يسعى الإنسان دائباً في أن يستخلص الخبرات، من مجموع تلك الأحداث التي تبرز في مجرى الحياة، التي كان يحرص أيضاً على أن يزيد فيها تجاربه، كي يتأتّى له أن يدّخر في نفسه حصيلة كبيرة، من العبر الثّرّة والخبرات الوفيرة التي يتّخذها أهبة عتيدة، لمواصلة خوضه في معترك هذه الحياة، فإن لم يستهد بتلك الخبرات التي تنطوي عليها نفسه، فلا مناص من أن يخبط في عمياء، في سعيه إلى أن يوفّر لنفسه دواعي الطّمأنينة والاستقرار في معيشته، ولا يتأتّى له أن يستحضر في فكره تلك الخبرات التي يدّخرها، لولا استطاعته أن يتذكّر حصيلة تلك التّجارب التي جهد في أن ينمّيها، فالحياة "متعذّرة لولا الذّاكرة. فالاعتياد، والعادة، والتّعلّم، والتّربية، ترتكز عليها. ولكلّ موجود حيّ، حتّى الوحيدات الخليّة، ذاكرة"(1)، ولولا فعاليّة عمليّة التّذكّر التي تجري في نفسه، لما تمكّن ذلك الإنسان من أن يستحضر تلك الخبرات، التي كان يستند إليها، ليهيّئ نفسه للانطلاق إلى أن يعيش الحياة المستقرّة في تلك الأيام القادمة، التي سيمرّ بها، فالذّاكرة هي عمليّة "الاحتفاظ بمعلومات الماضي مع القدرة على تذكّرها أو استخدامها"(2)، وقد تعدّدت التّعاريف التي وضعت في تحديد حقيقة الذّاكرة، إذ "لم يكن يوجد تعريف وحيد للذّاكرة، يمكنه أن يمثّل وجهات النّظر المختلفة حول هذه العمليّة النّفسيّة المعقّدة"(3)، وعلى الرّغم من تلك العوائق التي تحول دون أن يوضع تعريف يتضمّن كلمات جامعة مانعة، يحدّد بها معنى الذّاكرة، إلّا أنّ عدّة علماء اجتهدوا في أن يدلوا بدلوهم في توضيح كنه الذّاكرة، التي ورد في أحد التّعاريف أنّها "القدرة على التّمثّل الانتقائيّ selectievely represent.... للمعلومات التي تميّز بشكل فريد خبرة معيّنة، والاحتفاظ بتلك المعلومات بطريقة منظّمة في بنية الذّاكرة الحالية، وإعادة إنتاج بعض أو كلّ هذه المعلومات في زمن معيّن بالمستقبل، وذلك تحت ظروف أو شروط محدّدة"(4).

تذرّع الإنسان إلى استحضار تلك الخبرات المختزنة في ذهنه، بتلك الذّاكرة، التي توسّع علماء النّفس في أن يحدّدوا أسباب نشوئها، ودواعي نموّها، ولم يكن يقتصر الإنسان في سعيه إلى الاستفادة من التّجارب التي مرّ بها، على أن يركن إلى تلك الذّاكرة، التي عزا بعض علماء النّفس والباحثين أيضاً علّة نشوئها، إلى حدوث عمليّات بيولوجيّة في الجسم، إذ كان الإنسان يعمد أحياناً إلى أن يستحضر إليه تلك الخبرات والمعلومات بوسيلة أخرى، كانت تتخّذ هيئة الأرشيف، الذي كانت تخزّن فيه مجموعة واسعة من المعلومات المتنوّعة، والأرشيف هو مصطلح يطلق "على الوثائق غير الجارية لهيئة أو إدارة أو ديوان، (المحفوظات) والمحفوظة لقيمتها التّاريخيّة الدّائمة، وتسمّى أحياناً الموادّ الأرشيفيّة، أو المحفوظات. وهي مجموعة وثائق تسلّمتها أو وضعتها شخصيّة معنويّة أو مادّيّة عامّة أو خاصّة ومقدّراً لها بطبيعتها أن تحفظ بواسطة هذا الشّخص نفسه أو الهيئة، على أن تكون قد أحسن تنظيمها، وتطلق أيضاً على الإدارة _ ذاتها _ المسؤولة عن انتقاء (اختيار) وحفظ وتسهيل تداول الوثائق (الموادّ الأرشيفيّة) وتسمّى كذلك دار الأرشيف أو دار الوثائق أو دار المحفوظات، كما تطلق على المبنى أو جزء من المبنى الذي تحفظ فيه الوثائق وتطلق على مخزن الأرشيف (المستودع)"(5)،وقد تحدّرت كلمة أرشيف من اللّغة الأغريقيّة القديمة Archeion،  وهي تعنـي المبنى الإداريّ، أو المقرّ الذي يقيم فيه القاضي، وهي في اللّغة الفرنسيّة Archives، وفي اللّغة الانكليزيّة archives، وقد أطلقت هذه الكلمة أيضاً على "الوثائق المتجمّعة والمتخلّفة عن ممارسة وظيفة معيّنة"(6)، فوضع مصطلح الأرشيف ليعني المقرّ بالإضافة إلى الوثائق التي يحتويها، بيد أنّ شيلنبرج عمد إلى أن يميّز بين ذلك المقرّ، وبين الموادّ الأرشيفيّة التي يضمّها،  فقرّر أن يخصّ كلّاً منهما بمصطلح يختلف عن ذلك الاسم الذي يطلق على المفهوم الآخر، ففرّق شيلنبرج "بين المكان ومحتوياته، بأن استعمل لفظة "archival Instiutien" ( المؤسّسة الأرشيفيّة ) ليطلقه على المكان الذي تحفظ فيه الوثائق، ولفظ Archives، أطلقه على الموادّ التي تحفظ داخل هذا المكان"(7).

اندرج الأرشيف في مجموع تلك المصادر، التي تختزن المعلومات والخبرات، التي يحرص النّاس على أن يطّلعوا عليها، فاتّضحت أهمّيّة ذلك الأرشيف جليّة في مجرى حياة الإنسان الفرد، ولم يكن يختلف شأن الشّعوب والأمم أيضاً، في احتياجها إلى وجود ذلك الأرشيف، عن حالة ذلك الفرد الذي كان يعمد إلى أن يستخدم ذلك الأرشيف، الذي اعتبر أيضاًأنّه "الوثائق المختلفة التي تهمّ الدّولة أو إحدى الهيئات أو أحد الأفراد"(8)، وإن تعدّدت تلك التّعاريف التي وضعت لتبيين حقيقة الأرشيف، فلأنّ كلّ باحث وعالم تصدّى لأن يوضح حقيقة عمليّة الأرشفة، رغب في أن يحدّد بدقّة تلك المضامين التي يحتويها مصطلح الأرشيف، الذي رأى شارل سارمان أن يضع تعريفاً يفصح فيه عن حقيقته، إذ عدّه أنّه "كلّ الأوراق والوثائق المكتوبة النّاتجة عن نشاط جماعيّ أو فرديّ، بشرط أن تكون قد نظّمت ليسهل الرّجوع إليها عند الحاجة إليها في البحث، وبشرط أن يكون قد أحسن حفظها في داخل منظّمة واحدة"(9).

إنّ أبناء الأمم في المجتمعات كافّة، إذا رغبوا في أن يتهيّؤوا لأن يضعوا الخطط، التي تمهّد لهم تحقّق أسباب النّجاح في تلك الأعمال، التي يقصدون إلى أن ينجزوها في الأيام القادمة من حياتهم، فلا بدّ لهم من أن يستندوا إلى تلك الخبرات التي تختزن في ذلك الأرشيف، الذي كانت تنظّم فيه وترتّب تلك المعلومات والمعارف، التي استخلصت من تلك المناشط التي كان يزاولها النّاس في تلك المجتمعات، وقد تضمّنت التّعاريف التي وضعت للأرشيف، الحديث عن الوثيقة التي كانت بمثابة الموادّ التي تعالج في عمليّة الأرشفة،وتتجلّى في الوثائق، طبيعة تلك المواضيع التي انبنت عليها تلك الموادّ المحفوظة، والوثائق الأرشيفيّة هي "عبارة عن الوثائق بأشكالها المتنوّعة (وثيقة مفردة _ دوسيه _ وحدة أرشيفيّة) والتي يراد بها _ بمقتضى طبيعتها _ أن تكون محفوظة بحيث تكون دليلاً يستدلّ به في أعمال الإدارة التي أصدرتها أو أن تكون مصدراً للمعلومات للإدارة أو للموظّف التي تسلّمها وقام بترتيبها. وهي الوثائق التي ستحفظ حفظاً نهائيّاً لتستعمل في البحث التّاريخيّ"(10)، وكانت التّعاريف التي وضعها الباحثون لتفسير مفهوم الوثيقة، تتوالى لتحيط بكلّ المعاني التي يشتمل عليها مصطلح الوثيقة، التي اعتبرت أنّها "مكتوب يحوي معلومة، بصرف النّظر عن طريقة أو خصائص التّسجيل أو القيد. والوثيقة القانونيّة (الدّبلوماتيقيّة) هي مكتوب كدليل قانونيّ يحوي فعلاً أو تصرّفاً قانونيّاً صادراً بإرادة المتصرّف أو المتصرّفين"(11)، وتتنوّع أشكال الوثائق وأنماطها بحسب المواضيع الذي تقوم عليه تلك الوثائق، فتوجد الوثائق الأرشيفيّة السّمعيّة والبصريّة، والدّيوانيّة، والجغرافيّة، والوثائق الخاصّة، والوثائق العامّة، والوثيقة بمفهومها العام والتي يقابلها بالإنكليزية كلمة Document، هي إحدى مصادر المعلومات، وإن كانت تتّخذ أشكالاً عديدة، فلأنّها كانت تستخلص في الأساس من الأنشطة المختلفة التي كان يزاولها النّاس.

يحرص الأشخاص الذين يتولّون تنفيذ عمليّة الأرشفة، على أن يتّبعوا الطّرائق التي تنتظم في منهج علميّ راسخ، فاتّسمت عمليّة الأرشفة بخصائص ذلك النّشاط العلميّ، الذي يجري وفق قواعد محدّدة، وقد اهتمّ العديد من الدّارسين بأن يتلّقوا ويدرسوا المبادئ التي يقوم عليها علم الأرشفة، فتوخّى أولئك الدّارسون أن يتوغّلوا في مباحث ذلك العلم، ويتلّقوا القواعد التي انبنى عليها، ويغوصوا على المضامين التي تحتويها عمليّة الأرشفة، وقد أخذت الجامعات في العالم، تخصّص لعلم الأرشفة، كليّات يلقّن فيها الطّلبة أصول ومبادئ ذلك العلم، وكان الباحثون والمؤرّخون يعتمدون على الوثائق في دراساتهم، التي تطرّقوا فيها إلى البحث في شؤون عصور التّاريخ كلّها، فالوثائق هي إحدى الرّكائز الرّئيسيّة التي تقوم عليها البحوث التّاريخيّة، والوثيقة توصف غالباً بأنّها ذلك الوعاء الذي يحتوي المعلومات التي اكتنزت وتراكمت فيه، وينضمّ مجموع تلك الوثائق المحفوظة إلى حصيلة المعارف، التي تندرج في عداد تلك الذّخائر التي تصونها الشّعوب، وتجري عمليّة التّوثيق ذاتها، بحصر وجمع كلّ تلك المعلومات التي تفصح عنها تلك الوثائق، التي تنظّم وترتّب في طرائق تمهّد السّبيل للباحثين إلى أن يطّلعوا ويعاينوا تلك الموادّ المحفوظة، وتندرج في عمليّة الأرشفة، مهمّة صيانة تلك الوثائق، التي تجري وفق طرائق، توسّع الباحثون في أن ينظّموها بدقّة، وقد انتشر مثل سائر يبيّن أهمّيّة عمليّة التّوثيق، في حياة الشّعوب، فذكر أنّ "موت راوٍ إفريقي للحكايات الشّعبيّة يعني أنّ مكتبة قد احترقت"، وقد أصبحت تلك العبارة مثلاً يبيّن أهمّيّة عمليّة التّوثيق، وكان النّاس يتناقلون هذه العبارة فيما بينهم، كي يحفزوا بعضهم بعضاً إلى أن يبذلوا جهودهم في جمع الوثائق، التي يتوجّب عليهم أيضاً أن يعكفوا على أن يصونوها، ويردّوا عنها دواعي التّلف والضّياع.

لا يعسر على من يستعرض تلك المراحل التي تمرّ بها عمليّة الأرشفة، أن يتيقّن بنشوء ذلك التّماثل بينها وبين تلك الخطوات، التي تمضي عليها عمليّة التّذكّر، الذي يستحضر به الأفراد المعلومات التي يدّخرونها في أذهانهم، وقد ذاعت بين النّاس تلك العبارات، التي تبيّن ذلك التّماثل الحاصل بين الأرشيف والذّاكرة، ولم يكن النّاس يشبّهون الأرشيف بالذّاكرة اعتباطاً، ولم يذكروا السّمات المشتركة بين عمليتي الأرشفة والتّذكّر عبثاً، فلأن التّشابه بين الأرشيف والذّاكرة جليّ وبيّن، حتّى اعتبر أنّ الأرشيف هو ذاكرة الشّعوب، فعمليّة إدارة الأرشيف "تقوم بتوجيه برنامج الأرشيف وتخطيطه وتشمل الوظائف التّالية: تقويم وفرز الوثائق، وتنظيم الحفظ الجيّد للوثائق، وإضافة قيد الوثائق، وحفظ الوثائق وصيانتها، وترتيب الوثائق، والوصف (الفهرس)، وتقديم الخدمات المرجعيّة، وعمل المعارض اللّازمة، ونشر الوثائق"(12)، فتضمّن التّعريف الذي ذكرته آنفاً، النّصّ على تلك المراحل، التي تتوالى فيها الأعمال التي ينجزها الأرشيفيّ، وقد ورد في ذلك التّعريف أيضاً، الحديث عن عمليّة الحفظ، الذي اعتبر هو "الحالة المادّيّة لحفظ الوثائق المتكاملة الأرشيفيّة الحاليّة، أي الوضع المادّيّ الموجودة عليه المتكاملة حاليّاً"(13)، وقد عرّفت عمليّة الحفظ في مسرد المصطلحات الصّادر سنة 1974 عن جمعيّة الوثائقيّين الأمريكيّين بأنّه "المسؤوليّة الأساسيّة المتّصلة بتوفير الإمكانيّات الملائمة للحماية، والعناية والمحافظة على الوثائق والسّجلات"(14)،وقد ذُكر تعريف يوضّح حقيقة الذّاكرة، التي وصفت بأنّها "نشاط عقليّ معرفيّ يعكس القدرة على ترميز وتخزين وتجهيز أو معالجة المعلومات المستخدمة أو المشتقّة واسترجاعها"(15)، ولا يتعذّر على من يقابل بين كلا التّعريفين اللذين تحدّثا عن الأرشفة والذّاكرة، أن يرى المعالم المشتركة بين تلك المراحل المتعاقبة التي تمضي عليها عمليتا الأرشفة والتّذكّر.

اقتضى تحقّق الشّروط المثلى للتّعلّم، أن تمضي عمليّات التّذكّر بانتظام وفق تعاقب مراحل حدّدت بدقّة، إذ يجري عمل الذّاكرة عند الإنسان، ابتداء من الحالة التي ينشأ فيها الانتباه والإدراك، ثمّ تحلّ حالة تخزين وترتيب المعلومات في طرائق تسهّل على الذّهن، استحضار تلك المعلومات عند تحقّق عمليّة التّذكّر، التي تتضمّن ثلاث مراحل هي "التّرميز encoding ومرحلة الاحتفاظ أو التّخزين storage، ومرحلة الاسترجاع أو التّذكّر retrieval"(16)، فتتضمّن عمليّة معالجة المعلومات، تلك المراحل التي يتحقّق فيها التّحليل والتّفصيل والتّركيب المنظّم لتلك الخبرات والمعلومات التي تختزن،وقد تحدّث عالم النّفس وليم جيمس عن فكرة المستودع في توضيحه لعمل الذّاكرة الثّانويّة، التي اعتبرها "هي مستودع خفيّ.... للمعلومات التي سبق أنّ مرّت بالخبرة"،(17)، وقد ظهرت وجهة نظر أخرى في الدّراسات التي عولجت فيها مسألة الطّبيعة الثانويّة للذّاكرة، حيث اعتقد في "وجود مستودع واحد للذّاكرة، وإنّ عدّة عمليّات تحدث فيه"،(18)، وتندرج أيضاً في عمليّة التّذكّر التي تجري عند الإنسان، المراحل التي يتحقّق فيها توزيع المعلومات وتصنيفها أو تبويبها، فحدّدت المهامّ التي تحقّقها الذّاكرة بمعالجة المعلومات التي يحتفظ بها الإنسان، حيث كانت "وظائف عمل الذّاكرة هي تنظيم المعلومات على شكل وحدات متميّزة للمعلومات"(19).

عوّل النّاس كثيراً على قدرة الذّاكرة على استحضار المعلومات، التي كانوا يدّخرونها في أذهانهم، بيد أنّ كان لحجم المعلومات التي تستطيع تلك الذّاكرة أن تجلبها، حدٌّ لا تستطيع تلك الذّاكرة أن تتخطّاه، وقد اتّفق علماء النّفس على أن يعيّنوا استطاعة الذّاكرة "بكمّيّة المعلومات التي تمكن تذكّرها في زمن معيّن"(20)، وكانوا أطلقوا كلمة أخرى على تلك العمليّة التي يجري فيها استحضار تلك المعلومات، إذ سمّيت بسعة الذّاكرة، أمّا كمّيّة المعلومات التي يجري تذكّرها، فقد حددت بمرحلتي الاحتفاظ والتّخزين، إذ كلّما "كانت كمّيّة التّخزين أكبر كان التّذكّر والاسترجاع أكبر"(21)، فإن كانت المراحل التي يتحقّق فيها عمل الذّاكرة في معالجة المعلومات، تشتمل على عمليّات التّرميز والاكتساب، والتّخزين أو الاحتفاظ، وأيضاً مرحلة الاسترجاع، فإنّنا إذا نظرنا في تلك المصطلحات التي تطلق على العمليّات، التي يتحقّق فيها عمل الذّاكرة، فنتيّقن بأنّها تشابه بعض تلك المراحل التي تجري فيها عمليّة الأرشفة، ولم يقتصر التّشابه بينهما، على تماثل تلك المراحل التي تمضي فيهما عمليتا التّذكّر والأرشفة، بل أنّ بعض الوظائف التي عزيت إليهما، تتشابه عند هاتين العمليّتين، وما يبرح الإنسان يسعى إلى أن يراكم الخبرات، ويدأب في أن يستحضرها في ذهنه، لأنّه يتعذّر عليه أن ينطلق إلى الخوض في غمار الأيام المقبلة عليه، إن لم يرتكز على تلك الخبرات والمعلومات التي اكتسبها في الأيام السّالفة، وليس في وسعنا أن نتخيّل شعباً ينطلق أفراده إلى أن يسلكوا مجرى الأيام القادمة عليهم، من دون أن يستفيدوا من معارفهم التي حصّلوها في الأيام الماضية التي مرّوا بها، أو يتناولوا تلك الخبرات التي استجمعوها في غابر الأيام، كي يستفيدوا منها، باتّباع طريقة منتظمة علميّة، اصطلح على أن تسمّى بعمليّة بالأرشفة، التي برزت أهمّيّتها في عدّة ميادين من البحوث الفكرّية والأنشطة التي يزاولها النّاس، الذين لم يتوانوا في أن يضعوا قواعد ومبادئ علميّة، ينظّمون بها عمليّة الاستفادة من خبرات الماضي المتراكمة والمختزنة.

 1-نوربير سلامي، المعجم الموسوعيّ في علم النّفس، وزارة الثّقافة، دمشق 2001، الجزء الثّالث، ص1126.

2- المصدر السّابق.

3- محمّد قاسم عبد الله، سيكولوجيّة الذّاكرة، قضايا واتّجاهات حديثة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 290، الكويت، فبراير 2003، ص17.

4- المصدر السّابق.

5- سلوى عليّ ميلاد، قاموس مصطلحات الوثائق والأرشيف، عربيّ _ فرنسيّ _ انكليزيّ، دار الثّقافة للطّباعة والنّشر، القاهرة، 1982، ص9.

6- سلوى عليّ ميلاد، الأرشيف ماهيّته وإداراته، دار الثّقافة للنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1986، ص1.

7- المصدر السابق، ص2.

8- المصدر السّابق، ص3.

9- المصدر السّابق، ص4.

10- سلوى عليّ ميلاد، قاموس مصطلحات الوثائق والأرشيف، عربيّ _ فرنسيّ _ انكليزيّ، دار الثّقافة للطّباعة والنّشر، القاهرة، 1982، ص68.

11- المصدر السّابق، ص70.

12- المصدر السّابق، ص7، 8.

13- المصدر السّابق، ص27.

14- موقع اليسير للمكتبات وتقنية المعلومات.

15- موسوعة مصطلحات علم النّفس.

16-محمّد قاسم عبد الله، سيكولوجيّة الذّاكرة، قضايا واتّجاهات حديثة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 290، الكويت، فبراير 2003، ص12.

17- المصدر السّابق، ص11.

18- المصدر السّابق، ص12.

19- المصدر السّابق، ص31.

20- المصدر السّابق.

 

21- المصدر السّابق.



لا يفتر الإنسان عن سعيه إلى أن يظفر بمآربه، فيسلك السّبيل الذي يفضي به إلى أن ينال بغيته، من دون أن يتوانى في أن يستفيد من تلك الطّاقات التي يحوزها، وينتفع من تلك المؤهّلات التي يتمتّع بها، ليبعث في نفسه تلك القدرة على أن يسدّ حاجاته، ويحقّق رغائبه، وقد اعتبر أنّ "ما يميّز الفرد عن سائر الموجودات الأخرى هو الاكتمال الذّاتيّ والاكتفاء الذّاتيّ وبقدر ما يكون الكائن معتمداً على سواه، تنقص فرديّته بمقدار ما فيه من ذلك الاعتماد"(1)، فيسعى الإنسان إلى أن يؤكّد ذاته، ليثبت تفرّده عن سائر الأشخاص، وكان عدد من الفلاسفة والمفكّرين الذين نظروا في الصّلة التي تربط بين الإنسان والمجتمع، تحدّثوا عن النّزعة الفرديّة التي تتأصّل عند الإنسان، وكان الكاتب الفرنسيّ ألكسي توكفيل صاغ كلمة الفرديّة، التي حدّدت "بمعناها العامّ بأنّها تقال على كلّ نظريّة أو كلّ اتّجاه يرى في الفرد أو في الفرديّ إمّا أكثر الصّور جوهريّة، وإمّا أسمى درجات القيمة. فهي، بالتّحديد مذهب من يرى أنّ الفرد أساس كلّ حقيقة وجوديّة، أو مذهب يفسّر الظّواهر الاجتماعيّة والتّاريخيّة بالفاعليّة الفرديّة، أو مذهب من يرى أنّ غاية المجتمع رعاية مصلحة الفرد والسّماح له بتدبير شؤونه بنفسه. وهي أيضاً تعبير مشابه، إلى حدّ ما، للمذهب التّحرّريّ، فكلاهما يعطي الفرديّة قيمة كبرى"(2)، وهذه الكلمة التي وضعها توكفيل، غدت مصطلحاً يرمز إلى تلك المعاني التي وردت في التّعريف الذي حدّد فيه معنى الفرديّة.

أخذ عدد من الباحثين والمفكّرين في الطّعن في الأسس، التي يستند إليها مذهب الفرديّة، التي ادّعوا بأنّها قد تهيّئ للإنسان المجال في أن يشتطّ في اجتلاب المنافع إلى نفسه، ليبرز الطّابع الذّاتيّ، الذي تتميّز به شخصيّته، التي يسعى إلى أن يؤكّد تباينها عن سائر شخصيّات الأفراد في المجتمع، وكان ألكسي توكفيل وصف الفرديّة بأنّها "نوع من الأنانيّة المعتدلة، تجعل الإنسان فرداً لا يهتمّ إلّا بحلقته الضّيّقة المقتصرة على عائلته وأصدقائه"(3)، وإنّي أعتقد أنّ أؤلئك الفلاسفة والباحثين الذين ارتابوا في سداد وصواب تلك المبادئ، التي استندت إليها نظريّة الفرديّة، عمدوا إلى أن يمزجوا مفهوم الفرديّة بتلك المعاني الممجوجة المستهجنة، التي ظنّوا أنّها تندرج في عداد تلك المبادئ التي يستند إليها مذهب الفرديّة، التي أصبحت في نظرهم آنئذ تتضمّن "معنى محقّراً"(4)، ولا سيّما إذا كانوا يظنّون أنّ مذهب الفرديّة يدفع الفرد "إلى الانفراد عن الآخرين بآرائه وسلوكه"(5)، وقد وقر في أذهانهم أيضاً أنّ ميل الإنسان إلى هذا الانفراد بحسب اعتقادهم الذي تشبّثوا به، "كثيراً ما يكون ناشئاً عن الأنانيّة، أو عن الطّموح والكبرياء"(6)، ولكنّ الكتّاب والفلاسفة الذين نافحوا عن النّزعة الفرديّة، ما برحوا يؤكّدون أنّ "النّظريّة الفرديّة، في الطّبيعة الإنسانيّة، تعتقد أنّ مصالح الفرد البالغ الاعتياديّ تكون مؤمّنة بشكل أفضل، عندما يُمنح مسؤوليّة لاختيار غاياته ووسائله مع ما يناسبها من أفعال للوصول إلى تلك الغايات. وهذا الاعتقاد ناجم عن الاقتناع بأنّ كلّ فرد أفضل حكم فيما يتعلّق بمصالحه الخاصّة، ويستطيع أن يكشف عن إمكانيّة زيادتها. وهو أيضاً مبني على الادّعاء بأنّ الفعل الذي يصنع تلك الخيارات يساهم في تطوير الفرد وفي خير المجتمع. وهذا لأنّ الفرديّة فكرة تُقدِّم أفضل البواعث والمحرّكات الفعليّة للمحاولات المنتجة"(7)، فيضع الفرد نصب عينيه تلك الأهداف التي يدأب في أن يتحفّز عازماً على أن يدركها، بعد أن يروز في نفسه تلك المؤهّلات التي تهيّئه للمضيّ على بلوغ مطامحه.

إنّ الإنسان الذي تتهيّأ له الفرص التي ينمّي فيها تلك القدرات التي يمتلكها، وتتوفّر له تلك الأسباب التي يتذرّع بها إلى أن يستثمر المؤهّلات التي يحوزها، يكون في وسعه آنئذ "أن يدافع بسهولة عن متطلّباته وحاجاته المتتابعة"(8)، وذهب عدد من المفكّرين إلى أن يؤكّدوا تحقّق "الجنّة على سطح الأرض بسرعة، بالاعتماد على الفرد لتحرير طاقاته الطّبيعيّة، وإطلاق العنان لقواه الخيّرة الصّالحة الكامنة في أعماق نفسه"(9)، ولا يتأتّى لذلك الإنسان أن يحقّق رغائبه الذّاتيّة، إن لم تتهيّأ له تلك الشّروط الملائمة لإبراز تلك المؤهّلات التي يتمتّع بها في الأساس، فإذا أردنا أن ينشأ الفرد "المتحفّز المشغول بفرديّته والمؤمن بالتّعبير عن إمكانيّاته وفعاليّاته بطرقه الخاصّة"(10)، فإنّه لا بدّ من أن يتمتّع بحقّه في "خلق ذاته وإبداع قيمه وتحمّل مسؤوليّة وجوده"(11)، فتزول دواعي التّعارض، وتنتفي بواعث التّناقض بين مصالح كلّ من الفرد والمجتمع، وتعتبر في مذهب التّحرّريّة الفرديّة هي "وسيلة لتحقيق الانسجام الاجتماعيّ"(12)، وقد تأكّد في ذلك المذهب أيضاً تلك الفكرة التي يثبت فحواها "أنّ المجتمع ليس غاية أسمى من الأفراد"(13).

توفّر البحّاثة والفلاسفة على تحديد تلك الصّلة التي تجمع بين الإنسان والمجتمع، وقد انبنت مذاهب فكريّة متنوّعة على تلك النّتائج المختلفة، التي كانت تستخلص من المضامين التي انطوت عليها تلك النّقاشات، التي كانت تجري بين أولئك الباحثين، الذين أدلى كلّ منهم بدلوه في الحديث عن تلك المصاعب، التي تعترض مجرى تحقّق الصّلة القويمة التي تربط بين الإنسان والمجتمع، فكان "يواجه القرن العشرون معضلات عديدة عن إقامة علاقة مناسبة بين الفرد والجماعة، ولا تخرج المناقشات، حول هذا الموضوع، عن كونها محاولات لمعالجة أمر هذا التّطوّر أو ذاك"(14)، وكان رائد الفرديّة الفيلسوف الأمريكيّ البراغماتيّ جون ديوي يرى وجود رابطة عضويّة بين الفرد والمجتمع، وذهب إلى أن يؤكّد أنّ "الفرديّة منيعة لا تقهر، ومن طبيعتها أن تفرض نفسها وتؤكّد ذاتها"(15)، وقد توطّد اقتناع ذلك الفيلسوف برفعة مكانة مذهب الفرديّة لأنّه كان يعتقد أنّها "أسلوب متميّز في الحساسيّة والانتخاب والاختيار والاستجابة والانتفاع من الأوضاع. ويستحيل لهذا السّبب وحده، لا لغيره، تطوير الفرديّة المتكاملة عن طريق أيّ نظام أو برنامج شامل"(16).

إنّ ذلك الإنسان الفرد، الذي يراعي تحقّق المصالح العامّة، التي تجلب الخير للجماعة التي يعيش بين ظهرانيها، هو جدير أيضاً بأن ينعم بأن يحقّق منافعه الشّخصيّة، من دون أن تطغى أهداف الجماعة، على تلك الرّغائب الشّخصيّة التي كان سعى إلى أن يؤكّدها، وكان روجي فرنو يذكر أنّ الإنسان "ليس فرداً كبقيّة الأفراد، وإنّما هو شخص، ومن حيث هو كذلك، له جوهر خاصّ، وهو ذات حرّة. فالفرد ملزم أخلاقيّاً بالعمل لصالح الخير العامّ وبالتّضحية من أجل ذلك، ولكنّ هذا لا يرفع أيّ شيء من سمة شخصيّته غير القابلة للانتقاص"(17)، وإن دأب الإنسان في تأكيد تلك المعاني التي تتضمّنها نظريّة الفرديّة، فإنّه لا يعزل نفسه عن الأشخاص الآخرين فقد رأى الفيلسوف هيدجر أنّ "الوجود بدون الآخرين هو نفسه صورة من صور (الوجود مع الآخرين)، بمعنى أنّ الشّعور الفرديّ لا ينطوي على أيّ انفصال مطلق عن عالم (الغير) الذي هو من مقوّمات الوجود الإنسانيّ بصفة عامّة"(18)، فلا تتضمّن المبادئ التي يحتويها مذهب الفرديّة، فكرة انفصام صلة الإنسان بالمجتمع، بل إنّ علاقة الإنسان بذلك المجتمع لا تتوطّد إلّا في تلك الحالة، التي يتأتّى فيها للإنسان أن يؤكّد فيها ذاته في تلك الأفعال التي يتعمّد أن يأتيها.

إنّ تلك المعاني التي ما برح مذهب النّزعة الفرديّة يحتّم تأصّلها في شخصيّة الإنسان، لم تكن تتجرّد عنها تلك السّمات الشّخصيّة، التي كان يتّصف بها الأفراد خلال العهود التّاريخيّة المتعاقبة، ولم تفتقدها شخصيّات الأقوام في بلدان شتّى من العالم، وتمدّنا الدّراسات التي أجريت في الأبحاث الأنثروبولوجيّة بالبراهين الثّابتة على تأصّل خصائص الفرديّة، عند الأفراد الذين توالوا على العيش في هذا العالم خلال الحقب التّاريخيّة المتعاقبة، إذ "حسبنا أن نرجع إلى دراسات علماء الأنثروبولوجيا، لكي نتحقّق من أنّه ليس ثمّة حضارة بشريّة يمكن القول بأنّها قد استطاعت أن تلغي نهائيّاً كلّ ما بين أفرادها من فوارق مزاجيّة وخلقيّة وعقليّة... حقّاً أنّ المجتمع ليخلق الفرد على صورته ومثاله، ولكنّ الفرد أيضاً يحوّر مجتمعه ويطوّره ويشكّله ويعدّله. وإذن فإنّ العلاقة بين الفرد والمجتمع هي علاقة مزدوجة قوامها الأخذ والعطاء، أو التّأثّر والتّأثير؛ وبالتّالي فإنّ القول بوجود سلوك اجتماعيّ أو أنماط ثقافيّة لا يعني إنكار كلّ استقلال فرديّ على الإطلاق، كما أظهرنا على ذلك بوضوح بعض علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا أنفسهم"(19).

عنى العديد من الفلاسفة والباحثين في عصرنا الحاليّ، بأن يتناولوا في دراساتهم الفكريّة تلك الأسس التي يتضمّنها مذهب التّحرّريّة، إذ كانت "من أهمّ ما تتميّز به فلسفات العصر الحاضر في الغرب صبغتها الفرديّة، بعدما اجتازت الفلسفة فترة كاد يهمل فيها العنصر الفرديّ إهمالاً تامّاً"(20)، وقد رأى تشارلز هورتن كولي أنّ "المجتمع والفرد إنّما يكوّنان كلّاً لا يمكن تجزئته"(21)، ولم يقتصر كولي على أن يؤكّد توطّد الصّلة بين الفرد والمجتمع، بل أنّه طعن في كل الأبحاث التي تتضّمن الأفكار التي تؤكّد انفصام الرّوابط بين الفرد والمجتمع، إذ اعتقد كولي ببطلان تلك المذاهب الفكريّة التي تفصل بين هذين الطّرفين، حتّى أنّه اعتبر "أنّ خطأ علم النّفس وعلم الاجتماع أنّهما اعتبرا الفرد من جهة والهيئات الاجتماعيّة من جهة ثانية أمرين منفصلين"(22)، ولم تغب فكرة توطّد الرّابطة بين الفرد والمجتمع عن أذهان العديد من المفكّرين والفلاسفة، إذ كانت ذلك التّرابط بينهما يثبت أنّ "الفرديّة والجماعيّة هما جانبان لحقيقة واحدة، وهي المجتمع الإنسانيّ. ولا حاجة للاقتصار على جانب واحد والتّنويه به وبمزاياه دون اعتبار مكانة الجانب الآخر"(23)، ويقتضي تحقّق تلك الصّلة بين الفرد والمجتمع، أن تجلب المنافع إليهما معاً، إذا تسنّى لهما أن ينعما حقّاً بتلك المغانم المشتركة، وإن اقتنعنا بثبات تلك الصّلة بينهما، فلا نستطيع "أن نتصّور الفرد منفكّاً عن الجماعة ولا الجماعة الخالية من الأفراد، والمهمّ هم التّوفيق الأمثل بين هذين الجانبين لخير الفرد والمجتمع معاً لو أمكن مثل هذا التّوفيق"(24).

ما برح دعاة المذاهب الجمعيّة، يصرّون على أن يرجّحوا مصالح الجماعة على منافع الأفراد، الذين يعيشون في كنف المجتمع، فإنّ ظلّ أولئك الدّعاة يتشبّثون بتلك الآراء التي كانوا يعتنقونها، فلا ريب في أنّهم ينزلون الضّرر الفادح بقوام تلك الجماعات نفسها، التي كانوا ينافحون عنها، فإذا انطمست النّزعة الفرديّة في نفس الفرد، فتسري آنئذ "في الذّات روح الضّعف والانحلال، أو إذا عملنا على كسر شوكة (الشّخصيّة الفرديّة)، فقد قضينا في الآن نفسه على المجتمع ذاته"(25)، فإذا كان الفلاسفة والباحثون أكّدوا الميل الفطريّ عند الإنسان إلى الانضواء إلى المجتمع، فلأنّ الإنسان يعرف في الأساس "أنّه لا يستطيع أن يحيا إلّا في مجتمع ويعرف أيضاً أنّ أصداء الجماعة لا بدّ من أن تتردّد في أعمق أعماق ذاته"(26)، ولكنّ ذلك الإنسان إذا سلّم بحقيقة نزوعه الفطريّ إلى أن يعيش في كنف المجتمع، فإنّه "يشعر في الوقت نفسه بأنّ لوجوده الفرديّ واقعيّته وقيمته"(27)، وذاك الفرد الذي يحيا في ظلّ المجتمع، يسترشد كما ذكرت آنفاً، بتلك القواعد التي اعتمدت في تنظيم مجرى تلك التّصرّفات، التي يأتيها الأفراد الذين ينضوون إلى ذلك المجتمع، وتتكفّل طرائق التّنشأة الاجتماعيّة بتمهيد السّبيل للأفراد، إلى أن يألفوا تلك القواعد المنصوصة عليها في ذلك المجتمع الذي يكتنفهم في ظلّه، وإذا تناولنا الجماعات البشريّة المتنوّعة فهي تعتمد "عادة معايير خاصّة لتنظّم بها سلوك الأعضاء وتمكّنهم من أداء أدوارهم وفق تلك المعايير. والمعايير ليست دائماً مكتوبة بل قد تكون غير مدوّنة ومع ذلك فهي مفهومة ومعروفة بالنّسبة للأعضاء الذين يتّبعونها في سلوكهم"(28).

ظلّت تلك العلاقات الاجتماعيّة النّاشئة بين الأفراد في المجتمع، تتشعّب في مناحي عديدة من الأنشطة التي يزاولها النّاس، ودعا تفرّع تلك الرّوابط في تلك الميادين المتنوّعة من المناشط الإنسانيّة، أن تنتظم تلك العلاقات في طرائق تحقّق تماسك وترابط المجتمع، فبات الإنسان مهيّأ لأن يوائم تصرّفاته مع تلك القواعد التي تعتمد في المجتمع، الذي تتوفّر فيه الوسائل الملائمة التي تهيّئ الإنسان لتقبّل تلك القواعد، التي تستند إليها مجريات تلك الحياة الاجتماعيّة، التي يعيشها في المجتمع، وقد عدّت التّنشأة الاجتماعيّة أبرز تلك الوسائل، التي تمهّد للإنسان السّبيل إلى الاندماج في المجتمع الذي يحيا فيه، وقد عرّفت التنشأة الاجتماعيّة بأنّها "عملية تعلّم وتعليم وتربية، تقوم على التّفاعل الاجتماعيّ، وتهدف إلى اكتساب الفرد طفلاً مراهقاً، فراشداً فشيخاً، سلوكاً ومعايير واتّجاهات مناسبة لأدوار اجتماعيّة معيّنة، وهذه المعايير تمكّنه من مسايرة جماعيّة والتّوافق الاجتماعيّ معها، وتكسبه الطّابع الاجتماعيّ وتيسّر له الاندفاع في الحياة الاجتماعيّة"(29)، فيدأب الإنسان في أن يظهر نفسه في كيان متفرّد يتّسم بالخصائص الذّاتيّة، وبحسب قدر ذلك النّجاح الذي يحقّقه في تأكيد ذاته، يقوى في نفسه ذلك الباعث على أن يوطّد انتماءه إلى ذلك المجتمع، الذي يعيش في كنفه.

1- الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، الاصطلاحات والمفاهيم، المجلّد الأوّل، معهد الإنماء العربيّ، الطّبعة الأولى، 1986، ص639.

2- الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، المدارس والمذاهب والاتّجاهات والتّيّارات، المجلّد الثّاني، معهد الإنماء العربيّ، الطّبعة الأولى 1988، ص931.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق، ص935.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق، ص936.

11- زكريا إبراهيم، مشكلة الإنسان، مكتبة مصر، د.ت.، ص170.

12- الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، المدارس والمذاهب والاتّجاهات والتّيّارات، المجلّد الثّاني، معهد الإنماء العربيّ، الطّبعة الأولى 1988، ص931.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق، ص938.

15- المصدر السّابق، ص939.

16- المصدر السّابق.

17- المصدر السّابق.

18- زكريا إبراهيم، مشكلة الإنسان، مكتبة مصر، د.ت.، ص153.

19- المصدر السّابق، ص167، 168.

20- الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، المدارس والمذاهب والاتّجاهات والتّيّارات، المجلّد الثّاني، معهد الإنماء العربيّ، الطّبعة الأولى 1988، ص939.

21- المصدر السّابق.

22- المصدر السّابق.

23- المصدر السّابق، ص939، 340.

24- المصدر السّابق، ص340.

25- زكريا إبراهيم، مشكلة الإنسان، مكتبة مصر، د.ت.، ص169.

26- المصدر السّابق.

27- المصدر السّابق.

28- الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، الاصطلاحات والمفاهيم، المجلّد الأوّل، معهد الإنماء العربيّ، الطّبعة الأولى، 1986، ص331.

 

29- الموسوعة الفلسفيّة.