افتقرت بلدان عديدة إلى تلك الموارد الأساسيّة التي تقوم عليها عمليّات التّصنيع، وقد كانت تلك الموارد أحياناً شحيحة في بعض البلدان، حتّى إنّ كمّيّاتها اليسيرة المتوفّرة لدى تلك الدّول، لم تكن تسدّ عند العاملين في الإنتاج الصّناعيّ، حاجتهم الماسّة إلى تلك الموارد، إلّا أنّ هؤلاء النّاس الذين عزّ عليهم العثور على تلك الموارد الكافية في البلدان التي نشؤوا فيها، لم يفتروا عن معالجة مسألة شحّ تلك الموارد التي كانوا يفتقدونها، وتعدّدت تلك الحالات التي كانت تبرز فيها قدرات النّاس على معالجة مشكلة تلك النّدرة في الموارد، فاستطاعت اليابان أن تعالج مشكلة شحّ الموارد التي طالما افتقدتها، فكانت تعوزها تلك الموادّ الأساسيّة التي تندرج في صميم العمل الإنتاجيّ الصّناعيّ، حيث افتقرت إلى موادّ الحديد والفحم والنّفط، وقد ابتدأت منذ منتصف سنوات الخمسينيّات وتحديداً في العام 1955، في تحقيق نموّها الاقتصاديّ السّريع، إذ جرت فيها عمليّات البحث والتّطوير (Research and Devlopment)،(R&Dالتي اندرجت فيها "النّشاطاتالمتعلّقةبالبحوثالأساسيّة  Basic  research والتّطبيقيّةفيالعلوموالهندسةوالتّصميموتطويرالنّموذجالأصليّ Prototype  والأساليبالإنتاجيّة"(4)، وإذا كانت الدّول تتباين فيما بينها في القدرة على تحقيق التّطوّر في الإنتاج الصّناعيّ، فإنّ الفارق الحاصل بين تلك الدّول في المدى التي تبلغه في تحقيق التّطوّر التّقنيّ في العمليّات الأساسيّة، التي تقوم عليها العمليّة الإنتاجيّة الصّناعيّة، يحدّد حقيقة ذلك التّباين الواقع بين الدّول في إنتاج السّلع الصّناعيّة المتطوّرة.

إنّ أسباب ذلك التّفاوت الحاصل بين الدّول، في تطوير الإنتاج الصّناعيّ، لم تكن تخفى على الباحثين في وقائع عمليّات التّصنيع التي تجري في البلدان المختلفة، فقد تضمّن بحث اقتصاديّ، نشر في مطلع سنوات الثّمانينيّات، الحديث عن علل ذلك التّباين الملحوظ بين الدّول، إذ تأكّد أنّه "لاشيءيجسّدالفجوةالتّكنولوجيّة الهائلةالتيتفصلالدولالمتقدّمةمنالدّولالنّامية،مثلمعرفةأن 98,4 % ممّاينفقعلىعمليّةالبحثوالتّطويرفيالعالم، تتمّ فيالدّول الرّأسماليّةالمتقدّمة 66,2% والدّول الاشتراكيّة المتقدّمة 32,2، أمّا ما ينفق على البحث والتّطوير في الدّول النّامية فيبقى في حدود 1,6%"(5)، وقد توفّرت للعمّال اليابانيّين الوسائل التي هيّأت لهم أن يتلقّوا التّدريب التّقنيّ الذي أتاح لهم تنمية مؤهّلاتهم، ليتمكّنوا من أن ينجزوا بدقّة وإتقان الأعمال الصّناعيّة الإنتاجيّة، وبعد أن عمدت اليابان إلى أن تستورد الخامات الضّروريّة التي أخذت تتلقّف في المصانع اليابانيّة التي هيّئ فيها العمّال، لأن يحقّقوا الفائدة القصوى في معالجة تلك الموارد في إنتاج السّلع والمنتجات الصّناعيّة المتنوّعة.

عكفت اليابان على أن تصدّر سلعها المصنّعة، بعد أن دأبت الشّركات اليابانيّة في أن تحقّق شروط الإنتاج الصّناعيّ، الذي يتاح له أن يحلّ بمكانة وطيدة في ميدان التّجارة الخارجيّة، وقد حقّقت اليابان معدّلاً عالياً في النّموّ الصّناعيّ في العقد الثّامن من القرن العشرين، إذ زاد مقدار تضاعف الإنتاج الصّناعيّ فيها عن ثلاث مرّات، ولم تقتصر اليابان على أن تجلب إليها الموارد التي كانت تفتقدها، بل عمدت أيضاً إلى أن تستورد براءات الاختراع، إذ أدّى نشوء الثّورةالعلميّة والتّكنولوجيّة، إلى أن تتعاطى عدّة دول تجارة التّراخيص وبراءات الاختراع، فكانت اليابان بدأت "في نهضتها الحديثة باستيراد براءات الاختراع، من الولايات المتّحدة أساساً، بهدف تصنيعها محلّيّاً، وهو ما مكّنها لاحقاً من إنتاج براءات الاختراع"(6)، وقد أعدّت اليابان الأسس التي ترتكز عليها عمليّات البحث والتّطوير، فأنشأت التّجهيزات والمختبرات العلميّة التي تجرى فيها الأبحاث العلميّة، التي رصدت في عام 2006 له مبلغاً كبيراً يفي بسدّ حاجة الباحثين اليابانيّين إلى الأموال التي ينفقونها في إنجاز أبحاثهم العلمّية، حيث "أنفقت اليابان 130 بليون دولار على الأبحاث والتّنمية... ممّا يشكّل نسبة مئويّة من إجماليّ النّاتج المحلّيّ أعلى من النّسبة المئويّة في الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ، ويضع اليابان في المرتبة الثّالثة عالميّاً بعد السّويد وفنلندا"(7).

إنّ أولئك الباحثين الذين أجروا دراساتهم النّظريّة والتّطبيقيّة في العلوم، أسهموا في أن يمهّدوا للنّاس السّبيل إلى تحقيق النّموّ الاقتصاديّ، في البلدان التي رسخت فيها قواعد الثّورة الصّناعيّة التّكنولوجيّة، ففي عصر العولمة و"بفضل الثّورة العلميّة والتّكنولوجيّة تدخل الرّأسماليّة في عالم حضاريّ جديد يتمثّل حضارته في المعرفة التي تقوم على المعلومات بدلاً من الموادّ الخامّ والوقود والموارد الطّبيعيّة وموارد العمل البسيط للبشر. وتصبح المعلومات هي المورد الرّئيسيّ لثروة المجتمع، وتصبح القوى المنتجة للمعرفة هي مفتاح تحديد وتجديد القوى المنتجة للمجتمع"(8)، ولم يعد شحّ الموارد تلك العقبة الكأداء التي تعترض سبييل النّموّ الاقتصاديّ، التي تتطلّع الدّول كافّة إلى أن تنتهجه، ففي ذلك الأوان الذي توطّدتفيه ركائز الثّورة المعلوماتية، أصبحت "المعلومات هي الشّكل الرّئيس لرأس المال. إنّ المعلومات مورد مثل سائر الموارد الطّبيعيّة: كالثّروات المعدنيّة، والأرض والمياه، ومثل الثّروات البشريّة، وهي مورد متجدّد يتزايد كلّ يوم ويتضاعف كلّ خمس سنوات. وهو قادر على أن ينتج موارد جديدة لم تكن معروفة. فالمعلومات تحوّل الموادّ التي لم نكن نعرف لها قيمة إلى موارد طبيعيّة جديدة. وبقدر ما يعتمد المجتمع على تكنولوجيا المعلومات والمعرفة يتخلّى عن الطّاقة والخامات"(9)، وأصبحت مراكز البحث والتّطوير ترفد المؤسّسات الصناعيّة بتلك الموارد الفكريّة، وتمدّها بالمبتكرات العلميّة التي تنتجها أذهان الباحثين، الذين يساهمون بدراساتهم العلميّة في تطوير السّلع المنتجة، فلا غرو من أن تندفع مجلّة أمريكيّة متخصّصة في مجال الكمبيوتر، في أن تفصح عن أنّه "يخطّط اليابانيّون لإطلاق المنتج المعجزة، الذي لن يخرج من مناجمهم أو آبارهم أو حقولهم أو حتّى بحارهم، بل سيخرج من عقولهم"(10)، فأولئك اليابانيّون الذين خاضوا غمار ميدان الإنتاج التّكنولوجيّ، تمكّنوا من معالجة مشكلة شحّ الموارد التي عزّ وجودها في بلدهم اليابان.

 

انطبقت على حالة ذلك النّشاط الصّناعيّ الذي زاوله أولئك اليابانيّون، مغزى تلك العبارة التي كانت تجري على ألسنة النّاس، الذين كانت تنتابهم الدّهشة من رؤيتهم المنتجات المصنّعة، بينما لم تكن تتوافر من قبل لتلك السّلع المنجزة، الموارد الكافية التي لا غنى للعمّال عنها، كي يتمّكنوا من أن ينجزوا تلك المنتجات الصّناعيّة، وأمّا تلك العبارة فهي "خلق شيء من لا شيء"، وهي عبارة تدلّ على المهارة والتّفوّق في إنتاج المبتكرات الصّناعيّة، وإن كانت تلك العبارة تصف أساساً عمليّة الابتكار، والتي يجريها النّاس المبدعون في العديد من الأنشطة الإنسانيّة المتنوّعة، بيد أنّ بالإمكان أن تذكر في مجرى الحديث عن الإنتاج الصّناعيّ في اليابان، للتّعبير عن نجاح العمّال اليابانيّين في أن يستغلّوا الموارد المتوفّرة في مصانعهم، استغلالاً بالغاً، بيد أنّ اليابان لم تتفرّد بالبروز وحدها في ميدان تصنيع المنتجات التّكنولوجيّة، بل أنّ دولاً اقتصاديّة ناشئة عديدة عملت على ذلك منوال الذي أخذت به اليابان، فكان تهيّأ للباحثين في سنغافورة، أسباب الدّعم الذي سهّل لهم أن ينجزوا أبحاثهم العلميّة التّطبيقيّة، إذ "زادت سنغافورة من مقدار الإنفاق على البحث والتّطوير نسبة إلى إجماليّ النّاتج المحلّيّ، فقاربت مستويات هذا الإنفاق من ألمانيا، ممّا يتيح إمكان التّطوير المستمرّ لنوعيّة كلّ من المنتجات وعملّيّات الإنتاج على حدّ سواء"(11).

اتّضحت للعديد من الدّول تلك المنافع التي تعود على من يدير تجارة تكنولوجيا المعلومات، التي سعت الهند إلى أن توطّد لها مكانة راسخة في صدارة الأنشطة التي اشتمل عليها الاقتصاد الهنديّ الحديث، ولم يكن يتأتّى للهند أن تفلح في تطوير أنشطتها الاقتصاديّة، لولا نجاحها "في إقامة شبكة متفاعلة من الحاضنات والمجمعّات التّكنولوجيّة التي أحدثت قفزة هائلة في مجالات التّكنولوجيا المتقدّمة، وأدّت إلى أن تصبح الهند ثالث دولة في إنتاج البرمجيّات عالميّاً"(12)، وهي تبوّأت تلك المرتبة العالية بعد أن مهّدت لتحقّق ذلك النّموّ في نشاطها الاقتصاديّ بإنشائها "سلسلة من ساحات تكنولوجيا البرمجيّات STP: Software Technology Parks وُزِّعت على مدن الهند الرّئيسيّة،.... وتنظر الهند إلى قطّاع البرمجيّات بصفته نموذجاً يثبت قدرتها على المنافسة عالميّاً"،(13) وقد حشد الباحثون الهنود قدراتهم على تطوير تكنولوجيا البرمجيّات، في مراكز الدّراسات التي أنشئت في الهند، فلم يكن في وسع أحد من الناس "إنكار أنّ الهند قد أسّست نهضتها العلميّة _ التّكنولوجيّة الحديثة في ظلّ سياسة الاعتماد الذّاتيّ التي أدّت النّهوض بالتّعليم والتّطوير السّريع لمراكز البحث والتّطوير"(14)، فاقتضى تحقّق الثّورة العلميّة التّكنولوجّيّة في أقطار العالم، أن تتوفّر في تلك البلدان القواعد الأساسيّة التي يقوم عليها مجتمع المعرفة، وقد أدرجت الهند في عداد تلك الدّول الاقتصاديّة النّاشئة، التي جهدت في تحقيق النّمو الاقتصاديّ، حتّى أنّها تمكّنت الهند من أن تصبح في فترة زمنيّة مضت "ثاني أسرع الدّول نموّاً في العالم بعد الصّين"،(15)، وذلك النّهوض الذي حقّقته الهند في المجال الاقتصاديّ، عزي إلى اتّباعها سبيل التّكنولوجيا المتطّورة.

تكبّدت الدّول النّامية بحرمانها من الاستفادة من خبرات أولئك الأفراد الذين ترعرعوا في كنفها، وترقّوا في مراتب العلم في ظلّها، إلّا أنّهم بعد أن اكتمل نضجهم وصلب عودهم، دفعتهم دواعي الهجرة إلى أن يقصدوا الدّول الأجنبيّة، ليقيموا فيها، ويمارسوا أعمالهم في أرجائها، وقد صيغت عبارة هجرة العقول، أو هجرة الأدمغة، للدّلالة على حالة تلك الخسارة الفادحة التي كانت تمنى بها تلك الدّول النّامية، التي استنزفت فيها تلك القدرات الفكريّة التي يمتلكها مواطنو تلك البلدان النّامية، إذ غادروا بلادهم قاصدين تلك الدّول المتقدّمة، فكابدت تلك البلدان النّامية هدر تلك الطّاقات التي يحوزها أبناؤها، وفاتها أن تستغلّ الفرص، التي كان يتيسّر لها أن تستفيد فيها من مؤهّلات أصحاب العقول المهاجرة، فاعتبرت تلك البلدان النّامية أن القدرات التي حازها أبناؤها قد ضاعت سدى، من دون أن يستفاد منها، فذهبت خبرات أصحاب تلك العقول، في أدراج الرّياح، بينما كانت الدّول المتقدّمة تتهيّأ دائماً لاستقبال تلك العقول المهاجرة، وتتحفّز لأن تحتضنهم، حتّى أصبح النّاس في تلك الدّول المتقدّمة، يعتقدون بأنّ رياحاً طيّبة حملت إليهم تلك الأدمغة التي وفدت إليهم.

إذا كانت أغلب الدّول النّامية استمرّت على معاناتها مشكلة افتقادها خبرات أصحاب تلك العقول المهاجرة، فإنّ الهند دأبت في أن تحدّ من استفحال ذلك الاستنزاف الذي عانته معظم الدّول في العالم النّامي، فأخذت تحقّق ذلك "الاستنزاف المعاكس للعقول"، فانتشرت تلك العبارة التي ذكرتها آنفاً، بين جموع النّاس في الهند، وهم عنوا بها أولئك "الهنود الموهوبين الذين عادوا إلى الوطن من وادي السّيليكون لتوفير وقود نهضة الهند التّكنولوجيّة،(16)، فاستطاعت الهند أن تؤسّس القواعد التي قام عليها اقتصاد المعرفة، لتضمّن توفّر عوامل تحقّق النّجاح في اتبّاعها نهج التّصنيع التّكنولوجيّ، فنشأت في الهند مجموعة كبيرة من العلماء ومهندسي المبرمجات وعلماء الكيمياء والمحاسبين والمحامين والأطباء الذين يزيدون بشكل مطّرد من قيمة قطّاع الهند المرتبط بتكنولوجيا المعلومات والذي يقدّم حقلاً خصباً لنقل الأعمال من الخارج إلى السّوق الهنديّة، وقد تشعّبت تلك الأنشطة التي انتشرت في نطاق الإنتاج التّكنولوجيّ، فلم تقتصر الهند على تصدير البرمجيّات إلى سائر دول العالم، بل إنّها كانت تستقبل في أراضيها مراكز الأبحاث والتّطوير التي  أنشأتها مجموعة كبيرة من الشّركات العالميّة، التي زاد عددها عن المائة شركة.

نشأت في أرجاء دول الاقتصاديّات النّاشئة، مراكز الأبحاث التي عكف فيها الدّارسون على إجرائهم دراساتهم التّطبيقيّة في العلوم، وكانت كوريّا الجنوبيّة سبّاقة إلى إدراك أهمّيّة القيمة الاقتصاديّة القصوى التي تحقّقها أبحاث التّطوير، الذي وفّرت له مبلغاً كبيراً من المال، ليصرف على تحقيق تلك الدّراسات العلميّة، فكانت الشّركات الكبرى في كورية الجنوبيّة "تفهم أهمّيّة زيادة القيمة الاقتصاديّة عن طريق الاستثمار بصورة كبيرة جدّاً في الأبحاث والتّطوير؛ فحصّة إنفاق هذه البلاد على الأبحاث والتّطوير من الاقتصاد هي من أعلى الحصص في العالم الآن، إذ تبلغ 2.6 بالمائة من ناتجها القوميّ الإجماليّ، بالنّسبة إلى دولة تقترب بسرعة من معدّل دخل للفرد يصل إلى 20000 دولار سنويّاً"،(17) وفاقت كوريا الجنوبيّة سائر المجتمعات في العالم، في تحقيقها الرّبط والتّشابك بين خطوط وقنوات الاتّصالات المتنوّعة في الإنترنت، حيث نشأ فيها فضاء الإنترنت "سايبر سبايس" Cyber space، فأتاح ذلك الفضاء السّيبريّ وهو الفضاء الرّقميّ الألكترونيّ، أن يجري في ذلك البلد الآسيويّ، التّرابط بين الناس والآلات ومصادر المعلومات، وقد اعتبرت كوريا الجنوبيّة "هي أكثر مجتمعات العالم التي حقّقت فيها ربطاً، .... وأرض معركة رئيسيّة للنّزاعات حول من يملك الفضاء السّايبري التّجاريّ"(18)، وقد حرص العاملون الذين زاولوا النّشاط الاقتصاديّ في كوريا الجنوبيّة، على أن يبذلوا قصارى جهودهم في ذلك السّباق الذي خاضوا غماره، في حقل الإنتاج التّكنولوجيّ، وسعوا إلى أن يكونوا "الأسرع في تسويق التّكنولوجيا الخلّاقة"(19) كي يتسنّى لهم إدراك من سبقهم إلى تطوير المنتجات التّكنولوجيّة.

إنّ أولئك الباحثين الاقتصاديّين الذين رؤوا ذلك النّجاح الذي حقّقته إحدى الشّركات في كوريا الجنوبيّة في تطوير منتجاتها التّكنولوجيّة، توصّلوا إلى أن يستنتجوا أنّ العاملين في تلك الشّركة وطّدوا عزمهم على أن يتبوّؤا "صدارة العصر الرّقميّ"(20)، واتّبعت سائر الدّول الاقتصاديّة الناّشئة الآسيويّة ذلك النّهج الذي سلكته كورية الجنوبيّة في سعيها إلى أن تتصدّر مكانة عالية في العالم الرّقميّ، الذي سيتحقّق فيه التّرابط بين الأجهزة الألكترونيّة المتنوّعة، التي ينشأ فيما بينها ذلك التّواصل، الذي جهدت الشّركات الكوريّة وبقيّة الشّركات في البلدان الآسيوّية، في أن تقيمه بين تلك المنتوجات، فتمخّض عن تلك الأعمال التي أتتها تلك الشّركات "خلق فسحة العيش الذّكيّة التي لم نشاهدها سوى في أفلام الخيال العلميّ"(21)، وقد أكّدت شركة استشاريّة تعمل على تقييم العلامات التّجاريّة في العالم، أنّ إحدى الشّركات الكوريّة الجنوبيّة "أصبحت أكبر شركات الأجهزة الألكترونيّة الاستهلاكيّة في العالم، وهي ملكة هذا العصر، وأسرع العلامات التّجاريّة نموّاً في العالم"،(22)، وذلك النّجاح الذي حقّقته كوريا الجنوبيّة في مجال الإنتاج الصّناعيّ التّكنولوجيّ، لم يكن ليتحقّق لولا شدّة اهتمام الشّركات الكوريّة الجنوبيّة بأن توفّر الأسس، التي تقوم عليها عمليّات الأبحاث والتّنمية في تلك الشّركات ذاتها، وكان عدد الباحثين في إحدى الشّركات الكوريّة الجنوبيّة، قدّر برقم يقارب التّسعين ألفاً، وهم كانوا ربع موظّفي تلك الشّركة، وقد دفعت المنتجات التّكنولوجيّة التي أنجزتها الشّركات الكوريّة أحد المستثمرين الماليّين، إلى أن يعتقد بأنّ "الكوريّين سيحكمون الأرض"(23)، فكانت دول الاقتصاديّات النّاشئة في شرق آسيا بالإضافة إلى اليابان، تفتقر إلى العديد من الموارد، التي اضطّرت إلى أن تستوردها من سائر دول العالم، إلّا أنّ تلك البلدان الآسيويّة، عوّضت عن قلّة توفّر تلك الموارد الماديّة في أراضيها، بنجاحها في استثمار تلك الموارد الفكرّية التي كان يحوزها المواطنون في تلك البلاد الآسيويّة.

الهوامش:

1- توم جورمان، دليل المبتدئين الشّامل إلى علم الاقتصاد، كلمات عربيّة للتّرجمة والنّشر، 2010، ص 23.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السابق، ص38.

4- أنطونيوس كرم، العرب أمام تحدّيات التّكنولوجيا، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 59، الكويت، نوفمبر 1982، ص46.

5- المصدر السّابق، ص47.

6- نبيل علي ونايلة حجازيّ، الفجوة الرّقميّة، رؤية عربيّة لمجتمع المعرفة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 318، الكويت، أغسطس 2005، ص55.

7- مجلّة نيوزويك، العدد 390، تاريخ 11 ديسمبر 2007، ص11.

8- بول هيرست وجراهام طومبسون، ما العولمة، الاقتصاد العالميّ وإمكانات التّحكّم، ترجمة: د. فالح عبد الجبّار، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 273، الكويت، سبتمبر 2001 ، ص201.

9- المصدر السّابق.

10- مجلّة نيوزويك، العدد 390، تاريخ 11 ديسمبر 2007، ص12.

11- فؤاد مرسي، الرّأسماليّة تجدّد نفسها، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 147، الكويت، مارس _ آذار 1990م،  ص65.

12- نبيل علي، العقل العربيّ ومجتمع المعرفة، مظاهر الأزمة واقتراحات الحلول (الجزء الأوّل)، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 369، الكويت، نوفمبر 2009، ص275.

13- نبيل علي، نادية حجازيّ، الفجوة الرّقميّة، رؤية عربيّة لمجتمع المعرفة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 318، الكويت، أغسطس 2005، ص52.

14- المصدر السّابق، ص53.

15- مجلّة نيوزويك، العدد299، تاريخ 7 مارس 2006، ص32.

16- مجلّة نيوزويك، العدد 334، تاريخ 14 نوفمبر 2006، ص26.

17- مجلّة نيوزويك، العدد 334، تاريخ 14 نوفمبر 2006، ص29.

18- مجلّة نيوزويك، العدد 228، تاريخ 26 أكتوبر 2004، ص54.

19- المصدر السّابق، ص38.

20- المصدر السّابق.

21- المصدر السابق.

22- المصدر السّابق، ص39.

 

23- المصدر السّابق.