ذلّلت شبكات الاتّصال للنّاس السّبيلَ إلى أن ينشئوا فيما بينهم روابط التّواصل، وعلائق التّرابط في هذه المعمورة الفسيحة الأرجاء والبعيدة الأطراف، فأخذ العالم يضيق كلّما توالى ظهور منتجات تكنولوجيا الاتّصالات الألكترونيّة، التي اختصرت شقّة البعد بين البشر، وقلّصت المسافات التي كانت تفصل بينهم، فأنشأت تكنولوجيا الاتّصالات المتطوّرة أسباب ذلك التّواصل الذي جمع هؤلاء الأشخاص معاً، حتّى أصبح النّاس يتيقّنون بأنّ العالم أصبح قرية صغيرة، إذ قرّبت أدوات تكنولوجيا الاتّصالات بين الأقوام، الذين كانت تنتقل المعلومات فيما بينهم انتقالاً فائق السّرعة، وهيّئ لتلك المعلومات، الأدوات التي تيسّر تنقّلها السّريع بين الأفراد، حتّى أنّه وصف المجرى الذي تنطلق فيه تلك المعلومات، بأنّه فضاء السّماوات المفتوحة، التي تخلو من العوائق والعقبات التي تحدّ من جريان تلك المعلومات، وكانت شبكة الأنترنت، هي معاجيل الطرّق التي تمضي فيها المعلومات مضيّاً سريعاً جدّاً، فزالت العقبات التي تفصل بين الشّعوب، ورفعت العوائق التي كانت تحول دون أن يتلاقى النّاس مع بعضهم البعض، وتحقّق بين المجتمعات ذلك الاتّصال الأمميّ TRANSNATIONAL PHENOMENA الذي جمع بين الأقوام بواسطة شبكات الاتّصالات، التي أخذ يلحّ على أن يستخدمها أولئك الأفراد الذين زاولوا الأنشطة الاقتصاديّة، فلم تقتصر وسائل الاتّصالات المتطوّرة، على إسهامها البالغ في أن توسّع ذلك الميدان الذي نشأت فيه الأنشطة الاقتصاديّة، بل أنّها سرّعت أيضاً عمليّة تحقّق تلك الأعمال الاقتصاديّة، التي كان ينجزها النّاس في بقاع شتّى في العالم، حيث باتت الأموال تنتقل فيما بينهم بيسر وسرعة فائقتين، فلم تنفرد عمليّة تنقّل المعلومات بين النّاس، بتميّزها بطابع تلك السّرعة التي اتّسمت بها، بل بات في إمكان النّاس أن ينجزوا بسرعة بالغة أيضاً، تلك الأعمال التي تتضّمنها الأنشطة الاقتصاديّة التي كانوا يزاولونها.

أتاح نشوء شبكات الاتّصال الألكترونيّة المتطوّرة، للنّاس كافّة أن يزاولوا تلك الأعمال التي يشتمل عليها النّشاط الاقتصاديّ، الذي يستند إلى ركائز المعرفة، فتكنولوجيا الاتّصالات جعلت "في استطاعة كلّ فرد المشاركة في السّوق العالميّة، فكثير من المهمّات يكاد يكون في الإمكان إنجازها بغضّ النّظر عن المكان الذي يسكن فيه هذا المرء"(1)، بيد أنّ النّاس إن رغبوا في أن يشاركوا مشاركة مثمرة تؤتي أكلها في تلك السّوق العالميّة، فيجب أن يحظوا بالتّحصيل العلميّ الذي ييسّر لهم ممارستهم تلك الأعمال، التي نشأت حديثاً في نطاق ذلك النّشاط الاقتصاديّ، وكان الباحثون الاقتصاديّون والمفكّرون في الدّول التي تتنافس على تصدّر المكانة البارزة في ميدان الاقتصاد، قد أطلقوا الدّعوة إلى اتبّاع سبيل العلوم المتطوّرة التي تفضي بمن يسلكها، إلى أن يكتسب ثمار النّجاح في مزاولة الأعمال الاقتصاديّة، وهم صاغوا دعوتهم في عبارة تركّزت فيها خلاصة تلك الدّراسات الاقتصاديّة التي أنجزوها، وأمّا العبارة التي أكّدوا فيها دعوتهم إلى الانتفاع من العلم، فكانت "استثمروا المزيد في التّعليم"(2)، وظلّ الاقتصاديّون ينهمكون في إيلائهم مسألة التّعليم، عنايتهم الموفورة، ولا سيّما بعد أن أيقنوا بأن "استثمار الأموال العامّة في تعليم المواطنين، لا يذهب هباء أبداً، بل يحقّق عائداً كبيراً جدّاً. فكلّما كان عدد القوى العاملة المتعلّمة تعليماً جيّداً أكبر، كان الإنتاج أكبر. وكانت البضائع أفضل جودة"(3)، فما برحت تصدر تلك الدّعوات التي يحثّ بها الباحثون الاقتصاديّون النّاس على أن يأخذوا بمناهج التّعليم المتطوّرة، التي تمهّد الطّريق إلى تحقيق النّموّ الاقتصاديّ المثمر.

إنّ أولئك الاقتصاديّين الذين أمعنوا في أن يحفزوا الأقوام إلى أن يلبّوا تلك الدّعوات التي ألقوها إليهم، جهدوا في أن يدعموا المضامين التي تنطوي عليها أحاديثهم عن مسائل التّحصيل العلميّ، بالبراهين الحسابيّة، إذ أفصح أحد الباحثين الاقتصاديّين أنّه "لو أنفقت ألمانيا على التّعليم ما تنفقه فنلندا، لطرأت زيادة على معدّل النّموّ الاقتصاديّ تتراوح بين 0.5 و0.8 نقطة مئويّة في كلّ عام. ومقارنة بمعدّل النّموّ الاقتصاديّ السّنويّ البالغ 1,26في المائة فقط، أي مقارنة بالمعدّل الذي حقّقته ألمانيا في المتوسّط خلال الأعوام العشرة المنصرمة، فإنّ هذه الزّيادة تعني أنّ معدّل النّموّ السّنويّ سيرتفع بنحو خمسين في المائة"(4)، فأولئك الباحثون الذين كانوا يحثّون النّاس على أن يحصّلوا علوم التّكنولوجيا المتقدّمة، لم يقتصروا على إغراء الأقوام بتلك المنافع العميمة، التي تعود عليهم من اتّباعهم نهج تلك العلوم المتطوّرة، بل أنّهم تحدّثوا أيضاً عن تلك المحاذير التي سيتعرّض لها أولئك النّاس، إذا تهاونوا في اتّباعهم سبيل تحصيل تلك العلوم المتقدّمة، وكان أحد الباحثين الأوروبيّين أفصح عن تلك المعاناة التي سيقاسيها أولئك الأفراد، الذين يتنكّبون عن سبيل العلوم التّكنولوجيّة المتقدّمة، وهو خصّ بحديثه عن تلك المحاذير الشّعوب الأوربيّة بالإضافة إلى الأمريكيّين، إذ رأى أنّه "كلّما كان الأوروبيّون والأمريكيّون أكثر نجاحاً في التّعلّم وفي التّزوّد بالعلوم الحديثة كانوا أكثر قدرة، في المستقبل على الهيمنة على الاقتصاد العالميّ. أمّا إذا فشلوا في هذا المضمار، فإنّ دول الاقتصادات النّاشئة ستفوز بقصب السّبق وستنافس الغرب على فرص العمل القائمة على المعارف الحديثة"(5).

إنّ هؤلاء الأفراد الذين يرغبون في مزاولة تلك الأنشطة الاقتصاديّة، التي تتأسس على قواعد العلوم المتطّورة، يتحتّم عليهم أن يمتلكوا الدّراية بتلك المناهج الملائمة لعمليّة التّحصيل العلميّ، الذي يحرصون على أن يأخذوا به، فكان "فبالنسّبة إلى كلّ واحد من بني البشر، يكمن أهمّ أسلوب للارتقاء بمستوى الرّفاهيّة الاقتصاديّة، في العالم المستوي، في القدرة على تعلّم الأسلوب النّاجح لاكتساب العلم والمعارف. ولا يكمن الأمر هنا في المعارف التي تعرفها، إنّما يكمن الأمر هنا في الكيفيّة التي تتعلّم بها، فما تتعلّمه في اليوم الرّاهن، سيتحوّل إلى علم أكل الدّهر عليه وشرب بأسرع ممّا كان سائداً في ماضي الزّمن"(6)، وقد فصّلت تلك المنافع التي ترجع على المجتمع من تطبيق قواعد التّحصيل العلميّ القويم، الذي سيهيّئ للأفراد الذين يتلّقونه، أن يقتدروا على القيام بأود عائلاتهم بكفاءة عالية، وقد ذكر في دراسة عولجت فيها أوضاع المعيشة في إحدى الدّول الأوروبيّة، أنّ التّعليم "يجب أن يحظى بالأهمّيّة نفسها التي يحظى بها نظام الرّعاية الاجتماعيّة. إنّ ما تنفقه الدّولة من أموال على رياض الأطفال والمدارس والجامعات يقرّر مستوى الرّفاهيّة الاقتصاديّة الذي سيتحقّق في العشر أو العشرين سنة المقبلة. ومن نافلة القول تأكيد أنّ زيادة الإنفاق على التّعليم في اليوم الرّاهن، يمنّ على الدّولة بمزيد من النّفع مستقبلاً. إذ سيرتفع عدد المواطنين الذين لديهم فرص عمل جيّدة وسيتراجع عدد الأفراد الذين هم، حالياً، في حاجة ماسّة إلى الإعانات الحكوميّة"(7)، فإنّ كانت أنظار الأشخاص الذين يتكفّلون بوضع خطط التّنمية، تمتدّ إلى السّنوات البعيدة القادمة، فلا ريب في أنّ التّحصيل العلميّ سيظلّ يتبّوأ صدارة تلك المواضيع، التي تشتمل عليها الأبحاث التي ينظر فيها في شؤون تلك التّنمية، فسيكون التّعليم "هو العامل الحاسم في عقود الزّمن التّالية"(8).

ما برح العاملون الذين ينتجون السّلع المصنّعة، يتلقّفون أبحاث العلوم التّطبيقيّة التي يجري فيها تطبيق المبادئ والأصول العلميّة، لتحقيق تلك الأهداف التي يتوّخى الأفراد أن يدركوها في إنجازهم عمليّات التّصنيع المتطوّر، فكان هؤلاء النّاس الذين يزاولون عمليّة ذلك الإنتاج الصّناعيّ، يعوّلون على الاستفادة من دراسات تلك العلوم التّطبيقيّة، لأنّ "فرص العمل الجيّدة في المصانع قد يكون عددها محدوداً، غير أنّ فرص العمل القائمة على الأفكار والابتكارات الجيّدة لا حدّ يحدّ من عددها"(9)، فأصبح تطوّر تلك الأنشطة الاقتصاديّة التي يزاولها النّاس، يتأسّس على تلك النّتائج التي نجمت عن أبحاث العلوم التّكنولوجيّة، بعد أن أيقنوا بأنّ "الأفكار والابتكارات الجيّدة هي أهمّ الموارد الاقتصاديّة في القرن الحادي والعشرين، إنّها أهمّ من البترول والغاز، وأهمّ من المياه والحبوب. فالأمم القادرة على إنتاج الأفكار والابتكارات الجيّدة هي التي سيكون في استطاعتها المحافظة على رفاهيّتها الاقتصاديّة والارتقاء بهذه الرّفاهيّة إلى مستوى أعلى. ففرص العمل الصّناعيّ ستحلّ مكانها فرص العمل القائمة على العلوم الحديثة"(10).

ظلّت كثرة من النّاس تتشكّى من ذلك الخلل الذي يحدثه نظام العولمة، في عمليّة توزيع المنافع الاقتصاديّة بين الشّعوب والأمم، التي تتفاوت فيما بينها كثيراً في القدرة على اغتنام تلك الفوائد، التي تتمخّض بها الأنشطة الاقتصاديّة الذي يزاولها النّاس في أقطار هذا العالم، إلّا أنّ هؤلاء الأقوام الذين تشكّوا من ذلك الحيف الذي نزل بهم، لم يعدموا الوسائل العديدة التي يتاح لهم أن يتذرّعوا بها إلى إزالة ذلك الجور الذي حاق بهم، وإن عمد الباحثون إلى أن يفاضلوا ويوازنوا بين تلك الوسائل التي يتيسّر لتلك الشّعوب أن تأخذ بها، لترفع عنها وطأة الظّلم الذي تتشكّى منه، فإنّ أحد الباحثين رأى أنّ "التّعليم والتّعلّم يشكّلان.... أهمّ وسيلة لتقليص رقعة التّفاوت القائمة بين الرّابحين والخاسرين من العولمة"(11)، وقد دأب الأشخاص في الدّول الغربيّة، في أن ينغمسوا في خوضهم غمار المنافسة الاقتصاديّة مع شعوب دول الاقتصادات النّاشئة، وكان ينتاب القلق الشّديد هؤلاء الأفراد في الدّول الغربيّة، إذا ما أعيتهم الحيل، فأخفقوا في سعيهم إلى التّفوقّ على سائر منافسيهم في ميدان النّشاط الاقتصاديّ، فيكابدون آنئذ حراجة المأزق الاقتصاديّ الذي يقعون فيه، بيد أنّهم كانوا يتيقّنون آنئذ أنه لا مناص من أن ينتهجوا سبيل العلوم التّقنيّة المتقدّمة، إذا ما أرادوا أن يتفوّقوا على شعوب سائر الدّول في إنتاج السّلع الصّناعيّة المتطوّرة، فيعزمون على أن ينتهجوا ذلك السّبيل الذي ينتهي بتلك الدّول الغربيّة، إلى أن تتدارك تأخّرها عن تليّة المنافسين الاقتصاديّين.

عمد الأفراد في الدّول الغربيّة، إلى أن يبذلوا قصارى جهودهم، في محاولتهم أن يتلافوا تقصيرهم في تحقيق التّطوّر في إنتاج السّلع المصنّعة، خصوصاً إذا ما أيقنوا بحقيقة تأخّرهم عن مجاراة أولئك الأقوام، الذين دأبوا في أن ينتجوا المنتجات التّكنولوجيّة المتقدّمة، وقد أفصح أحد الكتّاب الغربيّين عن قناعته بأنّ "لدى الغرب القدرة على الخروج من هذا الموقف الحرج والانتصار على المنافسين الجدد. ويكمن هذا المخرج في الارتقاء بمستوى التّعليم أوّلاً وأخيراً"(12)، وتوافقت تلك الآراء التي أفصح عنها الباحثون في الدّول الغربيّة، مع تلك الأفكار التي تضمّنتها الدّراسات التي وضعتها المؤسّسات والمنظّمات، التي عنت بتنظيم العلاقات بين الدّول المتقدّمة في الميدان الاقتصاديّ، وقد رفدت إحدى هذه المنظّمات تلك الأبحاث التي أنجزها الباحثون في الدّول الغربيّة، بدراسة تطرّق فيها إلى البحث في تلك الطّرائق، التي تتبّع في تحقيق العمليّة التّعليمّة في تلك الدّول، التي ضمّتها تلك المنظّمة، فذكر أنّ "الألمان على نحو لا يقبل الشّكّ أنّهم على وشك أن يضيّعوا مستقبلهم، ومستقبل أطفالهم بصورة خاصّة"(13)، وهذه النّتيجة التي تضمّنها تلك الدّراسة استندت على حقيقة ذلك المصير، الذي آلت إليه العمليّة التّعليميّة في ألمانيا، فقد جرت في تلك الدّراسة المقارنة بين أوضاع الطّلّاب، الذين يتلّقون تعليمهم في عدد من الدّول المتقدّمة، فحلّ الأطفال الألمان في "المراتب الأخيرة فيما يتعلّق بالرّياضيّات والعلوم الطّبيعيّة والقراءة والكتابة"(14)، وكانت تلك النّتيجة التي خلص إليها ذلك البحث تثبت أنّ "الدّول الصّناعيّة تبقى في وضع تنافسيّ جيّد، عندما يكون مواطنوها قد حازوا مستويات تعليميّة راقية فقط"(15)، وكانت مضامين ذلك البحث يوافق مغازي تلك الدّعوات التي أطلقها أولئك الباحثون والكتّاب، الذين دعوا النّاس في بلدانهم، إلى تطوير مناهج التّعليم، الذي بات دعامة رئيسيّة، يقوم عليها الاقتصاد المتطوّر في دول العالم.

هرع الباحثون الألمان إلى أن يتناولوا تلك الدّراسة، التي أفصحت عن أحوال التّعليم في ألمانيا، التي تعرّضت مع سائر الدّول إلى تلك الصّدمة القويّة التي ألحقتها بها تلك الدّراسة، إن لم تكن ألمانيا هي أكثر الدّول التي روّعتها تلك المعلومات، التي تضمّنتها تلك الدّراسة التي أصدرتها منظّمة التّعاون والتّنمية الاقتصاديّة، وقد سعى أحد الباحثين الألمان إلى أن ينبّه بني أمّته، ويخلص لهم النّصيحة، وهيّأ لهم أن يرجّحوا الرّأي الذي يعتمدون أن يمضوه، بعد أن خيّرهم بين رأيين اثنين، لا ثالث لهما، فذكر أنّ "على ألمانيا أن تختار بين مزيد من التّعليم ومستقبل زاهر من ناحية، وإنفاق مزيد من الأموال على الرّعاية الاجتماعيّة وتعرّض الاقتصاد الوطنيّ للكساد من ناحية أخرى(16)، وذلك الباحث إن كان ألحف على أن ينبّه النّاس إلى تلك المضارّ التي تلحق بهم، إن تهاونوا في تطوير مناهج التّعليم، فلأنّه يدرك أنّه لا مناص لهم، من أن ينبذوا عنهم ذلك التّراخي في النّهوض بمستوى طرائق التّعليم، الذي يدرس به الطّلّاب في بلده ألمانيا.

رسخت في نفوس النّاس في دول عديدة، الدّوافع إلى إنجاز التّقدّم الصّناعيّ في إنتاج السّلع والمخترعات التّكنولوجيّة، إلّا أنّ سعي الأفراد، في بعض الدّول، إلى تطوير العلوم التّكنولوجيّة، لم يكن يقتصر على تحقيق رغائب هؤلاء الأفراد، في أن تتبوّأ بلدانهم صدارة النّموّ الاقتصاديّ في العالم، بل أنّ كثيراً ما كان يؤجج حدّة التّنافس بين الدّول في تطوير تلك العلوم التّكنولوجيّة، رغبة النّاس في أن يمتلكوا تلك الأهبة، التي تيسّر لهم معالجة الأحداث الطّارئة على مجرى الأنشطة التي يزاولونها، ولا تخلو سير التّاريخ من تلك الوقائع التي تبرز هذه الأوجه العديدة، التي تتّخذها أهداف ذلك التّنافس الحاصل بين الدّول في تحقيق التّطوّر العلميّ، فقد جرت إبّان حقبة الحرب الباردة في سنوات الخمسينيّات، حادثة أبرزت طبيعة المرامي التي تتوّخى أن تدركها، تلك البلدان التي خاضت ذلك التّنافس العلميّ الحاصل فيما بينها، وأمّا هذه الحادثة فكانت إقدام الاتّحاد السّوفيتيّ على أن يرسل في 4 تشرين الأوّل (أكتوبر) في عام 1957، إلى الفضاء أوّل قمر صناعيّ، وهو عرف في العالم باسم سبوتنيك، وقد اعتبرت تلك المبادرة التي صدرت من الاتّحاد السّوفييتيّ، سبقاً علميّاً تكنولوجيّاً، تخطّت به روسيا المراحل التي بلغتها الولايات المتّحدة الأمريكيّة في إنجازها برنامجها الفضائيّ.

اختلفت آراء المؤرّخين كثيراً في تقييمهم تلك المبادرة التي صدرت عن الاتّحاد السّوفييتيّ، حتّى أنّ آراءهم تضاربت وتعارضت فيما بينها، فذهبت فئة منهم إلى التّقليل من قدر تلك المبادرة التي حقّقها الرّوس، بينما كان سائر المؤرّخين والباحثين، أخذ بوجهة النّظر المغايرة لرأي المؤرّخين الذين ما برحوا يهوّنون شأن ذلك التّصرّف الذي أتاه الاّتحاد السّوفييتيّ، ومن دون أن أعالج حاليّاً تلك المشاحنة والمماحكة النّاشبتين بين هؤلاء المؤرّخين، فإنّنا إذا نظرنا في تلك الأفعال التي أتتها الولايات المتّحدة الأمريكيّة، بعد أن أطلق الرّوس ذلك القمر الصّناعيّ إلى الفضاء، نرى الجهود الكثيفة التي بذلتها أمريكا، في سعيها إلى أن تضع الخطط والبرامج التّعليميّة التي هدفت بها إلى الارتقاء بمستوى التّعليم في مدراسها وجامعاتها، فلم تمض إلّا أيام لم تبلغ تمام الأسبوع على "بدء سبوتنيك بالدّوران حول الأرض مرّة كلّ 96 دقيقة"، حتّى أخذ السّياسيّون والصّحفيّون في أمريكا يعتبرون ذلك الحدث العلميّ التّكنولوجيّ "رمزاً مثيراً للصّدمة يدلّ على تفوّق الاتّحاد السّوفييتيّ"، واندفع المفكّرون في الحديث عن التّخلّف على الصّعيد التّكنولوجيّ، الذي اعتقدوا أنّه تحقّق بعد أن سبق الاتّحاد السّوفييتيّ الولايات المتّحدة في ارتياد الفضاء، وأكّد هؤلاء المفكّرون والمؤرّخون أن انطلاق سبوتنيك إلى الفضاء، أنشأ عند الأفراد الأمريكيّين الدّافع إلى تطوّير البرنامج الفضائيّ الأمريكيّ، و"لولا سبوتنيك لما وجد برنامج أوبولو، ولما حصل السّباق إلى القمر، أو الهبوط على سطحه عام 1969"، ومغازي تلك العبارات التي تحدّث بها هؤلاء المؤرّخون، تعبّر عن الهواجس التي دارت في أخلاد العديد من النّاس في أمريكا، في تلك الحقبة من مرحلة الحرب الباردة، التي نشبت بين هذين البلدين.

أخذت المؤسّسات التّعليمّية في أمريكا تعاود تطويرها مناهج التّعليم، منذ ذلك الأوان الذي جرى فيه انطلاق ذلك القمر الصّناعيّ سبوتنيك إلى الفضاء، وقد صدر في أمريكا تقرير خصّص للبحث في مسائل التّعليم، وكان فحواه يفصح عن الدّعوة إلى وجوب العناية بتطوير مستوى التّعليم، وقد ظهر ذلك التّقرير في عام 1983، وهو عنون بعبارة "أمّة في خطر (a nation at risk)"، وقد أكّد مضمون ذلك التّقرير أنّ مشكلات الأمّة الأمريكيّة في التّعليم تعزى في الأساس إلى انخفاض المستويات الدّراسيّة للطّلّاب، وقد رأى النّاس في أمريكا أنّ نظام التّعليم عند بعض الدّول يتفّوق على مستوى طرائق التّعليم، الذي يتّبع في أمريكا، التي اسشتعر الأفراد فيها ذلك الخطر الذي يحدق بهم، بعد أن رؤوا تدنّي مستوى طرائق التّعليم في المدارس الأمريكيّة، وقد انبثقت تلك العبارة التي سمّي بها ذلك التّقرير وهي "أمّة في خطر"، من طبيعة تلك المخاوف التي انتابت نفوس النّاس في ذلك البلد.

أعقب صدور ذلك التّقرير الذي وضع في عام 1983، ظهور دراسات وقوانين عديدة هدفت إلى تأكيد الدّعوة إلى تطبيق طرق جديدة في التّعليم في المدارس، وأوجبت تلك التّقارير أيضاً أن تتطوّر مناهج تدريس الرّياضيّات والعلوم واللّغة الأجنبيّة،وقد أكّدت تلك التّقارير والقوانين كافّة، أنّ للتّعليم تأثير مهمّ في تحقّق التّطوّر الاقتصاديّ وارتفاع مستوى المعيشة عند النّاس،فتنوّعت أنماط تلك الأهداف، التي ترمي الدّول في العالم إلى أن تدركها، في سعيها إلى أن تطوّر مناهج التّعليم في المدارس التي تقام في أرجائها، إذ كانت الدّول المتقدّمة في الميدان الاقتصاديّ، تمضي على أن تهيّئ الأهبة والاستعداد الملائمين لخوضها ذلك التّنافس الاقتصاديّ النّاشئ بين الدّول، وما برح الأقوام في دول عديدة، يتطلّعون إلى أن يبرزوا في تصنيعهم السّلع الاقتصاديّة المتنوّعة، فلم يجدّوا بدّاً من أن يستثمروا مواردهم الفكريّة، التي انصبت عليها أبحاث الدّارسين، الذين تعمّقوا في التّنقيب عن تلك الثّروات الفكريّة التي لا تنضب، وبدؤوا يضعّون الطّرائق الملائمة لاستخراج تلك القدرات الكامنة في النّفوس، وقد تركّز تفكير العديد من الباحثين في دراسة الطّرق الملائمة لتطوير مناهج التّعليم، الذي يتيح أن تستدرّ تلك الموارد الفكريّة، التي باتت تعتبر دعامة متينة تستند إليها عمليّات التّصنيع المتطّور.

الهوامش:

1-أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص418.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق، ص421.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق، ص418، 419.

6- المصدر السّابق، ص419.

7- المصدر السّابق، ص422.

8- المصدر السّابق، ص423.

9- المصدر السّابق، ص418.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق، ص419.

12- المصدر السابق، ص418.

13- المصدر السّابق، ص419.

14- المصدر السّابق.

15- المصدر السّابق.

 

16- المصدر السّابق، ص423.



تفاقمت أزمة الإحجام عن مطالعة الكتب في المجتمع العربيّ، حتّى أفضت بعمليّة طباعة الكتب إلى أن تتعرقل متعسّرة، فتضاءلت كمّيّات الكتب المسوّقة، وبلغت مقداراً ضئيلاً ومبلغاً هزيلاً، وحدّ من انتشار الكتب في تلك الأقطار العربيّة، الانهيار المريع، والانحدار الفظيع، اللذان انتهى إليهما مصير صناعة الكتب في تلك البلدان، واتّسع نطاق تلك الأضرار التي تمخّضت بها تلك الأزمة التي أصابت الكتب، بعد أن استحكمت في حلولها بذلك المجتمع، حتّى كادت أن تستعصي على المعالجة، وتنوّعت تلك العلل التي نجمت عن نشوء تلك الأزمة المستعصية، فأصابت ميادين عديدة من تلك الأنشطة التي كانت تهدف عمليّة نشر الكتب في الأساس، إلى أن تنشئها في المجتمع، فعلاوة على الأضرار التي أصابت عمليّة نشر المعرفة وتنوير أذهان النّاس، برزت أيضاً الخسائر المادّيّة التي كانت تمنى بها عمليّة صناعة ونشر الكتب، وقد أنشئ في العديد من المدن العربيّة معارض الكتب، التي كان أغلبها يقام سنويّاً، وكان النّاس تعارفوا على تحديد الأهداف العديدة التي يتوخّى أن تتحقّق في تلك المعارض التي تقام، فكان بعض تلك المقاصد يتّخذ طابعاً فكريّاً، بينما اتّسم البعض الآخر بطابع مادّيّ، وكان الأفراد الذين تابعوا تلك المعارض، تطلّعوا إلى أن تتيح معارض الكتب، ظهورَ الفرص التي يتيسّر فيها أن تعالج بعضاً من تلك المضارّ، التي أصابت صناعة الكتاب في أقطار الوطن العربيّ، وقد أدركت أكثريّة تلك المعارض شهرة واسعة، نظراً للدّعاية الإعلاميّة التي كانت تحظى بها، وكانت المؤسّسات والأجهزة التي أقامت تلك المعارض، تهدف إلى أن تروّج تلك الكتب التي ضمّتها تلك المعارض، فلم تكن تألو جهداً في أن تعرّف النّاس، بتلك المعارض التي كانت تقيمها، فاتّبعت تلك المؤسّسات طرائق الدّعاية المتنوّعة المعهودة، لتحثّ النّاس إلى زيارة تلك المعارض، والاطّلاع على إصدارات الكتب الحديثة.

أنّ تلك المعارض التي أقيمت في الأقطار العربيّة، لم تكن تبدّل الأوضاع السّيّئة التي آلت إليها أحوال الكتاب مطلقاً، ولم تغيّر ذلك المصير المتدهور الذي انتهت إليه صناعة الكتب، التي لم تنفرج أبداً من تلك الشّدائد التي أصابتها، ولم تتخلّص من تلك الضّائقة العسيرة التي ألمّت بها، وقد ذكرنا أنّ تلك الأزمة التي حلّت بالكتب، اتّخذت مظاهر متعدّدة، إذ شملت مسائل تعثّر مساعي أولئك الأفراد، الذين رغبوا في أن يمهّدوا السّبيل لانتشار المعرفة في الوطن العربيّ، وتجلّى أيضاً أحد أشكال تلك الأزمة التي نزلت بالكتاب، في تعرقل عمليّات تسويق الكتب، فكلّ تلك الوجوه التي كانت تلوح فيها تلك المشاكل المستعصية، لم يظهر فيها ذلك الانفراج من تلك الأزمات التي حلّت بالكتاب، فلم تتمكّن المؤسّسات التي أقامت معارض الكتب، من أن تساهم في تغيير تلك الأوضاع السّيّئة التي وقع فيها الكتاب، وفي وسع النّاس أن يتّخذوا تلك المعارض مقياساً لسبر أغوار تلك الأزمات، التي تصيب عمليّة نشر الكتب في الوطن العربيّ، فكثيراً ما كانت يذكر في التّقارير الصّحفيّة التي ترد فيها أخبار تلك المعارض، أنّ الأكثريّة الغالبة من المؤلّفات المباعة في معارض الكتب، هي كتب لا تندرج في عداد المؤلّفات التي تتضمّن موضوعات فكريّة وثقافيّة رفيعة، بل أنّ بعض تلك الكتب الرّائجة تنمّ على سطحّية الفكر الذي تعرضه في ثناياها، والإحصاءات الرّقميّة تؤكّد صحّة ودقّة تلك الأخبار التي تذكر في تلك الكتابات الصّحفيّة، وتظلّ المضارّ الناجمة عن رواج تلك الكتب التي تباع في أسواق الكتب، تتفاقم تفاقماً شديداً، ولا سيّما أنّ الأشخاص الذين يقرؤون تلك الكتب الرّائجة، يكتفون بقراءة تلك المؤلّفات المتدنيّة المستوى، من دون أن يوسّعوا ذلك المجال الذي يختارون فيه الكتب التي يقرّرون أن يقرؤوها، فلا ينتقلون إلى قراءة الكتب التي تتميّز بمستوى فكريّ وثقافيّ عاليين.

تعدّدت مظاهر أنماط تلك المضارّ التي نزلت بالكتاب، الذي لم تستطع معارض الكتب أن ترفع عنه تلك الأزمات التي حلّت به، وإذا رغبنا أن نعالج حالة أخرى، تغاير مظهر ذلك الضّرر النّاجم عن تعثّر عمليّة ترويج المؤلّفات الفكرّية والأدبيّة الرّفيعة، فبإمكاننا أن نتناول مسألة تسويق الكتب، وأن نبحث في مقدار المردود المادّيّ، الذي قد يعود على النّاشرين الذين يشاركون في تلك المعارض، ويؤدّي بنا ذلك البحث الذي نخوض فيه، إلى أن نرى الطّامّة الكبرى التي تصيب في أغلب الأحيان هؤلاء النّاشرين، الذين كانوا يتشكّون من الرّسوم الماليّة العالية التي يفرض عليهم أن يسدّدوها، كي يسمح لهم بالمشاركة في تلك المعارض، وتكاد تصدر تلك الشّكوى من أكثريّة دور النّشر المغلوبة على أمرها، وتلك المصاعب التي تجبه دور النّشر، لا تقتصر على تلك الرّسوم الماليّة، إذ أنّها تتعرّض أيضاً لمشاقّ أخرى عديدة، فإذا تجاوزنا الحديث عن المصاعب التي تثيرها مسألة الرّقابة على الكتب، فإنّ النّاشرين كثيراً ما كانت تبهظهم الأجور التي تترتّب على شحن الكتب التي يضّطرون إلى نقلها بالطّائرة، فأجرة شحن البضائع هي عالية التّكاليف، وقد ذكر أنّ بعض النّاشرين الذين شاركوا في معارض الكتب في البلدان العربيّة، كانوا يرون بعد أن تنتهي تلك المدّة التي يستمرّ فيها المعرض، كتبهم مكدّسة وقد بيع منها النّزر اليسير، فلا يجدون بدّاً آنئذ من أن يتركوا تلك الكتب في تلك البلدان، التي أقيمت فيها تلك المعارض، فيضطّرون إلى أن يوزّعوها مجّاناً، ويهدوها إلى الأشخاص الذين يلتقون بهم في تلك البلدان التي تقام فيها تلك المعارض، فيتخفّفون بذلك التّصرّف الذي يبدر منهم، من أن يتحمّلوا أعباء أجرة شحن تلك الكتب إلى ذلك البلد، الذي قدموا منه.

أيقن أولئك النّاشرون بأنّه مهما بلغت خسارتهم، بضياع المردود الماليّ الذي كان يفترض أن يحصلوا عليه، لو تمّكنوا من أن يبيعوا تلك الكتب، التي عزموا على أن يهدوها إلى النّاس في تلك البلاد التي تقام فيها معارض الكتاب، فإنّ هذا المبلغ الماليّ الذي لن يتأتّى لهم الحصول عليه، يظلّ أقلّ من تكاليف شحن الكتب والرّجوع بها إلى البلد الذي جاء منه أولئك النّاشرون، الذين قدّروا أنّهم في تخلّيهم عن تلك الكتب في ذلك البلد الذي قصدوه، فإنّهم سيغنمون حينئذ ربحاً وفيراً، وهو مقدار تكلفة شحن الكتب، الذي يقتضي أن تدفع أموالاً طائلة لإتمام عملّية نقل الكتب، وقد ذكرت عبارة الرّبح الوفير، وهي تعني في جليّة الأمر، الحدّ من المزيد من الخسارة، أجل، أصبح مفهوم الرّبح الوفير يتحدّد في تجنّب الخسائر المتزايدة، فالخسارة القليلة المقدار، هي أقصى غاية يتاح لأولئك النّاشرين أن يصلوا بمطامحهم إليها، فحالة أولئك النّاشرين، هو شأن تلك المفارقة الأليمة، التي تكلم النّفس، وتقرح الفؤاد، وتغمّ الخاطر، وتهيض الأبدان، وهذه هي حالة العديد من النّاشرين في كثير من معارض الكتب، وهي تظهر بهذه الحدّة من المضارّ، لا سيّما إذا لم يستطع أولئك النّاشرون أن يعثروا على مؤسّسات أو أشخاص، يتكفّلون بإنجاز عمليّة توزيع الكتب، في ذلك البلد الذي يقام فيه معرض الكتاب، وعلى الرّغم من كلّ تلك المشاكل التي تعرّضت لها عمليّة طباعة الكتب، وقد تحدّثت عن كثير من تلك الأزمات في مرّات سابقة، فإنّ الكتاب سيظلّ يحظى بالمكانة الرّفيعة التي هو حقيق بأن يحلّ بها، وأمّا أولئك الأفراد الذين ما برحوا يواظبون مغرمين على مطالعة الكتب، فإنّهم يندفعون دائماً في أن يتحمّلوا أعباء الارتقاء بأوضاع ذلك الكتاب.



حقّقت الدّول الاقتصاديّة النّاشئة تفوّقاً معتبراً في إنتاج السّلع التّكنولوجيّة، وذلك النّجاح الاقتصاديّ الملحوظ الجانب الذي أتته تلك البلدان، توّج عمليّة التّنافس الذي دارت رحاه بين الدّول، التي تتسابق إلى تصدّر مكانة عالية في الإنتاج الصّناعيّ، فإنّ تمكّنت تلك الدّول الاقتصاديّة النّاشئة من أن تؤكّد بروزها في مجال الإنتاج الصّناعيّ التّقنيّ، فإنّ ذلك التّفوّق الاقتصاديّ الذي نالت ثماره دول الاقتصادات النّاشئة، دفع عدداً من الدّول الأوروبيّة إلى أن تراجع حالة ذلك التّأخّر، الذي وقعت فيه تلك البلدان في مجال الإنتاج الصّناعيّ، حتّى أنّ بعض الدّول الاقتصاديّة النّاشئة، تمكّنت من أن تسبق تلك الدّول الأوروبيّة إلى أن تتسنّم ذرى التّفوّق في ميدان الصّناعة التّكنولوجيّة، وكان الاقتصاديّون والباحثون في ميدان الإنتاج الصّناعيّ، أنعموا النّظر في ذلك التّفاوت الحاصل بين الدّول الأوروبيّة والدّول الاقتصاديّة الآسيويّة النّاشئة، في تلك المراتب التي حلّت بها عدد من عمليّات الصّناعات التّكنولوجيّة، ولا سيّما بعد أن اتّضحت تلك المستويات المتفاوتة التي أدركتها تلك الدّول التي نشأت فيها عمليّات التّصنيع، وقد تعمّق هؤلاء الدّارسون الأوروبيّون في البحث عن أسباب نشوء ذلك الاختلاف الواقع بينهما، وتوصّلوا في نهاية المطاف في أبحاثهم التي أجروها، إلى أن يعربوا عن اعتقادهم بأنّ تلك الدّول الأوروبيّة، قد قصّرت في تهيئة جموع الشّبان لتلقّي التّحصيل العلميّ القويم، وذلك الرّأي الذي أفصحوا عنه، أوضح فحواه علّة ذلك التّفاوت الواقع بين تلك الدّول المختلفة.

إنّ الباحثين الأوروبيّين أنفسهم، الذين عمدوا إلى مراجعة شؤون التّعليم في بلادهم الأوروبيّة، كانوا دقيقين في نقدهم المناهج التي تتبّع في تلقين الطّلّاب الأوروبيّين موادّهم الدّراسّية، وكانوا صارمين في ذمّهم تلك الأساليب التّدريسيّة التي تتبّع في المدارس الأوروبيّة، وقد ظهرت مقالة عنونت بعبارة أفصحت عن أساس البلاء الذي حلّ بتلك الدّول الأوروبيّة، إذ كان عنوان تلك المقالة هو "اهتمام فاشل بالأجيال"، وقد نوقشت في تلك المقالة، أوضاع المدارس والجامعات الأوروبيّة، التي عبّرت بدقّة عن مشاكلها العديدة، تلك العبارة التي اتّخذت عنواناً لتلك المقالة، التي انصبّ فيها النّقد اللّاذع على تلك العمليّة التّعليميّة، التي تجري في تلك المدارس والجامعات، إذ كانت "الأنظمة التّعليميّة الأوروبيّة لا تجاري وتيرة انتقال العالم إلى اقتصاد تدفعه المعرفة والابتكارات"(1)، فكان أولئك الطّلبة الذين ينضوون في إثر تخرّجهم في جامعاتهم، إلى جموع العاطلين عن العمل، يسعون إلى أن يحصلوا على تلك الإعانات الماليّة التي تقدّم إلى هؤلاء الأفراد الذين يقاسون وطأة البطالة.

استخلص من ذلك البحث الذي روجعت فيه أوضاع العديد من المدارس والجامعات الأوروبيّة، ذلك الرّأي الذي أكّد "فشل أوروبا في الاهتمام بأجيالها الشّابّة. وفيما ينتقل العالم بسرعة من اقتصاد قائم على العملة والصّناعة إلى اقتصاد تدفعه المعرفة والابتكارات، فإنّ الأنظمة التّعليميّة الأوروبيّة لا تجاري هذه الوتيرة. ويبدو أنّ بعضها أصبحت مختلّة ومن المعروف جدّاً أنّ جامعات القارّة التي تفتقر إلى التّمويل ومفرطة البيروقراطيّة تخرج أعداداً قليلة من الطّلّاب ذوي المهارات العتيقة، وهذا تهديد واضح لازدهار أوروبا"(2)، وكانت دولة أوروبيّة، اعتبرت في الزّمن القريب الفائت في عداد الدّول المتطوّرة في الميدان الاقتصاديّ، قد أصابتها تلك المشاكل نفسها، التي حلّت بسائر تلك الدّول الأوروبيّة، التي ساءت فيها أحوال المدارس والجامعات، وتلك الدّولة التي ضربت مثلاً لتردّي الأوضاع في المدارس الأوروبيّة، هي ألمانيا ذاتها، التي كانت في الزّمن الماضي "متفوّقة في مجال التّدريب المهنيّ والتّعليم، وأصبحت الآن في المرتبة 20 بين دول منظّمة التّعاون والتّنمية في الميدان الاقتصاديّ والمرتبة 30 في الرّياضيات ومهارات القراءة"(3)، وقد بحث في الطّريقة التي تتّبع في تدريس الطّلّاب في المدارس الأوروبيّة، حيث رؤي أنّ المشكلة في الأنظمة التّعليميّة "التي غالباً ما تبدو عالقة في عصر آخر"(4).

إنّ تلك المشاكل العديدة التي تعرّضت لها المدارس والجامعات الأوروبيّة، أثارت في أذهان النّاس الشّكّ في "جدوى الهجرة إلى أوروبا"،(5) بينما ما برحت يتفاقم في تلك الدّول الأوروبيّة استنزاف طاقات وقدرات أبنائها، حتّى لوحظ أنّ "هدر المواهب والوقت والموارد أصبح أمراً مدهشاً،(6) ولا تكتمل تلك الفكرة التي يصوّر فيه سوء أوضاع تلك المدارس والجامعات الأوروبيّة، إلّا عندما تقارن الحالة السّيئة التي وقعت فيها، بأوضاع تلك المدارس والجامعات في الدّول الاقتصاديّة النّاشئة في العالم، فإن كانت ألمانيا "متفوّقة أكاديميّاً. لكنّ ذلك أصبح من الماضي"(7)، وقد دقّق الباحثون النّظر في ذلك التّطوّر الاقتصاديّ الذي حققّته الدّول الاقتصاديّة الآسيويّة النّاشئة، وتوخّوا أن يقفوا على تلك الطّرائق، التي اتبّعت في تلك الدّول لتطوير العمليّة التّعليميّة فيها، وقد لفت نظرهم أنّ "بلداناً مثل كوريا الجنوبيّة التي استثمرت في نظامها التّعليميّ وزادت عدد خرّيجي جامعاتها شهدت نموّاً أكبر ونسبة بطالة أدنى"(8)، والبلاد التي انتظم فيها مجرى العمليّة التّعليميّة، كان يتحقّق فيها النّموّ الاقتصاديّ، إذ ثبت أنّ "كلّ سنة إضافيّة من التّعليم تكون نتيجتها زيادة في الأجور والإنتاجيّة بنسبة 8 بالمائة"،(9) فأصبحت العمليّة التّعليميّة إحدى الدّعائم التي يقوم عليها النّشاط الاقتصاديّ بعد أن "تحوّل التّعليم إلى مسألة اقتصاديّة"(10)، وكانت المشاكل التي أصابت العمليّة التّعليمّة في ألمانيا "قلّصت معدّل نموّ البلاد بنسبة 0,9%"(11) وقد عنى الباحثون في المسائل الاقتصاديّة، بأن يثبتوا في الدّراسات التي أجروها، أنّ التّعليم هو أبرز أسباب ذلك النّجاح الذي تحقّقه الدّول في إنجازها عمليّة النّموّ الاقتصاديّ.

إنّ الدّراسات المقارنة التي أجريت فيها عمليّات المفاضلة بين أوضاع الشّركات الأوروبيّة والأمريكيّة، تمخّضت بحجج حاسمة وبراهين قاطعة، تثبت أهّميّة النّفوذ الذي تتمتّع به العمليّة التّعليميّة في تطوير عمليّات الإنتاج الصّناعيّ، فنظر في أحد تلك البحوث المقارنة، في ذلك المدى الذي تبلغه تلك الشّركات في القدرة على الاستفادة من البحوث التي تجرى في ميدان العلم، فتأكّد في ذلك البحث أنّ "الشّراكة بين المؤسّسات التّجاريّة والجامعات، الذي يؤدّي دوراً مهمّاً جدّاً في براعة أمريكا العلميّة والتّجاريّة، شبه معدوم في أوروبا،(12) ولا يبتدئ التّنافس بين الدّول في المبادرة إلى تحقيق المبتكرات العلميّة، في ذاك الأوان الذي يبتكر فيه مواطنو هذه الدّول تلك المخترعات التّكنولوجيّة، فذلك الوقت تحديداً، الذي تظهر فيه تلك المبتكرات، هو خاتمة المطاف في مراحل ذلك السّباق الذي تخوض غماره تلك الدّول، التي تمهّد كلّ منها لانطلاقتها في ذلك التّنافس الاقتصاديّ، بتهيئتها تلك الأماكن التي تحتضن الطلّاب الذين يسعون إلى إنجاز تحصيلهم العلميّ، فلا غرو من أن يهتمّ الباحثون في تلك الدّول المتنافسة، بمراجعة العمليّة التّعليميّة التي تجرى في تلك المدارس والجامعات، التي تدّرس فيها الأجيال النّاشئة، وكان مركز الإصلاح الأوروبي أصدر من مقرّه في مدينة لندن، تقريراً استعرض فيه أحوال الجامعات في أوروبا، وقد وصف ذلك التّقرير بأنّه كان لاذعاً، نظراً لتلك الشّكوى المرّة التي أفصح عنها مضمون ذلك التّقرير، إذ ذكر فيه أنّ ("ضائقة محبطة" تسيطر على التّعليم العالي في أوروبا. فمعظم أفضل جامعاتها من الدّرجة الثّانية بشكل واضح، يفاقم من ذلك نزوح المواهب الأكاديميّة"،(13)، وقد حدّدت تلك الأسباب التي أدّت إلى نشوء المشاكل التي حاقت بتلك المدارس الأوروبيّة، فكانت علّة النّقصان في مقدار التّمويل الذي يخصّص لتلك المدارس، إحدى تلك الأسباب التي أنتجت تلك الأزمات التي أصابت المدارس والجامعات الأوروبيّة.

ألحق تردّي أوضاع المدراس والجامعات في أوروبا، المضارّ العديدة بالنّشاط الاقتصاديّ في الدّول الأوروبيّة، بل أنّ تلك الحالة السّيّئة التي كانت عليها تلك المدارس، باتت تتسبّب باختلال انتظام مجرى سائر الأنشطة التي يزاولها النّاس في المجتمعات الأوروبيّة، فكانت "الضّائقة التّعليميّة في أوروبا تتعدّى جعل عمّال المستقبل أذكى بقليل. وهي ليست منوطة فقط بمجاراة المنافسين الأجانب في السّوق العالميّة. إنّما هي منوطة بالحفاظ على القوام الاجتماعيّ الأوروبيّ، إذ من دون اقتصادات نشيطة ومفعمة بالمعرفة، فإنّ ركائز دولة الرّفاهيّة الأوروبيّة العصريّة بكاملها ستتداعى. فالمدارس والجامعات تخرج أصلاً عدداً كبيراً من الطّلّاب والمهاجرين، الذين يدخلون فوراً قوائم الضّمان الاجتماعيّ، وهذه زيادة كبيرة في النّفقات تهدّد بإطاحة الميزانيّات الأوروبيّة وإغراق اقتصاداتها أكثر فأكثر"(14)، وقد انتقدت تلك الطّرائق التي يدّرس بها التّلاميذ في بعض المدارس الأوروبيّة في ذلك الزّمن الذي تطوّرت فيه باطّراد العلوم التّكنولوجيّة، فإذا كانت دول النّمسا وبلجيكا وألمانيا وهولندا قد "حافظت على أنظمة مدرسيّة من القرن ال19 تصنّف الأطفال منذ سنّ ال10 وتحيلهم إلى مدارس مختلفة المستويات، فارضة عليهم مسيرتهم المهنيّة المستقبليّة، ولا تقدّم المدارس ذات المستويات المتدنّية إلّا تعليماً بدائيّاً"،(15) فهذا المنهاج الذي يتبّع في تلك المدارس الأوروبيّة، لا يعدّ أولئك الطّلبة لتقبّل ذلك التّطوّر العلميّ الحاصل في ذلك العصر الذي تحقّقت فيه الثّورة العلميّة التّكنولوجيّة، التي مدّت آفاق النّشاط الاقتصاديّ إلى آماد قصيّة.

كانت تبعات تهاون المدارس الأوروبيّة في تهيئة الطّلّاب ليتلقّوا قواعد العلوم المتطوّرة، شديدة الضّرر، إذ بلغت "معدّلات التّسرّب المدرسيّ 10 بالمائة في المدارسة الألمانيّة الثّانويّة العامّة و60 بالمائة في الجامعات الإيطاليّة. وينتهي المطاف بالكثير من أولئك الشّبان ليصبحوا فوراً معتمدين على نظام الرّعاية الاجتماعيّة. ففي ألمانيا، لدى مكتب التّوظيف الفيدراليّ 960000 "زبون" دون ال 25 من العمر وهو ينفق ستة بلايين يورو على برامج إصلاحيّة تعلّم الشّباب أبسط المهارات، مثل مبادئ الرّياضيّات أو كيفيّة استعمال برنامج وورد من "مايكروسوفت"(16)، فإذا كانت الثّورة العلميّة التّكنولوجيّة شقّت طرائق جديدة في إنتاج السّلع الصّناعيّة، فإنّ نشوء تلك الطّرق المتطوّرة في الإنتاج الصّناعيّ، اقتضى أن يكتسب الأفراد مؤهّلات مهنيّة رفيعة، وقد كان العديد من مديري الشّركات في أوروبا، يتشكّون من تدنّي المستوى المهنيّ الذي انحدر إليه الخرّيجون الجامعيّون، الذين أبرمت معهم تلك الشّركات عقود العمل، فكان يصعب على أولئك الخرّيجين في تلك المدارس والجامعات الأوروبيّة، أن يتّبعوا النّهج المتطوّر الذي شقته الثّورة العلميّة التّكنولوجيّة في ميدان العمليّات الإنتاجيّة الصّناعيّة، فلوحظ أنّه "بالرّغم من وجود 4.5 مليون عاطل عن العمل، فإنّ الشّركات تتذمّر من أنّها لا تستطيع إيجاد عمّال مهرة، ليس فقط مهندسين واختصاصيّين بل مجرّد خرّيجين يتمتّعون بالمهارات الاجتماعيّة والتّعليميّة اللّازمة لبدء برامج التّدريب المهنيّ"(17).

إنّ ذلك المستوى المتدنّي الذي انحدرت إليه مؤّهلات أولئك الخرّيجين الجامعيّين، دفع أحد القيّمين على إدارة مكتب التّوظيف في إحدى المؤسّسات الأوروبيّة، إلى أن يعبّر عن تبرّمه بالأوضاع التي آل إليها مصير الشّركات الاقتصاديّة، ولم يجد بدّاً من أن ينحي باللّائمة على العمليّة التّعليميّة التي تنجز، إذ قال: "أنّ النّظام التّعليميّ يرسل إلينا أشخاصاً غير مستعدّين للتّدرّب"(18)، وإذا كان بعض الفئات من النّاس في أوروبا، قد قاست شظف العيش الضّنك، وكابدت تكاليف الحياة العسيرة، فإنّ ذلك العناء الذي حلّ بأولئك الأفراد عزي إلى فقدانهم تلك المؤهّلات العلميّة الرّفيعة، فكان "المفلسون في المجتمع هم أولئك الذين نادراً ما جرت تهيئتهم لمتطلّبات الاقتصاد العولميّ. فهم يمارسون الأعمال البسيطة أو أنّهم تخصّصوا في مهنة انعدمت الحاجة إليها، في ألمانيا، على أدنى تقدير. إنّهم أولئك الذين تركوا المدرسة في وقت مبكّر، أو أولئك الذين لا يتقنون أوّليّات القراءة والكتابة والحساب. إنّهم أولئك الذين عاش أكثرهم على الرّعاية الحكوميّة إلى الآن. بيد أنّ الدّولة تكاد تعجز عن مواصلة مساعدتهم، وذلك لأنّها أمست تئن تحت وطأة ديون عظيمة المقدار"(19)، فتطلّب تطوّر عمليّات الإنتاج الصّناعيّ، أن تتوفّر عند العاملين الذين يزاولون نشاط التّصنيع التّقنيّ، المؤهّلات العلميّة العالية، التي تهيّئهم لمزاولة الطّرائق المستجدّة في تلك العمليّات الصّناعيّة التّكنولوجيّة، التي أوجبت "على المشاريع الاستغناء عن الأعمال البسيطة، أي التي لا تحتاج إلى تخصّص ذي بال، ودفعها إلى أن تصعّد طلبها على ذوي التّعليم المتقدّم، أي أولئك الذين يحصلون على أجور ورواتب معتبرة"(20)، وأصبحت قوّة الاقتصاد الوطنيّ في بلدان العالم "تتوقّف في القرن الحادي والعشرين على نسبة المواطنين المتعلّمين في المقام الأوّل. فالأمم التي تتميّز بكثرة مواطنيها المتعلّمين، تستطيع الوقوف بثبات في المنافسة العالميّة، وتستطيع، بنحو أفضل، الحيلولة دون تصاعد التّفاوت في المجتمع"(21)، فأصبح التّحصيل العلميّ، في ذلك الأوان الذي نشأ فيه التّطوّر الصّناعيّ التّكنولوجيّ، إحدى العمليّات الاستثماريّة التي تسبغ منافع جمّة وثماراً وافرة، على الأنشطة الاقتصاديّة التي يزاولها الأفراد الذين تلقّوا تحصيلاً علميّاً رفيعاً.

الهوامش:

1- مجلّة نيوزويك، العدد 334، تاريخ14 نوفمبر 2006، ص46.

2- المصدر السّابق، ص47.

3- المصدر السّابق، ص49.

4- المصدر السّابق، ص49.

5- المصدر السّابق، ص48.

6- المصدر السّابق، ص49.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق، ص50.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق، ص51.

11- المصدر السّابق، ص50.

12- المصدر السّابق، ص51.

13- المصدر السّابق، ص47.

14- المصدر السّابق، ص48.

15- المصدر السّابق، ص49.

16- المصدر السّابق.

17- المصدر السّابق، ص49 _ 50.

18- المصدر السّابق، ص50.

19-أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب إخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، ص100، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010، ص327.

20- المصدر السّابق، ص329.

 

21- المصدر السّابق، ص417.