقنوا "بأنّ المقترضين المحلّيّين لن يستطيعوا تحمّل أعباء خدمة قروضهم قصيرة الأجل"(27)، ولم تعترض العوائق سبيل المضاربين إلى أن يغنموا المكاسب من تلك المعاملات الماليّة، التي أنشؤوها في القطّاعات الماليّة في تلك البلدان الآسيويّة.

إنّ القروض قصيرة المدى، تتسبّب بإيقاع المصارف في الأزمات الماليّة، لا سيّما إذا كانت تلك المصارف تفتقد مقداراً كافياً من السّيولة بالعملة الأجنبيّة، وهي التي تسمّى بالسّيولة الدّوليّة التي يتيّح توافرها عند الأنظمة الماليّة، أن تتحقّق معالجة ومواجهة "أيّ أزمة من الأزمات المعروفة على وجه السّرعة وبكفاءة عالية، سواء أكانت هذه الأزمة الماليّة هي أزمة سعر صرف Foreign Exchange Crisis، أو هي أزمة هيكليّة في النّظام الماليّ Balance Sheet Crisis، بمعنى أنّ الدّولة في حالة ملاءة ولديها فائض في ميزان المدفوعات، ولكنّ الالتزامات قصيرة المدى للحكومة والقّطاع الخاصّ هي دون المتاح من احتياطيّ النّقد الأجنبيّ. هذه الدّولة قد تكون مليئة لكنّها تعاني من نقص في السّيولة الدّوليّة_ أزمة بنوك الاستثمار الكوريّة في التّسعينيّات (1997) مثلاً_ أو إذا كانت أزمة مصرفيّة تنطوي على تزاحم المودعين لسحب ودائعهم من البنوك"(28)، وكان المضاربون والمستثمرون يحرصون على متابعة حالة السّيولة الماليّة من العملات الأجنبيّة المتوفّرة في البلدان، التي يضخّون فيها رؤوس أموالهم، وكانت الأزمة الآسيويّة "قد بيّنت بما لا يدع مجالاً للشّكّ في أن نسبة الدّيون قصيرة الأجل إلى رصيد الاحتياطيّ الرّسميّ من العملات الأجنبيّة، هي من أهمّ بل هي أهمّ المؤشّرات التي يتابعها المستثمرون والمضاربون في الأسواق الماليّة المحلّيّة، وأنّ أيّ اختلال أو انهيار في هذا المؤشّر يؤدّي إلى سباق سريع للتّخلّص من الأصول الماليّة وغير الماليّة المقوّمة بالعملة المحلّيّة، ومن ثمّ الإسراع بوتيرة انهيار سعر الصّرف للعملة المحلّيّة"(29)، فإن كان يجب أن تولى عمليّة تنظيم الإقراض الماليّ، العناية الملائمة، فإنّه يلزم أن يراعى أيضاً، ألّا تعرقل عمليّة ذلك التّنظيم، تحقّق تلك المعاملات الماليّة التي توفّرها حالة الانفتاح على أسواق المال العالميّة.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص288.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6-بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص216.

7- المصدر السابق.

8- المصدر السّابق.

9- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص154.

10- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص153.

11- المصدر السّابق.

12- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص121، 122.

13- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص153.

14- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص211.

15- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص101، 102.

16- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص213.

17- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص158.

18- المصدر السّابق، ص159.

19- المصدر السّابق، ص161.

20- المصدر السّابق، ص177.    

21- المصدر السّابق.

22- المصدر السّابق، ص201.

23- المصدر السّابق.

24- المصدر السّابق.

25- المصدر السّابق، ص289.

26- المصدر السّابق.

27- المصدر السّابق، ص169.

28- المصدر السّابق، ص210.

 

29- المصدر السّابق، ص200.



عمدت دول النّمور الآسيويّة إلى أن تمهّد السّبيل لرؤوس الأموال، إلى أن تعبر حدودها التي تفصلها عن سائر بلدان العالم، من غير أن تحول القيود أو الموانع دون أن تتحرّك تلك الأموال، سواء أكان جرى تحرّكها وانتقالها في أثناء دخولها إلى تلك البلاد الآسيويّة، أو في غضون خروجها منها، فتيسّرت حركة رؤوس الأموال من دون أن تتخّذ الإجراءات الرّقابيّة، التي تقيّد عمليّة انتقال رؤوس الأموال، فقرّرت تلك الدّول الآسيويّة أن تنفّذ تحرير حساب رأس المال، وقد كانت الأدوات والأجهزة التكنولوجيّة الحديثة التي تستخدم في بلدان عديدة، هيّأت للأموال أن تتحرّك بيسر وسهولة عبر حدود دول العالم، وقد نسبت علّة نشوء الأزمة المصرفيّة في تلك البلاد الآسيويّة، إلى ذلك المسعى الذي بادرت فيه مؤسّسات وأجهزة تلك الدّول، إلى تسهيل عمليّة انتقال الأموال، فأصابت الأزمة المصرفيّة تلك البلدان الآسيويّة، التي لم يهيّأ فيها النّظام المصرفيّ لعمليّة التّحوّل الطّارئة على مجرى العمليّات الماليّة، التي أصبحت مندرجة في نطاق تلك المؤسّسات، التي تدار فيها عمليّة انتقال رؤوس الأموال، فلم يكن القّطاع المصرفيّ في تلك البلاد الآسيويّة "مستعدّاً لهذه الخطوة التّحريريّة الكبيرة"(1)، وقد ذهب القيّمون على إدارة الصّندوق الدّوليّ إلى أن يذكروا أنّ تحرير حساب رأس المال، الذي اعتمدته تلك الدّول الآسيويّة "قد تمّ بجرعات كبيرة ولم تكن هذه الاقتصادات ناضجة تماماً لاستيعابه، وكان من الواجب أن يتمّ بجرعات صغيرة، مع الاحتفاظ ببعض أنواع الرّقابة والقيود، التي تحول دون غرق هذه البلاد في فيضان تدفّق وانسحاب رؤوس الأموال خاصّة قصيرة الأجل"(2)، وقد يسّرت أيضاً عمليّة تحرير حساب رأس المال لأسواق المال الآسيويّة، أن تنفتح على أسواق رأس المال العالميّة.

أقدمت المصارف الآسيويّة على تطبيق القواعد التي تسهّل تنفيذ عمليّات تحويل ونقل رؤوس الأموال، وتمكّنت تلك البنوك الآسيويّة من "الاقتراض من الخارج، وبذلك أضيف إلى الموارد المتاحة للجهاز المصرفيّ من خلال ادّخار القطّاع العائليّ القروض الأجنبيّة، ولقد استحوذت البنوك الأجنبيّة على هذه الفرصة بكاملها"(3)، وقد جرت عمليّة الانفتاح على أسواق الصّرف العالميّة، بينما كان النّظام الماليّ في تلك البلاد الآسيويّة "يتّسم بالهشاشة" فتسبّب ذلك الضّعف الذي نكب به النّظام الماليّ في تلك البلدان، بأن تقلّ ثقة النّاس كثيراً بالأوضاع الماليّة في بلدان النّمور الآسيويّة، التي سرعان ما تدهورت فيها أنظمتها الماليّة، فكان ذلك الضّعف هو "العامل الأساسيّ المسؤول عن حدّة التّدهور،... وتعمّق عدم الثّقة"(4)، وقد أدّى الضّعف الهيكليّ في الجهاز الماليّ والمصرفيّ في بعض دول الأزمة الآسيويّة، إلى أن تستفحل فيها تلك الأزمة المصرفيّة، إذ لم يكن ذلك الجهاز المصرفيّ "قادراً على التّلاؤم مع التّغيير السّريع والمفاجئ في اتّجاه انسياب رؤوس الأموال قصيرة المدى، خاصّة القروض المصرفيّة التي تمثّل النّسبة الكبرى من هذا التّدفّق"(5)، فأفضى انهيار الأصول في البنوك، إلى أن تتفاقم معالم الأزمة الماليّة في دول جنوب وشرق آسيا، فكانت مظاهر الضّعف جليّة في المصارف الآسيويّة، حيث اتّضحت فيها "السّلبيّات الكامنة في أعماق النّظام المصرفيّ" فكانت تلك المصارف تعتمد على القروض الخارجيّة قصيرة المدى، بالإضافة إلى "الإفراط الزّائد والمتسارع في منح الائتمان المصرفيّ"(6)، وقد سلكت سبيل المخاطر من دون أن تراعي تطبيق قواعد التّحوّط والتّوقّي، التي تحول دون أن تتعرّض أوضاع تلك المصارف للتّدهور.

إنّ تلك النّقائص التي اتّسمت بها طريقة تنفيذ العمليّات المصرفيّة في تلك البلدان الآسيويّة، لم تكن لتتحقّق لو لم يتّسم "النّظام المصرفيّ في هذه الدّول بضعف الرّقابة الدّاخليّة والخارجيّة وتخلّف إجراءاته ولوائحه، وغياب الالتزام بالقواعد والأعراف المصرفيّة المتعارف عليها في إدارة وحساب المخاطر"(7)، وتتضّح معالم الهشاشة أو الضّعف الهيكليّ في تلك المصارف أيضاً في "نسبة القروض غير المنتظمة إلى جملة الأصول أو إلى جملة القروض، ونسبة كفاية رأس المال، فالمؤشّر الأوّل يترجم مدى كفاءة الرّقابة الدّاخليّة وكفاءة إدارة المخاطر، واتّباع قواعد الحيطة والحصافة في حساب المخاطر وتقديرها، في حين أنّ المؤشّر الثّاني يترجم قدرة المؤسّسة وكفاءتها في استيعاب الصّدمات، بتكوين وسادة كبيرة أو خطّ دفاع أوّل قادر على امتصاص هذه الصّدمات الخارجيّة، وكلا المؤشّرين يرتبط بالآخر برباط متين بحيث يصبّ كلّ منهما في الآخر"(8)، وقد عمد صندوق النّقد الدّوليّ الذي بحث مع تلك الدّول، في تطبيق عمليّة إنقاذ أوضاعها الماليّة، إلى أن يشترط على كوريا الجنوبيّة "تغيير مراقبي الحسابات للبنوك، وضرورة لجوء البنوك الكوريّة إلى مراقبي حسابات خارج كوريا"، ومضت أوضاع البنوك في تايلاند، على ذلك المنوال من التّدهور، حيث كانت "البنوك الحكوميّة أو الخاضعة لسيطرة الحكومة هي أسوأ أنواع البنوك حالاً"، ولم تتوخ تلك البنوك في هذه الدّولة اتّباع طرائق التّحوط في عمليّة منح القروض، حتّى أنّه ظهر العديد من الدّلائل على "تراخي هذه البنوك وتسيّبها في منح الائتمان، وغياب قواعد الحيطة والحذر لديها في حساب المخاطر، هذا بجانب أنّها لا بدّ وأن تكون قد استخدمت كأداة لتوجيه الاستثمارات لقطّاعات، وأنشطة معيّنة على حساب البعض الآخر، حيث كانت هذه البنوك أداة لرأسماليّة المحاباة أو المحسوبيّة"(9)، فتعدّدت في أنظمة تلك القطّاعات الماليّة الآسيويّة، مكامن الخلل، الذي أضعف بنيان النّظام الماليّ في تلك المصارف الآسيويّة.

عكفت أجهزة ومؤسّسات دوليّة على البحث في شؤون تلك المصارف الآسيويّة، وكانت الآراء التي استخلصت من الأبحاث التي أجرتها تلك المؤسّسات الدّوليّة، أكّدت "انخفاض مؤشّر الكفاءة الرّأسماليّة طبقاً لمعيار بنك التّسويات الدّوليّة بصورة عامّة، وبالنّسبة للبنوك الحكوميّة بصورة خاصّة التي وصلت في بعضها إلى الصّفر أو إلى رقم سالب"(10)، فاتصّف النّظام الماليّ في تلك البنوك الآسيويّة "بالاختلالات الهيكليّة ورخاوة النّظام الماليّ متمثّلاً في جوانب الضّعف الهيكليّ في الجهاز المصرفيّ في هذه الدّول"(11)، وقد كانت تلك الهشاشة التي أصابت هيكليّة تلك المصارف، قد دفعت المستثمرين إلى أن يستغلّوا ذلك الخلل الذي اتّسمت به تلك المصارف، إذ كانت الأزمة المصرفيّة نجمت "عن الإغراءات المتأصّلة عند الوسطاء الماليّين. في ظلّ ضعف الضّوابط المقيّدة لهم، للقيام باستثمارات غزيرة. فحين يكون المستثمرون في إطار معيّن يحملهم على الاعتقاد بأنّ الحكومة تحميهم من خطر المجازفة (حتّى لو كان هذا الاعتقاد زائفاً)، فإنّهم سوف يقرضون للوسطاء الماليّين بفائدة في استثمارات مضاربة، تنطوي على مجازفة عالية ولكنّها لم تعد بمكافأة عالية،.....إنّ القيم المفرطة في التّفاؤل، قد اختيرت لأنّ الوسطاء يؤمنون بأنّ بإمكانهم تحقيق أرباح طائلة، وأنّ المستثمرين محميّون من أيّ خسائر"(12)، وقد اتّفقت مجموعة من المؤسّسات الماليّة الدّوليّة وبعض الدّول، على أن تضع مؤشّرات عمليّة تقيّم بها أداء المصارف، حيث تعيّن فيها مكامن القوّة والضّعف، باستخدام تلك المؤشّرات التي تحدّد مدى كفاية رأس المال، وسلامة الأصول وكفاءة الإدارة وبالإضافة إلى تحديد المكاسب أو الإيرادات، والسّيولة والحساسيّة للمخاطر, التي تتسبّب بتفاقم انتشارها، نشوءُ الأدوات الماليّة المتطوّرة.

اقتضت سلامة العمل المنتظم في المصارف، أن تتحقّق فيها المتطلّبات الدّنيا لرأس المال، كي تتجنّب تلك المصارف التّعرّض للمخاطر، فوجب على تلك المصارف أن تحقّق التّوافق بين كمّيّة رأس المال، ومقدار المخاطر التي تتهدّد تلك المصارف، فكان "من الضّروريّ أن تخضع المصارف في البلدان النّامية إلى متطلّبات مختلفة من كفاية رأس المال،.... إنّ الشّرط الحاليّ، بموجب اتّفاقيّة بازل (التي تضع معايير الضّبط العالميّة لأعمال المصارف) هو أن تتوافر المصارف على 8% من رأس المال، لكنّ كثرة من حكومات البلدان النّامية، تجد صعوبة في ضبط المعاملات الأجنبيّة والمتاجرة بالأسهم المتفرّعة"(13)، وقد صوّرت حالة تلك المؤسّسات الماليّة المستهترة بتقدير المخاطر الطّارئة على العمل المصرفيّ، بأنّ إدارات البنوك تتصرّف "وكأنّها تلعب اللّعبة التّالية: إذا نجحنا فالمكاسب لنا وإذا فشلنا فسوف تتحمّل التّبعة والنّتائج الخزانة العامّة... أي دافعو الضّرائب"(14)، فوجب أن يراعى تنفيذ المراقبة على حركات رؤوس الأموال، نظراً "للدّور المهمّ الذي لعبته تدفّقات رؤوس الأموال الأجنبيّة الضّخمة إلى دول الأزمة الآسيوّية، في سنوات التّسعينيّات الأولى بعد تحرير حساب رأس مالها، في تفجير الأزمة خاصّة عندما غيّرت هذه الأموال وبشكل مفاجئ اتّجاهها، من الحركة نحو الدّاخل إلى الحركة نحو الخارج، فقد طرح موضوع فرض رقابة على حركة رؤوس الأموال بمعنى أن تكون هذه الرّقابة واقية أي تحول دون حدوث الأزمات النّاشئة عن التّقلّبات العنيفة في رؤوس الأموال قصيرة المدى واتّجاه تدفّقها"(15)، وإن دعت المحافظة على سلامة واستقرار العمل في القطّاع المصرفيّ، أن تتحقّق تلك الرّقابة الفعّالة، فإنّ المصارف لا يعسر عليها أن تتّبع الطّرائق، التي تفضي بها إلى أن تدرأ عنها تلك المخاطر، التي تتهدّد بإيقاع الخلل في مجرى تلك العمليّات الماليّة التي تدار في تلك المصارف.

لم تكد تنشأ تلك الأزمة الماليّة في البلدان الآسيويّة، التي بدأ فيها انهيار أسعار الصّرف، حتّى طعن في تسرّع تلك الدّول في تنفيذ عمليّة تحرير حساب رأس المال "بوصفه السّبب المباشر لانفجار الأزمة وبالتّالي فإنّ الرّقابة على حساب رأس المال، سوف تكون إجراء علاجيّاً يحول دون تفاقم الأزمة وانتشار المرض"(16)، وقد اعتقد أنّه يجب أن يدعم القطّاع الماليّ والمصرفيّ، ويبنى على أسس قويّة ومتينة، قبل الشّروع في عمليّة تحرير حساب المال لأنّ "تحرير التّجارة ينطوي على إعادة هيكلة قطّاعات إنتاج السّلع والخدمات، وتحرير حساب رأس المال ينطوي على إعادة هيكلة القطّاع الماليّ"(17)، وقد روعي أن تنفّذ عمليّة التّحرير الفضلى وفق مراحل مدروسة بدّقة لأنّ "سرعة تحرير حساب رأس المال تنطوي على مخاطر عديدة لا بدّ من أخذها في الاعتبار"(18)، ولعل الحالة الأبرز التي تتّضح فيها هشاشة النّظام الماليّ هي "التّسهيلات الماليّة الدّوليّة المصرفيّة  لبانكوك BIBF" ويسمح هذا النّظام للبنوك التّجاريّة والمحلّيّة بتلقّي الودائع والاقتراض بالعملة الأجنبيّة من الخارج، كما سمح لها بإقراض هذه الأموال في الدّاخل والخارج، كما يمكن عن طريق هذا النّظام أيضاً لأيّ وحدة من وحدات قطّاع الأعمال، الاقتراض من الخارج مباشرة بالعملة الأجنبيّة. فالمقرضون كانوا قادرين على توفير قروض قصيرة المدى بالعملة الأجنبيّة في مقابل هامش يعلو على سعر الفائدة"(19)، وقد تسبّب هذا النّظام للتّسهيلات الدّوليّة، بأن يتدفّق سيل من الأموال التي استخدمت في "تمويل برنامج ضخم من الاستثمارات ساهمت بالتّالي في تحقيق معدّلات النّمو المرتفعة، كما ساهمت في إذكاء موجة تضخّم أسعار الأصول الماليّة والعقاريّة"(20)، فاستغلّ المستثمرون مكامن الخلل في تلك المصارف، ليجنوا منها المغانم الماليّة الوفيرة.

هيّأ تنفيذ عمليّة تحرير حساب رأس المال في دول النّمور الآسيويّة، لأن تتيسّر عمليّة منح القروض، فتمكّنت "وحدات قطّاع الأعمال سواء أكانت صناعيّة أم تجاريّة الاقتراض بالعملة الأجنبيّة من البنوك الدّوليّة مباشرة. وقد شجّعها على ذلك الفروق الكبيرة بين سعر فائدة الاقتراض بالعملة الأجنبيّة، وسعر الفائدة السّائد محلّيّاً. ولعلّ أحد العوامل المهمّة والمساعدة على تشجيع الإقراض بالعملة الأجنبيّة، هو افتراض غياب مخاطر أسعار الصّرف، نظراً للقناعة الضّمنيّة باستمرار نظام سعر الصّرف الثّابت المرتبط بالدّولار"(21)، وقد ظهرت نواقص عديدة شابت العمليّات الماليّة، التي تولّت المصارف الآسيويّة أن تنفّذها، حيث كانت "اتّسعت نسبة القروض العقاريّة في المحفظة الائتمانيّة للبنوك التّجاريّة، وهو أمر خطير للغاية حيث ينطوي على عدم اتّساق أو توافق بين آجال استحقاق خصوم هذه البنوك، والمؤسّسات الماليّة وأصولها، فقد استخدمت القروض الماليّة الدّوليّة قصيرة الأجل، والأموال المحلّيّة قصيرة الأجل (الودائع) لتمويل نشاط استثماريّ طويل الأجل (العقار)، وهو أمر له سلبيّاته العديدة حينما وقعت الأزمة"(22)، فاكتملت سلسلة تلك المخاطر التي هدّدت استقرار تلك المصارف، التي كان أوضاعها المتردّية دليلاً على نشوء الأزمة الماليّة التي أصابت تلك البلدان الآسيويّة.

أتاح انفتاح المصارف الآسيويّة على أسواق الصّرف العالميّة، أن تفد إلى تلك البنوك رؤوس الأموال الأجنبيّة، التي كان جزء لا بأس به منها "قد تدفّق في شكل أوراق ماليّة وتجاريّة قصيرة الأجل أصدرتها المؤسّسات الماليّة غير المصرفيّة، مثل شركات الأموال، ولقد استخدمت هذه الأموال لتمويل شراء الأصول العقاريّة والماليّة كالأسهم"(23)، ولمّا كانت أموال البنوك التّجاريّة هي بطبيعتها أموال قصيرة الأجل، فإنّ "نسبة انكشاف البنوك التّجاريّة على قطاع العقار، تمثّل مؤشّراً مهمّاً على احتمالات انهيار هذه المؤسّسات في مواجهة أيّ أزمة طارئة لسوق العقار"(24)، ولم تتنبّه تلك المصارف إلى فحوى تلك المحاذير، التي ذكرت في أثناء الطّعن في عمليّة منح تلك القروض العقاريّة، إذ كان يجب أن تدرك تلك المخاطر التي تنجم عن منحها تلك القروض، حيث "ساعد توسّع الائتمان لكلّ من أنشطة العقار وشراء الأسهم، على حدوث ارتفاع حادّ في أسعار الأصول العقاريّة والماليّة. وقد شجّع ارتفاع قيم هذه الأصول البنوك على مزيد من الإقراض، نظراً لأنّ قيم ضمانات هذه القروض في تزايد مستمرّ. وهكذا تضخّمت محافظ البنوك وشركات الأموال بضمانات عقاريّة بجانب الأسهم. ولا شكّ في أنّ هذا وضع يتّسم بالخطورة لكلّ من المقرض والمقترض في حالة انخفاض هذه الأسعار، لأنّه سيؤدّي إلى تراجع حادّ في قيم ضمانات القروض"(25)، فأظهر الإفراط في عمليّة منح القروض العقاريّة، تلك العلل التي أخلّت بانتظام العمليّات الماليّة، التي جرت في تلك المصارف التي قدّمت القروض الماليّة.

لم تراع المصارف الآسيويّة تفاقم تلك المخاطر التي تتمخّض بها، عمليّة منح القروض العقاريّة، إذ كان "ترتّب على تراجع سوق العقار بدءاً من عام 1995 في أغلب بلدان الأزمة الآسيويّة، قبل حدوث انهيارها الكامل في النّصف الثّاني من عام 1997، ظهور العديد من الدّيون غير المنتظمة والمشكوك فيها، في المحافظ الائتمانيّة للجهاز الماليّ، سواء أكانت مصارف أم مؤسّسات ماليّة غير مصرفيّة. هذا بجانب اختلال التّوازن بين آجال استحقاق كلّ من الأصول والخصوم، خاصّة للبنوك التّجاريّة والشّركات الماليّة"(26)، ولم تكتف تلك المصارف باستهتارها في تنفيذ عمليّة الإقراض العقاريّ، بل أنّها تهاونت في تطبيق المعايير الدّوليّة التي نصّت عليها الاتّفاقيّات الدّوليّة، فنهجت سبيل المخاطر من دون أن تبالي بتلك المضارّ التي ستتسبّب بحدوثها، فكان "تسارع معدّلات نمو الائتمان للقطّاع الخاصّ، مع التّراخي في اتّباع قواعد الحيطة والحذر في حساب جدوى المشروعات أو مخاطر الاستثمار، أدّى إلى ظهور نسبة لا بأس بها من الدّيون غير المنتظمة في المحافظ الائتمانيّة للبنوك، وشركات الأموال وذلك قبل انفجار الأزمة، بحيث ترتّب على انفجار الأزمة، وما ترتّب عليها من انهيار أسعار الصّرف وأسعار الأصول الماليّة والعقاريّة، وارتفاع أسعار الفائدة، إلى زيادة نسبة هذه الأصول غير المنتظمة، ممّا وضع النّظام الماليّ والمصرفيّ بصورة خاصّة في هذه البلاد على شفا الانهيار"(27)، فأدّى ذلك الضّعف الذي اتّسمت به تلك المصارف الآسيويّة، إلى نشوء تلك الأزمة الماليّة المتفاقمة، التي بلغ مداها مصارف دوليّة عديدة في أقطار شتّى في هذا العالم.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص196.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق، ص150.

4- المصدر السّابق، ص97.

5- المصدر السّابق، ص176، 177.

6- المصدر السّابق، ص171.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق.

9- المصدر السّابق، ص176.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق، ص195.

12- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001، ص209.

13- المصدر السّابق، ص228.

14- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص93.

15- المصدر السّابق، ص268.

16- المصدر السّابق.

17- المصدر السّابق، ص269.

18- المصدر السّابق.

19- المصدر السّابق، ص151.

20- المصدر السّابق.

21- المصدر السّابق، ص162.

22- المصدر السّابق، ص168.

23- المصدر السّابق.

24- المصدر السّابق، ص169.

25- المصدر السّابق.

26- المصدر السّابق، ص170.

         27- المصدر السّابق.



باغت حدوث الأزمة الماليّة التي وقعت فيها دول النّمور الآسيويّة، العديد من الأفراد الذين كانوا يتابعون معالم النّمو الاقتصاديّ، الذي كانت تحقّقه تلك الدّول الآسيويّة، وكان هؤلاء الأشخاص الذين فوجئوا بنشوء تلك الأزمة، اعتقدوا أنّ دول جنوب وشرق آسيا، ستواصل تحقيق نجاحها المطّرد في إنجاز عمليّة النّمو الاقتصاديّ، وقد بدأت الأزمة الماليّة التي أصابت تلك الدّول الآسيويّة، في يوم 2 يوليو "تمّوز" في عام 1997، إذ انهار في ذلك الأوان سعر صرف البات التّايلانديّ، وأثار نشوء تلك الأزمة الماليّة، مسألة إعداد الدّراسات الاقتصاديّة التي تتيح للنّاس إمكانيّة التّنبّؤ مسبقاً بحدوث الأزمات الماليّة، كي يتمكّنوا من أن يتوخّوا الحيطة في التّصدّي لتلك الأزمات الطّارئة، وأن يسعوا أيضاً إلى أن يحولوا دون أن تحدث أساساً تلك الأزمات، إن تيسّر لهم أن يعترضوا دون أن يخلّ الاضطّراب بانتظام تلك الأنشطة الاقتصاديّة التي يزاولونها، وإذا كان بعض الباحثين شكّك في قدرة النّاس على أن يتوقّعوا بدقّة، حدوث الأزمات الاقتصاديّة، إلّا أنّه اعُتقد أيضاً أنّه "إذا كان من الصّعب، بل يكاد يكون من المستحيل، التّنبّؤ بميعاد وقوع الأزمة الماليّة (أزمة سعر الصّرف)، فإنّ ذلك لا يمنع من محاولة بناء نظام للإنذار المبكّر، أو جهاز للإنذار المبكّر يستطيع عن طريق تتبّع حركة وسلوك عدد من المتغيّرات المنتقاة، إرسال إشارات مهمّة عن احتمال حدوث الأزمة خلال فترة زمنيّة مستقبليّة، بمعنى أنّ هذه الإشارات الصّادرة من النّظام المبكّر، تشير إلى احتمال دخول دولة ما في طريق الأزمة الماليّة. ولا شكّ في أنّ مثل هذا النّظام للإنذار المبكّر والإشارات التي يصدرها محلّ ترحيب كبير من جانب المستثمرين، وصانعي السّياسة والاقتصاد، ورجال البحث العلميّ"(1)، وما برح الباحثون يولون مسألة التّنبّؤ بحدوث الأزمات الاقتصاديّة، عنايتهم الموفورة في تلك الأبحاث الاقتصاديّة التي يجرونها، كي يمهّدوا للنّاس السّبيل إلى أن يتجنّبوا التّعرّض للنّكبات والمضارّ التي تحدثها تلك الأزمات الماليّة.

إنّ حدوث تلك الأزمة الماليّة في دول النّمور الآسيويّة، إذا كان فاجأ العديد من الأشخاص الذين تابعوا المناشط الاقتصاديّة الجارية في تلك الدّول، فإنّ الباحثين الاقتصاديّين الذين كانوا يشكّكون في استمرار حالة ارتفاع معدّلات النّمو الاقتصاديّ، في تلك البلدان الآسيويّة، لم يتصوّروا هم أنفسهم أن تقع في تلك الدّول "انهيارات كبرى في إجماليّ النّاتج المحلّيّ"(2)، وإن كان يتعذّر على من يرغب في مزاولة الأنشطة الاقتصاديّة، أن يحدّد بدقّة المآل الذي ستنتهي إليه، تلك المناشط الاقتصاديّة التي يخوض في ميدانها، فقد نشأتمؤسّسات التّصنيف الائتمانيّ، لتسدّ حاجة النّاس إلى الحصول على المعلومات الوافية عن تلك الأجهزة والشّركات، التي يرغبون في أن يتعاملوا معها، ومؤسّسات التّصنيف الائتمانيّ هي شركات خاصّة مستقلّة، تنفّذ عمليّة تقيّيم الجدارة الائتمانيّة للدّول والأجهزة المتنوّعة والشّركات، كي تحدّد قدرتها على سداد الدّيون التي تقترضها، وتعيّن مدى استطاعة الدّول أو الشّركات على الوفاء بتحقيق الالتزامات، التي تعهّدت بأن تنفّذها، وتسعى مؤسّسات التّصنيف إلى أن تحدّد أيضاً مقدار توفّر شروط قيام النّشاط الاستثماريّ القويم، في تلك الدّول أو الشّركات، التي تبحث في أوضاعها مؤسّسات التّصنيف الائتمانيّ، ويعتمد المستثمرون في دول العالم على نتائج تلك الدّراسات التي تجريها وكالات التّصنيف الائتمانيّ، كي يبتّوا القرار الذي يعتمدونه في شأن مسألة تعاملهم مع تلك الشّركات أو المؤسّسات، التي كانت درست شؤونها  وكالات التّصنيف الائتمانيّ.

يستند المستثمرون في دول العالم، إلى تلك المعلومات التي توفّرها لهم وكالات التّصنيف الائتمانيّ، كي يسدّوا بها النّقصان في تلك الأفكار التي يتصوّرون بها أوضاع تلك الدّول أو الشّركات، التي يرغبون في أن يستثمروا فيها رؤوس الأموال التي يملكونها، وتقيّم وكالات التّصنيف الائتمانيّ أيضاً الجدارة الائتمانيّة للدّول والمؤسّسات والشّركات التي تصدّر السّندات، وتقدّر أيضاً مستوى المخاطر النّاجمة عن عمليّة الإقراض التي تجري بين المتعاملين في المناشط الاقتصادية القائمة في دول العالم، و"تقوم العديد من البنوك الدّوليّة _سواء كانت من بنوك الاستثمار الدّوليّة أو البنوك التّجاريّة_ بعمل تنبّؤات وتوقّعات مستقبليّة لاقتصاديّات العديد من الدّول سواء الدّول الصّناعيّة المتقدّمة أو الدّول النّامية، كما تقوم أيضاً بعمل تنبّؤات بحركة الأسواق الماليّة الإقليميّة مثل الأسواق الماليّة الآسيويّة"(3)، وقد نشأت صناعة تصنيف الائتمان والجدارة الائتمانيّة منذ زمن بعيد، إذ قامت شركات خدمات المعلومات الائتمانية فى منتصف القرن التّاسع عشر، ثمّ أنشئت وكالات التّصنيف الائتمانيّ في مستهلّ القرن العشرين، وقد أخذت منذ ذلك الأوان صناعة تصنيف الائتمان والجدارة الائتمانيّة في أن تتطوّر، وإذا استعرضنا تلك الظّروف التي نشأت فيها أزمة تلك الدّول الآسيويّة، فإنّنا نتيقّن بأنّ تلك الأزمة "لم تدخل في بنيان التّوقّعات لأيّ من دول الأزمة، أو المؤسّسات العالميّة، أو البنوك الدّوليّة، أو مؤسّسات ترتيب الجدارة الائتمانيّة، أو كبار المستثمرين، ولم تصدر أسواق المال تحذيرات بالخطر، أو لم تدقّ الأسواق الماليّة أجراس الخطر"(4)، ويؤكّد وقع المفاجأة الكبير، في نفوس النّاس الذين تابعوا أنشطة دول النّمور الآسيويّة، عدم قدرة تلك المؤسّسات المختلفة على التّنبّؤ بحدوث الأزمة في تلك البلدان الآسيويّة.

إنّ أولئك الأفراد المتفائلين الذين اعتقدوا في تمكّن تلك الدّول الآسيويّة، من أن تواصل نجاحها في تحقيق النّمو الاقتصاديّ، ذهبوا إلى آماد قصيّة في آمالهم في استمرار نجاح تلك الدّول في الميدان الاقتصاديّ، وقد كانت أغلب التّنبّؤات والتّوقّعات "تشير إلى معدّلات عالية للنّمو سواء كانت هذه التّنبّؤات في عام 1996، أو في منتصف عام 1997 قبل انفجار الأزمة بشهر أو شهرين"(5)، وقد اتّسع نطاق تلك الدّلائل على تحقيق ذلك النّمو، في تصوّر أولئك الأشخاص الذين كانت تغمر نفوسهم تلك الآمال الكبيرة، إذ كانت "موجة التّفاؤل التي سادت تنبّؤات وتقديرات البنوك العالميّة، لم تقتصر فقط على معدّلات نمو النّاتج المحلّيّ الإجماليّ، بل امتدّت إلى باقي المتغيّرات الإجماليّة الأساسيّة"(6)، وإذا نظرنا في ذلك الرّأي الذي ذكره ذلك الباحث، الذي أوردت ذلك الاعتقاد الذي أفصح عنه، فإنّه يجدر بنا أن نتيقّن بأنّ وكالات التّصنيف الائتمانيّ، وإن كانت عند أغلبها خبرة واسعة في نطاق عمل التّصنيف الائتمانيّ، وقد أدرك بعضها شهرة طنّانة كبيرة، إلّا أنّ بعض تلك المؤسّسات، قد تنقص أحياناً الدّراسات التي تنجزها، الدّقة في تحديد أوضاع الشّركات التي تبحث في شؤونها الماليّة والاقتصاديّة، فيتوجّب أن يتّخذ الحذر والتّيقّظ من يرغب في الرّكون إلى النّتائج التي تقدّمها وكالات التّصنيف الائتمانيّ.

إنّ النّهج الذي سلكته وكالات التّصنيف الائتمانيّ، في سعيها إلى تحديد الجدارة الائتمانيّة للدّول الآسيويّة، يؤكّد تلك الملاحظة التي ذكرتها سابقاً، فهي لم تتمكّن من أن تتوقّع حدوث الأزمة الماليّة، التي أصابت تلك الدّول الآسيويّة، علماً بأنّ "مؤشّرات أسعار الأسهم في العديد من البورصات الآسيويّة قد أظهرت اتّجاهاً نزوليّاً منذ أوائل 1997"(7)، وقد وافقت تلك التّوقّعات التي ذكرتها وكالات التّصنيف الائتمانيّ، تلك التّنبّؤات التي صدرت عن المؤسّسات العالميّة، إذ "لا يقتصر الأمر عند حدود تنبّؤات البنوك الدّوليّة، ذلك أنّ المؤسّسات الماليّة العالميّة كصندوق النّقد الدّوليّ والبنك الدّوليّ سارت على ذات المنوال، حيث تشير كلّ تقديراتها حتّى منتصف عام 1997 إلى رؤية متفائلة، بالنّسبة لمستقبل هذه المنطقة"(8)، فطغى الشّعور بالتّفاؤل في نفوس جميع الأفراد، الذين كانوا يديرون المؤسّسات التي كانت تراقب مجرى النّشاط الاقتصاديّ في تلك الدّول الآسيويّة، وقد وقر في اعتقاد عدد من الباحثين أنّه "بما لا يدع مجالاً للشّكّ، أنّ هذه المؤسّسات لم تتوقّع أو تتنبّأ بزيادة المخاطر في هذه الدّول"(9)، وعلى قدر كبر ذلك التّفاؤل الذي ملأ نفوس الأفراد، الذين كانوا يتوقّعون دوام الأوضاع الجيّدة، في تلك الأنشطة الاقتصاديّة التي تجري في تلك الدّول الآسيويّة، فإنّ وقع الصّدمة كان عظيماً في نفوس أولئك الأشخاص، عندما أصابت الأزمة بلدان النّمور الآسيويّة، وإذا كان للنّجاح ضريبة، يجب أن يدفعها الأفراد والمؤسّسات الذين يدركون النّجاح في تلك الأعمال التي يزاولونها، فإنّ الباحثين الذين نظروا في تلك الأزمة التي أصابت الدّول الآسيويّة، اعتقدوا أنّه "ليس غريباً أن يطلق على هذه الأزمة "أزمة نجاح" بمعنى أنّ نجاح هذه الدّول قد يكون سبباً في أزمتها"(10)، فازدياد ثقة النّاس بدوام النّجاح الاقتصاديّ الذي حقّقته تلك الدّول الآسيويّة، حجب عن بصائرهم تلك النّذر البيّنة بقدوم تلك الأزمة الماليّة التي ستصيب تلك البلدان الآسيويّة.

إنّ الأفراد والمؤسّسات، الذين توقّعوا استمرار ذلك النّجاح في تحقيق النّمو الاقتصاديّ في تلك البلاد الآسيويّة، استندوا إلى دلائل عديدة على تحقّق ذلك النّجاح في الزّمن، الذي سبق موعد حدوث تلك الأزمة الماليّة، وقد فسّرت تلك الحالة التي وقع فيها أولئك الأشخاص المتفائلون بدوام ذلك النّجاح الاقتصاديّ، إذ اعتقد أنّه "لا شكّ في أنّ استمرار معدّلات النّمو المرتفعة (7%_ 9%) للنّاتج المحلّيّ الإجماليّ في هذه الدّول، عبر فترة ممتدّة من الزّمن، قد ساعد على تولّد الاقتناع باستمرار هذه المعدّلات في المستقبل، وبالتّالي استمرار انتعاش الطّلب المحلّيّ والأسواق المحلّيّة. وقد يكون هذا العامل هو أحد المتغيّرات المهمّة التي ساعدت على بناء طاقات إنتاجيّة دون دراسة حقيقيّة لجدواها بمعنى أنّها حالة قد تنشأ عن شيوع حمّى النّجاح والانتعاش"(11)، وإذا كان النّاس يعتقدون بسداد العبارة التي ذكرها أحد الكتّاب الفرنسيّين، وهي النّجاح يجرّ النّجاح كما يجرّ المال المال، فإنّ معدّلات النّمو المرتفعة خلال مدّة زمنيّة متطاولة "قد تخلق حالة من الإفراط في التّفاؤل بأنّ الإيقاع السّريع للنّمو والتّوسّع الاقتصاديّ سوف يستمرّ في المستقبل دون توقّف، وأنّ الطّريق مفتوح أمامه بلا قيود. ولا شكّ في أنّ من شأن هذه التّوقّعات المتفائلة أن تخلق حالة من الرّواج، في كلّ من الإنفاق الاستهلاكيّ والاستثماريّ الخاصّ، كما تؤدّي إلى زيادة تدفّق رؤوس الأموال نحو الدّاخل، بحيث يصبح من السّهل توفير التّمويل اللّازم لهذه الزّيادة في كلّ من الطّلب الاستهلاكيّ والاستثماريّ. ويرى أصحاب هذا الرّأي أنّه في مثل هذه الظّروف، فإنّ أيّ صدمة خارجيّة من شأنها إحداث تغيير مفاجئ في التّوقّعات، قد يتولّد عنها تغيّر سريع ومفاجئ في اتّجاه حركة انسياب رؤوس الأموال، ممّا قد يفجّر أزمة في سعر الصّرف"(12)، ولا ريب في أنّ تقلّب أحوال تلك الأنشطة الماليّة التي جرت في تلك البلاد الآسيويّة، قد فاجأ أولئك النّاس، الذين كانوا اعتقدوا أنّه لا بدّ من أن تواصل تلك الدّول تحقيقها ذلك النّجاح الاقتصاديّ، الذي امتدّ خلال فترة طويلة في السّنوات الماضية.

إنّ السّبيل الملائم التي وجب أن تتّبع في السّعي إلى تلافي تحقّق تلك الأزمة الماليّة، التي أحدثها خروج الأموال المفاجئ من دول النّمور الآسيويّة، كانت تتبدّى في "المتابعة الدّقيقة لمعدّل تزايد كلّ من الأصول الدّوليّة السّائلة والالتزامات الدّوليّة قصيرة الأجل"(13)، وقد نشأت في الفترة التي امتدتّ خلال سنوات السّبعينيّات والثّمانينيّات من القرن العشرين، أزمات ماليّة كثيرة في العالم، إذ قدّر عددها بأنّه يزيد كثيراً على 150 أزمة، وكانت بعض تلك الأزمات تتّسم بخصائص مشتركة فيما بينها، حيث اعتقد أنّ "أزمة شيلي 1982 وأزمة المكسيك 1994 والأزمة الآسيويّة 1997 تتّسم جميعها بفقدان النّظام الماليّ للسّيولة الدّوليّة. ولا شكّ في أنّ فقدان النّظام الماليّ لسيولته الدّوليّة يخلق أزمة ثقة ويدفع إلى سيادة الذّعر الماليّ"(14)، وقد حدّدت الأسباب التي تؤدّي إلى انخفاض مقدار السّيولة الدّوليّة للنّظام الماليّ، في الدّول التي تتعرّض للأزمات الماليّة، ببرامج "سياسات التّحرير الماليّ قبل الأزمة، وزيادة الالتزامات الدّوليّة قصيرة الأجل بمعدّلات متسارعة، وزيادة المديونيّة المقوّمة بالعملات الأجنبيّة. ولا شكّ أنّ فقدان النّظام الماليّ لسيولته الدّوليّة يجعل النّظام الماليّ أكثر ضعفاً وأقلّ قدرة على مواجهة أيّ صدمة خارجيّة"(15)، وكي تتّضح أهمّيّة السّيولة النّقديّة في مجال الأنشطة الاقتصاديّة، فإنّه صيغت عبارة صوّرت فيها في تشبيه بلاغيّ، عمليّة تدفّق السّيولة النّقديّة، بالنّسبة إلى الاقتصاد، بأنّها تماثل تدفّق الدّورة الدّمويّة في جسم الإنسان.



اعتمدت دول جنوب وشرق آسيا على تصدير منتجاتها المصّنعة في سعيها إلى تحقيق الازدهار، فأدّى استنادها القويّ إلى التّجارة الخارجيّة، إلى أن تصبح أقطاراً "مكشوفة في الاقتصاد العالميّ. ذلك أنّ كامل ازدهارها ينبني على التّصدير، وهي تفتقر إلى قطّاع محلّي كبير "محمّي" يمكن الرّكون إليه"(16)، وإذا نظرنا في أحوال الكتل الثّلاثة الاقتصاديّة البارزة في العالم وهي الولايات المتّحدة، واليابان، والاتّحاد الأووبيّ، نجد أنّها راعت تحقيق عمليّة التّوازن بين الأنشطة التي تندرج في التّجارة العالميّة، وسائر القطاعات التي تدخل في نطاق النّشاط المحلّيّ، وإذا كانت دول النّمور الآسيويّة هي "دول مكشوفة في الاقتصاد العالميّ" مثلما ذكرت آنفاً، فإنّ "الاقتصادات الأقلّ انكشافاً فهي اقتصادات الكتل الثّلاث التي تنعم بنشاط اقتصاديّ محلّيّ خالص يتراوح بين 75- 80 في المائة من إجماليّ ناتجها المحلّيّ. إنّ من السّهل على هذه الاقتصادات أن تخرج من أيّ تدهور يطرأ على النّشاط الاقتصاديّ الكونيّ ممّا قد تتسبّب فيه السّياسة التّجاريّة، أو أيّ تغييرات اقتصاديّة أخرى. وإنّ معظم البلدان الحديثة التّصنيع في شرق آسيا، مثلاً، هي في الواقع أسيرة السّياسة التّجاريّة للولايات المتّحدة أو اليابان أو الاتّحاد الأوروبيّ"(17)، وتلك الدّول الآسيويّة التي استندت أساساً إلى عمليّة التّصدير، إن كانت وثقّت ارتباطها في علاقاتها التّجاريّة بتلك الكتل الاقتصاديّة الثّلاث، فإنّها لم تكن تجد مجالاً واسعاً، يتيح لها أن تتلافى تلك المشاكل الطّارئة على علاقاتها التّجاريّة العالميّة، التي نشأت قبل أن تصيب الأزمة الماليّة تلك البلاد الآسيويّة.

عرقلت عمليّةَ التّصدير التي اعتمدتها تلك الدّول الآسيويّة النّاشئة اقتصاديّاً، مصاعبُ عديدة حالت دون أن تمضي تلك البلدان على اتبّاع نهج التّصدير، الذي كان أتاح لها أن تروّج بنجاح منتجاتها الصّناعيّة في أقطار عديدة في هذا العالم، وقد حدث "تراجع واضح في معدّل نمو الصّادرات لدول جنوب شرق آسيا (دول الآسين) خلال عام 1996، حيث زادت نسبة الصّادرات بنسبة 8,5 % لدول الآسين الأربعة (ماليزيا، تايلاند، الفلبين، إندونيسيا) مقارنة بمعدّل زيادة نسبته 23% في العام السّابق 1995"(18)، وذلك التّقهقر في معدّل نمو السّلع الصّناعيّة التي صدّرتها تلك الدّول الأربعة، أنتج عجزاً في ميزانها التّجاريّ، وقد كان "استمرار العجز منذ بداية التّسعينيّات وتصاعده منذ عام 1995، ووصوله إلى ذروته عام 1996، هو أحد أهمّ الأسباب الأساسيّة الكامنة وراء تزايد حدّة التوقّعات باحتمالات تخفيض سعر صرف العملة المحلّيّة، وهو ما أدّى إلى تصاعد الضّغوط على العملة"(19)، وقد زادت حدّة تلك المصاعب التي تعرّضت لها تلك الدّول الآسيويّة، إيغالها في الاعتماد على تصدير سلعها المصنّعة، التي كانت تطرحها في الأسواق العالميّة، التي لم تكن تجني منها المردود الماليّ، الذي يفي بتمهيد السّبيل لتلك البلدان إلى مواصلة تحقيق نموها الاقصاديّ.

إنّ تدنّي كمّيّات السّلع التي كانت تصدّرها تلك الدّول الآسيويّة، إذا كان أدّى إلى أن يتّسع عندها العجز في ميزان المدفوعات، فإنّ أبرز الأسباب التي أدّت إلى نشوء ذلك العجز هو "زيادة معدّل نمو الواردات الذي تخطّى كثيراً معدّل نمو الصّادرات في السّنوات الأخيرة، فكلّ من كوريا الجنوبيّة وتايلاند والفلبين تزايد فيها حجم العجز في الميزان التّجاريّ في السّنوات الأخيرة عام ( 1990 _ 1995).... مقارنة بالسّنوات السّابقة"(20)، وما لبثت أن تبدّت في جلاء بيّن، الظّواهر التي تمخّضت عن انخفاض معدّل السّلع المصدّرة عند تلك الدّول، فبدأت في "العام 1997 أولى علائم المشكلات بالظّهور. فتباطأت معدّلات نموّ الصّادرات تباطؤاً ملحوظاً في العامين 1995- 1996. فقد ارتفعت الصّادرات في اقتصادات النّمور السّتة بنسبة 3,5% العام 1996 قياساً إلى 14,4% في العام السّابق, وقياساً إلى معدّل نموّ وسطيّ يبلغ 10% خلال الفترة من 1990 إلى 1996،.... وتباطأ نموّ إجماليّ النّاتج المحلّيّ أيضاً عند عدد من النّمور، وهو لا يثير الدّهشة قط نظراً لقوّة الاتّجاه التّصديريّ في هذه الاقتصادات. وتباطأ المعدّل الوسطيّ لنمو إجماليّ النّاتج المحلّيّ في المنطقة، فهبط من 9 العام 1995 إلى 7% العام 1996"(21)، إنّ تلك النّذر بحدوث تلك الأزمة الماليّة، لم تكن لتخفى على العديد من المستثمرين الذين ما لبثوا أن بدؤوا في سحب أموالهم من تلك البلدان الآسيويّة.

إنّ انخفاض نسبة معدّل الصّادرات وحدوث انكماش الصّادرات في تلك الأقطار الآسيويّة، عزيا إلى "الرّكود الذي أصاب السّوق العالميّ لصناعة الإلكترونيّات (خاصّة صناعة أشباه الموصلات)، حيث أصاب هذا السّوق حالة من التّشبّع. ويرجع ذلك إلى الإفراط في الاستثمار في هذا القطّاع وهو ما نتج عنه ظاهرة فائض العرض في هذه الصّناعة وانهيار الأسعار"(22)، وقد رافق تعثّر الدّول الآسيويّة في اتّباع سبيل التّصدير، زيادة في مقدار ديونها الخارجيّة، فكان "ابتداء من منتصف عقد التّسعينيّات، أخذت نمور آسيويّة عدّة تراكم مستويات كبيرة من الدّين الخارجيّ في شكل قروض قصيرة الأجل للمصارف الخاصّة، ولاستثمارات الأسهم والسّندات الماليّة بدرجة أقلّ"(23)، وإذا دقّقنا النّظر في النّتائج، التي نجمت عن تلقّي تلك الدّول الآسيويّة كميّات متزايدة من رؤوس الأموال، التي وفدت إليها في الفترة التي سبقت نشوء الأزمة الماليّة فيها، فإنّنا نرى أنّه "أدّى تدفّق الأرصدة إلى هذه البلدان ابتداء من العام 1994 حتّى العام 1996، إلى تعميق العجز في الحساب الجاري، وتميّز بإقراض واسع من جانب المصارف التّجاريّة الأجنبيّة: إذ زاد تدفّق قروض المصارف إلى المنطقة 24 مليار دولار العام 1994 إلى 56 مليار العام 1996. وانقلب التّيار في العام 1997 إلى صافي خروج الأرصدة من المنطقة بمقدار 21,3 مليار دولار. وهكذا كانت النّمور تقترض حتّى العام 1997 على حساب أداء اقتصاديّ يتدهور"(24)، وقد كانت تلك الدّيون الخاصّة التي زاد مقدارها، أحد الأسباب البارزة التي أدّت إلى أن تنشأ الأزمة الماليّة في تلك البلدان الآسيويّة.

نشأت في ذلك الأوان في سنوات منتصف التّسعينيّات، منافسة شديدة بين الدّول التي صدّرت الأجهزة الصّناعيّة العالميّة، التي كان جزء غير يسير منها، قد أنتجتها بلدان دخلت حديثاً إلى ميدان التّجارة العالميّة، فلوحظ في تلك الفترة أنّه "تراجعت المقدرة التّنافسيّة لدول جنوب شرق آسيا بشكل واضح بعد النّصف الثّاني من عام 1995 خاصّة فيما يتعلّق بالسّلع الصّناعيّة كثيفة العمل"(25)، وكانت الصّين اندرجت في عداد المنافسين الجدد الذين اقتحموا ميدان الأسواق العالميّة، إذ تبدّى في ذلك الأوان "دخول الصّين على نطاق واسع مجال التّصدير بالنّسبة للسّلع الصّناعيّة التّقليديّة وكثيفة العمل التي تنتجها دول جنوب شرق آسيا، حيث استطاعت أن تنافس منتجات الدّول الآسيويّة الأخرى وتستحوذ على جزء كبير من أسواق صادراتها خاصّة الصّادرات الصّناعيّة التّقليديّة لهذه الدّول"(26)، ولم تكن تلك المنافسة التي حدثت في تلك الأسواق العالميّة، هي السّبب الرّئيسيّ الذي أدّى إلى نشوء الأزمة في تلك الدّول الآسيويّة، ولا يتعذّر الاقتناع بذلك الرّأي في تقييم النّتائج، التي نجمت عن وجود تلك المنافسة في ميدان التّجارة الدّوليّة، ولا سيّما إذا وازنا بين تلك المنافسة الحادثة في ميدان التّجارة الخارجيّة، وسائر الأسباب التي أدّت إلى نشوء تلك الأزمة الماليّة التي أصابت دول النّمور الآسيويّة.

إن الأسباب التي أدّت إلى نشوء الأزمة الماليّة في بلدان النّمور الآسيويّة، إذا كانت على الأغلب متماثلة فيما بينها، في تلك البلدان التي وقعت في تلك الأزمة، إلّا أنّ فاعليّة نفوذ تلك الأسباب لم تكن على المقدار ذاته من القوّة في تلك البلاد الآسيويّة جمعاء، ولا غرو من أن يكون الظّهور البارز لتلك الأسباب في البلد الذي نشأت فيه تلك الأزمة الماليّة، وهو تايلاند حيث تحقّقت في ذلك البلد زيادة الاقتراض الخارجيّ، وظهرت معالم الفشل في إدارة سوق صرف العملة، إذ بدئ في العام 1990 "بإزالة الضّوابط عن صرف العملة، وتطوير أسواق المال غير المصرفيّة، وإلغاء السّقف على معدّلات الفائدة، والتّخلّي عن قواعد توزيع رأس المال. وتحرّك الوسطاء الماليّون للإفادة القصوى من هذه التّخفيفات في السّياسة، فاقترضوا بالعملات الصّعبة بمعدّلات فائدة أجنبيّة أوطأ. وهكذا ارتفعت التّدفّقات الدّاخلة من رأس المال إلى الذّروة فبلغت 12,3% من إجماليّ النّاتج المحلّيّ العام 1995، وكان 11,6% من هذه التّدفّقات يتألّف مناستثمارات أسهم وسندات ماليّة، وتدفّقات أسهم عاديّة بدلاً عن استثمارات أجنبيّة طويلة الأمد"(27)، وتلك الأموال التي تدفّقت على ذلك البلد، لم تكن لتسهم في زيادة الإنتاج المحلّيّ الفعليّ الذي كان يشتمل عليه قطّاع الاقتصاد الحقيقيّ.

كانت أبرز النّتائج التي تمخّضت عن البحث في الأزمة الماليّة، التي وقعت فيها تلك البلدان الآسيويّة، هو ظهور مسألة "المخاطر المعنويّة Moral Hazard "، وهي تنجم عن الحالة التي يكون فيها عند الأفراد أو المؤسّسات اتّجاه إلى ارتكاب مخاطر لا يوجد مسوّغ إلى نشوئها، إذ يكون من يعتمد أن يأتي بتلك المخاطر، في مأمن وحرز من أن يغرّم بتحمّل تكاليف الخسائر، التي تنجم عن انتهاجه سبيل تلك المخاطر، فيتّسم من يرتكب تلك المخاطر باللّامبالاة، إذ لا يكترث بتحقّق تلك الخسائر، إذ غالباً ما يكون معتمداً على عقود التّأمين، التي تعوّض تلك الخسائر التي يتسبّب بحدوثها، وقد تطرّق إلى إثارة موضوع المخاطر المعنويّة "بصورة خاصّة تقرير صندوق النّقد الدّوليّ (مايو 1998)، على أساس أنّ المخاطر المعنويّة لعبت دوراً محوريّاً في الأزمة الآسيويّة. وتتحقّق المخاطر المعنويّة حينما يفشل الطّرف المؤمّن لصالحه من اتّخاذ الاحتياطات الواجبة لمنع حدوث الواقعة أو الحدث المؤمّن ضدّه"(28)، فاتّسعت الأبعاد العديدة التي امتدّت إليها تلك الأزمة الماليّة، التي ما لبثت النّتائج التي تمخّضت عنها، أن بدأت تشمل أيضاً بلداناً عديدة أخرى في هذا العالم.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص271، 272.

2- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص204.

3- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص75، 76.

4- المصدر السّابق، ص72.

5- المصدر السّابق، ص76.

6- المصدر السّابق، ص77.

7- المصدر السّابق، ص72.

8- المصدر السّابق، ص78.

9- المصدر السّابق، ص75.

10- المصدر السّابق، ص118.

11- المصدر السّابق، ص78.

12- المصدر السّابق، ص106.

13- المصدر السّابق، ص95.

14- المصدر السّابق.

15- المصدر السّابق.

16- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص194.

17- المصدر السّابق.

18- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص111.

19- المصدر السّابق.

20- المصدر السّابق، ص113.

21- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص206، 207.

22- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص112.

23- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص207.

24- المصدر السّابق.

25- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص112، 113.

26- المصدر السّابق.

27- بول هيرست وجراهام طومبسون، مصدر سابق، ص210، 211.

 

28- عمرو محيي الدّين، مصدر سابق، ص91.