أصابت أزمة مستفحلة ضارية ذلك النّشاط الاقتصاديّ الجاري في دول النّمور الآسيويّة في عام 1997، وقد تسبّبت وقائع النّشاط الماليّ في تلك البلدان، بنشوء تلك الأزمة المتفاقمة، ونظراً لطبيعة تلك الأسباب الماليّة التي أدّت إلى نشوء الاضطّراب، الذي عرقل انتظام مجرى النّشاط الاقتصاديّ في تلك الأقطار الآسيويّة، حدّد ذلك الاضّطراب المستشري في ذلك النّشاط بأنّه أزمة ماليّة، وهي كانت "تفجّرت بفعل الضّغوط النّاتجة عن تغيّر اتّجاه حركة تدفّق رؤوس الأموال الخاصّة من الدّاخل إلى الخارج"(1)، وإذا أردنا أن ندرك الأبعاد القصيّة التي بلغتها تلك الأزمة في شدّتها، في دول النّمور الآسيويّة وهيهونج كونج، وتايوان، وجمهوريّة كوريا الجنوبيّة، وسنغافورة، وتايلاند، وإندونيسيا، وماليزيا، والفليبين، فيجب أن نحيط بكنه النّشاط الماليّ الذي يمارسه النّاس في الوقت الحاليّ، في أقطار هذه المعمورة حيث "يتّسم عالم اليوم الذي تتكامل فيه أسواق المال العالميّة وتسود العولمة النّشاط الماليّ بالحركة السّريعة لرؤوس الأموال عبر الحدود وخاصّة رؤوس الأموال قصيرة الأجل"(2)، فكان أحد الأسباب البارزة في نشوء تلك الأزمة الماليّة هو رؤوس الأموال القصيرة الأجل، وهي تحديداً الودائع المصرفيّة التي لا تتجاوز السّنة بالإضافة إلى العملات الأجنبيّة والأوراق الماليّة والقروض القصيرة الأجل، وقد اعتبرت رؤوس الأموال القصيرة الأجل، عاملاً أساسيّاً في التّأثير في النّشاط الاقتصاديّ في بلدان النّمور الآسيويّة، التي تلقّت تلك الأموال لأنّها "بحكم طبيعتها ونمط استثمارها تغيّر من اتّجاه حركتها بسرعة فائقة، ويمثّل هذا التّغيّر في اتّجاه حركة رؤوس الأموال السّبب الرّئيسيّ في اندلاع الأزمة الماليّة. فرؤوس الأموال التي اتّجهت إلى الدّول الآسيويّة خلال الفترة من 1990_ 1996 غيّرت من اتّجاهها عام 1997 وخاصّة في النّصف الثّاني منه، وبلغ حجم هذه الأموال التي غيّرت اتّجاهها حوالي 10% من النّاتج المحلّيّ الإجماليّ _لدول الأزمة الآسيويّة مجتمعة_ قبل انفجار الأزمة"(3)، وقد نجم عن ارتفاع هذه النّسبة العالية من كمّيّة الأموال الخارجة من تلك الأقطار، أن تعرقل فيها النّشاط الاقتصاديّ الذي ما لبث أن وقع آنئذ في أزمات ماليّة عسيرة.

إنّ انسحاب كمّيّة الأموال الضّخمة من تلك البلدان الآسيّويّة، قد أخلّ بانتظام مجرى النّشاط الاقتصاديّ في تلك الدّول النّاشئة اقتصاديّاً، وكي ندرك ذلك الضّرر الفادح الذي ألحقه بتلك البلدان، خروج تلك الأموال، فحسبنا أن نتخيّل "أنّ 10% من النّاتج المحلّيّ الإجماليّ في الولايات المتّحدة الأمريكيّة قد قرّر الخروج والهروب من الولايات المتّحدة فإنّ وقع هذا الخروج سوف يكون مدمّراً على الاقتصاد الأمريكيّ، فنتصوّر خروج ما مقداره 699 بليون دولار أمريكيّ من الولايات المتّحدة في عام واحد حتّى يمكن لنا أن نتصوّر حجم الأزمة التي يمكن أن تنجم عن ذلك"(4)، وسيقتصر حديثي حاليّاً على معالجة مسألة انتقال رؤوس الأموال بين بلدان العالم، حيث أدّت عولمة النّشاط الماليّ إلى أن تندمج الأسواق الماليّة بعضها ببعض، بعد أن طبّقت غالبيّة دول العالم قواعد انفتاح النّظام الماليّ الذي أدّى "خلق نوع جديد من الأصول. فالأصول التي كانت معروفة تقليديّاً من قبل هي العقار، والسّندات، والأسهم، والسّلع. أمّا اليوم فإنّ لدينا أصولاً جديدة متمثّلة في العملات. بمعنى أنّ النّقود _التي هي وسيط للتّبادل_ أصبحت هي ذاتها أصلاً يدخل في تركيب وحركة المحافظ الاستثماريّة"(5)، فيستثمر النّاس الأصول التي يملكونها، في تلك المحافظ الاستثماريّة، سواء أكانت تلك الأصول ماليّة أم حقيقيّة، وقد بات "سوق النّقد الأجنبيّ هو المكان الطّبيعيّ لتحريك كمّيّات ضخمة من الأموال"(6)، وكانت القواعد التي تأسّس عليها الانفتاح الاقتصاديّ، في الدّول التي تيسّر فيها انتقال رؤوس الأموال فيما بينها، قد هيّأت سوق الصّرف الأجنبيّ لأن يصبح "أوّل الأسواق الماليّة التي تكاملت واندمجت بحيث أصبح سوقاً واحداً، كما تصاعد حجم التّعامل فيه بمعدّلات سريعة"(7)، فكانت أسواق الصّرف أحد تلك القواعد التي استند إليها النّشاط الاقتصاديّ المعولم.

لم تقتصر المشاقّ التي كابدتها تلك الدّول الآسيويّة، على نشوء أزمة العملة أو أزمة سعر الصّرف، لأنّ الأزمة الاقتصاديّة في تلك البلدان، اتّسعت آمادها حتّى أصابت أيضاً الاقتصاد الحقيقيّ الذي يتضمّن حركة السّلع والخدمات، حيث كانت "النّتائج التي ترتّبت على فيضان خروج (هروب) الدّائنين من العملة المحلّيّة ومحاولة تخلّصهم من الأصول المحلّيّة على سعر الصّرف وأسعار الأصول من جهة وعلى الجهاز المصرفيّ من جهة أخرى، هي تأثير ذلك على الوحدات العاملة في قطّاع الأعمال، ومن ثمّ انتقال الأزمة إلى الاقتصاد الحقيقيّ"(8)،وذلك الاقتصادالحقيقيّالذي أدركته تلك الأزمة يطلق عليه أيضاً عبارة الاقتصاد الإنتاجيّ أو العينيّ ( Real Economy )،وقد كانت تلك الأزمة الماليّة "تعود في الأساس إلى التّدفّقات الضّخمة لرؤوس الأموال الخاصّة قصيرة المدى، التي اتّجهت إلى بلدان الأزمة الآسيوّيّة، نتيجة لقدرة جذب مؤشّرات الأداء الاقتصاديّ الناجح لهذه الدّول من ناحية، وقوّة دفع توافر فائض سيولة عالميّة (خاصّة في اليابان وأوروبا)  بجانب تراجع العائد على الأصول في الأسواق العالميّة من جهة أخرى، وقد انتقل هذا الانسياب لرؤوس الأموال من خلال مؤسّسات الوساطة الماليّة التي لم تكن مستعدّة لا لهذا الفيضان من التّدفّق إلى الدّاخل ولا إلى تغيير اتّجاهه نحو الخارج وبسرعة مرّة أخرى"(9)، وكي نتبيّن الأبعاد التي تصل إليها تلك الأزمة التي يسبّبها انسحاب رؤوس الأموال من تلك البلدان، فإنّ يجب أن ندرك حجم رؤوس الأموال المتنقّلة بين دول العالم، فإذا نظرنا في مقدار تداول الأسهم في سوق وول ستريت فإنّنا نجد أنّه "بلغ مليار سهم سنويّاً في العام 1929، ومع نهاية القرن بات تداول مليون سهم يوميّاً المعيار الشّائع"(10)، فأدّى نموّ تلك الأموال التي تستثمر في البورصات، إلى أن يزداد النّفوذ الذي تتمتّع به الأموال في الأنشطة الاقتصاديّة التي تجري في الدّول، التي تتنقّل فيما بينها رؤوس الأموال.

إنّ كبر مقدار الأموال التي تتداول في سوق الأسهم، جعل "البورصات في العالم الآن، حلبة تستقطب المضاربين، حلبة يتمّ التّعامل فيها بأكثر من 3 تريليونات دولار أمريكيّ في اليوم الواحد _أي بنحو 90 ضعفاً مقارنة بحجم التّجارة السّلعيّة العالميّة،فأسواق المال تتطوّر، حاليّاً، إلى حلبة للجشع ومكان لتحقيق الرّبح بأقصى سرعة. فالمصارف تعرض في الأسواق أدوات ماليّة مفعمة بالمخاطر، وما خلا بضعة أفراد، ما عاد أحد يفهم مغزى هذه الأدوات وكنهها"(11)، وكانت بعض تلك البلدان الآسيويّة حرّرت أسواقها الماليّة في مطلع عقد التّسعينيّات في القرن الماضي، إذ بدأ "الكثير من الأموال بالتّدفّق بسرعة إلى اقتصاداتها، ممّا أدّى إلى فقاعة سببها المضاربة، لتعود هذه الأموال وتسحب منها عند أوّل مؤشّر إلى حدوث مشكلة"(12)، وقد واكبت تلك الدّول الآسيويّة بلدان العالم التي عمدت إلى تحريرأسواقهاالماليّة، إذأصبحت الأسهمتتداولفيمعظمالأسواقالماليّةالعالميّة، من دون أن تعترض تنقّلها بين تلك الأسواقالقيود أو العوائق، وكانت تلك الأزمة التي نشأت عن انسحاب رؤوس الأموال من تلك الدّول الآسيويّة، هي "بداية لطريق التّراجع الحادّ لأسعار صرف عملات تلك الدّول وإلى اتّجاه نزوليّ تزايد في حدّته يوماً بعد يوم في مؤشّرات أسعار بورصات الأوراق الماليّة هناك"(13)، وهذه الوتيرة المتسارعة لتداول الأموال بين دول العالم لم تكن لتتحقّق لولا أن "ساعد التّطوّر الهائل في وسائل الاتّصال وفي تكنولوجيا المعلومات على تنمية وتطوير عدد من الأدوات الماليّة بعضها بالغ التّعقيد والتّركيب ويعرف باسم المشتقّات الماليّة Financial Deri _ viativis كالمقايضة أو المبادلة، والخيارات، والعقود الآجلة والعقود المستقبليّة والتّوقّي أو التّحوّط... إلخ."(14)، وقد مهّد ذلك التّطوّر في تكنولوجيا المعلومات السّبيل، السّبيل لأن يتحقّق التّرابط بين الأسواق الماليّة في دول شتّى في هذا العالم.

قلّصت أدوات الاتّصال الحديثة المسافات الفاصلة بين الدّول، وقد ألغت أيضاً الفارق الزّمنيّ الذي كان يفصل بين الأحداث المتتابعة، حتّى أصبح "عالم أسواق المال اليوم يتّسم بما يمكن أن يسمّى بالاتّصال اللّحظيّ Instant Communication"(15)، فغدا في إمكان الأفراد أن يرسلوا ويستقبلوا المعلومات في الوقت نفسه، فإن تلكّأ النّاس الذين يتعاملون مع أسواق المال في العالم، في متابعة الوقائع التي ما تبرح تتجدّد، دون أن تكفّ عن التّدفّق المستمرّ في ميدان تلك الأنشطة الاقتصاديّة، فإنّه سيفوتون عليهم تحقيق الأرباح التي تعود من التّعامل مع تلك الأسواق العالميّة، إن لم يغرّموا بالخسارة الماليّة الفادحة في أغلب الأحيان إن انقطعوا عن الاتّصال بتلك المراكز الماليّة، فالمعاملات التي كانت تجري في الماضي عبر المؤسّسات الماليّة، أصبحت في متناول يد الإنسان وهو يمكث في منزله، دون أن يضطّر إلى أن يغادره، فتوثّقت مشاركته وزاد ارتباطه بتلك السّوق الماليّة التي ما برحت تنمو باطّراد"ولنيقتصرالأمرمعالتّجارةالإلكترونيّةعلى شراءالسّلعوبيعهامنخلالالتّعامل معالإنترنت،بلستتّجهالتّعاملاتفي البورصةإلىأنتصبحعملاًمنزليّاًيقومبه فردمنخلالشاشاتالكومبيوتر للتّعاملمباشرةفيالأوراقالماليّةمنخلال أجهزتهالمنزليّة"(16)، ولم يكن يشقّ على الأفراد في منازلهم أن يسهموا في تحريك تلك الأموال إذ"جاءتثورة المعلوماتوالاتّصالاتفساعدتعلىانتقالهذهالثّرواتالماليّةفي شكلومضة كهربائيّةأونبضةإلكترونيّة،تتّصلبينالبلدانالمختلفةدونأن تصطدمبحواجز أوحدودسياسيّة.وأصبحتالثّروةالماليّةأقربإلىالاستقلالعن الثّروةالعينيّة، وأصبحتتتوافرلهاحياتهاالخاصّةالتيتتمرّدعلىالحدودالسّياسيّة وتتجاوزها. وانتقلالعالمإلىنوعمنالاقتصادالرّمزيّتحرّكههذهالأصولالماليّةالتي تنتقلمنمكانإلىآخرومنعملةإلىأخرىفيلحظاتدونأنتدركهاعينأو تعوقها سلطة"(17)، فتحرّرت عمليّة انتقال تلك الأموال من القيود العديدة، التي كانت تعترض دون أن تواصل تطوافها بين الأسواق العالميّة.

 

إنّ تلك الأداوت الماليّة التي أحدثتها أدوات الاتّصال الحديثة، ما برحت تنمو أيضاً، حيث أتاحت لها أسواق الصّرف أن تزداد وتعظم كميّتها، إذ "ارتفع حجم المتاجرة بالمشتقّات التّقليديّة، أي حجم المقامرة على معدّلات الفائدة ومؤشّرات البورصات، بين العام 1986 والعام 2004، بنحو ثمانين ضعفاً _ارتفع من 614 مليار دولار أمريكيّ إلى 46,6 تريليون دولار أمريكيّ. ومعنى هذا التّطوّر هو أنّ تطوّر أسواق المال ما عادت له علاقة بتطوّر الاقتصاد الحقيقيّ، أي الاقتصاد الإنتاجيّ: ففي سابق الزّمن كانت أسواق المال تزوّد الصّناعة بما تحتاج إليه من قروض؛ أمّا في اليوم الحاضر، فإنّها تهيمن على الاقتصاد العالميّ وتجبر المشاريع على تنفيذ التّغيّرات التي تفرضها عليها"(18)، وتؤكّد ضخامة تلك رؤوس الأموال المتداولة في سوق الصّرف تلك الإحصائيّات التي نشرت في عام 1997، إذ "كانت تشير التّقديرات إلى أنّه في عام 1997 بلغت صفقات بيع وشراء العملات في سوق النّقد الأجنبيّ 3 ترليون دولار أمريكيّ في اليوم، بمعنى ما يقرب من الدّخل القوميّ للولايات المتّحدة يجري تداوله في سوق النّقد الأجنبيّ كلّ ثلاثة أيام"(19)، فتعذّر أن يحدّ من انتقال تلك الأموال، أو تعرقل عمليّة تداولها بين دول العالم، وقد ذهب أحد الباحثين إلى أن يعتقد أنّ عمليّة نقل تلك الأموال قد تخطّت عوائق الرّقابة والموانع القانونيّة، التي تحول دون أن تخرج الأموال إلى خارج البلدان، التي تسنّ فيها القوانين التي تنصّ على منع مغادرة الأموال، وقد تحدّث ذلك الباحث عن انعدام جدوى الرّقابة على عمليّة نقل تلك الأموال، فقال: "مع قدرة التّقنيّات والمؤسّسات الماليّة على تحريك رأس المال باستخدام الحاسوب، فمن الصّعب تصوّر تشديد الرّقابة على رأس المال. القوانين يمكن تشريعها ولكنّ من المتعذّر فرضها"(20)، فلم يكن في يد غالبيّة دول العالم الحيلة في الحدّ من تنقّل تلك الأموال فيما بينها.



ما برحت تتأكّد يوماً إثر يوم تحرّر الأموال من تلك العوائق، التي كانت تقيّد عمليّة تنقّلها بين بلدان العالم، فأصبح لأسواق الصّرف نشاط عصيّ على أن يضبط، حتّى بات يمكنالقول"أنّ النّظامالنّقديّقدانفصلبعضالشّيءعن علاقتهالوطنيّةلكلّدولة،ليصبحلهوجودوحياةمستقلانيتأثّرانبمايحدثفيمجموع العلاقاتالدّوليّة،وليسفقطبمايحدثفيدولةواحدة.ولايعنيذلك بطبيعة الأحوالأنّتأثيرالدّولمتساوفيهذاالشّأن،بلإنّ لبعضهاتأثيراًأوضح وللبعض الآخرتأثيراًأقلّ.لكنّندرأنأصبحتالنّقودمسألةوطنيّةبحتة"(21)، ولم تكن الأزمة الآسيويّة هي أولى الأزمات الماليّة التي اندلع شررها في عام 1997، فمنذ أن بدأت تنطلق أسواق المال من القيود، التي كانت تعرقل الأنشطة التي تجري ضمن ميدان تلك الأسواق، حتّى "بدأالعالميعرفمجموعةمنالأزماتالماليّةالتيتجاوزأوضاعالاقتصادالعينيّالوطنيّ، لكنّ ترتبطبتحرّكاترؤوسالأموالوانتقالها منمكانإلىآخرأومنطقةإلىأخرىلأسبابسياسيّةأونفسيّة.فكانأن عرفالعالمأزمةأوروبيّة ١٩٩٢،ثمّأزمةالمكسيكفي ١٩٩٤_١٩٩٥،وأخيراً الأزمةالآسيّويةفي١٩٩٧.وهيجميعاًتدورحولحركاتالأموالالتيأطلقت منعقالها.وهكذاأدّتالثّورةالماليّةفيأدواتالتّمويلوأساليبهإلىتجاوزالحدود السّياسيّةللدّول، وقيّدتبالتّاليمنقدرةالسّياسةالاقتصاديّةالوطنيّةفيمواجهة هذهالثّرواتالماليّةالهائمة"(22)، واقتضى تتابع نشوء تلك الأزمات الماليّة، أن يتنبّه النّاس إلى مسألة تداول تلك العملات، التي بات يتعذّر أن يحدّ من تنقّلها بين أسواق الصرف التي اندمجت ببعضها البعض.

تسبّبت تلك الأزمات الماليّة الحادثة في العديد من بلدان العالم، بإلحاق مضارّ فادحة بأولئك الأفراد، الذين اكتووا بالهموم التي أثارتها في نفوسهم تلك الاضطّرابات الماليّة، بيد أنّ تلك الأزمات ما برحت تفتح الأذهان "علىخطورة انتقالاترؤوسالأموالوتأثيرها فيأوضاعالاقتصاداتالوطنيّة،فضلاًعن خطورتهاعلىالاقتصادالعالميّ.فانتقال رؤوسالأموال،وخاصّةالأموالالسّاخنة،وهيتتأثّرباعتباراتالثّقةوالحالة النّفسيّةللمتعاملين، يمكنأنيتمّبشكلفجائيّ علىنحويربكالسّلطاتالنّقديّة والماليّة.فالأموالالتيتتوافدعلىدولةماخلال سنواتيمكنأنتخرج،أو بالأحرىتهرب،خلالأيام ساعات،ممّايؤدّيإلىأزمة ماليّةيصعبالسّيطرةعليها"(23)، وقد امتدّت حقّاً النّتائج النّاجمة عن تلك الأزمة التي وقعت فيها النّمور الآسيويّة، لتشمل بلدان عديدة وقد كان وكيل وزير الماليّة في اليابان آيزوكه ساكاكيبارا "أكّد في يناير من العام 1998 على أنّ الأزمة ليست أزمة آسيويّة، بل هي أزمة النّظام الرّأسماليّ العالميّ"، وهذا الرّأي الذي أفصح عنه وكيل وزارة الماليّة اليابانيّة، يثبت أنّ "الأمر الذي لا شكّ فيه هو أنّ الأزمة التي شهدتها دول جنوب شرقي آسيا لم تكن سوى الحلقة الأولى من سلسلة حلقات أخرى. فبعد مرور نصف عام من اندلاع الأزمة، وصلت أمواجها الهادرة إلى "وول ستريت فقد ترنّح أكبر صناديق المخاطر في العالم أجمع وأوشك على دفع عالم المال إلى الهاوية"(24)، فلم تجبه الأزمات الاقتصاديّة العوائق في تنقّلها بين بلدان العالم، مثلما كان شأن تلك الأموال التي كانت تنقل بسهولة بين أسواق الصرف العالميّة.

أصبحت تلك الأزمات الاقتصاديّة تجتاز أيضاً الحدود المفتوحة بين الدّول، مثلما كان شأن تلك الأموال التي تحقّقت عمليّة انتقالها بين بلدان العالم بسهولة فنظراً "لهذه الطّبيعةالسّائلةلحركاتالأموال،فإنّاحتمالاتالعدوىتنتقلليسفقطمن مستثمرإلىآخر،بلمنبلدإلىآخرومنقارةإلىأخرى.وهذاما حدثفي دولجنوبشرقآسياحيثعمّتالعدوىمعظمهذهالدّولخلال فترةقصيرة، ووصلتأثيرهاإلىروسياوبعضدولأمريكااللّاتينيّة.وهكذافإنّهمع هذهالثّورة الماليّة،أصبحالاقتصادأقربإلىالاقتصادالرّمزي ( Symbolieconomy ) يتأثّربعددمنالمؤشّراتوالرّموز،مثلأسعارالفائدة،ومؤشّرات أسعارالأسهم Dow Jones ) )، والشّائعاتالسّياسيّة،وإحصاءاتوزارات العمل، وكثيراً ماتتأثّرالأوضاعالاقتصاديّةبهذهالرّموز،علىرغمأنّعناصر الاقتصادالعينيّ ( Fundamentals ) تظلّمستقرّة"(25)، وقد ناقشت في حديثي الذي ذكرته آنفاً تلك الأزمة التي تسبّب بنشوئها الأموالُ السّاخنة، التي أصبحت مصطلحاً "يستخدم على نطاق واسع في الأسواق الماليّة للإشارة إلى تدفّق رؤوس الأموال من دولة إلى أخرى لكسب فائدة بسيطة على سعر الفائدة لتغيير سعر الصّرف، وقد أطلق عليها هذا الاسم لسرعة تحرّك الأموال داخل وخارج الأسواق، ممّا قد يؤدي إلى عدم استقرار السّوق"(26)، وكي أوضّح المسائل التي يثيرها موضوع انتقال رؤوس الأموال، فإنّي سأتحدّث أيضاً عن الأموال التي تتجرّد عن الانغماس في غمار المضاربات الماليّة، ولنأخذ مثلاً موضوع الاستثمارات الأجنبيّة الماليّة حيث كان "خروجالأرباحمنالبلدانالمستوردةلرأسالماليفوقفيالواقع عمليّةتدفّقالأموالالخارجيّةوالتّكنولوجيّاتإلىهذهالبلدان.ففيعام١٩٨٠ مثلاً، ومقابل٧٬٦ملياردولار تمثّلجملةالاستثماراتالأجنبيّةالتيتدفّقتعلى البلدانالنّامية، خرجمنهذهالبلدان١٥٬٨ملياردولارفيصورةأرباح"(27)، ويتّضح من عمليّة المقارنة التي أوردتها آنفاً، كمّيّة الأموال التي يجنيها المستثمرون الأجانب، وهي تفوق حجم تلك الفوائد التي تحصل عليها الدّول التي تلّقت تلك الاستثمارات الأجنبيّة.

يندرج في نطاق تلك الأموال التي تنتقل بين دول العالم، تلك القروض الماليّة، التي تحدّث أحد الباحثين الاقتصاديّين عن اتّساع مدى انتشارها، حيث قال: "زادتحركاترأسالمالالدّوليّوخصوصاً فيصورةالقروض.وفيمطلع الثّمانيناتبلغت القروضالمصرفيّةالدّوليّة١٠٢٠ملياردولارمقابل٥٧ مليار دولارقبلهابعشرسنواتفقط.ونشأتظاهرةدوليّة،ولانقولمشكلة دوليّة، اسمهاالدّيون الأجنبيّة.وهيفيالحقّ ظاهرةاقتصاديّةبالغةالخطر، في نشأتهاوفياستفحالها _وقبلذلكفيمنحهاوتوزيعهاواستخدامها، حيثتؤثّرفي الدّخلالقوميّالمتاحوفياستخدامهلأغراضالاستثماروالاستهلاك"(28)، فتنجم عن موضوع تداول المال في عصر العولمة، مسائل تستوجب أن تلاحظ وينعم النّظر فيها، إذ كان "معتقدّمعمليّةتدويلالعلاقاتالاقتصاديّةوتعميقتقسيمالعمل الدّوليّوالتّوسّعالمصاحبفيعمليّاتإعادةالإنتاجالدّوليّة،نمّت أهمّيّةوخطورة رأسالمالالنّقديّ والماليّ.ومعاضطّرادتدويلهوازديادتركيزهوتمركزه فيأيديعدد قليلمنالمصارفالاحتكاريّةالدّوليّةأصبحتالعلاقاتالماليّة والنّقديّةفي الاقتصادالرّأسماليّالعالميّهينقطةالتقاءالمصالحالاقتصاديّةالمتنافسة والمتناقضة"(29)، فإن تحدّدت أسباب نشوء الأزمة الماليّة في دول النّمور الآسيويّة، فإنّه يجب أن يحاط أيضاً بالمسائل التي تنجم عن تداول الأموال، كي تتيسّر معالجة تلك المضارّ التي تلحقها الاضطّرابات الماليّة بذلك النّشاط الاقتصاديّ، الذي يجري في الدّول التي تصيبها تلك الأزمات الماليّة.

1- عمرو محيي الدّين، أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص143.

2- المصدر السّابق، ص285.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق، ص285، 286.

5- المصدر السّابق، ص207.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق، ص24.

8- المصدر السّابق، ص143.

9- المصدر السّابق، ص143، 144.

10- جون ستيل جوردان، امبراطوريّة الثّروة، التّاريخ الملحميّ للقوّة الاقتصاديّة الأمريكيّة، الجزء الثّاني، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 358، الكويت، ديسمبر 2008، ص228.

11-أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص57.

12- مصدر سابق.

13- عمرو محيي الدّين،أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص18.

14- المصدر السّابق، ص23.

15- المصدر السّابق، ص23، 24.

16- حازم الببلاويّ، النّظام الاقتصاديّ الدّوليّ المعاصر، من نهاية الحرب العالميّة الثّانية إلى نهاية الحرب الباردة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ص137.

17- المصدر السّابق، ص135، 136.

18- أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص195.

19- عمرو محيي الدّين،أزمة النّمور الآسيويّة، الجذور والآليّات والدّروس المستفادة، الطّبعة الأولى 2000، دار الشّروق، القاهرة، ص206.

20- وليام هلال، كينث ب. تايلر، اقتصاد القرن العشرين، آفاق اقتصاديّة_ اجتماعيّة لعالم متغيّر، المنظّمة العربيّة للتّرجمة، الطّبعة الأولى: بيروت، آذار (مارس) 2009، ص 503.

21- حازم الببلاويّ، النّظام الاقتصاديّ الدّوليّ المعاصر، من نهاية الحرب العالميّة الثّانية إلى نهاية الحرب الباردة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، الكويت ص135.

22- المصدر السّابق، ص136.

23- المصدر السّابق، ص136، 137.

24- أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص154.

25- حازم الببلاويّ، النّظام الاقتصاديّ الدّوليّ المعاصر، من نهاية الحرب العالميّة الثّانية إلى نهاية الحرب الباردة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، الكويت ص137.

26- موقع ويكيبيديا.

27- الرّأسماليّة تجدّد نفسها، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 147، الكويت، مارس_ آذار1990، ص134.

28- المصدر السّابق، ص236، 237.

 

29- المصدر السّابق.



كثر انتشار الصّور الضّوئيّة في أماكن شتّى في هذا العالم، الذي بات النّاس فيه يتلقّون السّيل المنهمر من اللّقطات التي تستغرق أنظارهم، حيث دأب هؤلاء الأشخاص في معاينتهم تلك المشاهد التي تحتويها تلك الصّور التي تعرض عليهم، ولا نغالي في حديثنا إذا ذكرنا أنّ هؤلاء الأفراد، قد أصبحوا يستعيضون برؤية تلك المناظر التي تظهر في تلك الصّور، عن النّظر إلى تلك المشاهد التي اعتادوا أن يروها حولهم في مجرى الحياة التي يعيشونها، فلا عجب من أن يسمّى العصر الحاليّ الذي نعيش فيه، بعصر الصّورة، وتلك العبارة التي أطلقت على زمننا الحاضر، لم توضع عبثاً، لأنّها كانت لسان حال ذلك الأوان الذي يعيش فيه الأنام، وإن كانت تعدّدت أنماط تلك الصّور التي كانت تعرض على الأشخاص، إلّا أنّي سأنظر الآن في شأن تلك الصّور التي كانت تعدّ صوراً وثائقيّة، إذ كان العديد منها يتّسم بخصائص جماليّة، حتّى بات في وسعنا أن نعتبر تلك الصّور أعمالاً فنّيّة، لأنّها قد توفّرت فيها تلك الخصائص التي تنسب إلى الأعمال الفنّيّة المبتكرة، وقد بات فنّ التّصوير الضّوئيّ، يندرج في زمرة تلك الأنشطة الفنّيّة العديدة التي كان الفنّانون يزاولونها، فإن كانت تلك الصّور التي تقدّم إلى المشاهدين، عدّت مادّة وثائقيّة، فإنّ تلك الصّفة التي وسمت بها تلك الصّور البديعة، لا تجرّدها من ذلك الطّابع الفنّيّ الذي انبنت فيه تلك الصّور الضّوئيّة، التي حلّت بمكانة وطيدة من مراتب الفنّ، فاندرجت تلك الصّور في عداد تلك الأعمال الفنّيّة التي يتمخّض بها فنّ التّصوير الضّوئيّ، الذي أخذ يضارع سائر ضروب الأنشطة الفنّيّة في الاستواء فوق ذرى الفنّ الرّفيع، وقد قصدت تحديداً بحديثي الذي ذكرته آنفاً تلك الصّور، التي كانت تتوافر فيها تلك العناصر، التي يقتضي فنّ التّصوير الضّوئيّ أن توجد في الصّورة الضّوئيّة، كي تأخذ مكانتها الرّفيعة بين زمرة الأعمال الفنّيّة الرّائعة.

إنّ الإنسان الذي يشاهد تلك الصّور الضّوئيّة، التي تتميّز بخصائص فنّيّة راسخة فيها، لا يغمط شأن تلك الصّور الضّوئيّة التي يتأمّلها، إن اعتبرها أيضاً مادّة وثائقيّة، أفلم تكن الأعمال الفنّيّة المتنوّعة تجلو دائماً المعاني العميقة والمغازي القصيّة، التي تنطوي عليها تلك الأحداث التي صوّرت في تلك الأعمال الفنّيّة، التي كانت تبيّن أيضاً أحوال تلك المجتمعات، التي تجري فيها الوقائع التي تناولها الفنّانون في الأعمال التي ابتكروها، أفلا تعتبر الرّوائع الفنّيّة أيضاً أصدق الشّواهد على ذلك المدى، الذي يبلغه تأثير تلك الأحداث في نفوس الأشخاص الذين يخوضون غمارها، فتكشف تلك الأعمال الفنّيّة عن حقيقة الأسباب، التي أدّت إلى أن تجري تلك الوقائع في حياة أولئك الأفراد، فكانت تلك المناظر التي تتضمّنها الأعمال الفنّيّة، تتّضح جليّة لبصائر أولئك النّاس الذين يقبلون على تذوّق روائع النّتاج الفنّيّ، فيلتقط هؤلاء الأشخاص في يسر وسهولة تلك المعاني التي تنطوي عليها تلك المشاهد التي ينظرون إليها.

إنّ الإنسان يستطيع أن يدرك كنه تلك المشاهد التي تعرضها تلك المبتكرات الفنّيّة، وإن لم تكن عنده دراية بالنّظريّات والتّفاسير التي توضّح حقيقة تلك الأحداث، التي اعتبرت هي الموضوع الذي استند إليه العمل الفنّيّ، الذي اعتبر أيضاً مادّة وثائقيّة، فيتمكّن ذلك الإنسان من أن يحيط بتلك الحقائق التي تجلوها تلك الأعمال الفنّيّة، التي تنبئ النّاس كنهَ تلك الأحداث، التي قد تعجز أحياناً كثيرة التّفاسير والنّظريات الفكريّة عن أن توضّحها، أو تفسّرها في ضحة وجلاء بيّنين، وإذا تخطّينا البحث في مسألة إطلاق اسم الوثائق على تلك الصّور الضّوئيّة، وقبلنا أن توسم بتلك السّمة، فلأنّ تلك الصّور تضارع الوثائق في تحقيقها الفائدة الجلّى، التي تتبدّى في حفظها تلك الوقائع التي ظهرت في الصّور الضّوئيّة، التي تضبط تلك الأحداث في مأمن حريز، حيث أودعتها سفر التّاريخ، بل إنّ تلك الصّور الضّوئيّة تبزّ الوثائق العاديّة في القدرة على إظهار تلك الخصائص العميقة، التي تتميّز بها تلك الأحداث التي تظهرها تلك الصّور الضّوئيّة، ولا تستطيع سائر الأنشطة التي تجري في ميادين البحوث الفكريّة، أن تجاري النّشاط الفنّيّ في تبيان كنه تلك الوقائع، التي يعبّر عنها ذاك الفنّ في صورة جليّة واضحة.



أخبرني أحد الأشخاص الأعزاء برأيه في عدد من المسائل، التي تعترض مجرى الحياة التي تعيشها النّساء في مجتمعات شتّى في هذا العالم، فقال لي أنّ من ينظر إلى ذلك الشّقاء الذي تعانيه المرأة، فإنّه يخيّل له للوهلة الأولى أنّ المرأة تُولَد وتأتي إلى هذه الحياة، وقد كُتِبت على جبينها كلمة واحدة هي الضّحيّة، ويتبدّى معنى هذه الكلمة شيئاً فشيئاً في أحوال تلك المعيشة التي تحياها تلك المرأة، ولا ريب في أنّ ذلك الشّخص الذي أفصح عن رأيه في تلك المسألة التي تهمّ المرأة، يتحلّى بنظر سديد صائب، وكي لا تذهب الظّنون بمن يقرأ هذا الكلام، إلى أن يأخذ بمعان تجافي ذلك المغزى الذي تضمّنه ذلك الحديث الذي نصتُّ إليه، وإذا كانت العين ترى ما يكتب على الجبين، فإنّ ذلك الشّخص عندما أفصح عن رأيه، كان يعلم أنّ ذلك الظّنّ في أنّ معاناة المرأة، تعزا إلى تلك الكلمة المكتوبة على الجبين، هو ظنّ غير دقيق، لأنّ ذلك العناء الذي تكابده المرأة، هو حالة من المعاناة والشّقاء اللذين حاولت المجتمعات في دول هذا العالم أن توهم المرأة، أنّها لا تستطيع أن تتخلّص من وطأتهما، وذلك الشّخص كان يعتقد حقّاً أنّ المرأة تستحقّ أن تنعم بطيب العيش وهناء البال، وإنّي اهتممت بيوم المرأة العالميّ منذ زمن بعيد، علماً بأنّ عدداً من المجتمعات في دول هذا العالم، بدأت حديثاً بالاحتفاء بيوم المرأة العالميّ، وقد كان العديد من الكاتبات والكتّاب والمفكّرين العرب، عالجوا قضايا المرأة قبل زمن طويل يزيد على المائة سنة.



تعدّدت الرّاوبط التي تجمع بين النّاس، الذين ظلّت تؤلّف بينهم تلك العلاقات خلال مراحل العصور المتتالية، من دون أن تهي تلك الصّلات التي كانت تجمعهم معاً، وما برح بعض تلك العلاقات التي نشأت بينهم، تمتّن ارتباطهم ببعضهم البعض منذ العهود السّحيقة الغابرة، وإذا نظرنا في شؤون تلك الرّابطة الأسريّة، التي كانت تمتّن أواصر الألفة بين الأعضاء الذين ينضوون إلى تلك الأسرة التي تضمّهم معاً، فإنّنا نرى أنّ الزّمن الذي نشأت فيه الرّابطة الأسريّة، يمتدّ إلى عصر موغل في القدم، فكانت تلك العلاقة تربط بين الأفراد بلحمة النّسب، والأسرة هي الخليّة الأولى في بنيان المجتمع، وقد ظلّت خلال العهود الزّمنيّة الطّويلة، اللّبنة الأساسيّة التي يقوم عليها ذلك المجتمع، ومصطلح أسرة "Familly" "لا يخلو من بعض الغموض لأنّه يُستعمل من قبل غير المختصّين وحتّى العلماء الاجتماعيّين بصورة غير محدّدة، الأمر الذي يجعله يفتقر إلى الدّقة والوضوح"(1)، وعلى الرّغم من الاختلاف الحاصل بين الباحثين في تحديد مفهوم ذلك المصطلح، إلّا أنّنا نلحظ ثبات القواعد الوطيدة التي يتأسّس كيان الأسرة عليها، إذ حدّدت العناصر الرّئيسيّة، التي يتجزّأ إليها مفهوم الأسرة، التي جهد الدّارسون في تعيين الخصائص التي تتميّز بها، فاعتبرت الأسرة "جماعة أو وحدة اجتماعيّة تتّسم بالسّكنى المشتركة والتّعاون الاقتصاديّ ووظيفة الإنجاب"(2)، وإن اتّخذت الأسرة هيئة الجماعة البشريّة، فلا مرية من أنّها تعدّ أيضاً أهمّ الجماعات الأوّليّة في المجتمع حيث "تتكوّن من أفراد تربط بينهم صلات القرابة والرّحم ويزاولون النّشاط الاجتماعيّ في كلّ جوانبه المادّيّة والرّوحيّة والعقائديّة والاقتصاديّة"(3)،وإن اتّضحت في كل المجتمعات جليّاً تلك المكانة التي تحلّ بها الأسرة، فلأنّها وحدة اجتماعيّة أساسيّة وجوهريّة، وهي أيضاً "من أقدم الوحدات الاجتماعيّة، أو ربّما كانت أصل كلّ تنظيم اجتماعيّ آخر والوعاء الحاوي للتّنظيمات الأخرى"(4).

كانت العلاقات التي تنشأ بين الأفراد ضمن العائلة نفسها، تتنوّع أيضاً، وتتّخذ أنماطاً مختلفة، فلأنّ العائلة هي "نواة المجتمع التي تقوم على الزّواج والصّلة الحميمة، أي العلاقات بين الزّوج والزّوجة، والآباء والأبناء، والأخوة والأخوات، الخ. وتتميّز حياة العائلة بالعمليّات المادّيّة والرّوحيّة على السّواء. فالأولى تتضمّن العلاقات الحيويّة (البيولوجيّة) والاقتصاديّة _الاستهلاكيّة، والثّانية تتضمّن العلاقات القانونيّة والأخلاقيّة والنّفسيّة"(5)، وقد عني بتعيين الأصل الذي انبعثت منه تلك الوحدة الاجتماعيّة الجوهريّة، وهي تحديداً الأسرة، التي اعتبرت جماعة من النّاس الذين كانوا "ينحدرون من نسب واحد. وفي أكثر المجتمعات تقوم العائلة على رابطة الدّمّ أي نسب الأب، بينما ما زالت تقوم في بعض القبائل على نسب الأمّ، وهذا ما كان سائداً في مراحل تاريخيّة سابقة، والعائلة هي مرحلة متطوّرة من العشيرة والقبيلة، وهي تتألّف من عدّة أسر يجمعها النّسب. فالأسرة، كما اصطلح على تسميتها، تطلق على من يسكنون معاً من الأبوين والأولاد (الأسرة النّواتيّة أو الزّواجيّة) وهذا هو الشّكل الأكثر تطوّراً للأسرة، وقد تضمّ زوجات الأولاد والأحفاد (الأسرة الممتدّة) كما قد تضمّ الأسرة النّواتيّة بعض أفراد الأسرة القديمة {الأسرة السّائرة نحو التّطوّر}(6)، والأسرة النّواتيّة، التي تتّخذ ذاك الشّكل المتطوّر، إن اقتصرت مجموعة الأعضاء الذين تضمّهم معاً على "الأب والأمّ وذرّيّتهما من أصلابهما، دعيت الأسرة الطّبيعيّة أو البيولوجيّة"(7)، وقد عزي ظهور ذلك الشّكل النّوويّ للعائلة إلى بروز الطّبقة الوسطى التي كانت "هي عماد النّمط النّوويّ"(8)، وقد تبدّى ذلك التّغيّر الذي طرأ على شكل العائلة، عبر مراحل الزّمن المتتالية المديدة.

توطّدت الصّلة النّاشئة بين العائلة والمجتمع، فبُتْنا نلحظ أنّ "المجتمع صورة مكبَّرة للعائلة، والعائلة صورة مصغّرة للمجتمع، فكلاهما مرآة للآخر، وليس من فروق كبرى بين الثّقافة والعلاقات والأدوار التي تسود في كلّ منهما. وما يحدث من تغيّرات في أحدهما يؤدّي بالضّرورة إلى تغيّرات مشابهة في الآخر"(9)، وتهيّئ الأسرة الأبناء الذين ينضوون إليها، ليندمجوا في المجتمع، فكانت الأسرة هي "السّبب المباشر في الحفاظ على الجنس البشريّ و الإبقاء عليه حتّى الآن. فلقد ظلّت الأسرة التّنظيم الأهمّ الذي ينشأ فيه معظم النّاس وعند مرحلة معيّنة ينفصل البالغون عن الأسرة ليكوّنوا أسرهم الخاصّة"(10)، فالأسرة تمّهد السّبيل للأشخاص البالغين لأن يبنوا عائلاتهم، فتطبّق في تلك الأسرة القواعد التي تنهض عليها عمليّة التّنشئة الاجتماعيّة، التي يتلقّى الأبناء فيها من أسرهم القيم والمبادئ والعادات التي تيسّر لهم أن يندمجوا في مجتمعهم،والأسرة النّواة، هي أهمّ وحدة اجتماعيّة يرتكز عليها المجتمع البشريّ، لأنّها تنجز مهمّة تنشئة الفرد، وتهيّئه للانضمام إلى ذلك المجتمع، فتنمّي شخصيّته، وتغرس في نفسه القيم والمثل التي تنتشر في المجتمع، والأسرة هي أيضاً "وحدة إنتاجيّة اقتصاديّة ونواة للتّنظيم الاجتماعيّ"(11)، فهي تجمع أفراد الأسرة، بعلائق القرابة التي تقوم على روابط النّسب في أشكالها المتنوّعة، فأنجزت الأسرة تلك الوظائف الأساسيّة في العصور المتعاقبة، وهي كانت "سبقت دور الدّولة في تأمين الاحتياجات العاطفيّة والمادّيّة والمعنويّة للأفراد, فإنّه يمكن القول بأنّ أفضل السّبل نحو بناء المجتمع هو البدء من اللّبنة الأولى والأهمّ في البناء الاجتماعيّ والاقتصاديّ والإنسانيّ ألا وهي الأسرة"(12)، وإن كانت تتحقّق في ظلّ الأسرة حاجات أولئك الأفراد الذين تجمع بينهم، فلأنّهم كانوا يؤسّسون في كنف تلك الأسرة، الرّكائز التي تقوم عليها حاجاتهم المعيشيّة المشتركة، التي كانت تزيد صلابة تلك الرّوابط التي تجمع بين أعضاء الأسرة، الذين ظلّت ترسخ في نفوسهم الرّغبة في تحقيق عمليّة المشاركة في العيش ضمن تلك الأسرة.

إنّ ذلك التّغيّر الذي طرأ على الشّكل الذي تتبدّى فيه الأسرة، غالباً ما كان يعزى إلى علّة تبدّل أنماط تلك المهامّ، التي كانت تؤدّيها الأسرة خلال الحقب الزّمنيّة الطّويلة، التي مضت على ذلك الوقت الذي نشأت فيه، وقد عزي تحديداً سبب التّغيّر الحادث، إلى عامل المنافسة التي تعرّضت لها الأسرة، التي نازعتها سائر المؤسّسات في المجتمع، في تنفيذ المهامّ والوظائف التي كانت تنفرد الأسرة سابقاً بأن تنجزها، فسهّل للباحثين، ذلك الامتداد الزّمنيّ الذي استغرقه وجود الأسرة في المجتمع، أن يرصدوا ذلك التّطوّر الذي كان يطرأ على الشّكل الذي تظهر فيه الأسرة، التي كانت سائر المؤسّسات الأخرى تسعى إلى أن تنوب عنها في تأدية تلك المهامّ، التي توكّلت بتحقيقها الأسرة خلال الأزمنة الماضية، وقد اتّضح في تلك المناشط التي تجري في المجتمع، طابع المنافسة النّاشئة بين الأسرة وسائر المؤسّسات المتنوّعة، التي ظهرت في المجتمع في أثناء تلك العصور العديدة المتعاقبة.

وقر في اعتقاد العديد من الباحثين أنّ تلك المؤسّسات، التي نابت عن الأسرة في تأدية الأعمال التي كانت تنجز في الزّمن الماضي في نطاق ذلك التّنظيم العائليّ، قد حقّقت عمليّة تلبية الحاجات المعيشيّة، بوساطة الوسائل التي بدأت تتوفّر في المجتمع، فذهب بعض الباحثين إلى أن يفسّر التّغيّر الذي طرأ على شكل الأسرة والمهامّ التي تقوم بها، وأن يحدّد عوامل حدوث التّغيير الذي طرأ على شكل الأسرة، فصيغت الآراء التي تحدّد أساس ذلك التّغيّر الذي كان يطرأ على الأسرة،  فعزي تغيّر شكل الأسرة إلى حدوث التّطوّر الحادث في المهامّ التي تنفّذها المؤسّسات في المجتمع،وفسّرت ظاهرة تفكّك الرّوابط الأسريّة، بعلّة تطوّر ونمو تلك الأنشطة التي تمارسها تلك المؤسّسات التي نشأت في المجتمع حديثاً، قياساً إلى ذلك الزّمن الطّويل الذي مرّ على نشوء الأسرة، وضرب مثلاً لحدوث التّغيّر الطّارئ على شكل الأسرة، بانقسام الأسرة الممتدّة التي نشأت عنها الأسرة النّوويّة التي تشتمل على الوالدين والأبناء، إذ حدّدت مظاهر التّغيّر الحادث في شكل الأسرة "بنقصان حجمها وتدعيم عزلتها, والقضاء على الرّوابط القرابيّة"(13)، ولم يكن يقتصر مسألة التّغيّر على شكل الذي تتّخذه الأسرة، بل أنّه كان يشمل أيضاً تلك الأنشطة، التي كانت يزاولها أعضاء الأسرة، والذين كانوا يواكبون تلك الأعمال التي تنشأ حديثاً في المجتمع، فكانت الأسرة هي "المرآة التي تعكس صورة التّغيّر الاجتماعيّ على المجتمع, وذلك عندما تتبنّى مجموعة من الأسر شيئاً جديداً (تكنولوجيّ أو إيديولوجيّ) فإنّه بمجرّد ظهور فائدة هذا الشّيء تتبنّاه بالتّدريج الأسر الأخرى حتّى يشمل المجتمع بأسره"(14)، فإن حدّد ذلك التّطوّر الذي يطرأ على شكل الأسرة، فإنّه لم تكن تغيب أيضاً عن أذهان النّاس، تلك الرّكائز الثّابتة التي استند إليها بنيان الأسرة، في تلك العهود الزّمنيّة الطوّيلة التي مضت على ذلك الوقت الذي نشأت فيه.

1-الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، الاصطلاحات والمفاهيم، المجلّد الأوّل، معهد الإنماء العربيّ، الطّبعة الأولى، 1986، ص65.

2- المصدر السّابق.

3- موقع الموسوعة العربيّة.

4- المصدر السّابق.

5- الموسوعة الفلسفيّة، الطّبعة الرّابعة (ديسمبر) 1981، دار الطّليعة للطّباعة والنّشر، بيروت، ص290، 291.

6- موسوعة السّياسة.

7- موقع الموسوعة العربيّة.

8- مصدر سابق.

9- المصدر السّابق، ص417.

10- موقع العلوم الاجتماعيّة والنّفسيّة.

11- مصدر سابق.

12- موقع العلوم الاجتماعيّة والنّفسيّة.

13- المصدر السّابق.

 

14- المصدر السّابق.