دأب النّاس في أن يمارسوا الأعمال المتنوّعة، التي توزّعت في فئات متعدّدة من الأنشطة التي كان هؤلاء الأقوام يميّزون بينها، بحسب الخصائص التي كان كلّ نشاط ينفرد في أن يتّسم بها، فكانوا يقصدون إلى أن يستدرّوا من بعض الأعمال التي يزاولونها، دخلاً ماليّاً يغطّي تكاليف معيشتهم، فاصطلحوا على أن يطلقوا على ذلك النّمط من الأعمال التي تدرّ عليهم بالأموال، اسم الحرفة، التي حدّدت بأنّها "وسيلة الكسب من زراعة وصناعة وتجارة وغيرها"(1)، بينما كان أولئك النّاس يعمدون أحياناً إلى أن يزاولوا مجموعة من الأعمال المتنوّعة الأخرى، ترويحاً عن أنفسهم، من دون أن يتعمّدوا أن يحصلوا على العوائد الماليّة من مزاولتهم تلك الأعمال، التي أدرجوها في فئة الأنشطة التي تتّسم بطابع الهواية، وقد اعتادت أغلبيّة النّاس أن تميّز بين هاتين الفئتين من الأعمال، بخاصيّة المردود الماليّ الذي يفصل بين هاتين الفئتين، فيعتبرون ذلك العائد الماليّ هو القاعدة الأساسيّة، التي تقوم عليها الفئة الأولى من الأعمال، بينما هذه الخاصيّة ذاتها هي غائبة تماماً عن فئة الأفعال، التي تشتمل على أنشطة الهواية التي يزاولها النّاس، فيصبح ذلك المردود الماليّ هو الحدّ الفاصل الذي يفرّق بين الأعمال المهنيّة، وتلك الأفعال التي تندرج في أنشطة الهوايات، التي يزاولها الأشخاص في أوقات الفراغ.

تناول النّاس ذلك الرّابط بين الحرفة والدّخل الماليّ، ليتّخذوه مقياساً يستخدمونه في تمييزهم بين الأعمال المهنيّة وأنشطة الهواية، ولا ريب في أنّ الفارق بين هذين النّمطين من الأنشطة لا يتحدّد بخاصّية المردود الماليّ فحسب، ولكنّ اعتاد النّاس، كما ذكرت آنفاً، أن يركّزوا انتباههم في موضوع المردود الماليّ في موازنتهم بين هذين النّشاطين، وقد قصدت أغلبيّة النّاس إلى أن تدرج نشاط الكتابة الأدبيّة، في مجموعة تلك الأعمال التي تنضوي إلى فئة الهوايات، التي تمارس في أوقات الفراغ، نظراً إلى أنّ ذلك النّمط من النّشاط الأدبيّ، لا يعود على من يزاوله بالدّخل الماليّ الذي يحقّق به قوام معيشته، ولكنّ الفارق بين نشاط التّأليف الأدبيّ وسائر المهن الأخرى، لا يتحدّد بمسألة الدّخل الماليّ فقط، لأنّ مهنة الكتابة الأدبيّة تتميّز عن سائر الحرف، بسمة خاصّة لا تتّصف بها بقيّة المهن قاطبة، فإذا كانت المهن جميعها تدرّ بالدّخل الماليّ الذي يكتسبه الأشخاص، الذين يزاولون تلك المهن، فإنّ الكاتب الذي يزاول تلك المهنة الأدبيّة، يضطّر دائماً إلى أن يصرف على تلك المهنة كي يحقّق شروط قيام ذلك النّشاط الأدبيّ، ولا يجد مناصاً من أن ينفق على تلك الحوائج، التي يقتضي وجودها، قيام هذا النّشاط الأدبيّ في المجتمعات الإنسانيّة.

إنّ الكاتب الذي يكرّس نفسه لممارسة نشاط الكتابة الأدبيّة، لا يبخل أبداً على هذه المهنة التي يزاولها، وهو يضحّي غالباً بقوته اليوميّ، ويبذل كلّ مدّخراته الماليّة، ولا يضنّ عليها بأنفس ممتلكاته الشّخصيّة، فكلّ النّاس يكسبون من المهن التي يمارسونها، الأموالَ التي ينفقونها على سدّ حوائجهم الشّخصيّة، بينما الكاتب يضطرّ إلى أن يصرف على ذلك النّشاط الأدبيّ، كي يحقّق شروط بقاء واستمرار تلك المهنة الأدبيّة، التي يتبادل معها المواقع في تلك العلاقة الماليّة، التي تجمع بينه وبين نشاط الكتابة الأدبيّة، والنّاس معذورون إن التبست عليهم حقيقة ذلك العمل الذي يتجلّى في التّأليف الأدبيّ، فقد كثرت تلك الطّرف التي تروى عن أحوال الكتّاب الذين يمارسون نشاط الكتابة الأدبيّة، وغزرت الملح التي يتنادر النّاس بها على تلك الصّعاب، التي تعترض مجرى ذلك النّشاط الذي يزاوله هؤلاء الأدباء، فيحكى أنّه سئل كاتب عالميّ، عن المبيعات التي حقّقها بعد أن نشر كتابه، فأجاب قائلاً بأنّه باع أثاث غرفة النّوم في منزله، بينما أجاب كاتب آخر عن ذلك السّؤال نفسه، بأنه باع مقتنياته الشّخصيّة التي قام يعدّدها، فذكر ساعة اليد والغسّالة بالإضافة إلى سائر تلك الأدوات التي كان يستخدمها.

إنّ تلك النّوادر التي يتناقلها النّاس فيما بينهم، للسّخرية من تلك الأزمات الماليّة، التي بات هؤلاء الكتّاب نهباً لها، عزّزت اعتقاد النّاس في أنّ نشاط ذلك التّأليف الأدبيّ، لا يندرج في عداد المهن التي تدرّ بالموارد الماليّة، ولا يقتصر أولئك النّاس على أن يأخذوا بذلك الاعتقاد، الذي يتصّورون به طبيعة ذلك النّشاط الأدبيّ، بل أنّهم عمدوا أيضاً إلى أن يشدّدوا قناعتهم بأنّ الكتابة الأدبيّة تنضوي إلى تلك الأعمال التي تمارس في أوقات الفراغ، وقد تحدّثت آنفاً عن أنّهم يعدّون نشاط الكتابة الأدبيّة، ضرباً من الأفعال التي تتّسم بطابع الهواية، وتكاد غالبيّة النّاس في الأقطار العربيّة تتشبّث بتلك الفكرة المنتشرة عند أكثريّة النّاس، الذين يعتقدون أنّ ذلك النّشاط الأدبيّ هو نمط من الهوايات التي يزاولها الأقوام، إلّا أنّ الأدباء العرب الذين يمارسون نشاط الكتابة الأدبيّة، تختلف أوضاعهم عن أحوال سائر الكتّاب في دول العالم الأجنبيّة، في مجابهة تلك الأزمات الماليّة التي يتعرّضون لها، من جراء مزاولتهم نشاط الكتابة الأدبيّة، وتتباين أحوال أولئك الكتّاب العرب عن بقيّة الكتّاب في العالم، في شدّة صعوبتها وحدّة شقائها، فإذا قارنا بين أوضاع هاتين الفئتين من الكتّاب، في مسألة طباعة ونشر الكتب، فإنّنا نرى أنّ عمليّة نشر الكتب في أغلب دول العالم الأجنبيّة، أصبحت صناعة حقيقيّة، تمتلك كلّ مقومات النّشاط الصّناعيّ، بينما ما زالت تفتقد عمليّة نشر الكتب في الوطن العربيّ، تلك المقوّمات الأساسيّة التي ترتكز عليها تلك الصّناعة، التي تتجلّى في عمليّة طباعة ونشر الكتب.

تجري عمليّة إنتاج الكتب وتوزيعها في الأقطار العربيّة، من دون أن تنتظم في خطّة ثابتة، تحدّد القواعد الأساسيّة التي تقوم عليها عمليّة طباعة ونشر الكتب، وقد أتيح لي أن أنشر في الفترة الماضية ثلاثة كتب على نفقتي الخاصّة، وقد تفرّغت لكتابة المؤلّفات الأدبيّة، وتجرّدت لمزاولة ذلك النّشاط الأدبيّ منذ وقت يرجع إلى ما يقارب الثّلانين عاماً، علماً بأنّي بدأت في مزاولة هذا النّشاط منذ حداثة سنّي، وقد كنت ألتقي بين الفينة والأخرى، بعض الأشخاص النّبهاء الذين انغرست في نفوسهم، الرّغبة في أن يحيطوا بخصائص ذلك النّشاط الأدبيّ، الذي يزاوله الكتّاب، وقد أتيح لهم بذلك اللّقاء الذي كان يجمع بيني وبينهم، الفرصة التي يشبعون فيها نهمهم المعرفيّ لإدراك ذلك الموضوع الذين ينظرون فيه، ولا يكاد يعلم أولئك الأشخاص الذين يلتقون بي، أنّي متفرّغ لمزاولة نشاط الكتابة الأدبيّة، حتّى يبادروا إلى السّؤال فوراً عن مصدر الدّخل الماليّ، الذي أستند إليه في تحمّلي تكاليف المعيشة، وقد هيّأت لهم فطنتهم الواعية، أن يدركوا بسهولة حقيقة تلك المسألة الماليّة، التي تثار عادة عند النّظر في شؤون هذه المهنة الأدبيّة، فلا غرابة إن كانوا يميلون إلى أن يظنّوا أنّني أمارس مهنة أخرى، بالإضافة إلى مهنة الكتابة الأدبيّة، وكانت تزداد حيرة أولئك الأشخاص وتكبر دهشتهم، عندما يتيقّنون ببطلان ظنونهم التي نشأت في نفوسهم، بعد أن يعلموا علم اليقين أنّي لا أجمع مهنة أخرى أبداً إلى نشاط تلك الكتابة الأدبيّة، التي كنت أوضّح لهم شؤونها المتنوّعة، وأدأب أيضاً في أن أردّهم عن ذلك الالتباس الذي يقعون فيه، وأصحّح تلك الأفكار التي ينظرون فيها إلى أحوال تلك المهنة الأدبيّة.

1- المعجم الوسيط _ مجمع اللّغة العربيّة في القاهرة.