توفّرت في العديد من دول هذا العالم الموارد المتنوّعة الغزيرة، التي لم يتمكّن أفراد شعوب تلك البلدان، من أن يستغلّوها في مشاريع اقتصاديّة ناجحة، تعود عليهم بمنافع جمّة، إذ لم يستطع أولئك النّاس التي كانوا يستحوذون على الثّروات الوفيرة المختلفة، أن يستثمروا تلك الموارد في أنشطة إنتاجيّة، تدرّ عليهم أخلاف الرّزق، وكانت توصف تلك البلدان التي تعجز شعوبها عن أن تستثمر الموارد التي كانت ملكة أيمانهم، بأنّها أقطار متخلّفة، ويستدلّ أيضاً على وجود معالم التّخلّف في بلدان شتّى في هذا العالم، بدلائل أخرى متنوّعة، حرص الباحثون على أن يحدّدوها بدقّة، حيث كانت تجبه شعوب تلك الأقطار، عوائق عديدة اعترضت دون أن يمضي هؤلاء النّاس على تحقيق التّطوّر الاقتصاديّ المنشود في بلدانهم، التي وصفت بأنّها متخلّفة، وقد كانت تلك الأقطار تسمّى أيضاً بالدّول النّامية، التي لم يكن يعسر على أفراد الشّعوب فيها، أن يحدّدوا علل ذلك التّخلّف الذي وقعت فيه بلدانهم، وقد استطاع هؤلاء النّاس أيضاً أن يقفوا على أسباب تعثّرهم في تحقيق ذلك التّطوّر في مزاولة النّشاط الاقتصاديّ، وقد حدّدت معنى عبارة الدّول النّامية Underdeveloped Countires، إذ ذكر أنّ تلك الدّول "تسمّى كذلك من باب المجاملة الدّوليّة ولكنّ المصطلح يشير إلى أنّها الدّول المتخلّفة، وهي الدّول التي يقلّ فيها التّطوّر الصّناعيّ والزّراعيّ والتّعليميّ ومستوى المعيشة والدّيمقراطيّة لأقصى حدّ، وهي الدّول التي تعتمد على الاستيراد من الخارج لتأمين معيشتها والوفاء باحتياجاتها، وتحتاج لنهضة صناعيّة وحضاريّة وتعليميّة لكي تصل لمستوى معقول من الحضارة وتوجد مؤشّرات على أنّ 65% من الدّول في عالم اليوم هي دول نامية."(1).

تعدّدت الدّلائل التي يستهدى بها إلى الوقوف على مظاهر التّخلّف في البلدان النّامية، التي كانت تفتقد تلك الأنشطة الإنتاجيّة الصّناعيّة المتطوّرة، وبخاصّة أنشطة الصّناعات التّحويليّة، وكانت شعوب تلك الأقطار النّامية، لا تمضي على أن تتوسّع في استخدام الأدوات والأجهزة التّكنولوجيّة المتطوّرة، في مزاولة الأنشطة الصّناعيّة والزّراعيّة والخدميّة، إذ لا يتمكّن الأفراد الذين يرغبون في تطوير المنتجات الصّناعيّة التي يقدّمونها إلى المستهلكين، من أن يستغنوا عن استخدام الوسائل التّكنولوجيّة المتطوّرة في تلك الأنشطة الصّناعيّة التي يزاولونها، ويقلّ في تلك الدّول النّامية مستوى الدّخل الفرديّ، ويستتبع استشراء تلك الحالة من قلّة نصيب الفرد من الدّخل، تردّي وانخفاض مستوى معيشة النّاس، وتتّسع أيضاً في تلك البلدان الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وقد أحاط النّاس في تلك الدّول بعوامل نشوء حالة ذلك التّخلّف في بلدانهم النّامية، فسعوا إلى أن يطوّروا عمليّة التّصنيع الذي اعتبر أنّه "أساس عمليّة التّنمية الاقتصاديّة"(2)، وقد ذهب عدد من الباحثين الاقتصاديّين إلى أن يعتقد أنّ "تطوير وسائل الإنتاج، ولاسيّما صناعة الآلات والمكائن، هو جوهر التّصنيع"(3)، وإذا كان برز مصطلح التّنمية الاقتصاديّة في نطاق المفاهيم الاقتصاديّة، فإنّ تنوّع تلك الأنشطة الإنتاجيّة الصّناعيّة المنجزة، اقتضى التّمييز بينالنّمو الاقتصاديّ economic growth، والتّنمية الاقتصاديّة economic development، إذ كان هذان المصطلحان "بالرّغم من كونهما مترادفين يستخدمان للدّلالة على معنى محدّد في بعض الأحيان، وكلاهما يتضمّن تغييراً في الظّاهرة نحو الأفضل، لكنّ ثمّة فارق من جهة، وثمّة تشابه بينهما من جهة أخرى، ويطلق بعض الاقتصاديّين تسمية النّمو الاقتصاديّ على تحليل تطوّر الاقتصادات في الدّول المتقدّمة، أمّا التّنمية الاقتصادية فهي متعلّقة باقتصادات الدّول النّامية"(4)، وقد أتاحت عمليّة ذلك التّمييز الذي أجريت، الإحاطة بتلك المراحل المختلفة التي تبلغها دول العالم في مضيّها في نهج التّطوّر في إنتاجها الصّناعيّ الذي تنجزه.

لم يكن يتعذّر على من يطالع هذين المصطلحين اللذين ذكرتهما آنفاً، أن يتبيّن تلك الفوارق التي ميّزت بينهما، حيث كان "يمكن التّمييز بين التّنمية الاقتصاديّة والنّمو الاقتصاديّ من خلال افتراض أنّ للتّنمية الاقتصاديّة متطلّبات واسعة المدى وصعبة التّحقيق، في حين أنّ عمليّة النّمو الاقتصاديّ هي عمليّة ذات مدى أضيق وأسهل في التّحقيق"(5)، وإذا تيسّر الوقوف على تلك الفوارق التي تميّز بين هاتين العمليّتين الجاريتين في ميدان النّشاط الاقتصاديّ، فإنّه بات يتسنّى التّمييز بيسر بين "نمو اقتصاديّ ترادفه تنمية اقتصاديّة وبين نمو بلا تنمية growth without development"(6)، وقد كانت تتّسم كلّ من هاتين الحالتين من النّشاط الاقتصاديّ، بخصائص تتميّز بها عن العمليّة الاقتصاديّة الأخرى، إذ كان "النّمو الاقتصاديّ لا يطلق عليه حكم الزّيادة إلّا إذا تحقّق فيه شرط الاستمرار، كأن نستثني مثلاً إعانة حكوميّة ما مقدّمة لدولة فقيرة من حسابات النُّمو، ففي تلك المدّة يكون هناك زيادة في الدّخل الكلّيّ، ولكنّها مؤقتة"(7)، وإذا كان يشترط أن تدوم تلك الزّيادة في الدّخل فترة مديدة، كي يتثبّت نشوء ذلك النّمو الاقتصاديّ، فإنّ تحقّق ذلك الشّرط أدّى أيضاً إلى حدوث ثمار عديدة، لم ينفرد النّشاط الاقتصاديّ بأن يستأثر بها، فإذا تحقّقت "قدرة الاقتصاد في زيادة إنتاج سلع وخدمات ذات صفة استمراريّة، يرى بعضهم أنّ ظاهرة الزيادة المستمرّة في النّاتج لا بدّ وأن تصاحبها مجموعة من التّغييرات النّوعيّة والكمّيّة في البنى المختلفة للاقتصاد والمجتمع"(8)، وقد أثبت أيضاً الاقتصاديّ الأمريكيّ كوزنتس Kuznets رجحان تلك الأفكار، التي سيقت في الحديث عن تلك الثّمار التي تتمخّض بها عمليّة النّمو الاقتصاديّ، الذي رأى أنّه "عمليّة تضمّن إحداث زيادة مستمرّة في إنتاج الثّروات المادّيّة"(9).

إنّ تلك الزّيادة المستمرّة في إنتاج تلك الثّمار، التي تتمخّض بها عمليّة النُّمو الاقتصاديّ، لم تكن لتنجز لو لم يتحقّق التّركيز "على التّغيير في الكم الذي يحصل عليه الفرد من السّلع والخدمات في المتوسّط، دون أن يهتمّ بهيكل توزيع الدّخل الحقيقيّ بين الأفراد، أو بنوعيّة السّلع والخدمات المقدّمة"(10)، وقد اتّضح ذلك الأمد الذي رؤي أنّه يجب أن يستمرّ فيه تحقّق ذلك النّمــو الاقتصاديّ، الذي عدّ أنّه "عبارة عن عمليّة يتمّ فيها زيادة الدّخل الحقيقيّ زيادة تراكميّة وسريعة ومستمرّة عبر فترة ممتدّة من الزّمن (ربع قرن)، بحيث تكون هذه الزّيادة أكبر من معدّل نمو السّكّان مع توفير الخدمات الإنتاجيّة والاجتماعيّة وحماية الموارد المتجدّدة من التّلوّث والحفاظ عليها، وتوفير أسباب حمايتها من الفناء والتّلـف"(11)، وإذا حدّدت تلك الخصائص التي تتّسم بها حالة ذلك النّمو الاقتصاديّ، فإنّ تلك التّنميّة الاقتصاديّة التي اعتقد أنّها تتميّز عن عمليّة ذلك النّمو، عبّر تحقّقها عن "تغيير هيكليّ في توزيع الدّخل والإنتاج، وتهتمّ بنوعيّة السّلع والخدمات المقدّمة للأفراد، أي إنّها لا ترتكز على الكم فقط، بل تتعداه إلى النّوع، وبصفة عامّة تعرّف التّنمية بأنّها العمليّة التي تسمح أو يتمّ من خلالها زيادة في الإنتاج"(12)، فعمليّة التّنمية الاقتصاديّة تضمّنت "تحقيق معدّل نمو مرتفع لمتوسّط دخل الفـرد الحقيقيّ خلال فترة ممتدّة من الزّمن 3 عقود مثلاً على ألا يصاحب ذلك تدهور في توزيع الدّخل أو زيادة في مستوى الفقر في المجتمع"(13).

تحدّدت في الأبحاث الاقتصاديّة المنجزة، مستوى الزّيادة في الدّخل القوميّ التي يقتضي أن تتحقّق كي تدوم حالة تلك التّنمية الاقتصاديّة، التي اعتقد أنّها تعني قدرة الاقتصاد القوميّ "على توليد واستدامة الزّيادة السّنويّة في النّاتج القوميّ الإجماليّبنسبة تتراوح بين 5% إلى 7%  أو أكثر، وبمعدّل نمو نصيب الفرد من الدّخل أو النّاتـج المحـلّيّ الإجماليّ، إضافة إلى قدرة الـــدّولة علـى توسيع إنتاجها بمعـدّلات أسرع من معدّل النّموّ السّكانيّ كمؤشّر على التّنمية، وهذه العمليّة التّنمويّة تنطوي على تغيير مخطّط لبنية الإنتاج والعمالة، تنخفـــض معــــه مساهمـة الزّراعة كقطّاع تقليديّ، بينما تزداد فيه مساهمة الصّناعة وقطّاع الخدمات، وبالتّالي تُركِّز التنمية الاقتصـادية بهذا المفهوم على عمليّة تسريع التّصنيع، وأحياناً تستخدم مؤشّرات غير اقتصاديّة بدرجة ثانويّة؛ لتوظيف منافع عمليّة التّنمية الاقتصاديّة كمعدّل تعليم الكبار وتحسين الخــدمات الصّحّيّة والإسكـان"(14)، فيقتضي نشوء تلك التّنمية الاقتصاديّة، أن ترتفع مستوى مساهمة النّشاط الصّناعيّ في تحقيق زيادة النّاتج المحلّيّ الإجماليّ، وأن يتوفّر للنّاس اتّساع مجال تلك الفرص التي يتمكّنون فيها من تحقيق رغائبهم المتزايدة، وبلوغ أهدافهم التي يتطلّعون إليها، وأن ينعموا بتلك المكاسب التي يشاركون في أن يحقّقوها في تلك الأنشطة المتنوّعة التي يزاولونها.

1- إسماعيل عبد الفتّاح عبد الكافي، الموسوعة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ص 239، لم يذكر تاريخ النّشر، ولكنّ ذكر تاريخ الانتهاء من إعداد تلك الموسوعة فكان في مارس، 2005.

2- الموسوعة العربيّة، المجلد السّابع، ص 40.

3- المصدر السّابق.

4-الموسوعة العربيّة، المجلّد الحادي والعشرون، ص70.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق.

7- موقع الموسوعة الاقتصاديّة.

8- الموسوعة العربيّة، المجلّد الحادي والعشرون، ص70.

9- المصدر السّابق.

10- موقع الموسوعة الاقتصاديّة.

11- المصدر السّابق.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

 

14- المصدر السّابق.



يحشد النّاس طاقاتهم التي يمتلكونها لإنجاز العديد من مهامّهم وأعمالهم المتنوّعة، فيعوّلون على الاستناد إلى القدرات النّفسيّة التي يحوزونها، ليتيسّر لهم مزاولة أنشطتهم، ويندرج في عداد تلك القدرات التي تشتمل عليها نفوسهم، تمكّن أولئك النّاس من تذكر الأحداث والخبرات التي يستخلصونها من الوقائع التي يمرّون بها، فإن افتقدوا تلك الذّاكرة، فلا ريب في أنّ انتظام مجرى حياة أولئك الأقوام يختلّ آنئذ، فيتعذّر على الإنسان ويشقّ عليه أن يعيش معيشة سويّة قويمة من دون ذاكرة، يعتمد عليها في تناوله تلك المسائل التي تظهر في مجرى حياته، وإن كان شبّه الأرشيف عند المجتمعات، بتلك الذّاكرة التي يمتلكها الأشخاص، فإنّ تلك الحالة التي تنطبق على أوضاع النّاس الذين يعيشون من دون تلك الذّاكرة، تماثل أيضاً أحوال المجتمعات والمؤسّسات والهيئات التي تفتقد ذلك الأرشيف، فيختلّ انتظام مجرى تلك الأنشطة التي تزاول في تلك المؤسّسات والهيئات، إن كانت تفتقد الأجهزة الإداريّة فيها، الموادّ الأرشيفيّة، التي تعدّ ركناً أساسيّاً تقوم عليه تلك الأعمال والمهامّ، التي تتصدّى تلك المؤسّسات لأن تؤدّيها.

تحفظ الوثائق الأرشيفيّة تلك الخبرات المتراكمة عند الأجيال المتعاقبة، وتكتنز المعلومات التي يتناقلها هؤلاء الأشخاص، الذين يتبع بعضهم بعضاً في مجرى هذه الحياة، ويصون الأرشيف تلك القواعد والرّكائز، التي تستند إليها الأنشطة العديدة التي يمارسها الأفراد في المجتمع، والوثائق الأرشيفيّة، هي المظانّ الأمينة، والمراجع المحكمة، التي يعتمد عليها الباحثون والدّارسون في إنجازهم تلك الأبحاث التي تندرج في ميادين العلوم المتنوّعة، فلا محالة من أن تتعثّر مسيرة تلك الأنشطة التي تجري في المجتمعات، إذا غاب عن ميدان تلك المناشط الوثائق الأرشيفيّة، التي تشتمل أيضاً على معالم تلك الأركان الأساسيّة، التي يقوم عليها تراث الأقوام في بلدان العالم، الذي تدأب فيه الجماعات البشريّة، في أن تتعهّد تراثها بعنايتها البالغة، فطالما كان التّراث المشترك عند الأفراد الذين يعمدون إلى الانضواء إلى مجتمع يضمّهم معاً، هو أحد الوشائج المحكمة التي تربطهم ببعضهم البعض، فليس في وسع الشّعوب أن تستغني عن تلك الموادّ الأرشيفيّة، التي يتوجّب على أفراد تلك الشّعوب أن يصونوها ويحافظوا عليها.

تمخّضت الأنشطة التي زاولها النّاس في المدن العربيّة خلال العصور التّاريخيّة القديمة المتعاقبة، عن وثائق كثيرة الأصناف وكبيرة العدد، وإذا استعرضنا أحوال تلك الوثائق والمصير الذي آلت إليه، فلا نكاد نمضي في مسارب تلك العهود الماضية في الزّمن الغابر، حتّى تطالعنا تلك الأحداث التي تؤكّد نزول الأضرار الفادحة بالوثائق العربيّة، إذ كانت البلدان العربيّة عرضة لجحافل الغزاة وكراديس العدى، الذين عمدوا إلى أن ينالوا من معالم الحضارة التي كانت بارزة في المدن العربيّة، وإن اقتصر بحثنا حاليّاً على النّظر في المآل الذي انتهت إليه الوثائق العربيّة في تلك العصور التّاريخيّة القديمة، فإنّ الوثائق التي لم يدرك قيمتها العالية أولئك الغزاة، كان مصيرها التّلف والخراب، حيث عمد هؤلاء الغزاة ذاتهم إلى أن يطيحوا مدمّرين تلك الوثائق، بينما كان مآل سائر الوثائق التي تنبّه الغزاة إلى تلك القيمة الرّفيعة التي تمتاز بها، هو التّعرّض للنّهب والسّرقة، وفي كلتا الحالتين اللتين تحدّثت عنهما، كانت المجتمعات العربيّة تمنى بضياع وفقدان تلك الوثائق الهامّة، ومن يستعرض أنواع الوثائق العربيّة الموجودة خارج الوطن العربيّ، تجبهه مفارقة أليمة، إذ تمتلئ مكتبات ومتاحف العالم بالمقتنيات التي نهبت من المدن العربيّة، خلال تلك العصور السّحيقة الماضية، ويتّضح البون الشّاسع بين كمّيّة الوثائق التي ما زالت موجودة في البلدان العربّية، وتلك الوثائق التي استولت عليها تلك الجحافل الغازية، ونقلتها إلى تلك البلدان التي قدمت منها، حيث يبلغ أعداد تلك الوثائق المنهوبة والمقتنيات المسلوبة الموجودة خارج الوطن العربيّ، مقداراً كبيراً.

ما برح النّاس في البلاد العربيّة يستشعرون بالأسى، لحلول المضارّ والمصائب القاسية بتلك الوثائق العربيّة خلال مراحل التّاريخ الماضية المتتالية، ومن يتأمّل في تلك الأضرار التي أصابت تلك الوثائق، فكان يظنّ أنّه على مقدار فداحة تلك النّكبات التي حاقت بتلك الوثائق، كان يحتّم أن ينشأ عند الأجيال المتتالية في المجتمعات العربيّة، وعي وإدراك كبيران بأهمّيّة تلك الوثائق التي تنجم عن تلك الأنشطة التي تمارس في المجتمعات، وعلى قدر شدّة تلك المخاطر، التي ما برحت تحيط بتلك الموادّ الأرشيفيّة في المجتمعات العربيّة منذ الأزمنة الغابرة، كان يفترض أيضاً أن تكون الهمم عند النّاس عالية، بصيانة تلك الوثائق التي أتيح للمجتمعات العربيّة أن تحتفظ بها، إذ كان يتوّجب أن يصمّم هؤلاء الأقوام على أن يكلؤوا تلك الوثائق، متّبعين الطّرائق التي تنصّ عليها قواعد الأرشفة القويمة، وإذا كانت النّتيجة التي كان يؤمل أن يفضي إليها الحديث عن تلك المضارّ، التي حلّت بالوثائق الأرشيفيّة العربيّة، هو نمو الوعي بأهمّيّة صيانة وحفظ الوثائق الموجودة في المدن العربّية، إلّا أنّ تلك النّتيجة التي كان يرجى أن تتحقّق، تكاد أن تكون غائبة في ذلك الميدان الذي توجد فيه تلك الموادّ الأرشيفيّة، التي لم يتوفّر لها أسباب العناية، إذ كانت عرضة للإهمال، على الرّغم من أنّها كانت تتّسم تلك الوثائق بمزايا عديدة، وإن كان دلّ على غياب ذلك الوعي عند النّاس بأهمّيّة الأعمال الأرشيفيّة، ذلك التّقصير في إنجاز الأعمال والمساعي، التي كان يتوجّب أن تتحقّق في ميدان الأرشفة، فإنّه يدلّ أيضاً على افتقاد أولئك الأقوام ذلك الوعي، النّقصُ الشّديدُ في أعداد الدّراسات والأبحاث النّظريّة، التي تنضوي إلى المؤلّفات التي تعرض القواعد التي يقوم عليها علم الأرشفة.

غابت عن مجموعة المؤلّفات التي عرضت على النّاس في المدن العربيّة، تلك الكتب المخصّصة لتوضيح الأنشطة التي تندرج في ميدان العمل الأرشيفيّ، وقد ظلّ ذلك الغياب مستمرّاً إلى وقت قريب، وتحديداً حتّى عام 1986، إذ نشرت الباحثة سلوى عليّ ميلاد في ذلك العام، كتابها الذي تحدثت فيه عن علم الأرشيف، ومسائله المتنوّعة، وهي كانت مهّدت لتقديم كتابها، في الحديث عنه في مقدّمة ذلك المؤلّف الذي وضعته، حيث قالت: "لعلّ من أهمّ أسباب إصدار هذا الكتاب، هو رغبتي في سدّ العجز الموجود في المكتبة العربيّة في موضوع الأرشيف؛ فلا يوجد كتاب واحد باللّغة العربيّة في علم الأرشيف. فرأيت أن أجمع قراءاتي من الكتب الأوروبيّة عن ماهيّة الأرشيف وإدارته لإخراج هذا الكتاب جامعاً مانعاً بحيث يحتوي على كلّ ما يخصّ الأرشيف، وحرصت جاهدة على أن لا يترك جزءاً في فروع الأرشيف الهامّة لا يتناوله. حتّى يكون أوّل الكتب العربيّة وفاتحة خير في هذه المادّة، وحتّى يكون عوناً في طرق التّنظيم خاصّة وأنّ الدّولة تحرص في الوقت الحاليّ على رفع أداء الأرشيف وتحسين كفاءته فيكون الكتاب مطابقاً لمقتضى الحال والمتطلّبات العصريّة"(1)، وأعتقد أنّ الكلام الذي أفصحت عنه تلك الباحثة في مستهلّ كتابها، يظهر حاجة النّاس الملحّة في المجتمعات العربيّة، إلى إدراك المسائل العديدة التي تندرج في مجال علم الأرشفة، ولا ريبّ في أنّ توضيح تلك المبادئ التي تقوم عليها عمليّة الأرشفة، تمهّد السّبيل لأن ينمو عند الأفراد الوعي بأهمّيّة تحقيق عمليّة حفظ وصيانة الوثائق، لأنّ يتوجّب أن يستتبع إدراك النّاس الخصائص الهامّة التي تتّسم بها الوثيقة، أن يحيطوا بتلك الطّرق التي تصان بها تلك الموادّ الأرشيفيّة، كي لا تتعرّض للتّلف الذي يفضي إلى ضياع وفقدان تلك الوثائق، التي بات وجودها يحقّق انتظام مجرى تلك الأنشطة التي يزاولها النّاس، فعمليّة الأرشفة تحلّ بمكانة عالية بين تلك المهامّ العديدة، التي تحرص الشّعوب على أن تنجزها بكفاءة عالية.

 

1- سلوى عليّ ميلاد، الأرشيف ماهيّته وإداراته، دار الثّقافة للنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1986، ص. ح.



يحشد النّاس طاقاتهم التي يمتلكونها لإنجاز العديد من مهامّهم وأعمالهم المتنوّعة، فيعوّلون على الاستناد إلى القدرات النّفسيّة التي يحوزونها، ليتيسّر لهم مزاولة أنشطتهم، ويندرج في عداد تلك القدرات التي تشتمل عليها نفوسهم، تمكّن أولئك النّاس من تذكر الأحداث والخبرات التي يستخلصونها من الوقائع التي يمرّون بها، فإن افتقدوا تلك الذّاكرة، فلا ريب في أنّ انتظام مجرى حياة أولئك الأقوام يختلّ آنئذ، فيتعذّر على الإنسان ويشقّ عليه أن يعيش معيشة سويّة قويمة من دون ذاكرة، يعتمد عليها في تناوله تلك المسائل التي تظهر في مجرى حياته، وإن كان شبّه الأرشيف عند المجتمعات، بتلك الذّاكرة التي يمتلكها الأشخاص، فإنّ تلك الحالة التي تنطبق على أوضاع النّاس الذين يعيشون من دون تلك الذّاكرة، تماثل أيضاً أحوال المجتمعات والمؤسّسات والهيئات التي تفتقد ذلك الأرشيف، فيختلّ انتظام مجرى تلك الأنشطة التي تزاول في تلك المؤسّسات والهيئات، إن كانت تفتقد الأجهزة الإداريّة فيها، الموادّ الأرشيفيّة، التي تعدّ ركناً أساسيّاً تقوم عليه تلك الأعمال والمهامّ، التي تتصدّى تلك المؤسّسات لأن تؤدّيها.

تحفظ الوثائق الأرشيفيّة تلك الخبرات المتراكمة عند الأجيال المتعاقبة، وتكتنز المعلومات التي يتناقلها هؤلاء الأشخاص، الذين يتبع بعضهم بعضاً في مجرى هذه الحياة، ويصون الأرشيف تلك القواعد والرّكائز، التي تستند إليها الأنشطة العديدة التي يمارسها الأفراد في المجتمع، والوثائق الأرشيفيّة، هي المظانّ الأمينة، والمراجع المحكمة، التي يعتمد عليها الباحثون والدّارسون في إنجازهم تلك الأبحاث التي تندرج في ميادين العلوم المتنوّعة، فلا محالة من أن تتعثّر مسيرة تلك الأنشطة التي تجري في المجتمعات، إذا غاب عن ميدان تلك المناشط الوثائق الأرشيفيّة، التي تشتمل أيضاً على معالم تلك الأركان الأساسيّة، التي يقوم عليها تراث الأقوام في بلدان العالم، الذي تدأب فيه الجماعات البشريّة، في أن تتعهّد تراثها بعنايتها البالغة، فطالما كان التّراث المشترك عند الأفراد الذين يعمدون إلى الانضواء إلى مجتمع يضمّهم معاً، هو أحد الوشائج المحكمة التي تربطهم ببعضهم البعض، فليس في وسع الشّعوب أن تستغني عن تلك الموادّ الأرشيفيّة، التي يتوجّب على أفراد تلك الشّعوب أن يصونوها ويحافظوا عليها.

تمخّضت الأنشطة التي زاولها النّاس في المدن العربيّة خلال العصور التّاريخيّة القديمة المتعاقبة، عن وثائق كثيرة الأصناف وكبيرة العدد، وإذا استعرضنا أحوال تلك الوثائق والمصير الذي آلت إليه، فلا نكاد نمضي في مسارب تلك العهود الماضية في الزّمن الغابر، حتّى تطالعنا تلك الأحداث التي تؤكّد نزول الأضرار الفادحة بالوثائق العربيّة، إذ كانت البلدان العربيّة عرضة لجحافل الغزاة وكراديس العدى، الذين عمدوا إلى أن ينالوا من معالم الحضارة التي كانت بارزة في المدن العربيّة، وإن اقتصر بحثنا حاليّاً على النّظر في المآل الذي انتهت إليه الوثائق العربيّة في تلك العصور التّاريخيّة القديمة، فإنّ الوثائق التي لم يدرك قيمتها العالية أولئك الغزاة، كان مصيرها التّلف والخراب، حيث عمد هؤلاء الغزاة ذاتهم إلى أن يطيحوا مدمّرين تلك الوثائق، بينما كان مآل سائر الوثائق التي تنبّه الغزاة إلى تلك القيمة الرّفيعة التي تمتاز بها، هو التّعرّض للنّهب والسّرقة، وفي كلتا الحالتين اللتين تحدّثت عنهما، كانت المجتمعات العربيّة تمنى بضياع وفقدان تلك الوثائق الهامّة، ومن يستعرض أنواع الوثائق العربيّة الموجودة خارج الوطن العربيّ، تجبهه مفارقة أليمة، إذ تمتلئ مكتبات ومتاحف العالم بالمقتنيات التي نهبت من المدن العربيّة، خلال تلك العصور السّحيقة الماضية، ويتّضح البون الشّاسع بين كمّيّة الوثائق التي ما زالت موجودة في البلدان العربّية، وتلك الوثائق التي استولت عليها تلك الجحافل الغازية، ونقلتها إلى تلك البلدان التي قدمت منها، حيث يبلغ أعداد تلك الوثائق المنهوبة والمقتنيات المسلوبة الموجودة خارج الوطن العربيّ، مقداراً كبيراً.

ما برح النّاس في البلاد العربيّة يستشعرون بالأسى، لحلول المضارّ والمصائب القاسية بتلك الوثائق العربيّة خلال مراحل التّاريخ الماضية المتتالية، ومن يتأمّل في تلك الأضرار التي أصابت تلك الوثائق، فكان يظنّ أنّه على مقدار فداحة تلك النّكبات التي حاقت بتلك الوثائق، كان يحتّم أن ينشأ عند الأجيال المتتالية في المجتمعات العربيّة، وعي وإدراك كبيران بأهمّيّة تلك الوثائق التي تنجم عن تلك الأنشطة التي تمارس في المجتمعات، وعلى قدر شدّة تلك المخاطر، التي ما برحت تحيط بتلك الموادّ الأرشيفيّة في المجتمعات العربيّة منذ الأزمنة الغابرة، كان يفترض أيضاً أن تكون الهمم عند النّاس عالية، بصيانة تلك الوثائق التي أتيح للمجتمعات العربيّة أن تحتفظ بها، إذ كان يتوّجب أن يصمّم هؤلاء الأقوام على أن يكلؤوا تلك الوثائق، متّبعين الطّرائق التي تنصّ عليها قواعد الأرشفة القويمة، وإذا كانت النّتيجة التي كان يؤمل أن يفضي إليها الحديث عن تلك المضارّ، التي حلّت بالوثائق الأرشيفيّة العربيّة، هو نمو الوعي بأهمّيّة صيانة وحفظ الوثائق الموجودة في المدن العربّية، إلّا أنّ تلك النّتيجة التي كان يرجى أن تتحقّق، تكاد أن تكون غائبة في ذلك الميدان الذي توجد فيه تلك الموادّ الأرشيفيّة، التي لم يتوفّر لها أسباب العناية، إذ كانت عرضة للإهمال، على الرّغم من أنّها كانت تتّسم تلك الوثائق بمزايا عديدة، وإن كان دلّ على غياب ذلك الوعي عند النّاس بأهمّيّة الأعمال الأرشيفيّة، ذلك التّقصير في إنجاز الأعمال والمساعي، التي كان يتوجّب أن تتحقّق في ميدان الأرشفة، فإنّه يدلّ أيضاً على افتقاد أولئك الأقوام ذلك الوعي، النّقصُ الشّديدُ في أعداد الدّراسات والأبحاث النّظريّة، التي تنضوي إلى المؤلّفات التي تعرض القواعد التي يقوم عليها علم الأرشفة.

غابت عن مجموعة المؤلّفات التي عرضت على النّاس في المدن العربيّة، تلك الكتب المخصّصة لتوضيح الأنشطة التي تندرج في ميدان العمل الأرشيفيّ، وقد ظلّ ذلك الغياب مستمرّاً إلى وقت قريب، وتحديداً حتّى عام 1986، إذ نشرت الباحثة سلوى عليّ ميلاد في ذلك العام، كتابها الذي تحدثت فيه عن علم الأرشيف، ومسائله المتنوّعة، وهي كانت مهّدت لتقديم كتابها، في الحديث عنه في مقدّمة ذلك المؤلّف الذي وضعته، حيث قالت: "لعلّ من أهمّ أسباب إصدار هذا الكتاب، هو رغبتي في سدّ العجز الموجود في المكتبة العربيّة في موضوع الأرشيف؛ فلا يوجد كتاب واحد باللّغة العربيّة في علم الأرشيف. فرأيت أن أجمع قراءاتي من الكتب الأوروبيّة عن ماهيّة الأرشيف وإدارته لإخراج هذا الكتاب جامعاً مانعاً بحيث يحتوي على كلّ ما يخصّ الأرشيف، وحرصت جاهدة على أن لا يترك جزءاً في فروع الأرشيف الهامّة لا يتناوله. حتّى يكون أوّل الكتب العربيّة وفاتحة خير في هذه المادّة، وحتّى يكون عوناً في طرق التّنظيم خاصّة وأنّ الدّولة تحرص في الوقت الحاليّ على رفع أداء الأرشيف وتحسين كفاءته فيكون الكتاب مطابقاً لمقتضى الحال والمتطلّبات العصريّة"(1)، وأعتقد أنّ الكلام الذي أفصحت عنه تلك الباحثة في مستهلّ كتابها، يظهر حاجة النّاس الملحّة في المجتمعات العربيّة، إلى إدراك المسائل العديدة التي تندرج في مجال علم الأرشفة، ولا ريبّ في أنّ توضيح تلك المبادئ التي تقوم عليها عمليّة الأرشفة، تمهّد السّبيل لأن ينمو عند الأفراد الوعي بأهمّيّة تحقيق عمليّة حفظ وصيانة الوثائق، لأنّ يتوجّب أن يستتبع إدراك النّاس الخصائص الهامّة التي تتّسم بها الوثيقة، أن يحيطوا بتلك الطّرق التي تصان بها تلك الموادّ الأرشيفيّة، كي لا تتعرّض للتّلف الذي يفضي إلى ضياع وفقدان تلك الوثائق، التي بات وجودها يحقّق انتظام مجرى تلك الأنشطة التي يزاولها النّاس، فعمليّة الأرشفة تحلّ بمكانة عالية بين تلك المهامّ العديدة، التي تحرص الشّعوب على أن تنجزها بكفاءة عالية.

 

1- سلوى عليّ ميلاد، الأرشيف ماهيّته وإداراته، دار الثّقافة للنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1986، ص. ح.