عمد النّاس إلى أن يفاضلوا في أغلب الأحيان بين تلك المآرب التي رغبوا في أن يدركوها، فكانت تلك الحوائج التي تظهر في مجرى حياتهم، تتمايز فيما بينها، بحسب تلك المكانة التي تحلّ بها عند أولئك الأفراد، الذين اعتادوا أن يفاضلوا بين حاجاتهم، التي كانت تنتظم متسلسلة في صيغة ذلك التّراتب، الذي يحدّد تفاوت تلك الحاجات في قدر ذلك الاعتبار والأهمّيّة اللذين يتّسم كلّ منها، وذلك التّراتب الذي تظهر فيه تلك الحوائج، لا يظلّ ثابتاً، بل إنّ ترتيب تلك الحوائج يختلف بحسب تنوّع تلك الأحوال، التي تكون عليها معيشة هؤلاء الأشخاص، فإن نظرنا في سلّم تلك الحوائج في غضون تلك الفترات، التي تشظف فيها معيشة النّاس في المجتمعات العربيّة، حيث تكون قد انتابتهم آنئذ ضائقة ماليّة، وإذا شئنا أن نتحرّى بدقّة عن المرتبة التي تحلّ بها مطالعة الكتب، في سلّم تلك الحوائج، في أثناء تلك الأزمة التي أصابت معيشة هؤلاء النّاس، فإنّنا نجد أنّ الكتاب قد انحطّ إلى أدنى مرتبة، بين تلك الأشياء والحوائج التي يقارن بينها أولئك النّاس، وقد حاولنا أن نحدّد تلك المكانة التي تحلّ بها مطالعة الكتاب، لأنّنا افترضنا جدلاً أنّه وجد أفراد يعمدون أساساً إلى إدراج مطالعة الكتب، في سلّم تلك الحوائج التي يفاضلون بينها، في ظروف المعيشة العاديّة.

 

يتأتّى لنا أن نحيط بيسر بمصير الحاجة إلى مطالعة الكتب، عندما يقع النّاس في أحوال العسر والضّائقة الماليّة، فإن نظرنا إلى تلك الآراء التي  أفصح النّاس عنها، في حديثهم عن ضيق معيشتهم التي يكابدون شظفها، فإنّنا نرى أنّ فحاوي تلك الأقوال التي يذكرونها آنئذ، تؤكّد أنّ أوّل حاجة يضربون صفحاً عنها، ويسقطونها من حسابهم الذي يحصون فيه تلك الحوائج التي يحاولون أن يسدّوها، هي الحاجة إلى القراءة وشراء الكتب، فتحتلّ تلك الحاجة موقعاً متدنّياً في سلّم تلك الحوائج، فصناعة الكتب تكون هي أوّل الصّناعات المتضرّرة، وإذا نظرنا في أحوال صناعة الكتاب في فترات الرّخاء والانتعاش الاقتصاديّ، والبحبوحة الماليّة، فإنّنا نجد أنّ آخر صناعة تحظى بالفوائد من حالة ذلك الازدهار، هي صناعة الكتاب، الذي يكون هو آخر من يستفيد من ذلك الرّخاء الحادث في المجتمع، ففي حالة الشدّة يكون الكتاب هو أوّل وأكثر الأشياء تضرّراً من شأن ذلك الضّيق والعسر المادّيّين، بينما يكون الكتاب في حالة الرّخاء هو آخر الأشياء، التي ترجع عليها المنافع من حصول حالة ذلك الانتعاش الماليّ، وإذا تأمّلنا في سلّم الأولويّات، الذي يقيمه الأفراد في المجتمعات العربيّة، فإنّني أعتقد أنّه يجب أن تكون حالة ذلك التّراتب الذي تتسلسل به تلك الحاجات الأساسيّة، هي معاكسة تماماً لحقيقة تلك الصّورة التي تظهر تدنّي موضع الحاجة إلى مطالعة الكتب، ولا أريد أن أتحدّث حاليّاً عن نتيجة تلك الجهود التي يبذلها الأفراد، الذين يحاولون أن يغيّروا مسعى أولئك النّاس، الذين يضعون الكتاب في تلك المرتبة المتدنّية، ولكنّي أعتقد أنّه بالإمكان أساساً أن تبدّل تلك الفكرة التي يتصوّر فيها هؤلاء النّاس، ذلك الموضع الذي يحلّ به الكتاب، الذي يجب أن يحظى دائماً بمكانة عالية عند أولئك النّاس، الذين اعتادوا أن يجروا المفاضلة بين حوائجهم الشّخصيّة.



هدف النّاس إلى أن يستخدموا الأدوات التّكنولوجيّة المتطوّرة في الأنشطة الصّناعيّة التي كانوا يزاولونها، ليزيدوا كمّيّة السّلع المنتجة المتنوّعة، التي كانت تتنوّع أصنافها أيضاً، ليسدّوا بها تلك الحاجات الملحّة التي كانت تطرأ عليهم، وقد هيّئت في الدّول التي خاض الأفراد فيها في ميدان الصّناعات التّحويليّة، الوسائلُ المناسبةُ لتدريب أولئك الأشخاص على أن يستخدموا بكفاءة عالية الأدوات التّقنيّة المتطوّرة، وقد أنشئت أيضاً في تلك البلدان مراكز البحث والتّطوير التي انضمّ إليها الأشخاص، الذين يعكفون على مزاولة نشاطهم في إجرائهم البحوث التّقنيّة، التي ترتكز عليها العمليّات الإنتاجيّة الصّناعيّة،وقد وقر في أذهان العديد من النّاس تلك الفكرة، التي يعزا فيها تحقّق تنمية ورفاهيّة المجتمعات، إلى رسوخ ذلك التّطوّر الصّناعيّ الحادث فيها، وإن كانت فكرة التّنمية في ذاتها هي أوسع من أن تحدّد بالمفاهيم والأنشطة الاقتصاديّة، إلّا أنّ تطوّر الصّناعة أتاح للنّشاط الاقتصاديّ أن يتبوّأ مرتبة عالية بين تلك الأعمال، التي يفضي تحقّقها إلى قيام عمليّة التّنمية الواسعة، التي تسعى شعوب العالم إلى أن تنجزها، فالتّنمية هي أساساً "عمليّة إحداث مجموعة من التّغيّرات الجذريّة في مجتمع معيّن خاصّة الاقتصاديّة منها، بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التّطوّر الذّاتيّ المستمرّ بمعدّل يضمن التّحسّن المتزايد في نوعيّة الحياة لكلّ أفراده في مختلف مجالات الحياة الاجتماعيّة، بمعنى زيادة قدرة المجتمع على الاستجابة للحاجات الأساسيّة والحاجات المتزايدة لأعضائه، بالصّورة التي تكفل زيادة درجات إشباع تلك الحاجات، عن طريق التّرشيد المستمرّ لاستغلال الموارد الاقتصاديّة المتاحة، وحسن توزيع عائد ذلك الاستغلال"(1)، فلم يكن في وسع شعوب الدّول التي تجهد في أن تنمّي تلك المجتمعات التي تحيا فيها، أن تتهاون في مراعاة قدر تلك المكانة، التي يحلّ بها النّشاط الاقتصاديّ بين تلك الأعمال، التي عكفت على أن تزاولها في سعيها إلى تحقيق تلك العمليّة التّنمويّة.

أدركت شعوب دول شتّى تلك المنافع التي تعود عليها من تحقّق عمليّة التّصنيع، في تلك البلدان التي تعيش فيها، وحرص أفراد تلك الشّعوب على أن يوفّروا لذلك النّشاط التّصنيعيّ، الأسباب الملائمة لأن يقوم في أرجاء بلدانهم التي تكتنفهم، وقد اعتمد تحقّق التّصنيع في دول العالم "بشكل أساسيّ، على تطوّر التّكنولوجيا. وبما أنّ التّكنولوجيا ذات خصائص تحريضيّة وتراكميّة وتصاعديّة فإنّ عمليّة تغيّر الهيكل الاقتصاديّ تندفع إلى الأمام بقوّة. ولمّا كان المجال الاقتصاديّ جزءاً مهمّاً في مجمل البنية الاجتماعيّة الشّمولية فإنّ تغيّر هذا الهيكل ينعكس بقوّة على جميع المجالات الأخرى، الثّقافيّة والاجتماعيّة والصّحّيّة ممّا يؤدّي إلى تغيير اندفاعيّ في مجمل الهيكل الاجتماعيّ"(2)، فتتسبّب عمليّة التّصنيع المنجزة برفع مستوى معيشة السّكّان، وقد تنوّعت تلك الوسائل التي تذرّع بها النّاس إلى تحقيق التّنمية في البلدان التي يعيشون فيها، ولم تغب عن تلك الأعمال التي قصد أن يأتيها أولئك الأقوام، تلك المهمّة التي تحدّدت في تطوير النّشاط الصّناعيّ، إذ اعتبرت "التّنمية بمختلف أنواعها: بأنّها عمليّة تغيير اجتماعيّ متعدّد الجوانب، غايته الوصول إلى مستوى الدّول الصّناعيّة"(3)، ومفهوم التّنمية Developpement، كما ذكرت آنفاً، يشمل معاني وأفكاراً أوسع من المفاهيم والمعاني الاقتصاديّة، إذ عرّفت التّنمية بأنّها "مجموعة  من الوسائل والطّرق التي تستخدم بقصــد توحيد الجهود، من أجل تحسين مستوى الحياة من النّواحي الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة في المجتمعات"(4).

تعدّدت تلك الرّكائز التي استند إليها تحقّق العمليّة التّنمويّة، التي كانت تقوم على دعائم النّشاط التّصنيعيّ المتطوّر، وقد عرّف التّصنيع بأنّه "عمليّة تطوير الهيكل الاقتصاديّ الدّاخليّ المتعدّد الفروع، والمجهز بتقانة حديثة، والذي يتميّز بقطّاع تحويليّ ديناميكيّ، يملك وينتج وسائل الإنتاج وسلع الاستهلاك، والقادر على ضمان معدّلات نمو عالية للاقتصاد كلّه، وتحقيق تقدّم اقتصاديّ واجتماعيّ"(5)، ولم يفتر النّاس الذين اقتنعوا بتلك المكانة، التي يحلّ بها النّشاط الصّناعيّ، عن أن يأخذوا في تحديد الرّوابط، التي تجمع بين التّصنيع والأهداف التّنمويّة، التي توخّوا أن يبلغوها في تلك المناشط المتنوّعة التي كانوا يزاولونها، فمهما كانت حقيقة تلك الوشائج التي تجمع بينهما، فإنّه يتوجّب أن يراعى تحقّق شروط نشوء عمليّة التّصنيع المتطوّر في البلدان، التي تسعى شعوبها إلى تحقيق التّنمية فيها، وكان بعض الباحثين اعتقد أنّه "لا يوجد اتّفاق بين النّظريات الاقتصادية حول مدى لزوم هذا الارتباط ودرجته على الرّغم من أنّ جميع النّظريّات تؤكّد أنّه لا يمكن التّحدّث عن تنمية حقيقيّة إذا لم يتمّ إدخال النّمط الصّناعيّ، بشكل أو بآخر، إلى بنية الاقتصاد"(6).

إنّ المنافع التي ترجع من تحقّق عمليّة التّصنيع على النّاس، لا تنحصر في ميدان محدّد من صنوف المناشط التي تنشأ في المجتمع، لأنّ التّصنيع هو "تغيير فى تركيب الهيكل الاقتصادىّ للدّول, ومؤشّر الى نسبة الزّيادة فى الدّخل القومىّ النّاشئة عن القطّاع الصّناعيّ, أي أنّ النّمو الصّناعيّ وزيادة عدد المصانع ليس فى حدّ ذاتها هو المقصود بالتّصنيع, فنجاح التّصنيع لا بدّ أن يواكبه زيادة فى نسبة ما يضيفه هذا القطّاع لمجموع الدّخل القومي"(7)، فعمد النّاس إلى أن يقيّموا تلك النّتائج، التي يؤدّي إليها تحقّق عمليّة التّصنيع، حيث قصدوا أن ينوّهوا بأهمّيّة الزّيادة، التي ينجزها ذلك التّصنيع في مستوى الدّخل القوميّ، إذ يسهم الأفراد الذين ينجزون المنتجات الصّناعيّة، في تحقيق زيادة ذلك الدّخل في تلك البلدان،  التي يتبّع فيها نهج التّصنيع المتطوّر، إلّا أنّ المنافع التي تنجم عن تحقّق عمليّة ذلك التّصنيع، لا تقتصر على تلك المنفعة التي تعود من عمليّة التّصنيع المنجزة على ذلك الدّخل القوميّ، لأنّ التّصنيع هو "عمليّة تحوّل اجتماعيّ يشمل التّطوّر الاقتصاديّ والاجتماعيّ والثّقافيّ، والتّصنيع يلزمه المزيد من التّخصّص فى اقتصاديّات الإنتاج بحيث يتماشى مع متطلّبات الأسواق العالميّة والمحلّيّة، وزيادة نسبة ما يضيفه الإنتاج الصّناعىّ لمجموع الدّخل القوميّ.... وانتشار الأسلوب الصّناعىّ إلى باقي الأنشطة الاقتصاديّة يعتبر تحوّلاً اجتماعيّاً كبيراً نحو المجتمع الحضريّ ممّا يوضح العديد من التّغيّرات الاجتماعيّة والبيئيّة والاقتصاديّة المصاحبة للتّصنيع, ممّا يؤكّد التّغيّرات الجذريّة المصاحبة له"(8)، فكلّما توثّقت تلك الوشائج التي تجمع بين التّصنيع وأهداف التّنمية، يتيسّر للنّاس أن تقتنع بأهمّيّة تلك المكانة التي تحلّ بها عمليّة التّصنيع، بين تلك المناشط التي تجري في المجتمع.

ما برحت تتأكّد رجاحة تلك الفكرة التي صوّر فيها النّاس، انتشار تلك المنافع التي تستخلص من إنجازهم عمليّة التّصنيع في المجتمعات التي ينضوون إليها، فإن شئنا أن نتبيّن تلك المكاسب التي ما فتئ الأفراد في مجتمعات شتّى في هذا العالم، يستخلصونها من تحقّق عمليّة التّنمية، فإنّ "الأمر هنا لا يتعلّق بالدّخل فقط، لأنّ النّشاطات الاستخراجيّة أو الزّراعيّة أو السّياحيّة قد تعطي دخولاً مرتفعة أيضاً، وإنّما المقصود تأثير عمليّة التّصنيع في مجمل البنية الاجتماعيّة. إنّ ارتفاع الدّخل يؤدّي إلى ارتفاع في مستوى الاستهلاك، لكنّ مفهوم مستوى المعيشة لا يقتصر على مستوى الاستهلاك فقط وإنّما يتعدّاه إلى مجمل ظروف الحياة، التّعليم، والتّكنولوجيا، أي إنّه يشمل ما يسمّى بتحسين مؤشّر التّنمية البشريّة"(9)، فكي تتّضح حقيقة تلك الرّوابط التي تجمع بين عمليّة التّصنيع وسائر المناشط التي تقام في المجتمعات، يجب النّظر إلى مقدار تلك المنافع التي تعود من تحقّق عمليّة التّصنيع على كلّ الأفراد في المجتمع، وكلّما اتّسع ذلك المدى الذي تبلغه تلك المكاسب التي تجلبها إلى النّاس عمليّة التّصنيع، ترسخ مكانة ذلك النّشاط التّصنيعيّ الإنتاجيّ بين تلك الرّكائز، التي تنهض عليها عمليّة التّنمية، التي تعمد شعوب العالم إلى أن تحقّقها في البلدان التي تنضوي إليها.

1- موقع العلوم الإداريّة والاقتصاديّة.

2- موسوعة المعرفة.

3- المصدر السّابق.

4- موقع المصطلحات الاجتماعيّة والاقتصاديّة.

5- الموسوعة العربيّة.

6- المصدر السّابق.

7- موقع العلوم الإداريّة والاقتصاديّة.

8- المصدر السّابق.

        9- الموسوعة العربيّة.



عمد النّاس إلى أن يتّبعوا السّبيل الملائم لتلبية رغائبهم التي كانت يزداد عددها، وتتنوّع أصنافها، كلّما توسّعوا في مزاولة تلك الأنشطة التي تظهر في مجرى الحياة التي يعيشونها، فأدّى انغماس أولئك الأقوام في مزاولة أعمالهم المتنوّعة، إلى أن يعظم مقدار حاجاتهم الملحّة، فلم يجدوا بدّاً من أن يتذّرعوا بالوسائل المناسبة إلى أن يسدّوا بها تلك الحاجات المستحدثة، وغدا تحقيق تلك العبارة التي استعلت ألسنة النّاس، وهي الحاجة أمّ الاختراع، يجري في تلك المساعي التي تصرّف فيها النّاس في سدّ حوائجهم، وإن كان نطاق تلك العبارة لم يتحدّد في نمط معيّن من الأنشطة التي كان يزاولها النّاس، إذ كانت تشمل كلّ تلك الحوائج التي تطلّع الأقوام إلى أن يسدّوها، وقد كان الناس ينتهجون سبل الأنشطة الصّناعيّة المتنوّعة،التي تفضي بهم إلى مجال فسيح من الفرص، التي يتاح لهم فيها أن يحقّقوا تلك الرّغائب التي تنبعث في نفوسهم، فالصّناعة "قامت في الأصل لإشباع حاجات الإنسان وما يفرضه ذلك من تطلّع لمجتمع الوفرة (زيادة الإنتاج وتقليل التّكاليف)"(1)، فسعى أولئك النّاس إلى أن يزيدوا تلك المنتجات الصّناعيّة التي يلبّوا بها حوائجهم، بينما كانوا يسمدون في أن يطوّروا تلك الأدوات التي يستخدمونها، في مزاولتهم أنشطتهم الصّناعيّة.

دأب الأقوام في أن يهيّئوا الوسائل الملائمة لمزاولتهم تلك المهن، التي اندرجت في عداد المنّاشط الصّناعيّة، حتّى أخذت تلك الآلات والأدوات التي كانوا يستخدمونها، تميّز العصور التّاريخيّة التي كانت تظهر فيها تلك الوسائل المستحدثة، التي كانت ترمز إلى أزمنة محدّدة، نسبت إلى تلك الأدوات المتطوّرة التي استخدمها النّاس في تلك العصور التي عاشوا فيها، وسأضرب مثلاً يوضّح شأن تلك المخترعات الحديثة، التي كانت تبرز في الأزمنة التّاريخيّة المتعاقبة، والمثل هو اختراع الآلة البخاريّة في القرن الثّامن عشر، الذي تحقّقت فيه الثّورة الصّناعيّة، فقد كانت تنسب سنوات تلك المرحلة الزّمنيّة إلى تلك الآلة المخترعة، فيوصف ذلك العهد، بأنّه عصر الآلة البخاريّة، وما برحت تتوالى تلك العصور التي تتابع فيها دائماً ظهور المخترعات الجديدة، وعمليّة الإنتاج الصّناعيّ الذي عمد النّاس إلى أن ينجزوها، يعنى فيها أساساً بتحويل "الخامات المعدنيّة والنّباتيّة والحيوانيّة والموادّ الاصطناعيّة إلى بضائع وطاقات ذات قيم استعماليّة تشبع حاجة للإنسان باستخدام الآلات والطّرائق الكيمياويّة المختلفة. وتكون هذه العمليّة منمّطة ومستمرّة وموحّدة في أكثر من دورة إنتاجيّة"(2)، وكانت منظّمات الأمم المتحدة عرفّت الصّناعة  industry: "بأنّها كلّ ما يسهم في تحويل المادة الخامّ إلى منتج"(3)، فيأخذ النّاس في نشاطهم الصّناعيّ في أن يتناولوا تلك الموادّ الأوليّة ويعالجوها ويحوّلوها إلى تلك المنتجات، التي يلبّون بها رغائبهم المتنوّعة المتزايدة.

توسّع الإنسان في تنفيذ تلك العمليّات الإنتاجيّة، التي طوّر فيها الطّرائق، التي كان يتّبعها في استخدام الموادّ الخامّ، إذ أفضت تلك المساعي التي بذلها الناس في تحقيق ذلك التّحكّم في معالجة الموادّ الأوّليّة، إلى أن تنشأ عمليّة إنتاجيّة تضمّنت كلّ الأعمال التي كانواينجزونها، فسواء أكان العمل الإنتاجيّ الذي يزاوله النّاس يدويّاً أم عقليّاً، فإنّ ذلك النّشاط الصّناعيّ الذي كان يتحقّق، اشتمل على كلّ الأعمال التي كان يستخدم فيها الناس الآلات، في سعيهم إلى أن يطوّروا المنتجات التي دأبوا أيضاً في أن يزيدوا كمّيّتها، فالعمل الصّناعيّ يتضمّن "جملة من العمليّات التي يقوم بها جماعة من الصّنّاع لاستخراج أو تحوير موادّ أوّليّة موجودة أو لإنتاج موادّ جديدة بهدف إشباع رغبات الإنسان مستخدمين طرقاً ووسائل متنوّعة، ضمن عمليّة إنتاجية تربط بين عناصر الإنتاج وتجمعها مكانيّاً"(4)، فبدأ يتضمّن ذلك النّشاط الصّناعيّ الذي عمد إلى أن يمارسه النّاس، تطبيق تقنيّات العلوم المتنوّعة التي استند النّاس إليها في تطويرهم ذلك النّشاط الصّناعيّ الذي كانوا يمارسونه.

اقتضى بروز تلك الطّرائق الإنتاجيّة المستحدثة، أن يتوسّع النّاس في استخدام الأدوات والوسائل التي دأبوا في أن يطوّروها أيضاً، فإذا اعتبرت الصّناعة هي محور التّصنيع، إلّا أنّها عدّت أيضاً "مفهوماً أعمّ من التّصنيع إذ تشمل النّشاطات الاستخراجيّة (النّفط، الغاز، خامات المعادن، الفحم والمياه الجوفيّة وغير ذلك) وأمّا التّصنيع فيقتصر على النّشاطات التّحويليّة دون النّشاطات الاستخراجيّة، لذلك فإنّ الدّول التي تمتلك قطاعاً ضخماً من الصّناعة الاستخراجيّة (دول الأوبيك) لا تعتبر دولاً مصنّعة لأنّها تفتقد إلى قطاع الصّناعات التّحويليّة المتطوّرة"(5)، وقد برز مفهوم التّصنيع في العصر الحديث، وهو يعني "بإيجاز عمليّة بناء المصانع على نطاق واسع بحيث يصبح النّشاط الصّناعيّ مسيطراً في بنية الاقتصاد على حساب النّشاطات الاقتصاديّة الأخرى كالزّراعة والتّجارة والخدمات والنّشاطات الاستخراجيّة"(6)، وكانت الصّناعة الاستخراجيّة تسمّى أيضاً بالصّناعة الأوّليّة، وأمّا نشاط الصّناعات التّحويليّة فكانت تسمّى بالصّناعة الثّانويّة، حيث اعتبرت الموادّ المستخرجة هي الأساس والقاعدة اللذان تقوم عليهما تلك الصّناعة التّحويليّة، إذ تسكتشف في عمليّات الصّناعة الاستخراجيّة الخامّات والموادّ الأوّليّة، التي يعمد إلى أن تستخرج لتقدّم تلك المخرجات إلى أنشطة الصّناعات التّحويليّة، فتصبح تلك المواد المستخرجة هي مدخلات تستخدم في تصنيع المنتجات والسّلع التي يستخدمها ويستهلكها النّاس.

تفرّع نشاط الصّناعات التحويلية إلى قسمين اثنين، حيث تصنع في أوّل هذين النّمطين من النّشاط الصّناعيّ، أدوات الإنتاج والطّاقة والمنتوجات الوسيطة التي تسمّى بنصف المصنّعة، بينما تنجز في القسم الثّاني من هذا العمل الصّناعيّ، منتجات وسلع الاستهلاك النّهائيّ، وقد صنّفت السّلع المصنّعة في نوعين اثنين من المنتجات، هما السّلع المصنّعة الثّقيلة والخفيفة، وكانت الفترات الزّمنيّة المختلفة التي يستغرقها النّاس في استهلاك تلك السّلع، أدّت إلى نشوء معيار إضافيّ تصنّف به أيضاً تلك المنتجات، حيث ميّز في تلك المنتجات بين سلع معمّرة وغير معمّرة، ويقصد بالمنتجات المعمّرة هي السّلع التي تستخدم في مدّة زمنيّة طويلة، بينما تكون الفترة الزّمنيّة التي تستهلك فيها السّلع غير المعمّرة قصيرة، بالقياس إلى تلك الفترة الزّمنيّة التي تستهلك فيها المنتجات الأخرى المعمّرة، وتمتاز الصّناعات التّحويليّة بخاصيّة معتبرة، إذ تنتج مقداراً كبيراً من القيمة المضافة، التي تحقّق ارتفاع المستوى الذي يبلغه الدّخل الوطنيّ، وقد أتيح في عصر الثّورة التّكنولوجيّة، للتّقنيّة الصّناعيّة أن تبلغ مرتبة عالية من الإنتاج الواسع المتطوّر، حيث كانت التّكنولوجيا الصّناعيّة تعني أساساً "التّطبيق المنهجيّ للمعارف العلميّة في المهامّ الإنتاجيّة العمليّة، وربطها بما تمخّض عنها من تثوير مستمرّ لأساليب الإنتاج وللاختراعات العلميّة التي تركت أعمق الأثر وأبعده لا على طبيعة الإنتاج والاستهلاك وحسب، بل وعلى مجمل علاقات الإنتاج"(7)، والمستوى التي تبلغه الصّناعات التّحويليّة، يظهر حقيقة ذلك الطّابع الإنتاجيّ الذي تتميّز به عمليّة التّصنيع، الذي كان فضلاً عن تلك القيمة المضافة التي يحقّقها، فإنّه كان يحفز النّاس إلى أن يستخدموا عدداً متزايداً من الأدوات التّكنولوجيّة المتطوّرة، التي تظهر المستويات العالية التي بلغتها الأنشطة المتنوّعة، التي كانت يمارسها الأقوام في أنشطتهم الصناعيّة.

دأبت شعوب دول عديدة في أن تنجز عمليّة التّصنيع المتطوّر، الذي كان يقاس بعدد من "المؤشّرات منها نسبة النّاتج الصّناعيّ إلى الناتج المحلّيّ الإجماليّ، أو نسبة العاملين في القطّاع الصّناعيّ إلى عدد العاملين في الاقتصاد بكلّ قطّاعاته أو عدد العاملين في المجتمع"(8)، ويعني مفهوم التّصنيع Industrialisation  عمليّة تكثيف "الإنتاج بوساطة المكائن، وتجميع العمّال المنتجين في المصانع التي رافقت نشوء الثّورة الصّناعيّة"(9)، وغالباً ما كانت تدأب شعوب الدّول، التي تسلك منهج التّنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة، في أن تعوّل على تحقّق عمليّة التّصنيع المتطوّرة، لأنّ التّصنيع "أصبح المدخل لزيادة الثّروة القوميّة والرّفاه الاجتماعيّ"(10)، فيتحقّق في عمليّة التّصنيع المنجزة، رفع مستوى جودة المنتوجات الصّناعيّة،وقد أخذ النّاس في العديد من دول هذا العالم، يهيّـؤون تلك الرّكائز التي تقوم عليها عمليّة التّصنيع، كي تتحقّق تلك المنافع التي تعود عليهم، من مزاولتهم عمليّة ذلك النّشاط الصّناعيّ الإنتاجيّ.

1- موقع العلوم الإداريّة والاقتصاديّة.

2- الموسوعة العربيّة، المجلّد السّادس.

3- المصدر السّابق.

4- موقع العلوم الإداريّة والاقتصاديّة.

5- الموسوعة العربيّة، المجلّد السّادس.

6- المصدر السّابق.

7- موسوعة السّياسة.

8- الموسوعة العربيّة، المجلّد السّادس.

9- موقع العلوم الإداريّة والاقتصاديّة.

         10- المصدر السّابق.