تفاقمت تلك المشاكل التي نجمت عن اكتظاظ المدن بالسّكّان، حتّى كاد أن يستعصي تماماً على النّاس القاطنين في تلك الحواضر السّكنيّة، أن يعالجوا تلك المشاكل المستشرية، فكثيراً ما أعيت الحيل هؤلاء الأقوام في معالجة تلك الأزمات التي طرأت عليهم، وقد جهد كثيراً أولئك الأشخاص الذين يديرون شؤون تلك المدن، في أن يجروا الأبحاث وينجزوا الدّراسات العديدة، ليتحرّوا عن الوسائل النّاجعة لمعالجة تلك المشاكل التي طرأت على تلك المدن، ولا سيّما بعد أن أدركوا مقدار تلك المضارّ الكبيرة، التي تتمخّض بها مشكلةُ نمو معدّل الكثافة السّكانيّة في المناطق الحضريّة، التي يستقرّ بها أولئك النّاس المزدحمون، فسعى هؤلاء القيّمون على إدارة أحوال تلك المدن، إلى أن يكافحوا تلك العلل المستفحلة التي ألحقتها بالحواضر السّكنيّة، تلك الأزمات الطّارئة، وبذل أعضاء غالبيّة الأجهزة التي تدير شؤون المدن في العالم جهوداً موفورة، في معالجتهم تلك المشاكل المستفحلة، بيد أنّ أغلب تلك الطّاقات التي أفرغوها، كانت تذهب سدى من دون أن يحلوا منها بطائل، ولم يكد هؤلاء الأفراد الذين انضووا إلى تلك الأجهزة الإداريّة، يتيقّنون بأنّ جهودهم التي بذلوها، قد ضاعت هباء في أدراج الرّياح، حتّى بادروا إلى أن يطلبوا مشورة الخبراء، الذين كانوا يعكفون على وضع المخطّطات العمرانيّة للحواضر السّكنيّة، وعمد هؤلاء المشرفون على إدارة المدن المكتظة بالسّكّان، إلى أن يستنصحوا الباحثين في المسائل الدّيموغرافيّة، وتطلّعوا إلى أن يعثروا عند كلّ هؤلاء الخبراء والدّارسين الذين أقبلوا إليهم، الحلول النّاجعة لمشاكلهم المستعصية.

برزت في إحدى المدن العربيّة قبل مدّة تزيد على الثّلاثين عاماً، ظاهرة ازدحام السّكان في أرجاء تلك المدينة الكبيرة، التي استعان القيّمون على إدارة شؤونها، بأحد الخبراء الذين تميّزوا بعلمهم الغزير ومعرفتهم الواسعة، في حلّ تلك المشاكل التي يحدثها ازدياد الكثافة السّكّانيّة، وقد كانت إحدى الأزمات التي طُلب من ذلك الخبير أن ينظر فيها أيضاً، هي ازدياد أعداد النّاس الرّاغبين في السّكن في تلك المدينة، التي كانت أعداد المنازل المشيدة فيها، لا تفي بسدّ حاجة النّاس إلى الاستقرار في تلك المدينة، وقد قدم ذلك الخبير الأجنبيّ الجنسيّة قبل أكثر من ثلاثين عاماً إلى تلك المدينة العربيّة، وهو كان يعمل في إحدى المنظّمات العالميّة، التي يهتمّ الأعضاء المنتسبون إليها، بمعالجة المشاكل الدّيموغرافيّة التي تنشأ في دول العالم قاطبة، وقد أمضى ذلك الخبير بضعة أشهر في تلك المدينة العربيّة، حيث عكف على أن يتنقّل في أرجائها، فسبر أحوال مناطقها كافّة، وتفحّص أوضاع المرافق كلّها التي أنشئت فيها، ودقّق النّظر في قدر الكثافة السّكانيّة الحاصلة في تلك المدينة، وأمعن في البحث في النّسيج العمرانيّ الذي أقيم فيها، وأخذت تتجمّع عنده تلك الملاحظات الموفورة التي يرتئي الباحثون أن يدعموا بها دراساتهم، التي يجرونها وفق تلك القواعد التي يقوم عليها المنهج العلميّ الذي يتّبعونه، واستغرق ذلك الخبير في إعداد دراسته زمناً امتدّ إلى عدّة شهور، وبعد أن أنجز مهمّته التي انتدب للقيام بها، تهيّأ لتقديم حصيلة دراسته المكثّفة وبحثه المتشعّب، إلى الأشخاص القيّمين على إدارة شؤون تلك المدينة العربيّة، وقد استعدّ هؤلاء الأفراد متلهّفين لتلقّي نتيجة تلك الدّراسة التي أجراها ذلك الخبير الأجنبيّ، الذي نظر في تلك المشاكل الذي فوّضوه البحث فيها.

توقّع أولئك الأشخاص الذين تهيّؤوا لتلقّي التّقرير الذي أعدّه الخبير الأجنبيّ، أنّهم سيطالعون سيلاً طويلاً من النّصائح التي سيمحضها لهم ذلك الخبير، وقد عزوا غزارة تلك النّصائح التي تنبّؤوا بأنّهم سيتلقّونها، إلى طول المدّة التي أمضاها ذلك الخبير في هذه المدينة، وظنّوا أنّ كبر مقدار تلك النّصائح، سيناسب ضخامة تلك المشاكل التي بحثها ذلك الخبير، فلم تكن الأزمات التي أصابت تلك المدينة يسيرة، وقد توقّع هؤلاء الأشخاص المشرفون على إدارة المدينة، أنّ تلك الطّريقة التي ستعالج بها تلك الأزمات التي نزلت بها، لن تكون هيّنة بتاتاً، ولم يكد ذلك الخبير يقدّم حصيلة دراسته التي أنجزها، حتّى تفاجأ هؤلاء الأفراد الذين تلقّوا تلك الدّراسة، مفاجأة كبيرة، ودهشوا مبهوتين من حجم ذلك البحث الذي قدّمه لهم ذلك الخبير، واعترتهم الحيرة من مضمون تلك الدّراسة التي تلقّوها، وأمّا حجم تلك النّصائح فلم يكن يتعدّى بضع كلمات قليلة، شغلت حيّزاً صغيراً جدّاً من ورقة واحدة، وكانت حصيلة تلك الأبحاث التي أجراها، تركّزت في بضع كلمات قليلة، فتسبّبت ضآلة حجم تلك الدّراسة الوجيزة، بتلك الصّدمة التي نزلت بهم حينما تلقّوا ذلك التّقرير الذي قدّم إليهم، وهم كانوا يهيّؤون أنفسهم لتلقّيهم ملفّاً ضخماً من الأوراق المكدّسة، والمحشوّة بالنّصائح والملاحظات والمعلومات.

انتظر أعضاء الهيئة التي أنيط بها الإشراف على إدارة تلك المدينة، أن يتناولوا تقريراً كبيراً مليء بالعبارات، التي تفيض بالكلمات التي تدلّ على الشّرح والإيضاح لتلك المواضيع التي بحثها ذلك الخبير، وكان قدّر لهؤلاء القوم المشرفين على إدارة المدينة العربيّة، أن يتلقّوا مفاجأة أعنف وأشدّ قوّة من المفاجأة الأولى، التي أصابتهم بسبب تلقّيهم تلك الكلمات القليلة، التي حواها ذلك التّقرير الذي أعدّه الخبير الأجنبيّ، وأمّا المفاجأة الإضافيّة التي ألمّت بهم أيضاً، فكانت نجمت عن فحوى تلك العبارة الوجيزة التي ذكرها ذلك الخبير، الذي قال في عبارته التي تضمّنها تقريره: "يجب إيجاد الوسائل التي تسهّل تحقّق عمليّة استيراد السّيّارات"، ولم يكد القيّمون على إدارة شؤون تلك المدينة، يطّلعون على تلك الكلمات القليلة، حتّى ظنّ بعض منهم، أنّ الخبير قصد أن يمازحهم ويتّبع سبيل المداعبة الطّريفة، في تقديمه ذلك التّقرير الوجيز، وقد اعتقدوا في قرارة أنفسهم أنّ تلك الدّراسة لا تحوي مضموناً جدّيّاً، بيد أنّ ذلك الخبير أكّد جازماً أنّه عازم ومصمّم على التّشبّث بفحوى تلك الدّراسة التي أعدّها، وقد وقر في ذهنه أنّ تلك النّصيحة التي أفصح عنها، ملائمة لمعالجة مشاكل تلك المدينة.

إنّ النّاس الذين يتروّون في مغزى تلك الكلمات التي حواها التّقرير الذي أعدّه ذلك الخبير الأجنبيّ، لا يعسر عليهم أن يتبيّنوا أنّ أساس المشاكل التي تجبه الأقوام، لا يكمن بالضّرورة في الأسباب المباشرة التي أدّت إلى نشوء تلك المشاكل، وبخاصّة أنّ عين النّاظر في تلك المشاكل، تلحظ تلك الأسباب من الوهلة الأولى، بينما غالباً ما يكمن أساس تلك الأزمات في الأغوار السّحيقة، التي ينطوي عليها قوام تلك المشاكل، وكثيراً ما تعجز عين النّاظر عن أن تدرك ذلك الأساس العميق، من فور ظهور معالم تلك المشاكل لناظريه، وذلك الخبير الذي نظر في مشاكل تلك المدينة العربيّة الكبيرة، لم يعيَ عن أن يجد الحلّ الملائم لمشكلة ازدحام النّاس الحاصل في تلك المدينة، وإذا أردنا أن نتبيّن بدقّة مضمون عبارة ذلك الخبير، بمثال نستقيه من تلك الأحداث الواقعة في مجرى الحياة، فإنّه يجب أن نتقدّم في الزّمن فترة تقارب العشرين سنة، لنرى بصورة عمليّة تلك الطّريقة التي تطبّق فيها تلك النّصيحة التي كان ذلك الخبير ذكرها منذ زمن بعيد.

كابد سكّان عدّة مدن بالعالم في مطلع القرن الحادي والعشرين، عناء البحث عن منازل تفي بتلبية حاجاتهم إلى الإقامة في تلك المدن، التي لم يكن يتوفّر فيها العدد الكافي من المنازل المهيّأة لاستيعاب تلك الحشود المتزايدة من النّاس، الذين يرغبون في أن يسكنوا فيها، وكان المسؤولون عن إدارة شؤون تلك المدن، عمدوا إلى أن يطبّقوا فحوى تلك المشورة التي كان محضها ذلك الخبير قبل ثلاثين عاماً أولئك القيّمين على إدارة شؤون تلك المدينة العربيّة، التي كان زارها ذلك الخبير باحثاً في تلك المشاكل التي طرأت عليها آنذاك، فإذا تعذّر على النّاس أن يعثروا على مسكن يقطنون فيه في المدينة التي ينوون الإقامة فيها، فإنّ من يعالج تلك المشكلة التي جبهت هؤلاء القوم، قد يخطر في باله أن يقترح حلّاً ينصّ على ضرورة تحفيز أولئك النّاس إلى السّكن خارج تلك المدينة، حيث توجد الأماكن الفسيحة التي تهيّأ لاستيعاب العمارات الجديدة، التي يتأهّب النّاس لأن يبنوها في تلك الأراضي الواسعة، ولكنّ العقبة الكأداء التي تعترض تنفيذ ذلك الحلّ العمليّ، هي تلك المشاقّ التي سيعانيها أولئك السّكّان الذين يضطّرون إلى أن يقطعوا المسافات الطّويلة، التي تفصل بين المكان الذي يسكنون فيه، وتلك المدينة التي تضمّ تلك المقارّ التي يعمل فيها أولئك السّكّان، ومن يبحث عن الحلّ الملائم الذي يخفّف عن هؤلاء الأفراد وعثاء ذلك التّنقّل، الذي لا مفرّ لهم من أن يكابدوا تلك المشقّة التي يحدثها، فإنّه لن يجد حلّاً يفضل ذلك الحلّ الذي يتحقّق في حصول هؤلاء الأفراد، على وسيلة المواصلات المناسبة التي تيسّر لهم تنفيذ عمليّة ذلك التّنقّل بين تلك الأماكن، التي تفصل فيما بينها مسافات طويلة، فإذا ما توفّرت وسائل تلك المواصلات الملائمة، فإنّ النّاس سيتحفّزون آنئذ للسّكن خارج المدن.

انتشرت ظاهرة السّكن خارج المدن في أرجاء شتّى في هذا العالم، حتّى أصبحت ظاهرة عالميّة، إذ نفّذت دول عديدة ذلك الحلّ لتلك المشاكل التي يحدثها ازدحام النّاس في المدن، وإذا استعرضنا أحوال المدن الأمريكيّة، فإنّنا نجد أنّه "بات مزيد من الأمريكيّين، وأكثر من أيّ وقت مضى مستعدّين لتمضية فترة طويلة في سياراتهم مقابل الحصول على منزل كبير وفناء واسع"(1)، وتلك المشاريع الاقتصاديّة التي أقيمت لتلبية حاجات أولئك النّاس الذين يرغبون في السّكن خارج المدينة، لم تقتصر على توفير وسائل المواصلات المناسبة لأولئك السّكّان، بل أنّ التبّدلّ الطّارئ على الأماكن التي يقيم بها هؤلاء النّاس، استتبّع نشوء مناشط اقتصاديّة جديدة جارت تلك الظّاهرة العالميّة المنتشرة، فلوحظ أنّ "مع انتشار نزعة العيش خارج المدن وعلى أطرافها في أنحاء العالم، فإنّ الخدمات تتعقّبها أيضاً"(2)، وقد عنت شركات تجاريّة ومؤسّسات صناعية عديدة بتلبية حاجات هؤلاء الأفراد الذين اقتنوا منازلهم خارج المدينة، وكان بعض تلك المؤسّسات الاقتصاديّة وضع أولئك الأفراد في فئة المستهلكين، الذين يواظبون على قيادة سياراتهم فترات طويلة، وقد توطّدت تلك الصّلة التي تجمع بين السّيّارات التي يقودها هؤلاء السّكّان، والمنازل التي يقطنون فيها، حتّى أخذت تجمعهما عبارة واحدة تتضمّن مغزى اقتصاديّاً جليّاً، وتلك العبارة ترمز تحديداً إلى تلك القروض الماليّة التي يقترضها أولئك الأشخاص كي يتمكّنوا من شراء المنازل خارج المدينة، فقد كان في إحدى المدن الأمريكيّة "يقود 10 ملايين شخص سيّاراتهم لمدّة تفوق السّاعة للوصول إلى مراكز أعمالهم. بزيادة 50 بالمائة مقارنة بعام 1990. والكثيرون يقومون بما يسمّيه الوكلاء العقاريّون في كاليفورنيا "القيادة حتّى التّأهّل" لقرض عقاريّ"(3).

استشرف أشخاص عديدون بنظرهم الثّاقب تلك الحاجات، التي تنشأ عند النّاس، الذين يستخدمون سيّاراتهم في تنقلّهم الدّائم بين تلك الأماكن التي تفصل بينها مسافات شاسعة، فأولئك الأشخاص الذين تمّكنوا من أن يستوعبوا تلك الحاجات الشّخصيّة، التي تنشأ عند أولئك الأفراد القاطنين في أماكن خارج المدن، توقّعوا بيسر أنّ أولئك السّكّان الذين سيطوون يوميّاً المسافات الطّويلة، سيحتاجون إلى أن يهجؤوا جوعهم، وينضحوا عطشهم خلال تنقلهم بين تلك الأماكن المتباعدة عن بعضها البعض، ولم يعسر على أولئك الأشخاص الذين يبحثون عن المشاريع التّجاريّة المربحة، أن يدركوا حاجة هؤلاء الأفراد المتنقّلين إلى أن يتناولوا وجبات الطّعام، فعمدوا إلى أن يهيّؤوا لهم وجبات الطّعام التي يتناولونها، بينما يكونون جالسين في مقاعدهم الوثيرة في سيّاراتهم التي يستقّلونها، فأولئك الأفراد الذين يتنقلّون بين تلك الأماكن التي تفصل بينها مسافات مديدة، يضطّرون إلى أن يمضوا وقتاً طويلاً في قيادتهم سياراتهم على الطّرقات الممتدّة، وقد قدّر الوقت الذي يستغرقه النّاس في إحدى المناطق في أمريكا، في تنقّلهم بين الأماكن التي يسكنون فيها، والمقارّ الذي يعملون فيها "بأربع ساعات يوميّاً"(4)، فانفرج السّكّان الذين يقطنون خارج المدينة، من أزمة السّكن، التي كانوا يكابدونها في بحثهم المضني عن أمكنة يقيمون فيها، بالمدينة التي تضمّ المقارّ التي يمارسون فيها أعمالهم، وأصبحت "نزعة العيش خارج المدن الكبرى تحوّل أمريكا إلى بلد الرّحل. ف"المتنقّلون المتطرّفون" الذين يحتاجون إلى أكثر من 90 دقيقة للوصول إلى مراكز عملهم هم الشّريحة الأسرع نموّاً بين المتنقّلين يوميّاً إلى أعمالهم، وهم أيضاً قوّة اقتصاديّة تزداد أهمّيّة وتؤثّر في شتّى الأمور، من الأسواق العقاريّة إلى قوائم الوجبات السّريعة"(5).

اهتمّت شركات تجاريّة عديدة بتلبية حاجة أولئك النّاس إلى أن يتناولوا الطّعام، في أثناء ذلك الوقت الذي يقطعون فيه تلك المسافات الطّويلة، فوفّرت لهم الحصول على وجبات الطّعام التي اصطلح على أن تسمّى بالوجبات السّريعة، وقد أحصت الشّركات التّجاريّة عدد الوجبات التي يتناولها الفرد الأمريكيّ في سيارته فوجدت أنّه "يأكل 32 وجبة سنويّاً في سيّارته.. ويطلب وجبة من أصل كلّ أربع وجبات من سيارته"(6)، ولم تقتصر عناية الشّركات التّجاريّة بأولئك السّائقين على تقديم وجبات الطعام إليهم، بل أنّها عمدت إلى أن توجد الطّريقة الملائمة التي يقدّم بها الطّعام إلى هؤلاء السّائقين ضمن سيّاراتهم التي يستقلّونها، فهيّأت لهم بعض الشّركات التي تعدّ وجبات الطّعام، وسائل تكنولوجيّة متطوّرة، إذ وضعت شاشات يستخدمها الأشخاص بلمسها بأطراف أصابعهم، ليحدّدوا أنواع الطّعام الذي يعرض عليهم في قوائم تظهر على سطح تلك الشّاشات، التي سرعان ما شغلت المكان المناسب، الذي كان ضمن محطّات الوقود نفسها، فالسّائق الذي يقود سيارته فترة طويلة، مضطرّ إلى أن يقصد تلك المحطّات ليتزوّد منها بالوقود الذي يدفع بسيّارته إلى أن يمضي بها قدماً، في مسيرها على الطّرقات الممتدّة الطّويلة، فيمدّ سيّارته بتلك الطّاقة التي تدفعها إلى مواصلة سيرها، وهو سيتاح له أيضاً أن يحصل في تلك المحطّات على وجبات الطّعام، التي تثير في جسده الطّاقة التي تدبّ النّشاط في جسده، ولا يصعب على الإنسان أن يحدّد ذلك المكان الذي تحلّ فيه تلك الشّاشات، التي لا ريب في أنّها ستوضع على مضّخات الوقود بذاتها، فلا يكاد ذلك السّائق ينتهي من ملء الوقود، حتّى تكون شطيرته مهيأة لأن تقدّم إليه في السّيارة التي يقودها.

إنّ أولئك السّائقين الذين لقّبوا بالمواطنين الرّحل، عمدوا في أغلب الأوقات إلى أن يطلبوا وجبات الطّعام السّريعة في تنقلهم على الطّرقات، حتّى أصبح "أكثر الأدوات الكهربائيّة رواجاً في أمريكا ليست أفران المايكرويف، بل النّوافذ الكهربائيّة"(7)، وقد استتبع رواج تلك العروض التّجاريّة في محطّات الوقود، أن تبنى على مقربة من مضخّات الوقود "المراحيض التي يستخدمها هؤلاء المتنقّلون على الطّرقات(8)، وإذا كانت السّيارة هي الأساس الذي ارتكز عليه ذلك الحلّ لمشكلة السّكن، فإن الشّركات التي تصنّع السّيارات سعت إلى أن تجاري نشوء تلك النّتائج التي تمخّض بها، تطبيق ذلك الحلّ النّاجع، وتكاد شركات السّيّارات أن تكون هي أولى وأحقّ بأن تساهم مساهمة فعّالة، في أن توجد الخدمات الملائمة التي يحتاجها هؤلاء السّائقون الرّحل، فقد دأبت شركات تصنيع السّيّارات في أن تنتج "سيّارات هجينة تهدف جزئيّاً إلى الحدّ من تكاليف الوقود المترتّبة على المتنقّلين الذين يعيشون بعيداً عن عملهم. لكنّ التّغييرات الحقيقيّة تحصل داخل السّيارة. فحاملات الأكواب. التي أطلقت عام 1982، يفوق عددها الآن عدد المقاعد في الكثير من السّيارات"(9)، وقد عملت بعض الشّركات على أن تصنع سيّارات تضمّ "ثلاث حاملات أكواب للسّائق وحده: واحدة لقنينة الماء وواحدة للقهوة وواحدة للعصير. هناك حتّى شقوق لوضع سدادات القنانيّ"(10)، وقد بادرت إحدى الشّركات التي تصنع السّيّارات، إلى أن "تقدّم صندوق قفّازات مبرّداً اختياريّاً، كما أنّ مقعد راكبها الأماميّ يتحوّل إلى طاولة طعام عند ثنيه"(11)، فبدأت شركات السّيّارات تهتمّ بأن تسدّ تلك الحاجات، التي كانت سابقاً تندرج في فئة الكماليّات التي لم يكن يؤبه لها كثيراً.

لم تتوان الشّركات التي تصنّع السّيّارات، في أن تندفع أيضاً في إنتاجها المقاعد الوثيرة، التي توفّر دواعي الرّاحة لأجساد أولئك السّائقين الذين يطوون يوميّاً مسافات واسعة، وقد حرّصت تلك الشّركات على أن تتعاقد مع المهندسين المهرة الأكفاء، الذين عندهم خبرة ودراية واسعتان بتصنيع تلك المقاعد المريحة، التي عكفت تلك الشّركات على أن تعدّها لتلائم أولئك السّائقين، الذين يجلسون على تلك المقاعد فترات طويلة جدّاً، وقد ذكر أحد المسؤولين عن تصنيع تلك المقاعد في إحدى شركات السّيّارات أنّ "هذه التّنقلات الطّويلة ستغيّر طريقة تقييمنا للمقاعد. قد نرى أشخاصاً مستعدّين لدفع مبالغ كبيرة للحصول على مقاعد مريحة جدّاً"(12)، وقد انتشرت "نزعة العيش خارج المدن وعلى أطرافها في أنحاء العالم"(13)، حتّى أنّها أدركت أوروبا واليابان، إذ كانت "التّنقلّات الطّويلة إلى أماكن العمل باتت راسخة في أوروبا وتنتشر في اليابان إلى بقيّة آسيا أيضاً"(14).

لم تغب ظاهرة السّكن خارج المدينة، عن الصّين أيضاً حيث ذكر أنّ "الصّينيّين المتنقّلين إلى أعمالهم يقطعون مسافات طويلة ويقضون أوقاتاً طويلة في سيّاراتهم بقدر سكّان كاليفورنيا، أي أكثر من ساعة يوميّاً"(15)، وإذا كان أصحاب المؤسّسات الاقتصاديّة قد تنبّهوا لانتشار هذه الظّاهرة في تلك البلدان، التي أنشؤوا فيها المراكز الرّئيسيّة التي قامت فيها شركاتهم التّجاريّة، فإنّهم قرّروا أيضاً أن يجاروا تنقّل تلك الظّاهرة بين بلدان العالم، وإن اضّطرّ أصحاب تلك الشّركات أن يقطعوا المسافات الطّويلة، كي يسايروا انتشار تلك الظّاهرة العالميّة، فكانت الشّركات التّجاريّة الأمريكيّة، التي تابعت عن كثب نشوء ظاهرة السّكن خارج المدن في أمريكا، سرعان ما عمدت إلى أن توسّع نطاق تلك الأعمال التي تنجزها، حتّى تمّكنت من أن تحيط ببلد فسيح الأرجاء هو الصّين بذاتها، حيث كان يتنقّل فيها أيضاً على الطّرقات أولئك الصيّنيّون الذين كانت "التّجارة الأمريكيّة في أعقابهم"(16)، إذ ذكر أنّ إحدى شركات الطّعام عمدت إلى أن تفتتح في عام 2006 "أوّل نافذة لتسليم الوجبات في السّيارات... في الصّين، وتنوي افتتاح مئات النّوافذ الأخرى"(17).

لم يكد النّاس يندفعون في الاستقرار بمناطق واقعة خارج المدن، التي يزاولون فيها أعمالهم، حتّى أخذ أصحاب الشّركات التّجاريّة الحصفاء، في أن يسارعوا إلى أن يتبيّنوا تلك الحوائج المستجدّة التي نشأت عند أولئك النّاس، الذين قرّروا أن يسكنوا خارج المدن، بل إنّ مديري تلك الشّركات التّجاريّة تكهّنوا مسبقاً في طبيعة الأزمات التي سيصادفها أولئك الأفراد، الذين أطلق عليهم لقب الأشخاص الرّحل، الذين جهد أصحاب تلك الشّركات التّجاريّة في أن يذلّلوا المصاعب التي تعترضهم، وسعوا إلى أن يمهّدوا لهم سبيل التّنقّل بيسر وسهولة، ولا ريب في أن تلك الشّركات غنمت فوائد عديدة بتنفيذ تلك المبادرات التّجاريّة، فأنشأت أنشطة اقتصاديّة واسعة، واستطاع الرّجال الذين أطلقوا تلك المبادرات الاقتصاديّة أن يحلّوا العديد من المشاكل، التي برزت في مجرى حياة أولئك النّاس الرّحل، وكانت فكرة السّكن خارج المدن، تعتمد اعتماداً كبيراً على توفّر وسيلة المواصلات المناسبة، وأعتقد أنّه مهما اشتدّت قسوة تلك المشاكل التي تجبه النّاس، فإنّ في إمكانهم أن يوجدوا الحلول التي تنتشلهم من أشدّ الأزمات المستعصية، وتفرّج عنهم ذلك الضّيق الذي توقعهم فيه تلك المشاكل التي تطرأ عليهم.

 

1- مجلّة نيوزويك، العدد 318، 18 يوليو 2006، ص47.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق.

12- المصدر السّابق.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق.

15- المصدر السّابق.

16- المصدر السّابق.

17-المصدر السّابق.



يعمد النّاس إلى أن يقطنوا في تلك الأماكن التي ينفسح فيها لهم المجال لمزاولة أنشطتهم المتنوّعة، وما تبرح تزداد صلابة تلك الرّابطة التي تجمع بين الإنسان، وتلك البقاع التي يؤسّس فيها ركائز العمل الذي يمتهنه، فظلّت تتوثّق تلك العلاقة التي تجمع بين مثوى الإنسان الذي يسكن فيه، والمكان الذي يمارس فيه أعماله، ونشأت هذه الرّابطة المتينة منذ العصور السّحيقة، وظلّت تتوطّد على مرّ الزّمن، حتّى أنّ تلك العلاقة كانت سبباً مباشراً لنشوء مدن عديدة كبيرة، إذ كانت تلك المدن تتوسّع وتنمو، كلّما أمّتها الأعداد المتزايدة من النّاس الذين انتووا أن يمارسوا أعمالهم في أرجائها، حيث يقصدون إلى أن يتلبّثوا ماكثين في تلك المدن، وقد دخلت تلك الرّابطة بين المسكن ومكان العمل، في عالم الأمثال التي تتحدّث عن الصّلة الوثيقة النّاشئة بين الإنسان والمكان الذي يمارس فيه أعماله، التي تدرّ عليه أخلاف الرّزق الذي يقيم به أود عائلته، وقد محض مثل سائر شائع النّاس النّصيحة بأن يلزموا المكان، الذي يجنون فيه المال الذي يعود عليهم من مزاولتهم أعمالهم المهنيّة، فتستقرّنَواهم بتلك الأمكنة التي يقرّرون أن يمارسوا فيها أنشطتهم، وما برح النّاس يقبلون على الإقامة في أرجاء المدن، ويتزاحمون على أن ينشؤوا في تلك البقاع التي يحلّون بها، منازل يقطنون فيها، حتّى أخذت تلك المدن تضيق بجموع هؤلاء السّكّان المتزاحمين في نواحيها، إذ أخذ النّاس يتسابقون إلى السّكن في تلك البقاع التي أنشؤوا فيها تلك المدن، التي طفقت تكتظّ بالأقوام التي تلازنوا فيها، حتّى أصبحت الموارد المختزنة في تلك المدن لا تفي بتلبية حوائج أولئك السّكّان الذين كانت أعدادهم تتزايد.

تمخّض الاحتشاد البشريّ الكثيف بالأزمات العديدة، التي اندرجت في عدادها المشكلة السّكانيّة التي تنجم عن "تزايد عدد السّكّان بصورة لا تتناسب مع الموارد الاقتصاديّة"(1)، وقد تناول تلك المشكلة الباحثون في القضايا الدّيموغرافيّة، ونظروا في تلك الوسائل التي تهيّىء التّصدّي لمعالجة تلك المشاكل، التي يتسبّب بحدوثها اكتظاظ المدن بالأعداد المتزايدة من النّاس، ولا غرابة في أن تتعدّد الدّراسات الدّيموغرافيّة التي وضعها الباحثون، ليحلّوا تلك المشاكل الطّارئة على المدن، فلأنّ الدّيموغرافيّة هي "علم إحصائيّ يعنى بدراسة السّكّان بالاعتماد على الإحصاء والتّحوّلات المصاحبة للسّكّان، وكيفيّة توزّعهم حسب الجنس والفئات العمريّة، وكيفيّة توزّعهم على المجال وهجراتهم، ولا يكتفي بدراسة الظّواهر السّكانيّة بل يبرز التّفسيرات المرتبطة بها، ومن المقاييس الدّيموغرافيّة الهامّة نسبة النّزوح والهجرات الدّاخليّة والخارجيّة من حيث الوافدين والمغادرين، ونسبة الحضر والرّيف ونسبة الكهول والأطفال ونسبة النّمو الطّبيعيّ والولادات والوفيات"(2)، فعنى الباحثون في القضايا الدّيموغرافيّة بمعالجة تلك الأزمات النّاجمة عن تزاحم النّاس في المدينة، التي أطلق عليها اسم الحاضرة العمرانيّة، وقد تنوّعت تلك القضايا الدّيموغرافيّة، لتجاري تعدّد تلك المظاهر التي تتجلّى فيها الأعمال المختلفة، التي تأتيها الجموع السّكانيّة في تلك المدن التي تقيم فيها.

اختلفت أنماط تلك الأزمات التي نجمت عن اكتظاظ المدن بالسّكّان، إذ كانت تلك الحواضر السّكنيّة تحتوي أساساً تلك المناشط، التي تعبّر عن المظاهر الكثيرة والواسعة التي يلوح فيها مجرى الحياة التي يعيشها أولئك السّكّان، فإذا نظرنا على سبيل المثال، إلى المشاكل الصّحّيّة النّاجمة عن ذلك الاحتشاد البشريّ، فإنّنا نرى المنظّمات العالمية التي تندرج في عدادها منظّمة الصّحّة العالميّة، قد اهتمّت بمعالجة تلك المشاكل الصّحّيّة، التي تتسبّب بنشوئها حالة الانفجار السّكانيّ الذي يسمّى أيضاً بالتّضخّم السّكانيّ، وهو الحالة التي "يبلغ فيها عدد السّكّان حدّاً يختلّ فيه التّوازن بين عدد السّكّان وحاجاتهم والموارد الاقتصاديّة الطّبيعيّة والاقتصاديّة المتوفّرة"(3)، فكان الباحثون الذين درسوا الأسباب التي تؤدّي إلى نشوء تلك المشكلة، اعتبروا أنّ مسألة شحّ الموارد الطّبيعيّة هي العامل الأساسيّ الذي أنتج تلك المشكلة السّكانيّة، التي عيّنوا تلك المرحلة التي تنشأ فيها، وقد كانت تحديداً في ذلك الأوان الذي تبدأ فيه الموارد في المدن تتناقص، إلى أن تبلغ ذلك المقدار الذي لا يفي بتلبية حوائج أولئك السّكّان، الذين يحلّون في تلك المدن، وقد عمد الاقتصاديّ الكنديّ William Rees إلى أن يميّز بين المساحة الفعليّة التي تشغلها المدينة، وأبعاد المكان الذي تتوفّر فيه الموارد الطّبيعيّة التي تفي بسدّ حاجات السّكّان في تلك المدينة، فنشأ مفهوم الرّقعة الجغرافيّة الفعليّة للمدينة أو (Footprint ) وهي تتجاوز مساحتها الجغرافيّة الظّاهريّة، وعدّ ذلك الباحث أنّ تلك الرّقعة الجغرافيّة هي "المساحة الفعليّة اللّازمة لاكتفاء المدينة بسكّانها من المصادر الطّبيعيّة".(4)

إنّ ذلك التّعريف الذي وضع لتحديد مفهوم المشكلة السّكانيّة، يوضّح جليّاً أهمّيّة ذلك البحث الذي أجراه ذلك الباحث الاقتصاديّ الكنديّ "ويليام ريس"، الذي حدّد مقدار مساحة المكان الذي يجب أن يعدّ لاحتضان أعداد محدّدة من السّكان، بحسب مبلغ تلك الموارد التي يقدّمها ذلك المكان ليسدّ بها حوائج أولئك السّكّان، وقد اتّخذت مدينة لندن مثالاً يوضّح مفهوم الرّقعة الجغرافيّة، فذكر أنّ "مدينة مثل لندن يقطنها 12% من سكّان بريطانيا، والتي تمتدّ لمساحة 170 ألف هكتار تستهلك ما يعادل مساحة جغرافيّة فعليّة، هي 21 مليون هكتار أو 125 ضعف مساحتها الجغرافيّة الظّاهريّة، وبكلمات أخرى يستلزمها مساحة بريطانيا الجغرافيّة كلّها كمساحة فعليّة لتلبية احتياجاتها البيئيّة ومستلزماتها"(5)، وقد راعى الدّارسون الذين تناولوا المشكلة السّكانيّة في دراساتهم، أن يبحثوا أيضاً في مسألة الكثافة السّكانيّة التي اعتبرت هي "مقياس ديموغرافيّ يستخدم لقياس معدّل تواجد السّكّان في منطقة ما، وهي تساوي حاصل قسمة عدد السّكّان في منطقة ما على المساحة الكلّيّة لتلك المنطقة"،(6) وكانت تتنوّع طرق حساب الكثافة السّكانيّة، لتوافق طبيعة المكان الذي تحسب فيه نسبة تلك الكثافة، إذ كانت تحدّد تلك النّسبة في أماكن متنوّعة مثل الأراضي الزّراعيّة أو الحضريّة أو السّكنيّة، بالإضافة إلى المواقع الأخرى التي يهتمّ الباحثون برصد نسبة الكثافة السّكانيّة فيها.

تعدّدت في العالم المدن التي أخذت تتضخّم وتتّسع لتحيط بالأعداد المتزايدة من السّكّان الذين تكتنفهم في ظلّها، فأصبحت المدن الضّخمة ظاهرة عالميّة لا تقتصر وجودها على بقعة محدّدة من مناطق العالم، وكان أغلب المخطّطات العمرانيّة التي وضعت لتنظّم مسألة اتّساع وامتداد المدن، لم تف بمعالجة مشكلة تضخّم أعداد النّاس الذين بدأت تلك المدن تغصّ بهم، فظلّ الباحثون الذين اهتمّوا بوضع المخطّطات الملائمة لتلك المدن التي يزداد توسّعها، يفكّرون في إيجاد الخطط المناسبة لحلّ تلك المشاكل، التي يحدثها تزايد أعداد النّاس الذين يقطنون في المدن، وكانت جميع الهيئات المشرفة على إدارة شؤون تلك المدن، تلجأ إلى الاستفادة من المشورة التي يفصح عنها الخبراء، الذين اهتمّوا بدراسة مسائل النّمو العمرانيّ في المدن، وما زالت تتوسّع الدّراسات التي أجراها هؤلاء الباحثون في المسائل الدّيموغرافيّة، ليحيطوا علماً بأسباب نشوء تلك الأزمات التي أخذت تكابد رونتها مدن عديدة في العالم.

1- موسوعة المصطلحات الاقتصاديّة.

2- معجم المصطلحات الجغرافيّة.

3- موسوعة المصطلحات الاقتصاديّة.

4- قراءات في نشأة وتطوّر المدن تاريخيّاً ووجهة المدينة الحديثة ومشكلاتها، بحث منشور في موقع منتديات.

5- المصدر السّابق.

6- معجم المصطلحات الجغرافيّة.



سعى النّاس في المجتمعات كافّة، إلى أن يهيّؤوا لأنفسهم تلك الوسائل التي يتذرّعون بها إلى أن يحقّقوا مصالحهم الشّخصيّة، وقد نصّت الأعراف والشّرائع التي نظّمت مجرى العلاقات النّاشئة بين الأقوام، على المبادئ التي تحقّق تكافؤ النّاس في الحصول على الفرص، التي يتيسّر لهم فيها أن يحقّقوا منافعهم الذّاتيّة، من دون أن يتشاحّوا متباغضين في الاستئثار بتلك الأسباب، التي تؤدّي بهم إلى أن يدركوا مراميهم التي يطمحون إليها، وقد هدفت الشّرائع القانونيّة إلى أن ترسّخ الاستقرار في تلك العلاقات التي تربط بين هؤلاء النّاس، بيد أنّ غالباً ما كان يتجلّى في مجرى الأحداث الواقعة في المجتمعات الإنسانيّة، ذلك البون الظّاهر الملحوظ بين الهدف الذي يقصد هؤلاء المشرّعون إلى أن يبلغوه، وحقيقة أحوال تلك المعيشة التي يحياها النّاس في تلك المجتمعات، وإذا سلّمنا جدلاً بحصول ذلك التّكافؤ بين النّاس في تمكّنهم من أن يتمّتعوا بالظّفر بالوسائل، التي تهيّئ لهم أن يحصلوا على المنافع التي طالما كانوا يمنّون أنفسهم بأن ينالوها، فإنّنا إذا نظرنا في التّصرّفات التي تبدر من النّاس، فيلاحظ أحياناً، اندفاع العديد من أولئك الأقوام في أن يميلوا إلى التّطاول على حقوق الأشخاص الآخرين، فإن كانت حالة ذلك التّنازع الذي ينشب بين النّاس، تكاد تكون مألوفة في غالبيّة المجتمعات الإنسانيّة، في فترات التّاريخ المنصرمة، فلا مرية في أن يعوّل آنئذ على تلك القوانين العادلة التي يسنّها المشرّعون، كي تردّ عن النّاس غائلة ذلك الجور الذي قد يصيب بعضاً منهم، فتتكفّل تلك القوانين بالذّود عن فضيلة العدالة التي تنتهك.

يهفو الأقوام إلى أن يجلبوا لذواتهم تلك المنافع التي يطيبون بها نفساً، إلّا أنّ ما برح العديد من هؤلاء النّاس يدأب في أن يسرف في تحصيل تلك الوسائل، التي يظنّ أنّها تمهّد له السّبيل إلى أن ينال تلك المصالح التي يتطرّق إلى أن يدركها، واستمرّ هؤلاء النّاس على إمعانهم في ذلك الحرص على انتهاز تلك الفرص التي تلائمهم، لأنّهم "لا يزالون يعملون على تلبية مصالحهم الذّاتيّة أكثر من عملهم في سبيل تحقيق العدل"(1)، فأولئك الأفراد الذين يتشاحّون مع بعضهم البعض، على الاستئثار بتلك الذّرائع التي تتيح لهم تحقيق مصالحهم الذّاتيّة، لا يزالون "منصرفين عن العدل الذي لا يحقّق لهم مصلحة ولا يجلب لهم نفعاً، ولا يزالون يجرون وراء الأرباح والمكاسب"(2)، ولا غرو في أن يختلف النّاس في أقطار العالم على إيجاد تلك الأسس التي تنهض عليها تلك القوانين المنصفة، لأنّ النّظم الاجتماعيّة نفسها ما برحت "مختلفة اليوم حول الأساس الذي ينبني عليه العدل"(3)، وكان كرّس الفيلسوف أفلاطون حيّزاً من كتابه الجمهوريّة لتعريف العدل، والبحث في الطّرائق التي يتحقّق بها في المجتمع، واستعرض في مؤلّفه أيضاً الوسائل الملائمة لتطبيق العدالة في الدّولة، وقد ذهب العديد من الفلاسفة والمفكّرين إلى تأكيد تنازع النّاس فيما بينهم، في مسعاهم إلى الحصول على المصالح التي ينتفعون بها، حتّى يكاد لا يقنعون بتلك الحقوق التي خصّصت لهم، فيمنّون نفوسهم بأن يغنموا أيضاً تلك المنافع التي يزاحم بعضهم البعض على الاستئثار بها، فيعرضون عن أن يمتثلوا قواعد تلك العدالة التي يقتضي تحقّقها في المجتمع الإنسانيّ، أن تتساوى فيه فرص النّاس في إدراك مصالحهم الذّاتيّة، وكانت غالبيّة المصلحين والمفكّرين تذهب إلى تأكيد أنّه يجب على المرء أن يقنع بقسمته من الحقوق التي ينالها، ولا يطمع في تلك الحقوق والمكاسب والمنافع التي يتمتّع بها النّاس الآخرون، وقد اتّفق هؤلاء المفكّرون على اعتبار ذلك القبول الذي يجب على الفرد أن يلتزمه، هو الأساس الذي تقوم عليه القواعد التي تنظّم مجرى تلك العلاقات التي تنشأ بين النّاس.

لم يتوان الأدباء والشّعراء في أن يدلوا بآرائهم في تلك الطّرائق، التي تطبّق بها فضيلة العدالة في المجتمعات التي يحيون فيها، وقد اعتقد الشّاعر المتنبّي أن سجايا النّاس فطرت على أن تتّسم بالجور، إذ قال: "والظّلم من شيم النّفوس فإن تجد... ذا عفّة فلعلّة لا يظلم"، وإذا كان قلّما تحقّقت في تاريخ البشريّة، تلك الحالة المثاليّة التي تكون عليها المجتمعات، التي يقنع فيها كلّ إنسان بالحقّ الذي خصّص له، فإنّ هذه الحالة التي يندر وجودها، لم تكن غائبة عن تاريخ العرب، إذ عبّرت عنها بأدقّ تعبير وأصدق وصف، تلك الحادثة، التي رويت عن عمر بن الخطّاب الذي تضمّنت سيرة حياته مآثر جليلة جمّة، وكانت من جملة تلك المكارم الحميدة، تحلّي شخصيّته بفضيلة العدالة، وقد استفيضت الأحاديث عن تلك الطّرائق المثلى التي كان يطبّق بها عمر بن الخطّاب ذلك العدل في القضايا والمسائل، التي كان ينظر فيها، وإن كنت سأجتزئ حاليّاً بأن أذكر حادثة محدّدة رويت عنه، إذ ذكر أنّه"لمّا استُخلِف أبو بكر استعمل عمرَ على القضاء، وأبا عبيدة على بيت المال، فمكث عمر سنة لا يتقدّم إليه أحد. فعندما تولّى أبو بكر الصّديق _ رضي الله عنه _ الخلافة قام بتعيين عمر بن الخطّاب قاضياً على المدينة، فمكث عمر سنة لم يفتتح جلسة، ولم يختصم إليه اثنان، فطلب من أبي بكر إعفاءه من القضاء، فقال له أبو بكر: أمِن مشقّة القضاء تطلب الإعفاء يا عمر؟ فقال عمر: لا يا خليفة رسول الله، ولكنّ لا حاجة لي عند قوم مؤمنين، عرف كلّ منهم ما له من حقّ فلم يطلب أكثر منه، وما عليه من واجب فلم يُقصّر في أدائه، أحبّ كلّ منهم لأخيه ما يحبّ لنفسه، إذا غاب أحدهم تفقّدوه، وإذا مرض عادوه، وإذا افتقر أعانوه، وإذا احتاج ساعدوه، وإذا أصيب واسوه، دينهم النّصيحة، وخلقهم الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ففيم يختصمون؟ ففيم يختصمون؟!"(4)

إنّ الأقوام الذين أخبر عمر بن الخطّاب عنهم في حديثه، لم ينزلقوا إلى أن يذكوا نيران المنازعة والمشاحنة فيما بينهم، فلم يغالب بعضهم بعضاً على الاستئثار بتلك الحقوق التي خصّصت لهم، ولم يتطلّع أحد منهم إلى أن يجرّد الأشخاص الآخرين، من تلك الحقوق التي كانوا جديرين بأن يتمتّعوا بها، وقد أخبرت والدي تلك الأفكار التي خطرت في بالي عن فضيلة العدالة، وتداولنا الحديث بيننا، عن آراء الفلاسفة والمفكّرين الذي بحثوا في مسألة تحقيق العدل في المجتمعات البشريّة، وقد تشّعب الحديث إلى استعراض الأحوال التي كانت يطبّق فيها العدل في أقطار شتّى من هذا العالم، وأخذ والدي يخبرني بحادثة، وافقت وقائعها مضامين ذلك الحديث الذي دار بيننا، فذكر لي أنّه وجد في إحدى المدن رجل محتال اتّصف بالمكر والخداع، إذ كان يسعى إلى أن يوقع سائر النّاس في مصائد الاحتيال التي كان ينصبها لهم، ولم يكن يجد سبيلاً إلى الاعتداء على حقوقهم، إلّا في افتعاله إثارة المشاحنات والمنازعات، التي كانت تعرض في خاتمة المطاف على هيئات المحاكم لتنظر فيها، فيدأب في أن يدفع خصومه الأبرياء إلى الدّخول في غمار الدّعاوى القضائيّة، ويحتال ذلك الرّجل المخادع في أن يجد سبباً قانونيّاً يجيز له أن يقدّم تلك المنازعات التي يثيرها، إلى ساحة القضاء، ويجهد في أن يستخلص من تلك الدّعاوى القانونيّة التي يرفعها، صدور حكم يوافق مصالحه الشّخصيّة التي تطلّع إلى أن يحقّقها.

تعدّدت تلك الدّعاوي التي كان يرفعها ذلك الرّجل المحتال، الذي تمكّن محاميه الذي رافع عنه، من أن يستصدر من المحكمة في إحدى الدعاوي التي نظرت فيها، قراراً وافق مصلحة موكّله، وحقّق رغبته في أن يربح تلك الدّعوى القضائيّة التي رفعها، وقد صدف أنّ ذلك الرّجل المحتال لم يتمّكن آنذاك من متابعة تلك الدّعوى عن كثب، إذ كان غائباً عن المدينة، بداعي السّفر الذي حال بينه وبين متابعته وقائع تلك الدّعوى، ولم تكد تصدر المحكمة قرارها الذي وافق مصلحة ذلك الرّجل المحتال، حتّى بادر المحامي إلى أن يرسل برقيّة إلى موكّله، وتضمّنت تلك البرقيّة الكلمات التّالية: "أودّ أن أعلمكم أنّ الحقّ قد انتصر"، ولم يكد يقرأ ذلك الرّجل المحتال تلك البرقيّة التي وصلت إليه، حتّى سارع إلى أن يجيب ذلك المحامي، وأرسل إليه ببرقيّة تضمّنت العبارة التّالية: "استأنف الحكم فوراً".

إنّ هذه الحادثة التي رواها لي والدي، بيّنت جليّاً تلك الهواجس التي كانت تتردّد في خاطر ذلك الرّجل المحتال، فظهرت في ضحّة تامّة تلك الأفكار التي وردت إلى ذهنه، إذ كان يعلم أنّ كفّة الحقّ يجب أن تكون راجحة، ويدرك أيّ جهة من طرفي هذه الدّعوى القضائيّة، هي جديرة بأن تربح هذه الدّعوى التي تنظر فيها هيئة المحكمة، وما إن تلقّى تلك البرقيّة التي أرسلها له المحامي، حتّى اندفع في أن يفسّر العبارة التي وردت في البرقيّة، بذلك التّفسير الذي وافق ذلك الإدراك الذي لاح في فكره، فأوقع المحامي الرّجل المحتال، في ذلك الاختلاط في معرفة حقيقة القرار الصّادر عن هيئة المحكمة، إذ التبس عليه كنه ذلك الحكم الذي بتّ في هذه القضية، فظنّ أنّ الحقّ الذي انتصر هو الحقّ الذي يملكه خصمه، الذي قرّر ذلك الرّجل النّصّاب أن يحتال عليه، ويعتدي على حقوقه، وقد أكّد والدي بتلك الحادثة التي رواها تلك المغازي التي اشتمل عليها حديثنا، الذي دار بيني وبينه عن مسألة العدل، الذي تسعى الأقوام إلى أن تحقّقه في تلك المجتمعات التي تحيا فيها، كي يستقيم مجرى تلك العلاقات التي تنشأ بين أفراد النّاس، ويرسخ ذلك الاستقرار في المعالات التي تجري فيما بينهم.

1- الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، معهد الإنماء العربيّ، الطّبعة الأولى ت 1986، المجلّد الأوّل، ص 581.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق.

4- أخبار القضاة، المكتبة الشّاملة.