يخوض النّاس غمار الوقائع التي تتوالى في مجرى الحياة، فيلقون بأبصارهم إلى تلك المشاهد المترادفة التي يستعرضون فيها تلك الأحداث المتتابعة، وسرعان ما يشّوش أفكارهم ذاك التّنافر والتّدافع اللذان يفرّقان بين تلك المناظر التي تتراءى لهؤلاء النّاس، الذين كان يعسر عليهم أن يعثروا على رابطة تلأم بين تلك الأحداث المتفرّقة، حتّى عنّ بفكرهم أن يبحثوا عن وسيلة تهيّئ لهم أن ينعموا بصفاء أذهانهم، وخلو بالهم من تلك البلبلة التي أوقعهم فيها تشتّت تلك المشاهد التي كانت تتجاذبهم، بيد أنّ هيهات أن تهدأ أفكارهم وتصفو خواطرهم، التي ظلّت تطرأ عليها تلك المشاهد المتفرّقة، فيتعرّض النّاس لتلك الوقائع المتنافرة، التي تكدّر عليهم صفو خواطرهم، وتحبط سعيهم إلى أن ينعموا بالشّعور بتلك السّكينة التي تاقوا إلى أن يهنؤوا بها، فوقع في ظنّهم أنّ ليس في طوقهم أن يتخلّصوا من ذلك الاضطراب، الذي يثيره في نفوسهم ذلك التّعارض والتّنافر، اللذان يباعدان بين تلك المشاهد التي كانوا ينظرون إليها، بيد أنّ تلك الظّنون التي ساورتهم، لم تلبث أن انجلت عن أذهانهم، إذ عثروا على ذلك العلاج النّاجع الذي هيّأ لهم أن يتخلّصوا من دوامة ذلك الاضطراب، الذي أوقعتهم فيه تلك الأحداث المتنافرة، فكانت تلك الأعمال الفنّية التي أقبلوا على أن يتذوّقوها، يسّرت لهم أن يتخلّصوا من فوضى تلك الوقائع المتنابذة، التي كانت تبرز لهم في الحياة التي يعيشونها.

تميّزت تلك العناصر التي يتحلّل إليها بنيان العمل الفنّيّ المبتكر، بائتلافها وترابطها مع بعضها البعض، إذ حتّمت القواعد الفنّيّة التي ينبني عليها العمل الفنّيّ، أن يتحقّق التّناسق بين تلك العناصر التي تندرج في قوام ذلك العمل الفنّيّ، ويعتبر ذلك الانسجام الذي يلأم بين تلك العناصر، إحدى تلك السّمات الجماليّة التي يتميّز بها العمل الفنّيّ البديع، فمهما تنوّعت وتعدّدت العناصر التي تندرج في بنيان العمل الفنّيّ، فإنّ تلك العلاقة التي تؤلّف بينها، تضفي على تلك العناصر، المسحةَ الجماليّةَ التي تفتن ألباب النّاس، فإن تنافرت وتنابذت عناصر الموضوع الذي ينتوي الفنّان أن يتناوله في عمله الفنّيّ، فإنّه سرعان ما يحقّق بين تلك العناصر المتنافرة ذلك الانسجام، بعد أن يشرع في أن ينجز نتاجه الفنّيّ، إذ يتمكّن الفنّان آنئذ من أن يلأم بين تلك العناصر في صيغة فنّيّة جميلة، فسواء أكان تأصّل ذلك التّرابط بين عناصر ذلك الموضوع الفنّيّ في مجرى الحياة، أم لم يتحقّق ذلك الائتلاف بين تلك العناصر، التي تظلّ في أغلب الأحايين مفتقرة إلى تلك الرّابطة التي تجمع بينها، فلا يعسر على الفنّان أن يؤلّف بين تلك المشاهد المتنافرة والمتنابذة بتلك الرّابطة، التي يتحقّق فيها ذلك الانسجام الذي يمتّع النّفس ويحقّق ذلك الصّفاء في خواطر النّاس، الذين يتلقّون ذلك العمل الفنّيّ الذي يحقّقه ذلك الفنّان، فمهما تكن تلك الوقائع التي يتأملّها ذلك الفنّان متنافرة، فإذا عمد إلى أن يدرجها في عمله الفنّي الذي ينتوي أن يبدعه، فإنّه يحقّق بينها ذلك الانسجام الذي ينبني عليه العمل الفنّيّ المبتكر.

يلتقط الفنّان المشاهد المتشتّتة من مجرى الحياة، ليجمع بينها في تلك الصيّغة الجماليّة التي يبني عليها عمله الفنّيّ، الذي يدعو سائر النّاس إلى أن يعاينوه، بل إنّ ذلك الفنّان يدفعهم أيضاً إلى أن يعيشوا في أجواء ذلك الواقع الفنّيّ، الذي يتجلّى في تلك الأعمال الفنّيّة، ويصرّ الفنّان على أن يلازم ذلك العالم الفنّيّ الذي ابتدعه، فهو لا يختلف عن سائر النّاس، في نفوره من تلك الفوضى التي تضرب بجذورها في مجرى الحياة التي يعيشها النّاس كافّة، الذين ما تبرح تنبعث في نفوسهم الرّغائب في أن يلوذوا إلى ذلك العالم الفنّيّ الذي يبنيه الفنّانون، الذين قد يبزّون سائر النّاس في شدّة اندفاعهم في أن يلازموا ذلك العالم الفنّيّ، نظراً لشدّة تمرّسهم بتحقيق عمليّة الخلق الفنّيّ الذي يتمخّض عنها ذلك العالم الفنّيّ، الذي يعسر على من يتوغّل في رحابه الفسيحة، أن يعود أدراجه إلى مجرى الحياة العادّيّة، وكانت الرّسّامة خالصة هلال أنجزت لوحات فنّيّة بديعة، فسلكت سبيل الإبداع الفنّيّ، لتشيد بنيان ذلك العالم الفنّيّ الرّحيب، الذي اندرأ من لوحاتها الفنّيّة، التي كانت تغترق مواضيعها دائماً أعين النّظارة، الذين أقبلوا يتأملون أعمال الفنّانة خالصة هلال، التي آثرت أن تستعيض بذاك الواقع الفنّي الجميل، عن ذلك العالم الذي كانت تشارك النّاس في الشّعور بالنفور من رتابة تلك الأحداث التي ينطوي عليها.

واصلت الرّسّامة خالصة هلال تتبّعها وحضورها الأنشطة الفنّيّة المتنوّعة، فرغبت في أن تحيط نفسها بأجواء ذلك العالم الفنّيّ، فاستمرّت على أن تتذوّق روائع المؤلّفات الأدبيّة، إذ واظبت على أن تقرأ عيون القصائد الشّعريّة، وتطالع روائع القصص والرّوايات، وقد أنعم فلاسفة الفنّ وعلماء الجمال النّظر في كلّ العلاقات التي تجمع صنوف الفنون المتنوّعة مع بعضها البعض، فعنوا بدراسة تلك الرّوابط التي تلأم بين فنّ النّحت والشّعر، فذكروا أنّ النّحت هو "ذلك الفنّ الذي قال عنه آلان إنّه يقدّم لنا قصائد من رخام، ووصفه رودان في حديثه عن تمثال فينوس فقال إنّ النّاظر إليه يتوهّم أنّه إزاء سيمفونيّة من الأبيض والأسود أم من الأضواء والظّلال"(1)، وقد ذهب أحد الباحثين إلى أن يعتبر أنّ "اللّوحة هي في صميمها قصيدة لا صوتيّة"(2)، أولم يصف الشّاعر اليونانيّ سيمونيدس الشّعر أيضاً بأنّه "لوحة ناطقة"(3)، ودأبت الرّسّامة خالصة هلال أيضاً في أن تحضر الحفلات الموسيقيّة الجادّة، فرغبت في أن تستمر على أن تتابع الأنشطة الفنّيّة، وأن تلازم عوالم تلك الفنون، التي مهما تنوّعت أشكالها، وتعدّدت أصنافها، فلم تكن تنفصم مطلقاً عرى تلك الرّابطة التي أنشأتها الرّسامة خالصة هلال مع عوالم تلك الفنون، حيث ظلّت تتوثّق دائماً علاقتها بتلك الأجواء، التي انبثقت من تلك الأعمال الفنّيّة التي كانت تتابعها.

ما برحت الأعمال الفنّيّة المبتكرة تهيّئ لمن يقبل على أن يطّلع عليها، أن يمتّع نفسه بتذوّق تلك السّمات الجماليّة التي تتميّز بها تلك المبتكرات الفنّيّة الأصيلة، وإن كان النّاس كافّة عمدوا إلى أن يستبدلوا عوالم الفنون، بذلك العالم الذي اشتمل على وقائع حياتهم الرّتيبة، التي كانوا يفتقرون فيها إلى تلك الخبرات، التي تنمّي وعيهم بحقيقة تلك الأحداث التي يخوضون غمارها، فإنّ الرّسّامة خالصة هلال أدركت ببصيرتها النّيّرة حاجة أولئك النّاس إلى أن يعيشوا عالم ذلك الفن، الذي تظهر فيه بدقّة شديدة، حقيقة تلك المواضيع التي يعالجها الفنّانون في أعمالهم الفنّيّة، حيث تكون الصّور الفنّيّة التي تظهر فيها تلك المواضيع، أكثر وضوحاً وأشدّ بياناً، من تلك المناظر التي تبدو فيها تلك المواضيع نفسها في عالم الحياة العاديّة.

يتعذّر على النّاس الذين يتذوّقون الأعمال الفنّيّة، أن يشكّكوا في صدق وحقيقة ذلك الواقع الفنّيّ الذي يبنيه الفنّانون، الذين يكشفون عن زيف ومخادعة ذلك المظهر، الذي تبدو فيه الأحداث في تلك الحياة التي يعيشها النّاس بعيداً عن عالم الفنّ، فواظبت الرّسّامة التّشكيليّة خالصة هلال على أن تحضر الحفلات الموسيقيّة الجادّة في دار الأوبرا بدمشق، إذ كانت تحرص على أن تجيئ بانتظام إلى تلك الدّار، فتتابع بشغف تلك الأنشطة الفنّية التي تجري في دار الأوبرا، فكانت تمتّن وشائج الألفة التي تجمعها مع عوالم الفنون، التي مهما تنوّعت أشكالها، فإنّ تلك الأنماط المتنوّعة من الأنشطة الفنّيّة، ترتبط مع بعضها البعض بتلك الصّلات المتينة، التي أسهب في الحديث عنها، أولئك الباحثون في مسائل الفنون المتنوّعة، فعندما تناول أولئك المفكّرون تلك العلاقة التي تجمع بين فنّي الرّسم والموسيقا، توصّلوا إلى أن يؤكّدوا أنّ اللّوحة هي سيمفونيّة تشكيليّة(4)، ليثبتوا تلك الرّوابط التي تنشأ بين هذين النمّطين من الفنون، وكشف بعض الباحثين عن علائق متينة تلأم بين الأعمال الموسيقيّة، وفن المعمار الذي كان أفلوطين وصفه قائلاً أنّه "ما يتبقّى من البناء بعد أن يكون قد انتزعنا منه الصّخور، وعرّفه شليجل فقال إنّه موسيقا متجمّدة"(5)، وقد أفصح أحد المفكّرين عن قناعته بأنّ العمل الموسيقيّ هو "معمار متحرّك يعيد إلى أذهاننا صور الآثار القوطيّة"(6).

جهد المفكّرون في أن يوردوا البراهين العديدة على تآلف أنواع الفنون مع بعضها البعض، فرؤوا أنّه "إذا كان في الموسيقا الأصيلة شعر وتصوير ومعمار، فإنّ في المعمار الأصيل موسيقا وتصويراً وشعراً، كما أنّ في الشّعر الأصيل موسيقا وتصويراً وغناء"(7)، وكان الرّسّام الشّهير ميكل أنجلوأفصح عن اعتقاده بأنّ "اللّوحة الجيّدة ينبغي أن تكون "موسيقا ولحناً"(8)،وقد ذهب أحد الباحثين في قضايا الفنون إلى أن يتحدّث عن وجود "قوانين هارمونيّة للألوان"(9)، فباتت الأعمال الفنّيّة تنبني على تلك القواعد الفنّيّة، التي توجب أن يتحقّق في النّتاج الفنّيّ الذي يبدعه الموسيقيّون والرّسّامون "تناسق الألوان وتوافق الألحان"(10)، وإذا أردنا أن نتحرّى عن تأثير الأعمال الموسيقيّة في فنّ الرّسم، فإنّنا نعثر على فكرة نوّه بها كثيراً علماء الجمال، إذ أكّدوا تحقّق تناغم الألوان في اللّوحات البديعة التي يبتكرها الرّسّامون، حيث كانت "الأسباب الفنّيّة التي يعتمد عليها الانسجام الموسيقيّ.... تكون صحيحة كلّ الصّحّة في توافق الألوان"(11)، ولم يعسر على فلاسفة الفنّ أن يردفوا على تلك الآراء التي أفصحوا عنها، تلك الفكرة التي تؤكّد ضرورة البحث عن "العلاقات الموسيقيّة بين الألوان"(12).

إنّ النّاس الذين يدركون شغف الفنّانة خالصة هلال بمتابعة تلك الأنشطة الفنّيّة، قد يخطر في بالهم أن يستفسروا عن المسألة التي أسهب نقّاد وفلاسفة الفنّ في الحديث عنها كثيراً، وهي تحديداً مسألة تأثّر الفنّانين بالأعمال الفنّيّة التي يطّلعون عليها، وقد عنت غالبيّة النّقّاد بالبحث في تلك العلاقات التي قد تحصل بين أنواع الفنون المتنوّعة، فسعوا إلى أن يتحرّوا أيضاً عن التّأثير المتبادل، الذي قد ينشأ بين الفنّانين الذي يمارسون أنواعاً مختلفة من الأنشطة الفنّيّة، ويحفل تاريخ الفنون بقصص أولئك الفنّانين الذين كانوا يستوحون مواضيع أعمالهم الفنّية، من تلك المبتكرات الفنّيّة التي كانوا يطّلعون عليها، وكانوا يستلهمون تلك الأفكار التي يبنون عليها أعمالهم الفنّيّة، من النّتاج الذي ينجزه سائر الفنّانين، ومن يطّلع على اللّوحات الفنّيّة البديعة التي ابتكرتها الرّسّامة خالصة هلال، يدرك أنّها لم تكن تسعى إلى أن تستلهم من الأعمال الفنّيّة التي اطّلعت عليها، تلك الموضوعات الفنّيّة التي كانت تعالجها في لوحاتها الفنّيّة، فهي لم تسع إلى أن تستوحي من تلك الأعمال الفنّيّة المتنوّعة، أفكارَها العميقة التي أفصحت عنها في أعمالها الفنّيّة المبتكرة، وهيّأت الرّسّامة خالصة هلال أيضاً لسائر النّاس أن يعيشوا في ذلك العالم، الذي بنته في لوحاتها التي رسمتها، فضمّ هؤلاء الأقوام ذلك العالم الفنّي الرّحيب الفسيح، الذي بنته الرّسّامة خالصة هلال على سطوح اللّوحات الفنّيّة التي أبدعتها، وهي تعمّقت في التّعبير عن تلك الأفكار التي أفصحت عنها في أعمالها الفنّيّة، وكانت وساعة ذلك العالم الفنّيّ الذي ابتكرته، قد وصلت إلى آماد قصيّة، حيث كانت تتّسع رحابته اتّساعاً متزايداً على قدر تعمّق الرّسّامة خالصة هلال في التّعبير عن تلك المواضيع، التي عالجتها في تلك اللّوحات الفنّيّة التي أنجزتها.

1- زكريا إبراهيم، مشكلة الفنّ، مصر _ دار مصر للطّباعة (د.ت)، ص 247.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق، ص 72 .

5- المصدر السّابق، ص 247.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق، ص 248.

9- مع الموسيقا، ذكريات ودراسات، فؤاد زكريا، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، ص 296.

10- إيتيان سوريو، تقابل الفنون، منشورات وزارة الثّقافة في سورية، دمشق 1993، ص 55. 

11- المصدر السّابق، ص 312.

 

12- المصدر السّابق، ص 313.



يخوض النّاس غمار الوقائع التي تتوالى في مجرى الحياة، فيلقون بأبصارهم إلى تلك المشاهد المترادفة التي يستعرضون فيها تلك الأحداث المتتابعة، وسرعان ما يشّوش أفكارهم ذاك التّنافر والتّدافع اللذان يفرّقان بين تلك المناظر التي تتراءى لهؤلاء النّاس، الذين كان يعسر عليهم أن يعثروا على رابطة تلأم بين تلك الأحداث المتفرّقة، حتّى عنّ بفكرهم أن يبحثوا عن وسيلة تهيّئ لهم أن ينعموا بصفاء أذهانهم، وخلو بالهم من تلك البلبلة التي أوقعهم فيها تشتّت تلك المشاهد التي كانت تتجاذبهم، بيد أنّ هيهات أن تهدأ أفكارهم وتصفو خواطرهم، التي ظلّت تطرأ عليها تلك المشاهد المتفرّقة، فيتعرّض النّاس لتلك الوقائع المتنافرة، التي تكدّر عليهم صفو خواطرهم، وتحبط سعيهم إلى أن ينعموا بالشّعور بتلك السّكينة التي تاقوا إلى أن يهنؤوا بها، فوقع في ظنّهم أنّ ليس في طوقهم أن يتخلّصوا من ذلك الاضطراب، الذي يثيره في نفوسهم ذلك التّعارض والتّنافر، اللذان يباعدان بين تلك المشاهد التي كانوا ينظرون إليها، بيد أنّ تلك الظّنون التي ساورتهم، لم تلبث أن انجلت عن أذهانهم، إذ عثروا على ذلك العلاج النّاجع الذي هيّأ لهم أن يتخلّصوا من دوامة ذلك الاضطراب، الذي أوقعتهم فيه تلك الأحداث المتنافرة، فكانت تلك الأعمال الفنّية التي أقبلوا على أن يتذوّقوها، يسّرت لهم أن يتخلّصوا من فوضى تلك الوقائع المتنابذة، التي كانت تبرز لهم في الحياة التي يعيشونها.

تميّزت تلك العناصر التي يتحلّل إليها بنيان العمل الفنّيّ المبتكر، بائتلافها وترابطها مع بعضها البعض، إذ حتّمت القواعد الفنّيّة التي ينبني عليها العمل الفنّيّ، أن يتحقّق التّناسق بين تلك العناصر التي تندرج في قوام ذلك العمل الفنّيّ، ويعتبر ذلك الانسجام الذي يلأم بين تلك العناصر، إحدى تلك السّمات الجماليّة التي يتميّز بها العمل الفنّيّ البديع، فمهما تنوّعت وتعدّدت العناصر التي تندرج في بنيان العمل الفنّيّ، فإنّ تلك العلاقة التي تؤلّف بينها، تضفي على تلك العناصر، المسحةَ الجماليّةَ التي تفتن ألباب النّاس، فإن تنافرت وتنابذت عناصر الموضوع الذي ينتوي الفنّان أن يتناوله في عمله الفنّيّ، فإنّه سرعان ما يحقّق بين تلك العناصر المتنافرة ذلك الانسجام، بعد أن يشرع في أن ينجز نتاجه الفنّيّ، إذ يتمكّن الفنّان آنئذ من أن يلأم بين تلك العناصر في صيغة فنّيّة جميلة، فسواء أكان تأصّل ذلك التّرابط بين عناصر ذلك الموضوع الفنّيّ في مجرى الحياة، أم لم يتحقّق ذلك الائتلاف بين تلك العناصر، التي تظلّ في أغلب الأحايين مفتقرة إلى تلك الرّابطة التي تجمع بينها، فلا يعسر على الفنّان أن يؤلّف بين تلك المشاهد المتنافرة والمتنابذة بتلك الرّابطة، التي يتحقّق فيها ذلك الانسجام الذي يمتّع النّفس ويحقّق ذلك الصّفاء في خواطر النّاس، الذين يتلقّون ذلك العمل الفنّيّ الذي يحقّقه ذلك الفنّان، فمهما تكن تلك الوقائع التي يتأملّها ذلك الفنّان متنافرة، فإذا عمد إلى أن يدرجها في عمله الفنّي الذي ينتوي أن يبدعه، فإنّه يحقّق بينها ذلك الانسجام الذي ينبني عليه العمل الفنّيّ المبتكر.

يلتقط الفنّان المشاهد المتشتّتة من مجرى الحياة، ليجمع بينها في تلك الصيّغة الجماليّة التي يبني عليها عمله الفنّيّ، الذي يدعو سائر النّاس إلى أن يعاينوه، بل إنّ ذلك الفنّان يدفعهم أيضاً إلى أن يعيشوا في أجواء ذلك الواقع الفنّيّ، الذي يتجلّى في تلك الأعمال الفنّيّة، ويصرّ الفنّان على أن يلازم ذلك العالم الفنّيّ الذي ابتدعه، فهو لا يختلف عن سائر النّاس، في نفوره من تلك الفوضى التي تضرب بجذورها في مجرى الحياة التي يعيشها النّاس كافّة، الذين ما تبرح تنبعث في نفوسهم الرّغائب في أن يلوذوا إلى ذلك العالم الفنّيّ الذي يبنيه الفنّانون، الذين قد يبزّون سائر النّاس في شدّة اندفاعهم في أن يلازموا ذلك العالم الفنّيّ، نظراً لشدّة تمرّسهم بتحقيق عمليّة الخلق الفنّيّ الذي يتمخّض عنها ذلك العالم الفنّيّ، الذي يعسر على من يتوغّل في رحابه الفسيحة، أن يعود أدراجه إلى مجرى الحياة العادّيّة، وكانت الرّسّامة خالصة هلال أنجزت لوحات فنّيّة بديعة، فسلكت سبيل الإبداع الفنّيّ، لتشيد بنيان ذلك العالم الفنّيّ الرّحيب، الذي اندرأ من لوحاتها الفنّيّة، التي كانت تغترق مواضيعها دائماً أعين النّظارة، الذين أقبلوا يتأملون أعمال الفنّانة خالصة هلال، التي آثرت أن تستعيض بذاك الواقع الفنّي الجميل، عن ذلك العالم الذي كانت تشارك النّاس في الشّعور بالنفور من رتابة تلك الأحداث التي ينطوي عليها.

واصلت الرّسّامة خالصة هلال تتبّعها وحضورها الأنشطة الفنّيّة المتنوّعة، فرغبت في أن تحيط نفسها بأجواء ذلك العالم الفنّيّ، فاستمرّت على أن تتذوّق روائع المؤلّفات الأدبيّة، إذ واظبت على أن تقرأ عيون القصائد الشّعريّة، وتطالع روائع القصص والرّوايات، وقد أنعم فلاسفة الفنّ وعلماء الجمال النّظر في كلّ العلاقات التي تجمع صنوف الفنون المتنوّعة مع بعضها البعض، فعنوا بدراسة تلك الرّوابط التي تلأم بين فنّ النّحت والشّعر، فذكروا أنّ النّحت هو "ذلك الفنّ الذي قال عنه آلان إنّه يقدّم لنا قصائد من رخام، ووصفه رودان في حديثه عن تمثال فينوس فقال إنّ النّاظر إليه يتوهّم أنّه إزاء سيمفونيّة من الأبيض والأسود أم من الأضواء والظّلال"(1)، وقد ذهب أحد الباحثين إلى أن يعتبر أنّ "اللّوحة هي في صميمها قصيدة لا صوتيّة"(2)، أولم يصف الشّاعر اليونانيّ سيمونيدس الشّعر أيضاً بأنّه "لوحة ناطقة"(3)، ودأبت الرّسّامة خالصة هلال أيضاً في أن تحضر الحفلات الموسيقيّة الجادّة، فرغبت في أن تستمر على أن تتابع الأنشطة الفنّيّة، وأن تلازم عوالم تلك الفنون، التي مهما تنوّعت أشكالها، وتعدّدت أصنافها، فلم تكن تنفصم مطلقاً عرى تلك الرّابطة التي أنشأتها الرّسامة خالصة هلال مع عوالم تلك الفنون، حيث ظلّت تتوثّق دائماً علاقتها بتلك الأجواء، التي انبثقت من تلك الأعمال الفنّيّة التي كانت تتابعها.

ما برحت الأعمال الفنّيّة المبتكرة تهيّئ لمن يقبل على أن يطّلع عليها، أن يمتّع نفسه بتذوّق تلك السّمات الجماليّة التي تتميّز بها تلك المبتكرات الفنّيّة الأصيلة، وإن كان النّاس كافّة عمدوا إلى أن يستبدلوا عوالم الفنون، بذلك العالم الذي اشتمل على وقائع حياتهم الرّتيبة، التي كانوا يفتقرون فيها إلى تلك الخبرات، التي تنمّي وعيهم بحقيقة تلك الأحداث التي يخوضون غمارها، فإنّ الرّسّامة خالصة هلال أدركت ببصيرتها النّيّرة حاجة أولئك النّاس إلى أن يعيشوا عالم ذلك الفن، الذي تظهر فيه بدقّة شديدة، حقيقة تلك المواضيع التي يعالجها الفنّانون في أعمالهم الفنّيّة، حيث تكون الصّور الفنّيّة التي تظهر فيها تلك المواضيع، أكثر وضوحاً وأشدّ بياناً، من تلك المناظر التي تبدو فيها تلك المواضيع نفسها في عالم الحياة العاديّة.

يتعذّر على النّاس الذين يتذوّقون الأعمال الفنّيّة، أن يشكّكوا في صدق وحقيقة ذلك الواقع الفنّيّ الذي يبنيه الفنّانون، الذين يكشفون عن زيف ومخادعة ذلك المظهر، الذي تبدو فيه الأحداث في تلك الحياة التي يعيشها النّاس بعيداً عن عالم الفنّ، فواظبت الرّسّامة التّشكيليّة خالصة هلال على أن تحضر الحفلات الموسيقيّة الجادّة في دار الأوبرا بدمشق، إذ كانت تحرص على أن تجيئ بانتظام إلى تلك الدّار، فتتابع بشغف تلك الأنشطة الفنّية التي تجري في دار الأوبرا، فكانت تمتّن وشائج الألفة التي تجمعها مع عوالم الفنون، التي مهما تنوّعت أشكالها، فإنّ تلك الأنماط المتنوّعة من الأنشطة الفنّيّة، ترتبط مع بعضها البعض بتلك الصّلات المتينة، التي أسهب في الحديث عنها، أولئك الباحثون في مسائل الفنون المتنوّعة، فعندما تناول أولئك المفكّرون تلك العلاقة التي تجمع بين فنّي الرّسم والموسيقا، توصّلوا إلى أن يؤكّدوا أنّ اللّوحة هي سيمفونيّة تشكيليّة(4)، ليثبتوا تلك الرّوابط التي تنشأ بين هذين النمّطين من الفنون، وكشف بعض الباحثين عن علائق متينة تلأم بين الأعمال الموسيقيّة، وفن المعمار الذي كان أفلوطين وصفه قائلاً أنّه "ما يتبقّى من البناء بعد أن يكون قد انتزعنا منه الصّخور، وعرّفه شليجل فقال إنّه موسيقا متجمّدة"(5)، وقد أفصح أحد المفكّرين عن قناعته بأنّ العمل الموسيقيّ هو "معمار متحرّك يعيد إلى أذهاننا صور الآثار القوطيّة"(6).

جهد المفكّرون في أن يوردوا البراهين العديدة على تآلف أنواع الفنون مع بعضها البعض، فرؤوا أنّه "إذا كان في الموسيقا الأصيلة شعر وتصوير ومعمار، فإنّ في المعمار الأصيل موسيقا وتصويراً وشعراً، كما أنّ في الشّعر الأصيل موسيقا وتصويراً وغناء"(7)، وكان الرّسّام الشّهير ميكل أنجلوأفصح عن اعتقاده بأنّ "اللّوحة الجيّدة ينبغي أن تكون "موسيقا ولحناً"(8)،وقد ذهب أحد الباحثين في قضايا الفنون إلى أن يتحدّث عن وجود "قوانين هارمونيّة للألوان"(9)، فباتت الأعمال الفنّيّة تنبني على تلك القواعد الفنّيّة، التي توجب أن يتحقّق في النّتاج الفنّيّ الذي يبدعه الموسيقيّون والرّسّامون "تناسق الألوان وتوافق الألحان"(10)، وإذا أردنا أن نتحرّى عن تأثير الأعمال الموسيقيّة في فنّ الرّسم، فإنّنا نعثر على فكرة نوّه بها كثيراً علماء الجمال، إذ أكّدوا تحقّق تناغم الألوان في اللّوحات البديعة التي يبتكرها الرّسّامون، حيث كانت "الأسباب الفنّيّة التي يعتمد عليها الانسجام الموسيقيّ.... تكون صحيحة كلّ الصّحّة في توافق الألوان"(11)، ولم يعسر على فلاسفة الفنّ أن يردفوا على تلك الآراء التي أفصحوا عنها، تلك الفكرة التي تؤكّد ضرورة البحث عن "العلاقات الموسيقيّة بين الألوان"(12).

إنّ النّاس الذين يدركون شغف الفنّانة خالصة هلال بمتابعة تلك الأنشطة الفنّيّة، قد يخطر في بالهم أن يستفسروا عن المسألة التي أسهب نقّاد وفلاسفة الفنّ في الحديث عنها كثيراً، وهي تحديداً مسألة تأثّر الفنّانين بالأعمال الفنّيّة التي يطّلعون عليها، وقد عنت غالبيّة النّقّاد بالبحث في تلك العلاقات التي قد تحصل بين أنواع الفنون المتنوّعة، فسعوا إلى أن يتحرّوا أيضاً عن التّأثير المتبادل، الذي قد ينشأ بين الفنّانين الذي يمارسون أنواعاً مختلفة من الأنشطة الفنّيّة، ويحفل تاريخ الفنون بقصص أولئك الفنّانين الذين كانوا يستوحون مواضيع أعمالهم الفنّية، من تلك المبتكرات الفنّيّة التي كانوا يطّلعون عليها، وكانوا يستلهمون تلك الأفكار التي يبنون عليها أعمالهم الفنّيّة، من النّتاج الذي ينجزه سائر الفنّانين، ومن يطّلع على اللّوحات الفنّيّة البديعة التي ابتكرتها الرّسّامة خالصة هلال، يدرك أنّها لم تكن تسعى إلى أن تستلهم من الأعمال الفنّيّة التي اطّلعت عليها، تلك الموضوعات الفنّيّة التي كانت تعالجها في لوحاتها الفنّيّة، فهي لم تسع إلى أن تستوحي من تلك الأعمال الفنّيّة المتنوّعة، أفكارَها العميقة التي أفصحت عنها في أعمالها الفنّيّة المبتكرة، وهيّأت الرّسّامة خالصة هلال أيضاً لسائر النّاس أن يعيشوا في ذلك العالم، الذي بنته في لوحاتها التي رسمتها، فضمّ هؤلاء الأقوام ذلك العالم الفنّي الرّحيب الفسيح، الذي بنته الرّسّامة خالصة هلال على سطوح اللّوحات الفنّيّة التي أبدعتها، وهي تعمّقت في التّعبير عن تلك الأفكار التي أفصحت عنها في أعمالها الفنّيّة، وكانت وساعة ذلك العالم الفنّيّ الذي ابتكرته، قد وصلت إلى آماد قصيّة، حيث كانت تتّسع رحابته اتّساعاً متزايداً على قدر تعمّق الرّسّامة خالصة هلال في التّعبير عن تلك المواضيع، التي عالجتها في تلك اللّوحات الفنّيّة التي أنجزتها.

1- زكريا إبراهيم، مشكلة الفنّ، مصر _ دار مصر للطّباعة (د.ت)، ص 247.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق، ص 72 .

5- المصدر السّابق، ص 247.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق، ص 248.

9- مع الموسيقا، ذكريات ودراسات، فؤاد زكريا، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، ص 296.

10- إيتيان سوريو، تقابل الفنون، منشورات وزارة الثّقافة في سورية، دمشق 1993، ص 55. 

11- المصدر السّابق، ص 312.

 

12- المصدر السّابق، ص 313.



تسبّب عزوف النّاس عن مطالعة الكتب في الوطن العربيّ، بإلحاق مضارّ عديدة بتلك المناشط التي كان يقتضي تحقّقها في الأساس، إقبالُ النّاس على اقتناء وقراءة الكتب، ومن يطّلع على تلك التّبعات التي ترتّبت على تناقص أعداد القرّاء في الدّول العربيّة، ير تعثّر عمليّتي إنتاج وتوزيع الكتب في أرجاء الوطن العربيّ، الذي ما برحت تذيع فيه بين النّاس، تلك الأنباء التي تؤكّد فحاويها إغلاق المكتبات في بعض المدن العربيّة، حيث أوصدت أبواب تلك المكتبات، وحتّى أنّ بعض تلك المتاجر التي كانت تشغلها تلك المكتبات في الزّمن الماضي، بدأت تروّج فيها سلع أخرى، لا تمتّ بصلة إلى ذلك النّتاج الفكريّ الذي كانت تعرضه تلك المحالّ التّجاريّة في سابق الأيام، واستمرّت الأجهزة الإعلاميّة في البلدان العربيّة على أن تورد الأحاديث التي تخبر بإغلاق تلك المكتبات، إذ تفاقمت تلك الأزمات التي أصابت الكتاب في الوطن العربيّ، حتّى بلغت رونتها دور النّشر أيضاً، حيث فتر نشاطها جدّاً، وتناقصت كمّيّة الكتب التي عمدت تلك الدّور إلى أن تطبعها وتوزّعها، وقد كانت أعداد تلك الكتب أصلاً قليلة جدّاً، فتلك الأزمات التي أصابت الكتاب في الأقطار العربيّة تبدّت في ضحة وجلاء بينين، إذ كانت العواقب التي أفضت إليها تلك الأزمات التي يتعرّض لها الكتاب، قد أحبطت مساعي النّاس إلى أن يزاولوا تلك الأنشطة التي كانت تنتظم فيها عمليّتا إنتاج وتوزيع الكتب في الوطن العربيّ.



مآثر الحضارة العربيّة

تكتنز البلاد العربيّة بالطّلول الشّمّاء الشّامخة والأوابد الأثريّة الشّاخصة، التي شيّدتها على أديم الأرض سواعد النّاس الأمجاد، الذين أنشؤوا حضارات وطيدة الأركان في أرجاء الوطن العربيّ، الذي انتصبت فيه تلك الأوابد الباسقة التي عزّ على آثار حضارات سائر الأمم أن تطاولها، وشقّ عليها أيضاً أن تنافسها في الارتقاء في معارج العزّ والسّموّ، فأصبحت تلك الآثار الشّمّاء في هذه البلدان العربيّة، تخطف دائماً أبصار الأقوام كافّة، وباتت تلك المباني الأثريّة واسطة العقد في قلادة التّاريخ، وظلّت تلك الآطام التاريخيّة صنو الرّوح، لأنّها ما برحت تطوف في حجارتها تلك الهواجس التي نفثتها في هذه الصّروح، أفئدة أولئك النّاس الذين شيّدوها، وأصبحت تلك الأبنية الأثريّة نظيرة الفكر، حيث ما فتئت تترجّع في رصافها تلك الخواطر التي دارت في أخلاد تلك الأقوام التي رفعت تلك المباني المرصوصة المنيفة.

 

غدت الأوابد الأثريّة التي تنتشر في أصقاع الوطن العربيّ، دلائل جليّة نيّرة على المآثر الحضاريّة التي أنجزها أولئك الأشخاص الأفذاذ، الذين خاضوا في ميادين الفنون والمعارف المتنوّعة، فأعملوا أذهانهم في معالجة صنوف شتّى من المسائل التي تبرز في مجرى الأنشطة التي كانوا يزاولونها، وأثبتوا دائماً أنّهم شديدو الاضّطلاع بتناولهم تلك القضايا التي اعترضتهم، وفضّت بصائرهم النّيّرة مغاليق الجهل، التي كانت توصد الأبواب على تلك السّبل، التي تفضي بمن يسلكها إلى الوقوف على الحقائق، التي يطويها ذلك الكون عن أنظار النّاس، وكانت أذهان هؤلاء القوم الأجلّة الذين بنوا تلك الحضارات في هذه البلاد العربيّة، قد فاضت بالأفكار السّديدة، وكانوا يتحلّون بالرّؤية الثّاقبة التي سبروا بها أحوال ذلك العالم، حيث تمخّضت كلّ الأنشطة التي زاولوها عن صنوع مبتكرة، فلم يستعص عليهم قط أن يرودوا نواحي قصيّة من آفاق الفنون والمعارف كافّة، وقد دأبوا في أن يحقّقوا دائماً في طوافهم في تلك الميادين الفسيحة المآثر الجليلة والمفاخر العميمة.