رسخت معالم العراقة والأصالة في أرجاء مدينة دمشق، وطابت نفوس أهل تلك المدينة بالعيش فيها، فظلّوا يلاحفون نجوعها، ويلازمون رياضها، ويواظبون على أن يعكفوا في ربوعها، التي هنؤوا بمقامهم فيها، من دون أن ينصرفوا عن تلك المدينة، التي نشأت بينهم وبينها صلة موثّقة العرى، وإذا اقتضت دواعي السّفر أن يبتعد عن هذه المدينة أحد السّكّان القاطنين فيها، بعد أن كان انتوى الارتحال عنها، فسرعان ما تحتدم في نفسه لواعج الحنين إليها، ولا يطيق صبراً على عدواء ذلك الشّوق الذي ينتابه، فيلتمس سبيلاً ييسّر له أن يأرز إليها آئباً من سفره، ولا يغالي الإنسان في حديثه، مهما أطنب في وصف تلك الرّابطة الوثيقة التي تلأم بين مدينة دمشق وأولئك السّكّان القطّان فيها، فأمضت تلك الأجيال الكثيرة التي حلّت بهذه المدينة، حقباً مديدة بلغت آلاف السّنوات، حيث تعلّق هؤلاء السّكّان بمدينتهم دمشق، التي هي أقدم عاصمة مأهولة، وقد رويت أحاديث عديدة وأخبار كثيرة، عن وقائع ذاك التّاريخ، الذي يكتنز بالشّواهد الوفيرة على محبّة أهل دمشق تلك المدينةَ التي يأوون إلى ظلالها، وتلك الأخبار التي حكيت عن علاقة أولئك السّكّان بمدينتهم دمشق، أفصحت عن مقدار تولّع أولئك السّكّان بهذه المدينة، التي لم تنبتّ تلك الرّابطة بينها وبين أجيال هؤلاء النّاس الذين قطنوا فيها، حيث ظلّ بقاؤهم فيها دائماً طوال تلك العصور المتعاقبة، التي دأبوا فيها في أن يعبّروا عن شدّة وجدهم بها، إذ حرصوا مواظبين على أن يمتّنوا رباطهم بها.

تعدّدت تلك الدّلائل الأكيدة، التي تثبت متانة تلك الوشائج التي تجمع بين مدينة دمشق وأولئك السّكّان الذين أقاموا فيها، وكانت أحد تلك البراهين النّيّرة، هو ديمومة بقاء تلك الأجيال المتعاقبة من السّكّان، واستمرار مكوثها بهذه المدينة، حيث توارث تلك الجماعات من النّاس المتتالية، محبّة هذه المدينة، التي ظلّت لها في أفئدتهم موضعة، وتعهّدت تلك الأجيال المتعاقبة بوفائها بعدّتها بدوام تعلّقها بمدينتهم، إذ كانت تتوثّق طوال تلك الدّهور صلاتهم بها، فظلّت مدينة دمشق دائماً موئلاً للأنام، ومنجعاً يرتاده الأقوام، حيث كان يقصدها المسافرون ليتخفّفوا فيها من وعثاء السّفر، فلا يستغرب أحد من النّاس انتشار تلك الخانات فيها، التي أنشئت منذ عصر الدّولة الأمويّة، وتذكر كتب التّاريخ أنّ عدد الخانات بلغ في العصر المملوكيّ "150" خاناً، وقد بني في العصر العثمانيّ "83" خاناً، إذ كانت تنشأ في كلّ عصر خانات جديدة، تضاف إلى تلك الخانات التي أنشئت في العهود التّاريخيّة الغابرة، وكان أولئك المسافرون الذين يقصدون مدينة دمشق، يلقون في تلك الخانات طيب التّرحيب، وحفاوة الضّيافة، ولطافة العشرة، فتوسّع سكّان تلك المدينة في بناء تلك الخانات، التي أضافوا فيها زوّار مدينة دمشق التي ظلّت منارة الأدب والمعرفة، وحاضرة العلم والتّجارة.



إنّ الأضابير التي تحتوي على الوثائق التي تنجم عن تلك الأنشطة التي يزاولها النّاس، تحلّ بمكانة رفيعة عند أولئك الأفراد، الذين يعدّون تلك الوثائق ذاكرتهم النّيّرة، إذ يعوّلون عليها في مداورتهم وتدبّرهم تلك الأحداث التي تطرأ عليهم في مجرى حياتهم، فتتراكم عندهم تلك الخبرات المكنوزة في أضابير مصنّفة، فلا يستطيعون مطلقاً أن يستغنوا عن هداية تلك الذّاكرة، ولا يطيقون أن يتخيّلوا أن تنطفئ أنوارها وأن ينحسر عنهم ضياؤها، الذي يهتدون به في تأمّلهم في تلك الوقائع، التي انطوى عليها تاريخ حياتهم، فيجهدون في أن يستخلصوا من تلك الوقائع الغابرة العبر، التي ليس في وسعهم أيضاً أن يطرحوها عنهم حينما يستطلعون تلك الأحداث، التي ستتمخّض بها الأيام المقبلة، فلا يمكنهم من أن يخوضوا غمار تلك الوقائع التي تنجلي عنها تلك الأزمان القادمة، وليس في وسعهم أن يتهيّؤوا حقّاً لأن يعيشوا في خضم تلك الوقائع، التي تطرأ عليهم في سني حياتهم القادمة، إن لم يهتدوا بذاك المخزون من الأحداث التي تحيط بها تلك الذّاكرة النّيّرة، وإذا لم يردفوا على تبصّرهم في تلك الوقائع الماضية، اعتبارَهم بالمغازي التي تتضمّنها مجريات الأحداث السّالفة، واتّعاظَهم بالعبر التي يستخلصونها من تاريخ تلك الوقائع الماضية، ولا يتحدّد تبصّر الإنسان في الأيام المقبلة، باقتصاره على أن يتتبّع تلك الأحداث التي يتوقّع أن يعقب بعضها بعضاً، من دون أن يستخلص من سيرة حياته في الأيام الفائتة، تلك المغازي التي يهتدي بها في انتهاجه تلك السبيل التي تؤدّي إلى مشارف الأيام القادمة.