ودّع اللاعب البرازيليّ الشّهير زيكو الملاعب، بعد أن أمضّت نفسه الحسرة وخيبة الأمل، ولم تبعث تلك النّدامة التي اعترته، الإصابةُ التي عاودته في ركبته، على الرّغم من أنّها أعجلته على إعلان اعتزاله اللّعب، بل كان الخطب أجلّ وأفدح من تلك الإصابة، فكان زيكو يمنّي نفسه في السّنوات الماضية بنيل لقب بطولة العالم في كرة القدم مع منتخب بلاده البرازيليّ، غير أنّ الحظّ عانده، وأبى عليه أن يظفر بشرف هذا اللّقب، وقد حاول جاهداً مع رفاقه في أن يحرزوا قصب السّبق في بطولتين عالميّتين، وكانت الأولى في إسبانيا عام 1982، والثّانية في المكسيك عام 1986، بيد أنّهم لم يفلحوا في إدراك مراميهم، بعد أن كان المنتخب البرازيليّ جديراً بحمل لقب تلك البطولة العالميّة في هاتين البطولتين العالميّتين.

يجد الإنسان صعوبة بالغة في مماحكة ذاك التّقييم الرياضيّ الذي ذكرته آنفاً، فقد قدّم المنتخب البرازيليّ لكرة القدم، لعشّاق الرّياضة، كرة ساحرة، وأسلوباً خلّاباً في أداء المباريات الرّياضيّة، واستطاع أن يغرس في فسحات الملاعب أمجاداً مشرقة، حيث لم تستطع مرارة الهزيمة أن تطمس تألّقها ولمعانها البرّاقين، ويفخر تاريخ الرّياضة معتزّاً بأنّه يضمّ في سجلّاته المضيئة، اسم الفريق البرازيليّ الذي شارك في نهائي بطولتي العالم لكرة القدم عامي 1982 و1986، وتلك ظاهرة تاريخيّة لا يُقضى منها العجب، فقلّما يرى الإنسان التّاريخ يخلّد الفريق المنهزم، ويخصّه بالمكانة الرّفيعة التي طالما طمح إليها الفريق المنتصر، ولم يشارك الفريق البرازيليّ في تكوين تلك الظّاهرة التّاريخيّة التي تحدّثت عنها آنفاً، إلّا الفريق الهولنديّ لكرة القدم في سنوات السّبعينيّات، بعد أن حال سوء الطّالع دون أن يفوز المنتخب الهولنديّ بكأس العالم مرتين متتاليتين أيضاً، في عامي 1974 و1978، وقد كان على وشك أن يظفر به في هاتين البطولتين، بيد أنّه أخفق في الحصول عليه، على الرّغم من أنّه وصل مرتين متتاليتين إلى المباراة النّهائية، وقد قيل آنذاك عن المنتخب الهولنديّ، أنّه الفريق الذي يخسر في المباراة، لكنّه يربح في الاستئثار بعواطف الجمهور.

حزن محبّو الرّياضة وأسوا على إخفاق المنتخب البرازيليّ لكرة القدم في الوصول إلى المباراة النّهائيّة، في بطولة العالم التي جرت في إسبانيا عام 1982، وخصوصاً بعد أن قدّم الفريق البرازيليّ عروضاً رياضيّة ماتعة في الدّور الأوّل من تلك البطولة، ثمّ خاض مباراة حاسمة مع الفريق الإيطاليّ، وقد صدمت النّتيجة التي آلت إليها تلك المنافسة الرّياضيّة محبّي الكرة البرازيليّة، إذ خسر المنتخب البرازيليّ في هذه المباراة، وحُرِم أن ينال الفرصة في مواصلة سيره نحو إحراز كأس تلك البطولة، وأدرك منظمو المباريات الرياضيّة في بطولة كأس العالم، ذلك الظّلمَ والغبن اللذين لحقا بالفريق البرازيليّ، فهو المنتخب الذي لم يهزم أو يتعادل في المباريات الأربعة، التي كان خاض غمارها قبل أن يلتقي المنتخب الإيطاليّ، وعلى الرّغم من ذلك الإنجاز الرفيع الذي حقّقه المنتخب البرازيليّ، فقد خرج من تلك البطولة خائباً ومتحسّراً على مجد قد ضاع منه، بعد أن خسر في مباراته مع الفريق الإيطاليّ.

حدا ذلك الغبن الذي لحق بالفريق البرازيليّ، المشرفين على بطولة كأس العالم في المكسيك عام 1986، على أن يغيّروا ذلك النّظام الذي تمضي فيه المباريات، وعملوا على إعادة صياغة نظام تلك المنافسات الرّياضيّة، إذ باتت تمضي في طريقة مختلفة عن ذلك النّهج الذي اتّبع في البطولة السّابقة، واستطاع المنتخب البرازيليّ في بطولة كأس العالم في المكسيك عام 1986، أن يجتاز الدّورين الأوّل والثّاني، ثمّ التقى بعد هاتين المرحلتين الفريق الفرنسيّ في دور ربع النّهائيّ، وجاءت تلك المباراة التي جمعت بين هذين الفريقين، ماتعة وشائقة، فرأى فيها كلّ من تابع مجرياتها أرقى فنون لعبة كرة القدم، وأفضل أساليبها الرّائعة، واعتبر أناس كثيرون آنئذ هذه المنافسة الرّياضيّة التي خاض غمارها هذان المنتخبان، أجمل مباراة رياضيّة جرت في ملاعب كرة القدم، حتّى ذلك الأوان الذي جرت فيه تلك البطولة، وكان الحكم الفاصل الذي قضت به تصاريف الدّهر، هو خسارة المنتخب البرازيليّ في تلك المنافسة الرّياضيّة، بعد أن عُمِد إلى حسم نتيجة المباراة بتنفيذ ضربات الجزاء التّرجيحيّة، فخرجت البرازيل من تلك البطولة نتيجة لتلك الخسارة، ووفاء للحقيقة أذكر أن محبّي الكرة البرازيليّة، كان عزاؤهم الوحيد في خسارة المنتخب البرازيليّ، تمثّل في أنّ الفريق الفائز كان هو الفريق الفرنسيّ الرّائع.

اشتدّ تألّم اللاعب البرازيليّ زيكو من تلك الخسارة التي مُني بها منتخب بلاده، وخاصّة أنّه أضاع على فريقه في أثناء تلك المباراة التي جمعته مع المنتخب الفرنسيّ، الاستفادة من ضربة الجزاء التي تصدّى لتنفيذها زيكو، من دون أن يتمكّن من أن يحرز هدفاً في المرمى الفرنسيّ، في تلك الفرصة الكبيرة التي أتيحت للفريق البرازيليّ، فامتلأت نفس زيكو بالأسى والحزن، وما لبث أن أطلق صيحته، لتدوّي في أرجاء الملاعب ولتتناقلها وكالات الأنباء العالميّة، إذ قال بعد أن انتهت هذه المباراة "لم يجدوا حتى الآن نظاماً جيّداً للمباريات، يسمح للفريق الأفضل بأن يحرز لقب البطولة".

لا ريب في أنّ زيكو قد أوتي بصيرة مشرقة، كشف بها عن تلك الأزمة التي يتعثر بها المشرفون على تنظيم مباريات بطولة كأس العالم لكرة القدم، ولعلها حالة الحزن والكآبة والتي انتابته، أضاءت بصيرته وأمدّتها بالرّؤية المتعمّقة، فبحث في مسألة تنظيم بطولة العالم برويّة الحكيم وتبصّر الفيلسوف، فتمكّن من أن يبرز خوافيها ويعرضها في صورة جليّة، وقدّمت عبارته البليغة، الجواب الصّريح عن ذلك التّساؤل الذي طرح عن أسباب إخفاق المنتخب البرازيليّ في إحراز لقب البطولة، بعد أن ظلّت تلك الأسباب لغزاً محيّراً، فتوفّق في حلّ تلك الأحجيّة، وإنّي أعتقد أنّ صيحة زيكو المدويّة، كانت ردّاً بليغاً على الكلمة الحاسمة التي أعلنت بها هزائز الدّهر خسارة المنتخب البرازيليّ، وهكذا شأن الحياة فهي صراع دائم بين الإنسان وخطوب الزّمان.


ملاحظة: كتبت هذه المقالة منذ خمس وعشرين سنة، وقد نشرتها جريدة الموقف الرّياضيّ في عام 1989.