يتوسّط خان أسعد باشا سوق البزوريّة، التي تعجّ فيها روائح البهارات والحبوب الأريجة، وكان والي دمشق أسعد باشا العظم قرّر أن يبني ذلك الخان، في أثناء تلك المدّة التي حكم فيها، إذ امتدّت فترة ولايته بين عامي 1170_ 1156ه/ 1757_ 1743م، فبدئ في بناء ذلك الخان في سنة 1166ه_ 1751م، وأمّا المدّة التي استغرقتها عمليّة ذلك البناء فبلغت أربعة عشر (14) شهراً، إذ فرغ في عام 1167ه_ 1753م من إشادة ذلك الخان، الذي ما برحت تؤمّه منذ ذلك الأوان، الذي أنشئ فيها، جماعات كثيرة من الأقوام الذين طالما فتنتهم معالم ذلك الخان، وكان المعماريّون الذين أبدعوا في وضعهم التّصاميم المعماريّة المبتكرة، التي نفّذ بها البنّاؤون عمليّة بناء ذلك الخان، حرصوا على أن يوافق مظهر ذلك الخان، أشكال تلك الأبنية التّاريخيّة التي أقيم بينها، وقد أحاط خيال أولئك المعماريّين بأشكال تلك الآطام والأوابد التاريخيّة التي ظلتّ شامخة البنيان، طوال قرون عديدة في مدينة دمشق، وتعمّق هؤلاء المعماريّون في معاينة أشكال ذلك الفنّ البديع، الذي تجلّى في معالم البدائع المعماريّة التي كانوا يطالعونها، فتوخّوا أن يحافظوا في ذلك التّصميم الهندسيّ الذي كرّسوه لمبنى الخان، على طابع ذلك الفنّ المعماريّ الذي تميّزت به تلك الأبنية التي أقيم بجوارها ذلك الخان.

أثارت الأنشطة الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي كان يزاولها النّاس في مدينة دمشق، خلال العهود الغابرة، تلك الحاجّة الماسّة إلى وجود مبنى يحتضن تلك المناشط المتنوّعة التي كانت تقام في تلك المدينة، وقد بلغت تلك الأنشطة الاقتصاديّة والاجتماعيّة مرتبة عالية من الرّقي والتّطوّر، في كثير من تلك العهود التي مرّت على تلك المدينة، فلا غرو من أن تنتشر في دمشق منذ تلك الأزمنة السّحيقة، الخانات التي كانت تقام فيها الأنشطة التي كان يزاولها النّاس في هذه المدينة العريقة، وإن كان خان أسعد باشا العظم قد جاور العديد من الأبنية الموغلة في القدم، فإنّه تجلّت في مبنى ذلك الخان معالم تلك العراقة والأصالة اللتين تتّسم بهما تلك الأبنية التّاريخيّة التي أقيمت في العصور الغابرة، وسرعان ما لاءم موافقاً سائر تلك الأبنية والأوابد التّاريخيّة التي كان يتاخمها، فذلك التّوافق الذي تحقّق بين مظهر ذلك الخان، وسائر أشكال الأبنية التّاريخيّة التي أحاطت به، أضفت على ذلك الخان قيمة تاريخيّة، علاوة على تلك الأهمّيّة التي نجمت عن المقدار الذي بلغه عدد تلك السّنوات، التي أمضاها شامخاً في بنيانه فوق أديم مدينة دمشق، وبني الخان على أرض فسيحة وسيعة، إذ بلغت مساحته 2500م2 واتّخذ مخطّط البناء شكل مربّع منحرف قليلاً في الزّاوية الجنوبيّة الغربيّة، وقد تاخم الجدار الشّماليّ لذاك الخان المدرسة التّنكزيّة وحمام نور الدّين الشّهيد، وأشرف الجدار الجنوبيّ على سوق الورق، وأمّا الجدار الشّرقيّ فهو جاور نزلة معاوية، بينما كان سوق البزوريّة يتصّل بتلك النّاحية التي أقيم فيها الجدار الغربيّ الذي أنشئ في وسطه مدخل ذلك الخان، الذي تميّز ببوابته الخشبيّة التي اتّسمت بفخامة الشّكل، وعظمة المظهر، فكانت تلك البوابة تخلب ألباب أولئك النّاس الذين كانوا يقصدون ذلك الخان.

لم تشاد بوابة ذلك الخان عبثاً وفق ذلك المظهر من الأبّهة والرّواء اللذين اتّصفت بهما، إذ كان يتضمّن ذلك المظهر الذي لاحت فيه، تلك المعاني الجليلة التي قصد المعماريّون إلى أن يبرزوها في معالم ذلك الخان، فكانتتلك البوّابة الخشبيّة قد زخرفت بالمسامير وصفّحت بالحديد، وأمّا الشّكل الذي اتّخذه ساكف هذه البوّابة، فقد تميّز بوجود قوسين متشابكين تعلوهما مجموعة من المقرنصات المزخرفة البهيّة المنظر، والرّائعة المظهر، وعلا هذه المقرنصات، تجويف مقعّر اتّخذ هيئة الصّدفة،وكان اتّساع تلك الأقسام التي اشتملت عليها واجهة الخان، تمهّد السّبيل لأولئك النّاس الذين يقصدونه، للتّنعّم بحفاوة الاستقبال الذي يحظون به، فكانت تغمر نفوسهم الطّمأنينة بانفراج أقسام تلك الواجهة، عن الفضاء الرّحب الذي اشتمل عليه مبنى ذلك الخان، إذ لاءمت تلك الضّخامة التي اتّسمت بها تلك البوابة، عظمة التّرحاب الذي كان يستقبلون به في ذلك الخان، الذي كانت الزّخارف الجميلة التي لاحت في واجهته، تهيّئ النّاس للاطّلاع على معالم تلك الأبهّة والفخامة التي تتّسم بهما الأقسام الدّاخليّة التي يشتمل عليها ذلك الخان، الذي امتزجت في ذلك المظهر الذي لاح فيه، بدائع الفنّ المعماريّ، مع تلك المعاني الجليلة التي يحرص سكّان تلك المدينة على أن يؤكّدوها في حفاوة الضّيافة، التي اعتادوا أن يستقبلوا بها الأفراد الذين يفدون إليهم.

كانت تلك البوابة الخشبيّة الضّخمة التي برزت في واجهة ذلك الخان، تنفتح عن دهليز فسيح يلي مباشرة واجهة ذلك الخان، وقد سقّف ذلك الدّهليز بعقود حجريّة، زيّنت بزخارف جصيّة، ويفضي ذلك الدّهليز إلى باحة اتّخذت شكل المربّع، وقد أحاطت بصحن ذلك الخان الفسيح طبقتان توزّعت فيهما الغرف، وكانت الجدران التي تطلّ على تلك الباحة، تتوالى فيها المداميك التي تعاقب فيها ظهور الأحجار الكلسيّة البيضاء، والأحجار البازلتيّة السّوداء، ورصفت أرضيّة صحن الخان بالحجر البازلتيّ الأسود، وقد توسّطت تلك الباحة بحرة مضّلعة الشّكل، إذ بلغ عدد أضلعها ستة عشرة ضلعاً، وكانت نوافذ غرف الطّابق الأرضيّ تطلّ مباشرة على صحن ذلك الخان، فكان الأشخاص الذين يشغلون تلك الغرف، تتبدّى لهم من خلال تلك النّوافذ، الفسحة الواسعة التي امتدّ فيها صحن ذلك الخان، وقد تزيّنت أبواب الطّابق الأرضيّ بالزّخارف البديعة، وأمّا الطّابق الأوّل فكانت تفصل غرفه عن الباحة رواق يطلّ على صحن ذلك الخان، فالتفّ حول تلك الباحة الفسيحة ذلك الرّواق الذي بلغ عرضه 3 أمتار، وبلغ عدد غرف هذا الخان 84 غرفة، وهي أعدّت لاستضافة حشود الأقوام الذين يقصدون ذلك الخان، وكانت كلّ من القباب التي علت الباحة الفسيحة، تضمّ ستة عشر ضلعاً، وقد بلغ مقدار ارتفاع أعلى قمّة في ذلك الخان عن أرضيّة الباحة 22 متراً، وتبدّت في كلّ ضلع منها نافذة خشبيّة معشّقة بالجبس والزّجاج، وحوت أربع من تلك القباب مناور خشبيّة تتيح للضّوء أن ينفذ فيها لينير ذلك الخان.

أقيمت في ذلك الخان مناشط فنّية عديدة، توزّعت في صنوف شتّى من ألوان الفنون، فإن كان النّاس في هذا الأوان الحاليّ، يقصدون ذلك الخان للاطّلاع على مآثر الفنّ المعماريّ البديع، فإنّ مبنى ذلك الخان أصبح أيضاً مقصد الزّائرين الذين يسعون إلى مشاهدة المناشط الفنّيّة التي تقام في خان أسعد باشا، الذي ما برح النّاس يقبلون إليه، فكانت معالم العمران الجميلة، التي يتميّز بها ذلك الخان، تلائم وتوافق السّمات الجماليّة، التي تتضمّنها أصناف الفنون المتنوّعة التي كانت تقدّم إلى الجمهور في ذلك الخان، الذي كانت تجري فيه تلك الأنشطة الثّقافيّة والفنّيّة التي تبرز صلابة ذلك التّآلف، ومتانة ذلك التّرابط، اللذين يجمعان بين أصناف الفنون المتنوّعة، فكان ذلك الخان مكاناً ملائماً ومناسباً لاحتضان المناشط الفنّيّة العديدة، التي كانت تقام في أرجاء باحة الخان الفسيحة.