جهد النّاس في أن يوفّروا دائماً الأسباب التي يتوسّلون بها إلى أن يقضوا أوطارهم في الأنشطة المتنوّعة التي يزاولونها، فعمدوا إلى أن يعدّوا الأدوات التي تيسّر لهم أن يصيبوا تلك الأغراض التي تنهزهم الحاجّة إلى أن يدركوها، ولم يكن يتأتّى لهؤلاء النّاس أن يبلغوا مراميهم، إن لم يتّخذوا الأهبة الملائمة لتحقّق تلك المآرب التي يتطلّعون إليها، وقد انكبّ الباحثون على دراسة تلك الوسائل، التي كان يتوخّى النّاس أن يتناولوها في سعيهم إلى إنجازهم حاجاتهم المتنوّعة، فتعدّدت تلك الدّراسات التي تحرّى فيها البحّاثة عن أحوال تلك الأدوات، التي يتناولها النّاس في النّشاط الاقتصاديّ الذي يمارسونه، وقد اصطلح على أن يطلق على تلك الوسائل اسم الموارد الاقتصاديّة  Economic Resource، التي عرّفت بأنّها "كلّ ما يصلح ويلزم لإشباع الحاجات الإنسانيّة سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة"(1)، فاندرج في عداد تلك الموارد،الموادّ كافّة التي يستخدمها النّاس في إنتاجهم السّلع المتنوّعة التي يسدّون بها حاجاتهم، وقد ميّز الباحثون بين أقسام الموارد المتعدّدة، التي تنوّعت بحسب الخصائص التي تتّسم بها تلك الموارد، وسأضرب مثلاً يبيّن أحد أنواع تلك الموارد المختلفة، إذ ذاع مصطلح شائع في الأبحاث الاقتصاديّة، وهو تحديداً الموارد الطّبيعيّة، التي اشتملت على المعادنوالأنهار والبحيرات والغابات والمناجم والغاز الطّبيعيّ بالإضافة إلى سائر الموادّ العديدة التي تختزنها الطّبيعة، وكان التّقدّم التّقنيّ الذي طرأ على ميدان إنتاج الآلات الصّناعيّة، أتاح للنّاس أن يستخدموا استخداماً ناجعاً تلك الموارد التي يتناولونها في العمليّات الإنتاجيّة التي ينجزون فيها السّلع الاقتصاديّة.

أخذ الرّجع العميم الذي عاد على النّاس الذين استخدموا الآلات الصّناعيّة المتطوّرة، يتنامى ويزداد زيادة مطّردة، كلّما تحقّق ذلك التّطوّر الذي أصاب بنيان الآلات الصّناعيّة، فمنذ أن بدأت الثّورة الصّناعيّة في منتصف القرن الثّامن عشر، انطلق النّاس يتخفّفون من أعباء العمل اليدويّ، ليعتمدوا اعتماداً متزايداً على استخدام الآلات الصّناعيّة المتطوّرة، التي استبدلوها بتلك الجوارح التي طالما كانت الأدوات الأساسيّة التي كانوا يعتمدون عليها، في مزاولتهم العمليّات الإنتاجيّة التي أوجدوا فيها السّلع المتنوّعة، وكان ذلك التّطوّر العلميّ والتّقنيّ الذي جرى في تسارع متنامي في السّنوات التي تلت الأعوام التي بدأت فيها تلك الثّورة الصّناعيّة، هيّأ للنّاس أن يستخدموا موارد جديدة لم يكونوا يتناولونها من قبل، وباتوا يتحكّمون في تحقيق الانتفاع المتزايد من تلك الموارد الاقتصاديّة، وكانت آفاق ذلك ذلك التّطوّر الذي أدركه هؤلاء النّاس، الذين استخدموا الآلات الصّناعيّة، قد بدأت تتّسع، من دون أن يحدّها ذلك الميدان الذي نشأت فيه تلك الثّورة الصّناعيّة، ولم تكد تتحقّق الثّورة التّكنولوجيّة الجديدة التي سمّيت بالثّورة الصّناعيّة الثّالثة، حتّى بدأ "تحوّل نوعيّ في عمليّة الإنتاج، من خلال إدخال الأتمتة: أي إدارة الآلات ذاتيّاً بوساطة التحكّم الآليّ (الأوتوماتيكي)"(2)، وتوثّقت تلك الصّلة التي جمعت بين التّقدّم التّقنيّ، وذلك التّوسع الذي حقّقه النّاس، في إنجاز عمليّات الإنتاج الصّناعيّة، إذ هيّأت لهم التّكنولوجيا المتطوّرة "استخدام الآلة الحديثة في الإنتاج الواسع نتيجة التّقدّم العلميّ وتطبيق هذا التّقدّم في كلّ نواحي الحياة، في الإنتاج والتّوزيع، وفي تفهّم النّواحي السّياسيّة للجماعات وفي إدارة المشروعات"(3).

لم تأل غالبيّة النّاس جهداً في دأبها في أن تحسّن أوضاع معيشتها، فعنت جموع أولئك الأقوام بأن تبحث عن السّبل، التي تفضي بها إلى أن تهنأ بغضارة العيش وصفوه، إلّا أنّ تحقّق طيب تلك الحياة التي منّى أفراد النّاس أنفسهم بالتّنعم بها، في المجتمعات التي ينضوون إليها، كان يقتضي أن يسهم كلّ من هؤلاء الأشخاص في توفير الشّروط التي يتوقّف على تحقّقها، ازدهار المجتمعات التي يعيشون في ظلّها، وكان هؤلاء الباحثون في الأسباب التي تؤدّي إلى تحقّق نهوض الأمم وتطوّرها، ما برحوا يعوّلون على تلك القدرات العالية، التي يختزنها النّاس في نفوسهم الطّامحة إلى النّهوض بالبلدان التي يعيشون فيها، فكان مفهوم التّنمية البشريّة ذاته يتضمّن فكرة أساسيّة وهي "أنّ البشر هم الثّروة الحقيّقيّة للأمم"(4)، وقد حدّدت المقاييس التي يسبر بها مقدار تحقّق ذلك التّطوّر في أحوال معيشة النّاس، إذ عيّنت معايير ثلاثة ليسبر بها أوضاع التّنمية البشريّة وهي "العيش حياة طويلة وصحّيّة، والحصول على المعرفة، وتوافر الموارد اللّازمة لمستوى معيشيّ لائق"(5)، فحدّدت تلك المقاييس الثّلاثة بالصّحّة والمعرفة ونمط العيش، وأصبحت تلك التّنمية الإنسانيّة تعبّر حقّاً عن "عمليّة توسيع خيارات البشر"(6)، وتضمّن ذلك التّعريف الذي وضع لتحديد مفهوم التّنمية البشريّة، عنصر المعرفة، التي إن شاء النّاس أن يتمكّنوا من أن يحيطوا بها، فيلزم عليهم أن يؤسّسوا في تلك المجتمعات التي يعيشون فيها، تلك القواعد التي تمهّد لنشوء تلك المعرفة، حتّى بات ذلك المجتمع الذي تتحقّق فيه تلك المعرفة، يتميّز عن سائر المجتمعات الأخرى، بذلك الاسم الذي يطلق عليه، إذ سمّي بمجتمع المعرفة "الذي يقوم أساساً على نشر المعرفة وإنتاجها، وتوظيفها بكفاءة في جميع مجالات النّشاط المجتمعيّ: الاقتصاد والمجتمع المدنيّ والسّياسة، والحياة الخاصّة، وصولاً لترقية الحالة الإنسانيّة باطّراد، أي إقامة التّنمية الإنسانيّة"(7).

يمهّد نشوء مجتمع المعرفة لانطلاق النّاس إلى تحقيق التّنمية التي يطمحون إلى أن يحسنّوا بها أحوال معيشتهم، وقد حرص الباحثون على أن يوضّحوا المكانة الرّفيعة التي تحلّ بها المعرفة في المجتمعات الإنسانيّة، فدأبوا في أن يفسّروا مفهوم مجتمع المعرفة أيضاً في عبارة جامعة مانعة، إذ اتّضح فيها تحديد مجتمع المعرفة بأنّه "في عبارة واحدة، يعني.... اعتماد المعرفة مبدأ ناظماً لجماع الحياة البشريّة"(8)، وذلك التّعريف الذي ذكرته آنفاً، نصّ على تحقّق التّطوّر في الأنشطة الإنسانيّة المتنوّعة، التي اندرج في عدادها، النّشاط الاقتصاديّ الذي يمارسه النّاس، إذ كانت "نقطة البدء في الاهتمام بالمعرفة هي تنامي الاعتقاد بأنّ الأصول المعرفيّة للمجتمع: المعرفة والخبرة، لا الأصول الماديّة (الخام أو الرّأسماليّة) أو الماليّة، هي المحدّدات الجوهريّة للإنتاجيّة والتّنافسيّة، ومن ثمّ التّقدّم، في عالم اليوم والغد. يُطلق وصف مجتمع المعرفة على الطّور الرّاهن، والأحدث، من مسيرة التّقدّم البشريّ، كما يتبلور في المجتمعات البشريّة الأكثر تقدّماً"(9)، وقد تمخّض عن نشوء مجتمع المعرفة، تحقّق النّموّ في النّشاط الاقتصاديّ الذي أصبح ينتظم وفق القواعد التي قام عليها أساساً مجتمع المعرفة، الذي اتّضح فيه "انتشار التّقانات technology انتشاراً متزايداً وسريعاً في جميع القطّاعات الاقتصاديّة، إذ باتت تكوّن العنصر الأساسيّ للنّموّ الاقتصاديّ، كما أسهمت في تحويل الاقتصادات التي كانت قائمة على إنتاج السّلع والخدمات إلى اقتصاديّات قائمة على إنتاج المعلومات وتوزيعها، ممّا نقل الثّقل الاقتصاديّ من الاقتصاد الماديّ إلى اقتصاد المعرفة"(10)، فمهدّت الأسس التي نهض عليها مجتمع المعرفة، لأن تتغيّر تلك القواعد التي كانت تنظّم مجرى النّشاط الاقتصاديّ في الزّمن الماضي.

أدرجت في عداد القواعد الجديدة، التي حدّدت معالم النّشاط الاقتصادي النّاشئ في مجتمع المعرفة، مفاهيم عديدة مستحدثة، حيث تبوّأ مفهوم المعلومات Information صدارة ذلك التّعريف الذي وضع لتفسير طبيعة ذلك الاقتصاد، فحدّد مصطلح المعلومات بأنّه "يقصد به حصول الإنسان على البيانات والحقائق عن طريق الملاحظة أو التّجربة والتّعليم، وتتميّز المعلومات عن الأفكار والآراء في أنّها حقائق وبيانات ثبت صحّتها، وتتدفّق المعلومات حاليّاً عن طريق شبكات المعلومات والأنترنت وعن طريق وسائل الإعلام والاتّصال المختلفة ووسائل الثّقافة والتّعليم والمعرفة، ويتمّ الاستفادة من المعلومات في وضع الخطط واستشراف آفاق المستقبل والبناء المعرفيّ للفرد والمجتمع"(11)، فتسبّب انتشار تلك المعرفة باتّساع ذلك النّطاق الذي تتشعّب فيه الأنشطة الاقتصاديّة، فأصبحت "المعرفة التّكنولوجيّة عموماً، وتكنولوجيا المعلومات والاتّصالات بوجه خاصّ هي مصدر القوّة الأساسيّة التي ترتكز عليها عولمة هذه الأيام، المتمركزة حول الاقتصاد القائم أصلاً على التّكنولوجيا"(12)، وقد ذهبت منظّمة اليونسكو إلى أن تعرّف تكنولوجيا المعلومات أيضاً بأنّها "تطبيق التّكنولوجيّات الالكترونيّة ومنها الكمبيوتر والأقمار الصّناعيّة وغيرها من التّكنولوجيّات المتقدّمة لإنتاج المعلومات التّناظريّة والرّقميّة وتخزينها, واسترجاعها, وتوزيعها، ونقلها من مكان إلى آخر"(13)، فأصبح النّاس يهدفون إلى انتهاج سبيل تلك المعرفة التي تفضي بهم إلى النّهوض بمجتمعاتهم التي تكتنفهم.

ترتّب على نشوء مجتمع المعرفة، أن يتحقّق نمط جديد من النّشاط الاقتصاديّ، الذي اتّفق الباحثون في العلوم الاقتصاديّة على أن يطلقوا عليه مصطلح الاقتصاد الجديد (New Economy وهو كان يسمّى أحياناً أيضاً باقتصاد المعرفة، حيث ارتأى هؤلاء العلماء أن يؤكّدوا في ذلك المصطلح الجديد، سمة تلك الجدّة التي تميّز ذلك النّمط من الاقتصاد عن الأنشطة الاقتصاديّة التي كانت تمارس في العصور الماضية، وأصبح "اقتصاد المعرفة اتّجاهاً حديثاً في الرّؤية الاقتصاديّة العالميّة، ينظر إلى المعرفة بوصفها محرّك العمليّة الإنتاجيّة، والسّلعة الرّئيسيّة فيها، إذ يرى أنّها تلعب دوراً رئيسيّاً في خلق الثّروة غير المعتمدة على رأس المال التّقليديّ، ولا على الموادّ الخامّ، أو العمّال، إنّما تعتمد كلّيّاً على رأس المال الفكريّ، ومقدار المعلومات المتوفّرة لدى جهة ما، وكيفيّة تحويل هذه المعلومات إلى معرفة، ثمّ كيفيّة توظيف المعرفة للإفادة منها بما يخدم البعد الإنتاجيّ"(14)، فإن هيّأت الثّورة التّكنولوجيّة للنّاس أن يجيدوا التّحكّم المتقن في استخدامهم الموارد، في إنجازهم عمليّات الإنتاج الصّناعيّة، فإنّ تلك التّكنولوجيا مهّدت لنشوء موارد إضافيّة اصطلح على أن تسمّى بالموارد الفكريّة، فإن كانت التّكنولوجيا تحدّد بأنّها تطبيق نظريّات العلوم والمعارف لتحقيق تلك الأغراض التي يتوخّى النّاس أن يدركوها في أعمالهم المختلفة التي ينجزونها، فإنّ الثّورة التّكنولوجيّة الثّالثة تعتمد أساساً على ركيزة المعرفة، فأصبح التّطوّر الذي يتحقّق في ميدان النّظريّات العلميّة، يحفز النّاس إلى أن يحسّنوا ويطوّروا أيضاً التّطبيقات التكنولوجيّة المتعدّدة.

أتاحت الثّورة التّكنولوجيّة للنّاس أن يطوّروا الطّرائق التي ينفّذون فيها العمليّة الإنتاجيّة التي ما برحت تنمو نموّاً كبيراً، وأصبحت المعرفة نفسها مورداً هامّاً في العمليّة الإنتاجيّة الاقتصاديّة، وما لبثت أن أدرجت المعلومات والمعارف في نطاق العمل الاقتصاديّ، حتّى أصبحت منتجاً تجاريّاً يستخدمه النّاس، وتلك الموارد الفكريّة التي عبّر عنها مفهوم رأس المال الذّهنيّ Intellectual capital الذي أثبت أنّ الموارد الرّمزيّة "فاقت أهمّيّة الموارد الماديّة في عصر المعلومات، وهو مصطلح يطلق على الاستثمارات في تكنولوجيا المعلومات في عصر اقتصاد المعرفة وصناعة الثّقافة، وهو مصطلح حديث يعبّر عن رقي علاقة الفكر بالاقتصاد"(15)، وقد انتشرت في دول عديدة بنوك الأفكار التي تحتضن رأس المال المعرفيّ، فأنشئت تلك البنوك اقتداء بتلك المصارف التّجاريّة التي تودع فيها العملات الورقيّة، فأقيمت بنوك الأفكار لتسهّل لعمليّات نشر تلك الأفكار، أن تتحقّق، ولتحفظ الحقوق كافّة التي يتمتّع بها الأشخاص الذين أوجدوا تلك الأفكار التي أقدموا على أن يودعوها في تلك البنوك، وأولئك الأفراد الذين أطلقوا ذلك الاسم التّجاريّ على تلك المقارّ التي تحتضن الأفكار، لم يقتدوا بأساليب التّشبيه البلاغيّ في صياغتهم ذلك المصطلح الجديد، الذي تضمّن دلالة صريحة على الطّابع الاستثماريّ، الذي أصبحت تتّسم به تلك الأفكار التي ينتجها النّاس، فالمعلومات أصبحت "مورداً اقتصادياً استراتيجيّاً جديداً ومكمّلاً للموارد الطّبيعيّة، كما ساعدت في انتشار ظاهرة العولمة globalization بإدماج الاقتصادات المنعزلة والمستقلّة في اقتصادات عالميّة متشابكة ومتنافسة، وبذلك، أصبح النّموّ الصّناعيّ والتّقدّم الاقتصاديّ يعتمدان أكثر فأكثر على المعرفة والتّكنولوجيّة"(16).

دأب أولئك النّاس الذين زاولوا أنشطة الاقتصاد المعرفيّ، في استكشاف تلك الفرص العديدة التي يسّر فيها ذلك الاقتصاد الجديد لهم، أن يستثمروا رأس المال الفكريّ، الذي ما برح يدرّ بالمردود الماديّ على أولئك الأفراد الذين تطرّقوا إلى أن يستخدموه في أعمالهم الاقتصاديّة التي كانوا ينجزونها، إذ كان ذلك الاقتصاد يهدف إلى "دمج للتّكنولوجيا الحديثة في عناصر الإنتاج لتسهيل إنتاج السّلع ومبادلة الخدمات بشكل أبسط وأسرع,.... واستخدام وتبادل المعرفة كسلعة لها عائد ماديّ"(17)،وذلك الاقتصاد الجديد الذي ارتكز على دعائم التّكنولوجيا والاتّصالات الحديثة، غيّر تلك الأسس التي كانت يستند إليها الاقتصاد العالميّ في العهود الغابرة، إذ صار "التّاسع من أغسطس من العام 1995 يوم ميلاد الاقتصاد الجديد (New Economy)، ذلك الاقتصاد، الذي يقال عنه زعماً، إنّ القواعد الموروثة لم تعد تسري عليه. ويؤكّد كهنة هذا الاقتصاد أنّنا إزاء تحوّل من عصر إلى عصر آخر، إزاء تحوّل إلى عصر مفعم بالهناءة والأمل المشرق"(18)، وكان السّبب الذي دعا أحد الباحثين، إلى أن يعتبر يوم التّاسع من أغسطس موعد نشوء ذلك الاقتصاد الجديد، هو أنّ إحدى الشّركات الأمريكيّة التي وضعت برنامجاً لتطوير خدمات الأنترنت، تمكّنت من أن تحقّق في ذلك التّاريخ نجاحاً كبيراً في عالم البورصات، وما لبث ذلك الاقتصاد الجديد أن أخذ في أن يتطوّر "بسرعة لا تترك للمتابع لحظة واحدة لكي يستردّ أنفاسه"(19)، وذهب باحثان اقتصاديّان إلى الاعتقاد في أن ذلك الاقتصاد الجديد، سيتأتّى له أن يحقّق ازدهاراً مطّرداً متنامياً، بل أنّهما أفصحا عن علاقة رياضيّة تربط بين النّموّ الذي يتحقّق في ذلك النّمط من الاقتصاد الجديد، والتّطوّر الحاصل في ميدان التّكنولوجيا، إذ "كان الاقتصاديّان يوناتان إيتون،.... وصامويل كورتوم،.... قد توصّلا حسابيّاً إلى أنّ الاقتصاد العالميّ يستطيع النّموّ في كلّ عام بنقطة مئويّة أكثر من النّموّ الذي حقّقه في السّابق، فيما لو واصل التّقدّم التّكنولوجيّ وعمليّات الابتكار والتّجديد انتشارها السّريع في ربوع المعمورة"(20)، فإذا أدرجت تكنولوجيا المعلومات في قوام العمليّة الإنتاجيّة، فإنّ هؤلاء النّاس الذين استخدموا تلك المعارف في إنتاجهم السّلع المتنوّعة، تيسّر لهم أن يزيدوا في تلك البضائع المنتجة، مقدار القيمة المضافة التي تعبّر عن "الفرق بين قيمة المنتجات وقيمة الموادّ الدّاخلة في إنتاجها، وبكلام آخر إنها تمثّل مجموع عوائد عوامل الإنتاج: الأجور والتّعويضات، الفوائد، المساهمات في التّأمينات الاجتماعيّة، الضّرائب والرّسوم ومخصّصات الاهتلاك وأرباح أصحاب وسائل الانتاج. ومجموع القيم المضافة يشكّل النّاتج الدّاخليّ في الحسابات القوميّة. وهو الثّروة أو الدّخل الذي تتمّ إضافته في الاقتصاد الوطنيّ في سنة واحدة"(21).

أدرك الأقوام في دول عديدة بارزة في ميدان النّشاط الاقتصاديّ، تلك المكانة العالية التي حلّت بها القيمة المضافة في عمليّات إنتاج وتسويق البضائع المصنّعة، فسعى أولئك الناس إلى أن يطوّروا تلك الصّناعات التي تحقّق القيمة المضافة الكبيرة، التي كانت تتمخّض بها العمليّات الإنتاجيّة، التي تنضوي إلى أنشطة اقتصاد المعرفة، فبات مفهوم القيمة المضافة يعدّ "أهمّ ركائز المنظومة الاقتصاديّة،.... وأصبحت المعرفة عنصراً أصيلاً من مكوّنات الإنتاج لا مجرّد عامل إضافيّ لرفع كفاءته كما في نموذج الاقتصاد الماركسيّ"(22)، وتعدّدت الدّلائل على تلك الجهود الموفورة التي تبذل في الدّول المتطوّرة في حقل التّكنولوجيا، في دعم تلك الصّناعات التي تحقّق قيمة مضافة كبيرة، إذ اعتمد في تلك البلدان تطوير الصّناعات التّحويليّة "لأنّ النّشاط الصّناعيّ (التّحويلي) واحد من أهمّ النّشاطات التي تخلق قدراً كبيراً من القيم المضافة، فإنّ تعزيز هذا النّشاط وتوسيعه يؤدّيان إلى ارتفاع مناسب في مستوى المعيشة، أي في مجمل ظروف حياة النّاس"(23)، والمقياس الذي يسبر به مقدار نجاح تلك الدّول في تنفيذ عمليّة تطوير الصّناعات التّحويليّة، هو تحديد المدى الذي تدركه تلك الدّول في تحقيق الاستفادة القصوى من استخدام الموارد في العمليّة الإنتاجيّة، التي تنجم عنها المخرجات الصّناعيّة التي تعدّ "صافي النّتائج التي يتم الحصول عليها من العمليات التّحويليّة وتكون هذه المخرجات ملموسة كالسّيارات والملبوسات أو غير ملموسة كالخدمات"(24)، فتحدّد تلك المخرجات مقدار الكفاءة الإنتاجيّة التي تعبّر عن "العلاقة بين مدخلات العمليّة الإنتاجيّة من جهة وبين المخرجات النّاتجة عن هذه العملية من جهة أخرى، حيث ترتفع الكفاءة النّاتجة كلّما ارتفعت نسبة النّاتج إلى المستخدم إلى الموارد"(25)، فتتمكّن المؤسّسات الإنتاجيّة والمصانع من أن تبلي بلاء حسناً في تنفيذ العمليّات الإنتاجيّة، كلّما استطاعت أن تستخدم "أقلّ كمّ ممكن من الموارد والمدخلات لإنتاج أكبر كمّ ممكن من المخرجات والنّتائج المرغوبة، أو هي تحقيق أعلى المخرجات بأدنى حدّ ممكن من المدخلات"(26)، فأصبحت تلك الكفاءة الإنتاجيّة العالية هدفاً، يجهد النّاس في أن يدركوه في تلك العمليّات الإنتاجيّة التي ينجزونها، إذ تنجم تلك الكفاءة عن تحقّق عمليّات عديدة تندرج في المراحل التي يجري فيها إعداد وتهيئة الموادّ المتنوّعة لإنتاج السّلع المصنّعة، ويفصح أيضاً مقدار تلك الكفاءة الإنتاجيّة التي تتحقّق في المؤسّسات الصّناعيّة، عن حقيقة تلك الجهود التي يبذلها القيّمون على تلك المؤسّسات والمصانع في سعيهم إلى أن يضعوا الأسس التي يقوم عليها النّموّ الاقتصاديّ.

الهوامش:

1-الموسوعة الجغرافيّة.

2- الموسوعة العربيّة.

3- إسماعيل عبد الفتّاح عبد الكافي، الموسوعة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ص 143.

4- التّنمية الإنسانيّة في برنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ.

5-المصدر السّابق.

6-المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق.

9- المصدر السّابق.

10- الموسوعة العربيّة.

11- إسماعيل عبد الفتّاح عبد الكافي، الموسوعة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ص477.

12- نبيل علي ونايلة حجازيّ، الفجوة الرّقميّة، ص22، رؤية عربيّة لمجتمع المعرفة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 318، الكويت، أغسطس 2005.

13-  الموسوعة العلميّة.

14- موقع علوم الاقتصاد والإدارة.

15-إسماعيل عبد الفتّاح عبد الكافي، الموسوعة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ص250، 251.

16- الموسوعة العربيّة.

17- موقع العلوم الاقتصاديّة.

18- أولريش شيفر، انهيار الرّأسماليّة، أسباب أخفاق اقتصاد السّوق المحرّرة من القيود، ص100، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 371، الكويت، يناير 2010.

19- المصدر السّابق، ص101.

20- المصدر السابق، ص106، 107.

21- الموسوعة العربيّة.

22-نبيل علي ونايلة حجازيّ، الفجوة الرّقميّة، ص 401، رؤية عربيّة لمجتمع المعرفة، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 318، الكويت، أغسطس 2005.

23-  موقع إدارة الموارد البشريّة.

24- المصدر السّابق.

25- الموسوعة الاقتصاديّة.

 

26- موقع إدارة الموارد البشريّة.