تنوّعت أشكال تلك العلاقات التي ينشئها فيما بينهم أولئك النّاس، الذين تأصلّت في نفوسهم الحوافز المتعدّدة، التي تحثّهم على أن يبنوا تلك الرّوابط التي تؤلّف بينهم، وأدّى تباين تلك البواعث العديدة، إلى أن تتنوّع أنماط تلك العلاقات النّاشئة بين هؤلاء النّاس، ولم يفت الباحثون الذين نظروا في المسائل التي  تضمّنتها بحوث علم الاجتماع، أن يلحظوا المكانة التي تحلّ بها تلك الرّوابط في حياة أولئك الأشخاص، الذين كانت تصل بعضهم ببعض تلك العلاقات الاجتماعيّة، التي لم تغب عن أذهان أولئك الباحثين أيضاً، عندما عكفوا على أن يضعوا تعريفاً يبيّنون فيه كنه ذلك المجتمع، الذي ينضوي إليه هؤلاء النّاس، إذ عرّف المجتمع بأنّه "مجموعة كبيرة من النّاس مكتفية ذاتيّاً ومتّصلة بشبكة من المؤسّسات والعلاقات المختلفة"(1)، فاهتمّت غالبيّة علماء النّفس والاجتماع، بدراسة تلك الرّوابط النّاشئة بين النّاس، وقد حدّد المجتمع أيضاً في تعريف آخر بأنّه "تجمّع ثابت ومنظّم من الأشخاص أو الحيوانات من نوع واحد، تقوم بينهم علاقات متبادلة"(2)، وكان أرسطو اعتبر الإنسان مهيّأ بطبعه لأن يعيش في المجتمع، وذكر أنّه حيوان اجتماعيّ يميل في فطرته إلى الحياة الاجتماعيّة، فالإنسان "ينفر من العزلة بطبيعته ويميل إلى التجّمع بفطرته"(3)، فأصبح يتعذّر على الإنسان أن ينشأ بمنأى عن ذلك المجتمع، الذي إذا تصوّرنا نشوء الإنسان بمعزل عنه، فإنّه سرعان ما يصبح ذلك الإنسان "ضرباً من التّجريد. وإذ يغوص الفرد منذ قدومه إلى العالم في بيئة اجتماعيّة، فإنّه لا يمكننا النّظر إليه، حتّى يكون مفهوماً، إلّا في علاقته بالآخر"(4).

ينشأ الإنسان في كنف ذلك المجتمع، الذي لا يتمكّن النّاس المنضوون إليه، من أن يتجنّبوا دواعي الاحتكاك والتّأثّر بتلك العناصر، التي يتضمّنها قوام ذلك المجتمع، الذي يغدو تأثيره في الإنسان جليّاً وثابتاً "أينما كان، سواء في التّعبير عن الانفعالات، واللّغة، والمعتقدات، والأحكام، أو في إعداد مفهوم الشّخص. حتّى الإدراك موسوم بسمة الثّقافة. فالغير موجود دائماً، ولو لم يكن إلّا في المتخيّل، على شكل متدخّل، يؤدّي دور نموذج، دور شيء، دور شريك أو خصم"(5)، فيحيا الإنسان في ظلّ ذلك المجتمع، الذي تتمهّد فيه للنّاس السّبل العديدة إلى تمتين تلك العلاقات، التي تربطهم ببعضهم البعض، وذلك الميل المنغرس في نفس الإنسان، إلى أن ينشئ تلك الرّوابط الاجتماعيّة مع الأشخاص الآخرين، يتبيّن جليّاً، كلّما أتيحت لذاك الإنسان الفرص التي يبني فيها العلاقات المتنوّعة مع سائر الأفراد، وإن كانت تتعدّد البواعث، التي كانت تعزا إليها أسباب نشوء تلك الجماعات المتنوّعة، التي كان النّاس ينضمّون إليها، إلّا أن باعثاً واحداً بذاته، كانت يسهم دائماً مع سائر البواعث في حثّ النّاس على بناء تلك الجماعات، مهما كان نمط تلك الجماعة التي اندفع النّاس إلى أن ينشئوها، وكان ذلك الباعث المشترك الذي كان أحد أسباب نشوء تلك الجماعات كلّها، هو ميل الإنسان إلى الاجتماع مع الأشخاص الآخرين، لأنّ وجود "الجماعات على اختلافها يرجع أساساً إلى أنّ الأفراد هم أشخاص اجتماعيّون لا يستغنون عن العيش مع الآخرين، ولهذا فهم يحتاجون إلى الانتماء والعمل في نطاق جماعات متعدّدة ومتنوّعة"(6)، ويتّضح ذلك التّأثير الذي يتعرّض له الإنسان أيضاً في تلك العلاقات، التي تربطه مع سائر الأفراد في تلك الجماعات التي ينضوون إليها، لأنّ الجماعة هي "كيان عضويّ قادر على تحديد تصرّف الأفراد الذين يؤلّفونه"(7).

ينطلق الإنسان إلى إدراك تلك الأهداف التي يعتزم على أن يبلغها، مهما اعترضت العوائق تلك السّبيل، التي يتّبعها لبلوغه تلك الغايات التي يتطلّع إليها، فلا يألو جهداً في أن يستثمر تلك القدرات التي يمتلكها، ليستفرغها في تحقيق تلك الرّغائب التي تنبعث في نفسه، فيمضي على محاولته أن يؤكّد ذاته وإثبات قدرته على أن يقضي حوائجه الشّخصيّة، وما يبرح الإنسان يمضي على هذا المنوال، إذا ما رغب في أن يؤكّد تمايزه عن سائر الأشخاص، بيد أنّ ذلك الإنسان مهما اعتزم على أن يتميّز بمؤهلاته الشّخصيّة عن تليّة الأفراد، فإنّه لا يتأتّى له أن ينفصل عن تلك الرّوابط التي تجمعه معهم، فلا يجد مندوحة عن أن يتّصل بهم بتلك العلاقات، التي تجمعه معهم في المجتمع الذين يعيشون فيه، وليس في وسعه أن يتجّنت تأثير المجتمع في تحديد تلك القواعد، التي يستنّ بها النّاس في تعيين ذلك السّلوك الذي يتصرّفون به، فكلّ مجتمع "هو في الواقع حقل قوى تحدث فيه ظاهرات جذب ونبذ؛ إنّه يستخدم آليّة سيكولوجيّة كالإيحاء، والتّقليد، والمنافسة، مجموعها يؤلّف ( الضّغط الاجتماعيّ )، مصدر التّغيّرات الفرديّة التي تظهر في اتّجاهاتنا وتصرّفاتنا، وحتّى في إدراكاتنا. وليست المسألة في الواقع قسراً خارجيّاً بل بالحريّ تأثير خفيّ يقودنا إلى إصلاح سلوكنا على نحو شعوريّ على وجه التّقريب، لنوفّق بيننا وبين الجماعة التي نعيش فيها"(8).

اقتضى نشوء الإنسان في ذلك المجتمع الذي يحيا في ظلّه، أن يراعي تلك القواعد، التي تضبط مجرى تلك التّصرّفات التي يأتيها النّاس، لأنّ الإنسان هو "موجود اجتماعيّ بصورة أساسيّة يحتاج إلى الغير ليتفتّح. وتمثّل الجماعة له ضرباً من الضّرورة؛ فهو يجد فيها، على وجه الخصوص، الأمن، والتّعاطف، وإمكان التّواصل مع أمثاله وإمكان الاتّحاد بهم لتحقيق مشروع مشترك"(9)، ويحاول ذلك الإنسان أن يوافق التّصرّف الذي يبدر منه، تلك القواعد المنصوص عليها في المجتمع، وهو يتجّنب أن يضرب تلك الأسس الموضوعة، بعرض الحائط، لأنّه يدرك أنّ "الفرد الرّافض يتعرّض للنّبذ، وهو ضرب من ( الموت الاجتماعيّ). بل إنّ من يقتصر على البقاء منسحباً يمكنه أن يستقطب عدوانيّة أعضاء جماعته الآخرين ويصبح (كبش الفداء ) لهم. وتترتّب على الغالب، في هذه الحالة، اضّطرابات نفسيّة جسميّة، أو سلوكات هروب، تمضي من الفرار إلى التّشرّد"(10)، فيتيقّن الإنسان بأنّ لا قبل له بمجابهة تلك الجماعة، التي استنّت بتلك القواعد التي تتّبع في المجتمع، الذي أخذ الأفراد الذين يعيشون فيه بتلك القواعد المرعيّة لأنّهم "عانوا إيحاء نفوذ الغالبيّة. ويتهيّؤون إلى أن يفكّروا، ويحسّوا، ويدركوا مثلها، وإلى أن يتّخذوها نموذجاً ومنظومة إحالة، وإلى الحكم على أنفسهم وعلى الآخرين بحسب معاييرها"(11)، والإنسان الذي يمضي على مراعاة تلك القواعد، يتاح له أن يدرك آنئذ تلك الطّرائق التي تفضي به إلى الاندماج في تلك الجماعات، التي ينضوي إليها.

يلزم على أولئك الأفراد الذين يعزمون على أن ينضمّوا إلى تلك الجماعات، التي تربطهم مع سائر الأشخاص، أن يعوا تلك الشّروط التي يوجب تحقّقها، نشوء تلك الجماعات، فيتوجّب على الإنسان أن "يفهم كيف يمكن أن يتغيّر تصرّف شخص بفعل حضور الغير"(12)، وإذا ما سعى الإنسان إلى أن يدرك تلك القواعد التي تنتظم بها عمليّة نشوء تلك العلاقات، بين النّاس في نطاق تلك الجماعات، فإنّه سيتاح له أن يعي الطّريقة التي تنشأ فيها عند الأفراد الاتّجاهات التي يعتمدونها، ويدرك الوسائل التي تتبّع في "تعديلها بفعل الدّعاية"(13)، وسيحيط علمه أيضاً بأسباب نشوء "الأحكام المسبقة ووسائل تقليصها"(14)، وسيتهيّأ له أيضاً أن يطّلع على "ديناميك العلاقات الاجتماعيّة وإمكان تحسينها"(15)، فسيستخلص من تبصّره في تلك القواعد التي ينعم النّظر فيها، أنّ رسوخ تلك الأسس التي تقوم عليها الجماعات، يفضي إلى أن تصبح "العلاقات الإنسانيّة منسجمة"(16)، وإذا استعرضنا تلك التّعاريف التي حدّدت بها مفهوم الجماعة البشريّة، فإنّنا سنرى أنّ "أبسط تعريف للجماعة هو أنّها تتضمّن أشخاصاً في علاقات متبادلة"(17)، فتؤكّد تلك الرّوابط الرّاسخة فيما بين أولئك الأفراد، ذلك الميل الذي ينشأ في نفس كلّ منهم، إلى الانضواء إلى تلك الجماعات التي تضمّهم معاً.

1- الموسوعة الفلسفيّة.

2- نوربير سلامي، المعجم الموسوعيّ في علم النّفس، وزارة الثّقافة، دمشق 2000 ، الجزء الخامس، ص 2311.

3- زكريا إبراهيم، مشكلة الإنسان، مكتبة مصر، د.ت.، ص165.

4- نوربير سلامي، المعجم الموسوعيّ في علم النّفس، وزارة الثّقافة، دمشق 2000، الجزء الرّابع، ص1770.

5- المصدر السّابق.

6- الموسوعة الفلسفيّة.

7- نوربير سلامي، المعجم الموسوعيّ في علم النّفس، وزارة الثّقافة، دمشق 2000، الجزء الثّاني، ص859.

8- نوربير سلامي، المعجم الموسوعيّ في علم النّفس، وزارة الثّقافة، دمشق 2000، الجزء الثّاني، ص861.

9- المصدر السّابق

10- المصدر السّابق، ص862.

11- المصدر السّابق.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق.

15- المصدر السّابق.

16- المصدر السّابق.

17- الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، الاصطلاحات والمفاهيم، المجلّد الأوّل، معهد الإنماء العربيّ، الطّبعة الأولى، 1986، ص330.