تكتنز الأعمال الفنّيّة بالنّفحات الجليلة العديدة التي يهيّئ الفنّانون للنّاس كافّة أن ينعموا بها، فلا يشقّ على أولئك الأقوام أن تتذوّق ذلك النّتاج الفنّيّ الذي يبدعه الفنّانون، فهؤلاء النّاس جميعهم الذين يتلّقون تلك المبتكرات الفنّيّة، يحوزون القدرة على إدراك الصّيغ الجميلة التي انبنت فيها تلك الأعمال الفنّيّة التي يتذوّقونها، فيتأصّل ذلك الإحساس الجماليّ بتلك الأعمال الفنّيّة في نفوس البشر، ويرسخ في كيانهم رسوخاً ثابتاً، ويتوزّع ذلك الإحساس الجماليّ في أنصف قسمة بين أولئك النّاس، الذين تماثلوا جميعهم متساوين في امتلاك القدرة على التّنعم بمزايا تلك الأعمال الفنّيّة البديعة، حتّى تكاد تجري بينهم تلك المساواة على أشدّ وأنصع صور تلك العدالة، التي يتيسّر لها أن تتحقّق بين البشر، وقد ذكر الفيلسوف ديكارت أنّ العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين النّاس، إلّا أنّي أعتقد أنّ ذلك الإنصاف الذي يتّسم به توزّع ملكة التّذوّق الفنّيّ بين الأقوام، يبزّ في تحقيقه هذه المساواة بين النّاس، تلك العدالةَ التي تحدّث عنها الفيلسوف ديكارت، ويعزا تفاوت أفراد البشر في القدرة على تذوّق الأعمال الفنّيّة، إلى تباين أولئك النّاس في تنفيذ عمليّة صقل وتنمية وتربية الإحساس الجماليّ الذي ينشأ عند كلّ منهم، حيث ينعم أولئك النّاس الذين حازوا ملكة ذلك التّذوّق الفنّيّ الرّفيع، بالتعمّق في إدراكهم تلك السّمات الجمالية التي تتميّز بها الأعمال الفنّيّة، ويتيسّر لهؤلاء الأفراد أيضاً أن يهنؤوا بحيازتهم تلك المنافع الجمّة التي أتاحت الأعمال الفنّيّة لهم أن يظفروا بها، ويتسنّى للنّاس الذين يتعمّقون في تذوّق الأعمال الفنّيّة، أن يحقّقوا مآربهم في استكشافهم حقائق هذا العالم، حيث تجلّت لهم أسرار ذلك الكون، فطرحوا عنهم عماية الجهالة، بعد أن هنؤوا بأنوار تلك المعرفة التي سطع ضياؤها في بنيان الأعمال الفنّيّة البديعة.



يتبصّر النّاس في ثنايا العمل الفنّيّ حقائقَ المواضيع التي يتناولها الفنّانون في تلك المبتكرات الفنّيّة التي يبدعونها، فتستهدي الأقوام بسنا الفنّ لتستكشف خفايا العالم الذي تعيش فيه، أفلا تجلو لوحات الرّسّامين النّوابغ معالم ذلك الكون، الذي كانت تزيّف أشكالَهُ التي يتراءى فيها للأقوام، تلك الظّواهرُ الخادعةُ التي موّهت على النّاس مناظر ذلك الكون الذي ينضوون إليه، فأخذ أولئك الرّسامون يواصلون دائبين في أن يزيلوا تلك الأستار التي تحجب مشاهد العالم عن النّاس، أَوَلا يفصح الكتّاب الأفذاذ عن كنه ذلك العالم، الذي دأبوا في أن ينفضوا معالمه بنظرهم الحادّ، ليتبيّنوا حقائقه الخافية وسرائره المتوارية، فأدرك هؤلاء الكتّاب في حديثهم السّديد ذلك التّعبير البليغ عن المواضيع كافّة، التي ينطوي عليها ذلك العالم، الذي أفاضوا في التحدّث عنه في كتاباتهم الشّيّقة، فظلّ هؤلاء الكتّاب يعكفون على أن يسطّروا التّصانيف التي تجلو غوامض الكون، ولم تلبث أن غدت مؤلّفاتهم الأدبيّة التي يضعونها، السّفرَ الذي يطالع فيه سائر النّاس حقائق ذلك العالم، أفلا يصيخ المؤلّفون الموسيقيّون إلى ذلك الرّكز الخافت الذي ينسلّ من أغوار ذلك العالم، فيرعى أؤلئك الفنّانون الموسيقيّون أسماعهم إلى تلك الهمسات، التي لا يحول دون أن يستمعوا إليها، ذلك الصّخبُ الذي تطلقه الوقائع التي تتوالى في مجرى الحياة، فينسج هؤلاء الموسيقيّون ألحانهم الخلّابة من ذلك الدّويّ الذي يتردّد في أطواء ذلك الكون، الذي تتبدّى معالمه للنّاس بازغة من تلك المؤلّفات الموسيقيّة التي يبدعها الموسيقّيون البارعون، فإذا لم يقف الإنسان على تلك الأعمال الفنّيّة، ولم يدرك الصّيغ التي انبنى فيها قوام تلك الرّوائع المبتكرة، وإذا لم تكن لتلك البدائع في نفسه موضعة مكينة، ولا موقع طيّب، وإن لم تهتزّ مشاعره سروراً لتلقّيه تلك المبتكرات البديعة، وإذا لم يُشرب قلبه حبّ ذلك النّتاج الفنّيّ الرّفيع، ولم تأخذ محبّة تلك الفرائد الفنّيّة بمجامع فؤاده، فليس في وسع ذلك الإنسان حينئذ أنّ يدّعي بأنّه قد خبر هذا العالم حقّ المعرفة، ولا يكون في طوقه أن يدّعي بأنه قد عاش في رحابه.



إنّ ذلك التّآلف الذي أكّد فنّانون وعلماء عديدون تحقّقه بين الفنّ والعلم، لم يحل دون أن يفاضل المفكّرون والباحثون بين هذين النّشاطين الإبداعيّين، إذ عنى أولئك الدّارسون بأن يوضّحوا ذلك التّباين النّاشئ بين الفنّانين والعلماء، في اعتمادهم الطّرائق المختلفة في إفصاحهم عن الخصائص التي تتّسم بها تلك الموضوعات، التي يعالجونها في الأنشطة التي يزاولونها، وقد استشهدت أميرة حلمي مطر برأي هوجو موستر بيرج، في تأكيدها أنّ "الوصف العلميّ لا يبيّن لنا حقيقة الشّيء في ذاته، ولكن يخبرنا عن النّتائج التي نحصل عليها منه تحت ظروف معيّنة. إنّ العناصر التي ينحلّ إليها لا تقرّبنا من الشّيء في ذاته بل تبعدنا عنه، وهي تقيّدنا بمعرفة ما يرتبط به الموضوع من موضوعات أخرى، ذلك لأنّ العلم إنّما يعنى بالعلاقات السّببيّة بين الأشياء، وكثيراً ما نظنّ أنّ العلم يحدّثنا عن الأشياء ولكنّه في واقع الأمر يصف لنا علاقات الشّيء بغيره من الأشياء الأخرى، والحقيقة أنّ معرفة هذه الارتباطات بين الظّواهر وبعضها له عظيم الأهمّيّة حيث أنّنا نرتّب سلوكنا وأفعالنا على ضوء معرفتنا بهذه الارتباطات... إنّ العلم بدلاً من أن يقرّبنا من الموضوعات في ذاتها، فإنّه يبعدنا عنها بما يقدّمه لنا من علاقات بين هذه الموضوعات وغيرها من الموضوعات الأخرى"(1)، وقد كان ذلك البحث عن الأسباب التي تحدّثت عنها أميرة حلمي مطر،  هو أحد تلك الخصائص، التي يتميّز بها المنهج العلميّ الذي يسلكه الباحثون والعلماء الذين اعتبروا أنّ "العلم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبحث عن أسباب الظّواهر"(2)، وقد ظلّ العلماء ينوّهون بأهمّيّة ذلك الارتباط بين تلك العلل، حيث رؤوا أنّ الإنسان إذا أحاط بتلك العلاقة التي تجمع بين تلك الظّواهر، فإن ذهنه سيعي تلك الظّواهر التي فسّرها هؤلاء العلماء، وأن يدركها إدراكاً دقيقاً ينتظم مع تلك الضّرورة المحكمة، التي توجب تحقّق الارتباط الحاصل بين تلك الظّواهر التي أشبعها العلماء بحثاً ودراسة.

دأب العلماء في أن يركّزوا تفكيرهم في تلك العلل التي ترتبط بتلك الظّواهر التي يدرسونها، من دون أن يشتطّوا في البحث عن أسباب، لا تمّت بصلة إلى موضوع الظّاهرة التي يتعمّقون في البحث فيها، فكانت دراسات هؤلاء العلماء "تقتصر على البحث على الأسباب الفاعلة"(3)، وكانوا يعنون بها الأسباب التي تؤثّر تأثيراً مباشراً في إنشاء تلك الظاهرة، من دون أن يهتمّوا بالبحث في السّبب الغائيّ الذي ينسبه النّاس إلى تلك الظّاهرة التي يدرسها هؤلاء العلماء، الذين كانوا يلحّون على التّعرّف على ذلك الارتباط النّاشئ بين الظّواهر التي يدرسونها، حيث كانت تتراءى لهم الطّبيعة "على أنّها سلسلة متشابكة من الحوادث التي يؤثّر كلّ منها في الأخريات ويتأثّر بها، وترتبط فيما بينها برابطة السّببيّة. وأصبح هدف العلم هو أن يكشف، بأساليب مقنعة للعقل، عن الأسباب المتحكّمة في الظّواهر، من أجل السّيطرة عليها عقليّاً بالفهم والتّعليل، وعمليّاً بالتّشكيل والتّحوير"(4)، وإن كان تجمع الفنانين والعلماء تلك المواضيع المشتركة التي كانوا يتناولونها في أنشطتهم الإبداعية المختلفة، بيد أنّ أميرة حلمي مطر رأت أنّ تلك النّظرة العلميّة التي يدقّق بها العلماء في تلك الموضوعات التي يدرسونها، هي "تختلف كلّ الاختلاف عن النّظرة الفنّيّة التي تجعلنا نركّز انتباهنا في الموضوع ذاته أكثر ممّا ننظر في علاقاته بغيره، بل أنّه بقدر ما نوفّق في تركيزنا على خصائص الموضوع وحقيقته، وبقدر ما نحاول عزله عن غيره، فإنّنا نقترب من تقدير قيمته الجماليّة، وفي هذا الاتّجاه يمكن للموضوع أن يتحوّل إلى موضوع للخبرة الجماليّة. فبمعنى آخر يكون الارتباط هو أساس النّظرة العلميّة، في حين يكون الانعزال هو العمليّة الأساسيّة في التّذوّق الفنّيّ"(5)، وذلك الاختلاف الحاصل بين الفنّ والعلم، نشأ عن تنوّع تلك الطّرائق التي يعتمدها كلّ من الفنّانين والعلماء في النّظر إلى الموضوع الذي يتناولونه في الأنشطة التي يزاولونها، حيث كان العالم يهتمّ بأن "يصف علاقات الشيء بغيره من الأشياء بمعنى أنّ العالم يسأل عن لماذا ومن أين وكلّها أسئلة تربط الأشياء بعللها وبما يرتبط بها من أشياء، أمّا الفنّان فهو يركّز على ماهيّة الشّيء في كيفيّاته المباشرة التي تمّ الشّعور بها"(6)، فمن كان يتذوّق الأعمال الفنّيّة التي أبدعها الفنّانون، لم يكن يقتصر تنعّمه برؤية النّتاج الفنّيّ، على الشّعور بالمتعة الجماليّة التي تنجم عن اطّلاعه على تلك البدائع الفنّيّة، بل أنّه كان يهنأ أيضاً بلذّة الوقوف على حقائق المواضيع التي كانت تشتمل عليها تلك الأعمال الفنّيّة.

1- أميرة حلمي مطر، مقدّمة في علم الجمال، دار الثّقافة للنّشر والتّوزيع، القاهرة، د ت، ص 76.

2- فؤاد زكريا، التّفكير العلميّ، العقل العربيّ، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 3، الكويت، مارس (آذار) 1978، ص40.

3- المصدر السّابق، ص 41، 42.

4- المصدر السّابق، ص42 .

5- أميرة حلمي مطر، المصدر السّابق، ص 76.

 

6- وفاء محمّد إبراهيم، علم الجمال "قضايا تاريخيّة ومعاصرة"، مكتبة غريب، القاهرة، د ت، ص 207.



يمضي الفنّان على إنشائه عمله الفنّيّ، بعد أن يستجلي ببصيرته غوامض الموضوع، الذي يبني عليه ذلك النّتاج الفنّيّ الذي يعتزم أن ينجزه، فيأخذ ذلك الفنّان في أن يقلّب النّظر في ذلك الموضوع الفنّيّ، الذي لا يكاد يستوثق من شدّة تأثّره به، ويتيقّن أيضاً من إحاطته التّامّة به، حتّى يندفع في أن يفصح عن كنه ذلك الموضوع في أنصع صورة من التّعبير الفنّيّ البهيّ، فلا غرو من أن يتمكّن ذلك الفنّان من أن يجلو حقائق تلك المواضيع التي يتناولها في نتاجه الفنّيّ، الذي يصبح منطوياً على ذخائر تلك المعارف، التي يستهدي بها النّاس للتّعرّف على حقائق تلك المواضيع الفنّيّة، التي جهد ذلك الفنّان في أن يبني عليها أعماله المبتكرة، التي يترتّب على الإنسان الذي يقبل على أن يتذوّقها، أن يكون متأهّلاً بالدّربة والتّمرّس على تحقيق الشّروط المثلى التي تقوم عليها عمليّة التّذوّق الفنّيّ، وقد أكّد لويس أرنود ريد "أنّ الخبرة المجسّدة في موضوع جماليّ، وهي _ في نظره _ لا تختلف من المعارف التي يحصّلها من الخبرات العلميّة والتّاريخيّة، كما أنّها تحتاج لكثير من التّعلّم لمتذوّقي الفنون لفهم هذا النّوع من المعرفة. فممّا لا شكّ فيه ... إنّ الخبرة الجماليّة النّاضجة لمشاهدة بورتريه لرمبرانت أو الاستماع لفوجة لباخ تتضمّن نوعاً من المعرفة المميّزة والعالية الرّتبة، التي تتطلّب كثراً من التّعلّم"(1).

يفصح الفنّان عن كنه تلك الموضوعات التي يدرجها في نتاجه الفنّيّ، فيكشف عن خصائصها التي كانت تخفى على أولئك النّاس، الذين يؤدّي إليهم ذلك الفنّان تلك الأعمال الفنّيّة التي ابتكرها، فأصبح ذلك النّتاج الفنّيّ الذي يبدعه الفنّانون، يهيّئ للنّاس الاطّلاع على حقائق تلك الموضوعات الفنّيّة التي تشتمل عليها تلك المبتكرات الفنّيّة، ولا يقتصر أولئك الفنّانون على أن يجلوا تلك الحقائق في نتاجهم الفنّيّ، بل أنّهم يهيّؤون أيضاً أن تقدّر تلك الحقائق، بمعيار يظهر بدقّة تفاوت تلك المراتب التي تحلّ بها عند أولئك النّاس، الذين يتذوّقون تلك المبتكرات الفنّيّة، حتّى بات في الإمكان أن يعتقد بأنّ هؤلاء الفنّانين قد تمكّنوا من أن يفسّروا تلك الحقائق "على نحو قيميّ"(2)، ولا يقتصر الفنّان على أن يكشف عن حقائق تلك الأحداث التي يشتمل عليها ذلك الكون، حيث لا تني تلك الأعمال الفنّيّة التي يبدعها، تبيّن أيضاً طبيعة ذلك الوضع، الذي يواجه فيه الإنسان الوقائع الجارية في ذلك العالَم، فإذا كان "العلم يعبّر عن فهمنا للعالم، فإنّ الفنّ يعبّر عن موقفنا الشّعوريّ تجاه نفس العالم"(3)، وقد ذهبت وفاء محمّد إبراهيم إلى أن تؤكّد وجود ذلك التّماثل في الطّبيعة الإبداعيّة لكلّ من الفنّ والعلم، إذ رأت أنّ "اكتشافات بوانكاريه في الرّياضة تشبه تفسيرات موتسارت لإبداعاته الموسيقيّة، وكذلك التّشابه بين قصّة كيكيولا لكيفيّة اكتشافه دورة البنزين التي (أحدثت ثورة في الكيمياء العضويّة) وبين قصّة كولردج في كيفيّة نظمه لقصيدة كوبلاخان. لعل هذه الأمثلة توضّح لنا كيف أنّ الأفكار والأشكال في كلّ من الفنّ والعلم تتبلور في الخيال اللاواعي قبل أن تظهر على سطح الوعي، وهي بدورها تؤيّد رأي روسمند هاردنج في أنّ كلّ المبدعين سواء أكانوا فنّانين أو علماء متشابهون في أنّهم واهمون"(4).

ينعم الفنّان نظره في تلك الوقائع التي تحدث في هذا العالم، حيث يدأب في أن ينقّب عن تلك العناصر التي يتحلّل إليها قوام تلك الموضوعات، التي يعدّها جديرة بأن يتهيّأ لها أن تبزغ وتجوز تلك التّخوم، التي تحول بينها وبين أن تظهر علانيّة للملأ، حيث يعكف الفنّان على أن يستطلع حقائق تلك الأحداث الكامنة المتوارية، ليتبيّن وجودها، ويستجلي صورها، ولا يضادّ النّشاط الذي يمارسه الفنّان، ذاك العمل الذي يزاوله العالِم، فكلا هذين النّشاطين "ينبثقان من أصل واحد هو الخيال، وهذه الملكة الفريدة (الخيال)، التي يبدآن معاً بها، تجعل الذّهن الإنسانيّ يتعامل مع صور لأشياء ليست ماثلة للحواس"(5)، وتوضّح وفاء محمّد إبراهيم تلك الفاعليّة التي تتميّز بها ملكة الخيال، إذ قالت: "أنّه لا الفنّ ولا العلم يقبل أيّ منهما العالم كما هو معطى لنا، فكلاهما يمارس على عالم الواقع نشاطاً هادفاً إلى الحصول على حقيقة وقيمة جديدتين، وسواء عمل الخيال على نحو علميّ أو على نحو جماليّ، فهو حالة فاعلة وهامّة في العمليّتين، ووفقاً لهذه الرّؤية فإنّ العلم ينزع الأشياء بعيداً ثمّ يؤلّف فيما بينها، وكذلك يفعل الفنّ، فهو يسحق الكتلة الواقعيّة الخرساء، فتصبح لا واقعاً، ثمّ يعيدها واقعاً جديداً مهجّناً بالقيمة الجماليّة والوحدة العضويّة التي ينفرد بها العمل الفنّيّ"(6)، ويبلغ ذلك التّوافق بين الفنّ والعلم مبلغاً ظاهراً في تطابق تلك النّتائج التي يتمخّض بها هذان النّشاطان الإبداعيّان، حيث كان ذلك التّماثل الحاصل بينهما يثبت أنّ "البحث عن الاتّساق، والحدّة، والدّهشة لما بين الأشياء المختلفة من قوانين وعلاقات ترابطيّة تجمع بينها يمكن أن تتحدّد في معادلة علميّة أو تتجسّد في عمل فنّيّ"(7)، فإنّ افترق الفنّانون والعلماء في اتبّاعهم الطّرائق المتنوّعة في سعيهم إلى اكتشاف تلك الحقائق، التي ينطوي عليها ذلك الكون الذي يعيش فيه النّاس، بيد أنّ كانت تلك الطّرائق المتنوّعة التي اتبّعها هؤلاء الفنّانون والعلماء، تتّسم بتلك الخصائص المشتركة التي جمعت تارة أخرى بين الأنشطة الفنّيّة والعلميّة.

1- وفاء محمّد إبراهيم، علم الجمال "قضايا تاريخيّة ومعاصرة"، مكتبة غريب، القاهرة، د ت، ص 202.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق ص 203.

4- المصدر السّابق، ص 205.

5- المصدر السّابق، ص 210.

6- المصدر السّابق.

 

7- المصدر السّابق، ص 211.



يدأب الإنسان في سعيه إلى الاندماج في ذلك الوسط الاجتماعيّ الذي يعيش فيه، فيميل إلى أن يكتسب تلك العادات والمعارف والتّقاليد المتنوّعة من ذلك المجتمع، الذي ينضمّ إليه ذلك الإنسان الذي يحرص على أن يثبت استعداده لأن يَسِم شخصيّته بتلك الخصائص الثّقافيّة التي يتميّز بها ذلك المحيط الاجتماعيّ الذي يكتنف ذلك الإنسان، وإذا كان الباحثون كثيراً ما أداروا فيما بينهم الحديث عن ظاهرة امتناع النّاس في الوطن العربيّ عن مطالعة الكتب، فإنّ ذلك التّصرّف الذي صدر عن هؤلاء القوم في امتناعهم عن قراءة الكتب، لم ينجم قطعاً عن رسوخ استعداد ذاتيّ في أنفس أولئك الأفراد العرب للإعراض عن مطالعة الكتب، فلم يفطروا على ذلك الخلق الذي يكرّه إليهم ملازمة الكتب، وقد حفل التّاريخ العربيّ بسير أولئك الأقوام الذين بنوا الحضارة العربيّة الإسلاميّة، ومن يتصفّح التّصانيف التي ذكرت فيها الأخبار عن تاريخ تلك الحضارة، يقف على الشّواهد الغزيرة والدّلائل الجليّة على احتفاء بناة تلك الحضارة بالكتب، التي تكتنز أسفار التّاريخ بالأخبار التي تتحدّث عن شدّة اعتناء العرب بها، إذ حقّقوا إبّان قيام تلك الحضارة العربيّة الإسلاميّة، مآثر ناصعة، ومكارم جليلة، كشفت عن شدّة مضائهم في إيلائهم الكتب عنايتهم الموفورة، واهتمامهم الكبير، فتلك العلّة التي حلّت بشخصيّة الإنسان العربيّ في العصر الحاليّ، الذي أحجم فيه عن الاحتفاء بالكتب، هي عارض طرأ عليه، من دون أن يتوارثها عن القوم الذين عاشوا في عصر تلك الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وفي وسع الأفراد العرب في العصر الحاليّ أن يكتسبوا تلك العادة الثّقافيّة التي تدفعهم إلى الانكباب على مطالعة الكتب.

إنّ تلك الأزمات والآفات الاجتماعيّة العديدة التي تنزل بالمجتمعات العربيّة، جارى نشوؤها واستفحالها استشراءَ تلك العلّة التي تنتاب شخصيّة ذلك الإنسان العربيّ، الذي سرى في نفسه ذلك النّفور من صحبة تلك الكتب، وذلك التّرابط النّاشئ بين تلك الآفات الاجتماعيّة التي تفاقم استشراؤها في أرجاء العالم العربيّ، يسترعي نظر من يتأمّل في شؤون تلك المجتمعات العربيّة، ومهما يكن شأن تلك الرّابطة التي تجمع بين تلك الآفات والعلل مثل المرض والجهل والفقر، فإن شاء الإنسان العربيّ في الأوان الحاليّ، أن يسعى إلى أن يتنصّل من التّسبّب بإلحاق تلك المضارّ والآفات بتلك المجتمعات العربيّة، التي ما برحت تتفشّى فيها تلك العلل الاجتماعيّة، فلا ريب في أنّه يتحمّل تبعات الاستكانة لتلك العاقبة الوخيمة، التي أفضى إليها استشراء تلك الآفات الاجتماعيّة في تلك المجتمعات، فبدلاً من أن يرضخ لذلك المصير الذي آلت إليه شؤون تلك المجتمعات، كان الأحرى به أن ينهمك في أن يدفع عنها تلك المضارّ التي تسبّبت بإلحاقها بتلك المجتمعات، آفات المرض والجهل والفقر، إذ توجّب عليه أن يحشد قدراته كلّها، ويحدّ بصره إلى تلك المضارّ التي تحدق بالدّول العربيّة، ويشحذ ذهنه، ويعمل فكره في حلّ تلك المشاكل التي تعانيها تلك المجتمعات العربيّة، ويركّز وعيه في تلك الأزمات التي تلمّ بها، ليتمكّن من أن يحضّر العلاج النّاجع، لمكافحة تلك الآفات التي تستشري فيها، ولا يتأتّى له أن يأخذ لمعالجة مشاكل تلك المجتمعات أهبتها، إن لم يسلك ذلك النّهج الذي يفضي به إلى أن يستمدّ تلك العدّة من متون الكتب، ومضامين الأسفار، التي إن لم ينكبّ على مطالعتها، ولم يستفد منها علماً، فسيهدر تلك الفرصة التي كان يتاح له أن يغتنمها، إذ كان يهيّأ له أن يسعى فيها إلى أن يجنّب المجتمعات العربيّة مقاساة تلك الأزمات التي أصابتها.

ألحّت الفتوق على المجتمعات العربيّة، حيث تمكّنت من الحلول بأرجاء الوطن العربيّ، تلك الآفات التي اشتملت على أدواء الجهل والفقر والمرض، وإن كان بعض تلك العلل يصيب في أغلب الأحيان ذلك الإنسان العربيّ، الذي يحجم عن مطالعة الكتب، إذ كانت تتلبّس به آفة الجهل، الذي سواء أكان ذلك الفرد العربيّ يتحمّل وزر إصابة نفسه به، أم أنّ ذلك الإنسان شاء أن ينسب مسؤوليّة التسبّب بوقوعه في شرك تلك الآفة، إلى ذلك المجتمع الذي يعيش فيه، فلا ريب في أنّه قد تقاعس عن أن يطرح عنه إصر ذلك الجهل، بل أنّه كاد أن يكون قانعاً وراضياً بوقوعه في حبالة تلك الآفة، التي قعّدته عن أن يوسّع آفاق تلك المعرفة، التي كان يتاح له أن يقتبس منها أفكاراً نافعة، وعلوماً غزيرة، بيد أنّه آثر أن ينعم بتلك الجهالة التي ربض بشركها، حتّى أنّه لم يبال بأن يؤكّد رسوخه في ذلك الخسران الكبير الذي أوقع نفسه فيه.

 

انتشرت بين النّاس في المجتمعات العربيّة تلك الأحاديث الكثيرة التي تضمّنت تلك الإحصاءات التي تؤكّد شدّة ضآلة عدد القرّاء العرب، إلّا أنّ ما يسترعي انتباه من يقف على تلك الأقاويل الغزيرة، هو قلّة تلك الدّراسات والأبحاث، التي تطرّق فيها إلى دراسة وتفسير استشراء ظاهرة إعراض النّاس عن قراءة الكتب في المجتمعات العربيّة، حيث كانت أغلبيّة الباحثين في تلك الأوضاع المزرية التي آل إليها مصير تلك الأسفار، تقتصر على إيرادها تلك الإحصاءات التي تكشف عن شناعة تلك الحالة، التي تسبّبت بإنشائها قلّة عدد هؤلاء القرّاء العرب، فكانت يتردّد في تلك الأحاديث المنتشرة بين النّاس، ذلك التّشكّي والتّفجّع لذلك المصير السّيئ الذي انتهت إليه في الوطن العربيّ تلك الكتب، التي ما برح النّاس يندبونها بأشدّ المراثي حزناً وحسرة، بينما كانت تلك الأزمة التي تصيب ذلك الكتاب، يستمرّ تفاقمها، من دون أن تعالج معالجة ناجعة، ولا يستفاض في البحث في تلك الأسباب التي أدّت إلى استشرائها الشّديد في المجتمعات العربيّة، التي رسخت في نفوس غالبيّة الأقوام فيها، تلك البواعث على إحجامهم عن مطالعة الكتب، بينما لم يكن يعسر على من يتأمّل في شخصيّات هؤلاء الأشخاص، الذين أعرضوا عن صحبة الكتب، أن يتبيّن  تلك الدّوافع  التي حثّتهم  على العزوف عن القراءة، ويتعرّف على تلك الأسباب التي حضّتهم على أن ينبذوا الكتاب.



تعدّدت تلك الوسائل التي كان النّاس يتذرّعون بها إلى استكشاف حقائق ذلك العالم الذي ينضوون إليه، فظلّوا يجهدون في سلوكهم سبلاً متنوّعة في تحصيلهم المعارف، التي تهيّئ لهم الوقوف على كنه ذلك العالم، الذي سعوا إلى أن يتبيّنوا خفاياه الغامضة، وأخذوا ينتهجون طرائق العلوم المتنوّعة لينمّوا حصيلة تلك المعارف التي كانت تنير بصائرهم، فإذا كان أولئك النّاس يعوّلون كثيراً على الاستناد إلى تلك الوسائل، التي تهيّئ لهم أن يستكشفوا خفايا ذلك العالم، فلا ريب في أنّ وقوعهم على وسائل أخرى يلحقونها بتلك الأدوات، التي اعتادوا أن يستخدموها في استكشاف خبايا تلك الظّواهر التي كانت تتراءى لهم، سيوفّر لهم فرصاً متزايدة في سعيهم إلى أن يحصّلوا تلك المعارف، التي تفتح أذهانهم على كنه ذلك العالم، وكان هؤلاء النّاس دأبوا في أن يستغرقوا في تذوّق الأعمال الفنّيّة المبتكرة، التي طالما كانت تكشف لهم عن حقائق تلك المواضيع المختلفة، التي كان الفنّانون يتناولونها في ذلك النّتاج الفنّيّ الذي ابتدعوه، فأتاحت لهم تلك الأعمال الفنّيّة التي أقبلوا على أن يتذوّقوها، أن يسلكوا سبيلاً آخر يفضي بهم إلى الوقوف على حقائق تلك الموضوعات التي كانوا يطّلعون عليها، وما لبث أن رسخ في ذهنهم الاعتقاد برسوخ تلك السّمة المشتركة بين العلم والفنّ، اللذين يسهم كلاهما في زيادة الحصيلة المعرفية عند النّاس، الذين باتوا يقتنعون تماماً بأنّ "طرق المعرفة المختلفة التي يسلكها الإنسان ليست بالطّرق المنفصلة، بل هي طرق متكاملة، كأنّها خيوط تتضافر معاً لنسج بنية واحدة مكتملة وكلّيّة ألا وهي المعرفة، فالفنّ ليس _ كما يرى الكثيرون _ طريقاً ثانويّاً في الحصول على المعرفة، بل هو جزء من حياة مكتملة معرفيّاً"(1).

ما برحت تلك المكانة الرّفيعة التي يحلّ بها الفنّ في ميدان المعرفة تزداد رسوخاً وثباتاً، كلّما أوغل الإنسان قدماً في استجلائه تلك الوسائل، التي تتيح له أن يحصل على تلك المعارف، التي تعمّق إدراكه بتلك المواضيع التي تتجلّى في مجرى الحياة، حيث بات يتيقّن بوجود لون آخر من أنواع تلك المعارف التي كان يعهدها الإنسان سابقاً، وأصبح يقف على "أحدث أنواع المعرفة، الذي يتزايد ثقله على خريطة المعرفة الإنسانيّة ألا وهو: معرفة الفنون، فالفنّ ضرب من المعرفة، يختلف جوهريّاً عن ضروب المعرفة الأخرى، لكنّه _ بالقطع _ لا يقلّ أهميّة عنها، وهل للمرء أن ينسى تلك المقولة الموجزة الشّديدة الإيحاء لهربرت ريد: (يبدأ الفنّ عندما ينتهي العلم ) وتكامل العلوم والفنون هو أحد التّوجّهات الرّئيسيّة لمعرفة عصر المعلومات"(2)، فإن اختلف سبيلا العلم والفنّ عن بعضهما البعض، بيد أنّهما يفضيان بذلك الإنسان الذي يسلكهما، إلى أن يقف على حقائق ذلك العالم الذي يحيا فيه، فإذا ما أنعم ذاك الإنسان نظره في العلاقة التي تجمع بين العلم والفنّ، يجد أنّهما يتوافقان على تحقيق معرفة الإنسان بأحوال تلك الوقائع والموضوعات، التي يسعى إلى أن يستجلي حقائقها المستترة، وقد أفصح هربرت ريد عن رأيه في تلك الرّابطة التي تجمع بين نهجي العلم والفنّ، إذ قال: "أنا في النّهاية لا أميّز بين العلم والفنّ إلاّ باعتبارهما مناهج، هذا إلى أنّي أعتقد أنّ التّناقض الذي قام بينهما في الماضي كان راجعاً إلى نظرة قاصرة محدودة إلى كلّ من النّشاطين، إذ الحقّ أنّ الفنّ هو وسيلة تمثيل إحدى الحقائق، وأنّ العلم هو وسيلة تفسير الحقيقة نفسها"(3)، وبيّن برونوفسكي أيضاً ذلك الائتلاف الحاصل بين العلم والفنّ، حيث ذكر: "ليس العلم مجرّد معلومات آليّة لا شخصيّة، بل إنّ للعلم إلى جانب القيم التي ينفرد بها كالنّزاهة والموضوعيّة وحبّ الحقّ، قيماً أخرى يقترب بها من الجمال الشّخصيّ الذي يختصّ به الفنّ كالاحترام والتّسامح"(4).

لا تقتصر الأعمال الفنّيّة على أن تهيّئ للإنسان الاطّلاع على حقائق العوالم التي تحدق به، بل أنّها توسّع إدراكه ليحيط بدخيلة نفسه، ويلمّ بخبايا ذاته، فالفنّ "ليس مجرّد ممارسة ذاتيّة خلّاقة تنبعث من الفنّان وحده ولا تؤثّر إلّا فيه، وإنّما هو يتجاوز الفرد، إذ يقدّم إلينا معرفة من نوع خاصّ هي معرفة الذّات. والمقصود بمعرفة الذّات هو أنّه يعرف الإنسان نفسه من خلال ما يعرضه العمل الفنّيّ أو الأدبيّ من نماذج، ويتوحّد مع المعنى أو المشاعر التي يتضمّنها العمل، لكي يفهم نفسه ويفهم الإنسانيّة كلّها، على نحو أفضل، وهكذا يتخطّى الفنّ حاجز الفرديّة لكي يقيم جسوراً بيننا وبين الذّوات الأخرى شأنه في ذلك شأن العلم"(5)، فإن سلك النّاس نهجي العلم والفنّ، فلا بدّ من أن يصلوا إلى الوقوف على كنه تلك الوقائع التي يخوضون غمارها في هذه الحياة التي يعيشونها، وقد رأى أرنست كاسيرر "أنّ الفنّ كسائر الأشكال الرّمزيّة ليس نسخاً حرفيّاً لحقيقة جاهزة معطاة، وإنّما هو إحدى الطّرق المؤدّية إلى نظرة موضوعيّة للأشياء والحياة الإنسانيّة... فالعلم اختزال للواقع، والفنّ تكثيف للواقع، والعلم يقوم بذلك عن طريق التّجريد، والفنّ عمليّة مستمرّة من التّجسيد، إلاّ أنّهما يصلان _ مع اختلاف منهجهما _ إلى غاية واحدة هي أنّ الفنّان يستكشف صور الطّبيعة مثلما أنّ العالم يستكشف حقائق القوانين الطّبيعيّة"(6)، وعلّقت وفاء محمّد إبراهيم على آراء إرنست كاسيرر قائلة: "الفنّان يكشف الحجب عن إمكانات يحدّها الإدراك العادّيّ أو يختزلها في بعد واحد الإدراك العلميّ، ولعل ذلك ما يميّز الفنّ ويجعله من أكثر الأنشطة الإنسانيّة سحراً وفتنة"(7).

ليس في وسع العالم أن يقتصر على التّعويل على نظره الثّاقب وبصيرته النّيّرة في تفحّص تلك الموضوعات التي يدرسها، إذ ذهب ستيفن بيبر إلى أن يعتقد أنّ "رجل العلم يحتاج للشّعور الجماليّ من حيث أنّه نوع من المصفاة التي لا تسمح بالمرور إلاّ لتلك الأشياء التي تبدو بحكم اتّساقها صادقة، حقيقيّة، ومن لا يتمتّع بهذه الصّفات لن يصبح أبداً مخترعاً حقيقيّاً"(8)، وقد تحدّثت وفاء محمّد إبراهيم عن تلك العلاقة التي تجمع بين العلم والفنّ، حيث رأت أنّ "العلم يبحث من أجل الحقيقة بوصفها حقيقة، والفنّ يقدّم الحقيقة كحقيقة تمّ الشّعور بها من خلال ذات مبدعة"(9)، وقد أكّدت تلك الفكرة التي تحدّثت عنها، باستشهادها برأي نيلسون جودمان الذي اعتقد أنّه "في الخبرة الجماليّة تعمل العواطف على نحو معرفيّ"(10)، وقد نوّه ت. م. جرين بذلك المسلك الذي ينتهجه الفنّان، الذي يجلو نتاجه الفنّيّ طبيعة تلك الموضوعات التي ينعم نظره فيها، فأشاد جرين بتلك الحقائق التي يعرضها ذاك الفنّان، حيث قال: "إنّ الفنّان، في محاولته فهم الواقع بطريقته الخاصّة، يشبه العالم والفيلسوف والأخلاقيّ واللاّهوتيّ، أمّا من يتجاهل هذه السّمة الأساسيّة في الفنّ، فإنّه يغفل طابعه التّاريخيّ، ويسلبه قدراً كبيراً من دلالته الإنسانيّة"(11)، وقد ظلّ الفنّانون سبّاقين إلى أن يشتقّوا السبيل دائماً إلى اكتشاف حقائق ذلك العالم، الذي كانت تجلو خفاياه المستترة تلك الأعمال الفنّيّة المبتكرة التي يبدعها أولئك الفنّانون الأفذاذ.

1_ وفاء محمّد إبراهيم، علم الجمال "قضايا تاريخيّة ومعاصرة"، مكتبة غريب، القاهرة د ت، ص 194.

2- نبيل علي، العقل العربيّ ومجتمع المعرفة، مظاهر الأزمة واقتراحات بالحلول (الجزء الأوّل)، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 369، الكويت، نوفمبر / تشرين الثّاني 2009، ص 59.

3- وفاء محمّد إبراهيم، علم الجمال "قضايا تاريخيّة ومعاصرة"، مكتبة غريب، القاهرة، د ت، ص 195.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6-  المصدر السّابق، ص 196.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق، ص 197.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق، ص 198_ 199.

 

11- المصدر السّابق، ص 200.



لم يكد فلاسفة الفنّ وعلماء الجمال يتيقّنون بتأصّل القيم الجماليّة في ذلك النّتاج الفنّيّ الذي أنجزه الفنّانون المبدعون، حتّى أخذ هؤلاء المفكّرون في البحث في تلك الوشائج التي تجمع بين أنواع تلك الفنون المختلفة، وقد جهد روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو في أن يبحثا في تلك السّمات الجماليّة المشتركة بين الأعمال الفنّيّة البديعة، والنّظريّات والقواعد العلميّة، وقد كان هذان المؤلّفان  استفاضا في الحديث عن تلك المعالم المشتركة بين الفنّون والعلوم، ولم يفتهما أن يعرّجا في حديثهما المسهب، على موضوع تلك العلائق، التي تجمع بين المبتكرات الفنّيّة المتنوّعة، التي كانا في تحدّثهما عنها، قد اقتصرا على تناولهما نشاطين فنّيّين اثنين، وهما الفنّ الموسيقيّ، والفنون التّشكيليّة، حيث قال هذان المؤلّفان: "أمّا بخصوص الموسيقا فممّا لا سبيل إلى إنكاره أنّ وضوح الصّوت عنصر من عناصر جماله. يقول آرون كوبلاند: (إنّ الجرس في الموسيقا هو نظير الضّوء في لوحة الرّسم)، فالجرس أو [اللّون النّغميّ] يمكّن الإذن من التّمييز بين النّاي والبوق حين تعزف الآلتان كلتاهما النّغمة نفسها"(1).

إنّ ذلك التّشابه الذي لاحظه الموسيقار الأمريكيّ كوبلاند بين الأعمال الموسيقيّة، ومبتكرات الفنّ التّشكيليّ، أثبت سداد ذلك الرّأي الذي طالما اعتنقه الفلاسفة وعلماء الجمال والفنّانون، الذين ذهبوا إلى تأكيدهم حصول ذلك التآلف الذي يجمع بين البدائع الفنّيّة المتنوّعة، ووالى غروس وستانسيو حديثهما عن ذلك التّوافق المتحقّق بين تلك المبتكرات الفنّيّة، فقالا: "في القرن التّاسع عشر أخذ الملحّنون يستخدمون اللّون النّغميّ لإنتاج تألّق موسيقيّ أشبه بتألّق الألوان الملاحظ في الرّسوم الانطباعيّة. ويعلّق رمسكي _ كورساكوف على هذه الحركة في الموسيقا بقوله: (إنّ عصرنا الذي أعقب عصر فاغنر هو عصر التّألّق والإبداع الخياليّ في تلوين الجرس الأوركستريّ. وقد بلغ برلييوز وغلينكا، وليست، وفاغنر وغيرهم بهذا الجانب من الفنّ الموسيقيّ الذّروة، فتفوّقوا بهذه الصّفة على أسلافهم"(2)، وما لبث أن خلص هذان المؤلّفان إلى تأكيدهما زبدة ذلك الحديث الذي أورداه، إذ اختتما كلامهما بعبارة اتّحذت صورة النّتيجة، التي جهدا كثيراً في أن يمهّدا للإفصاح عنها، في حديثهما عن ذلك التّشابه الحاصل بين الأعمال الفنّيّة المختلفة، إذ قالا: "إذاً فالتّألّق واللّون كلاهما من عناصر الجمال في الرّسم والموسيقا على السّواء"(3).

لم تخف الرّوابط التي تجمع بين العلم والفنّ، على أولئك العلماء، الذّين تبصّروا في تلك المبادئ التي تستند إليها الأبحاث العلميّة والمبتكرات الفنّيّة، بل إنّ هؤلاء العلماء الذين أكّدوا ثبوت ذلك التّشابه بين العلم والفنّ، استمرّوا على أن يجهروا بآرائهم التي ذهبوا فيها إلى إثبات تحقّق ذلك التّآلف بين هذين النّشاطين، ولم يغب عن ذهني المؤلّفين أغروس وستانسيو أيضاً، وجاهة وسداد ذلك الرّأي الذي اعتنقه الفيزيائيّ ستيفن فاينبيرغ الذي نوّه بأهمّيّة الإدراك المباشر للحقيقة من دون أن يعوّل على الاستناد إلى العمليّات العقليّة الواعية، إذ بادرا إلى الحديث عنه فقالا: "يشير فاينبيرغ إلى وجه شبه آخر يكمن في الطّريقة التي يعمل بها كلّ من العلماء والفنّانين فيقول: (العلماء، شأنهم في ذلك شأن الفنّانين، يعتمدون اعتماداً شديداً على الحدس. فغالباً ما أعرض عن منهج كامل في البحث لمجرّد إحساسيّ بأنّه غير صحيح، أو قد أمضي شهوراً في تطوير منهج آخر لمجرّد إحساسي بأنّه صحيح)"(4).

لم يفتر روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو عن أن يثبتا تحقّق ذلك الترابط الذي يلأم بين الفنون والعلوم، فعمدا إلى أن يؤكّدا أنّ: "البساطة والتّناسق والتّماثل والتّناسب والتّألّق والوضوح _ وهي عناصر نلحظها في أجمل النّظريّات الفيزيائيّة _ لها نظائر موازية في الجمال الذي نجده في الرّسم والموسيقا. وليس من العسير أن نتصوّر أنّ هذه المعايير الجماليّة ذاتها تنطبق كذلك على الشّعر والرّقص وغيرها من الفنون"(5)، وإن كان هذان المؤلّفان جهدا في دراستهما الفكريّة التي وضعاها، أن يغيّرا وجهات نظر أولئك العلماء، الذين اعتادوا في العهود الماضية، أن يتبصّروا بجهات محدّدة ثابتة من النّظر، في تلك الطّرائق التي يتّبعها العلماء في تحقيقهم أبحاثهم العلميّة، فإنّ هذين المؤلّفين تحدّثا عن هذه النّظرة القديمة قائلين: "ولكن المادّة وفقاً للنّظرة القديمة ليس لها إلّا خواصّ كمّيّة كالوزن والحجم والجسم والشّكل والعدد. وحيث أنّ الجمال ليس من جملة هذه الخواصّ فالنّظرة القديمة تميل إلى اعتباره خاصّة من خواصّ المراقب، لا صفة من صفات الأشياء الطّبيعيّة"(6)، وقد كانت غالبيّة فلاسفة الفنّ وعلماء الجمال تعارض تلك النّظرة القديمة إلى موضوع الجمال، الذي كانت تتناوله أكثريّة هؤلاء المفكّرين بالبحث الذي يستند إلى طرق وقواعد دقيقة منتظمة.

إنّ ذلك المعتقد الذي أخذ به العلماء والمفكّرون الذين تمسّكوا بالنّظرة القديمة إلى موضوع الجمال، ما لبث أن تمخّض بتلك الفكرة التي ذهب فحواها إلى اعتبار أنّ "الفنون الجميلة، بقدر ما تنشد الجمال، لا يمكن أن يكون بينها وبين العلوم أيّ شيء مشترك"(7) وإن كان توسّع المؤلّفان أغروس وستانسيو في دحضمها تلك الفكرة القديمة، فإنّهما توصّلا في خاتمة بحثهما إلى أن يؤكّدا أنّ "النّظرة الجديدة تبيّن أنّ عناصر الجمال غير المرئيّ والذهنيّ في الفيزياء تماثل عناصر الجمال المرئيّ والمسموع في الفنون الجميلة. إنّ العالم والفنّان في النّظرة الجديدة ينشدان الهدف الجماليّ نفسه عبر مسالك مختلفة. يقول هايزنبيرغ (لعل من الصّواب أن نقول إنّ عالم الشّعر كان مألوفاً لدى جميع العلماء الكبار حقّاً. ومهما يكن من أمر فالفيزيائيّ يحتاج كذلك إلى اكتشاف أوجه التّناسق بين الظّواهر الطّبيعيّة)"(8)، وقد أصاب هذان المؤلّفان أغروس وستانسيو في تبيين تلك المعالم المشتركة بين العلوم والفنون، فإن أنعم الإنسان النّظر في تأمّل تلك النّظريّات العلميّة، فسرعان ما يغترق نظره تلك السّمات الجماليّة، التي تتبدّى في القوانين والنّظريّات العلميّة، ولا يلبث ذاك الإنسان أن يدرك أنّ العلم والفنّ، هما نشاطان مختلفان، بيد أنّهما تجمع بينهما تلك المعالم المشتركة العديدة، التي تتألّق فيها مظاهر الجمال.

1- روبرت م. أغروس وجورج ن. ستانسيو، العلم في منظوره الجديد، ترجمة: كمال خلايليّ، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 134، الكويت، فبراير / شباط 1989، ص 54.

2- المصدر السّابق.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق، ص 54- 55.

5- المصدر السّابق ص 55.

6- المصدر السّابق، ص 45.

7- المصدر السّابق ص 46.

 

8- المصدر السّابق ص 55.



لم يجدّ النّاس بدّاً من أن يقبسوا من أنوار المعارف، التي يهتدوا بها في سعيهم إلى أن يشتقّوا سبل التّطوّر في تلك المجتمعات التي ينضوون إليها، وإن كان يحتم على الإنسان العربيّ أن يدأب دائماً في أن يستقي المعارف من مظانّها المعهودة، ويتوسّع متوغّلاً في ميادين الفكر، فهو في الوقت الحاليّ في أمسّ الحاجة إلى أن يترقّى في المعارف والعلوم، إذ ظلّ معظم النّاس في الوطن العربيّ، يصدفون عن أن يقبسوا العلم من مآخذه النّيّرة، فعوضاً عن أن يتّبعوا سبيل تلك المعارف التي يجب عليهم أن يهتدوا بأنوارها، فما برحت غالبيّة أبناء تلك الأمّة العربيّة تعرض عن المضيّ في ذلك النّهج، الذي يفضي بهم إلى أن يثقّفوا أنفسهم وينمّوا حصيلة معارفهم، فأعرضت أكثريّة أفراد الشّعب العربيّ عن أن تأخذ بالرّكيزة الوطيدة، التي يستند إليها عالم تلك المعارف، التي يجب عليها أن تتبحّر فيها، ويتأكّد الدّليل القويّ والحجّة الدّامغة على ثبوت ذلك  التصرّف، الذي بدر من أغلبّية النّاس في الأقطار العربيّة، في صدوف هؤلاء الأفراد عن مطالعة الكتب، فإن ما برحت تعيي أفراد الشّعب العربيّ الحيل في الخلاص من تلك الأزمات العديدة التي كانوا غاصوا فيها، فوجب عليهم أن يهتدوا السّبيل إلى الانفراج من تلك الشّدائد، التي كثيراً ما كانت تحلّ بهم، وإذا أرادوا أن يقعوا على الوسيلة المثلى النّاجعة التي يقتضي أن يتذرّعوا بها، إن رموا حقّاً إلى معالجة تلك الأزمات التي تحدق بهم، فلا مناص حينئذ من أن يقبضوا على عرى تلك المعارف، التي تكتنز بتلك الدّلائل التي تهديهم إلى تلك السّبيل، التي تفضي بهم إلى النّجاة من تلك الشّدائد التي وقعوا فيها، فلا مفرّ من أنّ يستمسكوا بالكتب التي هي مغارف تلك المعارف، حيث يستقون من تلك الأسفار التّجارب والأفكار، التي تسدّدهم وترشدهم إلى مغانم ذلك الفلاح الذي طالما حاولوا أن يسعوا إلى أن ينعموا به.

يقرّ أصحاب العقول النّيّرة والأذهان الفطنة بصواب تلك المساعي التي يأتيها أولئك النّاس، الذين يأتمّون بتلك الهداية التي تفصح عنها الكتب، وليس أفراد الشّعب العربيّ بالخيار، ليتاح لهم أن ينتقوا المقصد الذي يمّمون شطره، إذ لا يتيسّر لهم أن يمايلوا بين التّوغّل في عالم تلك الكتب، والإعراض عن ميادين تلك المعارف الغرّاء، لأنّ ذلك التّرجيح بين هاتين الوجهتين التي يفاضلون بينهما، قد حسم النّقاش فيه منذ أمد بعيد، فلا بدّ من أن يأخذ النّاس في البلدان العربيّة في اللّواذ بموئل تلك الكتب، إذ يعود عليهم من مطالعة تلك الأسفار الخير الوفير، والنّفع الغزير، وإذا ما أصرّ ذلك الإنسان العربيّ على أن ينبذ الكتاب، ويتزهّف عنه معرضاً عن ميدان تلك المعارف، فتزداد حينئذ فظاعة تلك الحالة الأليمة التي أوقع الإنسان العربيّ نفسه فيها، حيث بات يتوغّن على أن يلجّ في تلك الأزمات، التي تزيد نكارة ذلك الحرج الذي انتهى إلى الوقوع فيه، فبدلاً من أن يختار سلوك درب النّجاة بإقباله على مطالعة الكتب، عمد إلى أن يقع منكباً على مواضع الخسران، حيث تلحقه المضارّ وتصيبه الأزمات.

 

سيقت بين النّاس الأحاديث الكثيرة، التي أُدليَتْ فيها بحجج عديدة لتبرير إعراض الإنسان العربيّ عن مطالعة الكتب، فشاعت بينهم تلك الأحاديث التي سعى أولئك النّاس فيها، إلى أن يسوّغوا إصداف أفراد الشّعب العربيّ عن قراءة الكتب، وإن استعرضنا على سبيل المثال بعض تلك الحجج التي كانوا يدلون بها، فكثيراً ما كانوا يحتجّون بارتفاع أسعار الكتب، ليبرّروا بتلك الحجّة امتناع الإنسان العربيّ عن مطالعة تلك الأسفار، وكانوا يذكرون أيضاً علّة تسليط الرّقابة الشّديدة على عمليتي طبع ونشر الكتب في أرجاء الأقطار العربيّة، ليبيّنوا السّبب الذي يؤدّي إلى تعثّر رواج الكتب في تلك البلدان العربيّة، بيد أنّ هاتين الحجّتين اللّتين عمد النّاس في الوطن العربيّ إلى الإدلاء بهما، لا تفسّران كلّ الأسباب التي تؤدّي بالإنسان العربيّ إلى أن يفتقد الدّافع إلى مطالعة الكتب، وإن كان النّاس اعتادوا أن يذكروا الحجج العديدة، التي يعلّلون بها أسباب تعرقل انتشار الكتب في البلدان العربيّة، إلّا أنّ المصاعب التي تتمخّض بها معظم تلك العلل التي كان يتحدّث عنها أولئك النّاس، لا يكابدها إلّا أفراد قليلون جدّاً من أفراد الشّعب العربيّ، وهؤلاء الأشخاص الذين ينضوون إلى هذه الفئة الصّغيرة جدّاً، التي تعاني من تلك الأوضاع التي انتهت إليها عملّية انتشار الكتب في الوطن العربيّ، هم أصلاً يواظبون مثابرين على قراءة الكتب، فهؤلاء الأفراد القليلون جدّاً قد يصيبهم العسر، بسبب علّة غلاء ثمن الكتب، بيد أنّهم يظلّ يرسخ في نفوسهم متأصلاً استعدادهم ليبذلوا النّفيس من أموالهم التي يقتنونها، ليشتروا بها الكتب التي يتشوّقون إلى أن يطالعوها، وأمّا أولئك الأشخاص الذّين يحجمون عن قراءة الكتب، فهم لا يكترثون البتّة لارتفاع أسعار الكتب، التي لا يكون ازدياد أثمانها من بالهم، ولا تؤرّقهم ندرة الكتب، ولا يأسفون على غيابها، إن هم تنبّهوا أصلاً لتواريها عن أنظارهم، حيث أنّهم لا يفتقدونها مطلقاً، فلا يقرؤون تلك الكتب أساساً، وجموع هؤلاء النّاس الذين يكثر عددهم جدّاً، ما برحوا ينكصون عن قراءة الكتب، حتّى أنّهم إن منحوا تلك الكتب مجاناً بغير ثمن، فسيستمرّون على إحجامهم عن القراءة، وسيواصلون امتناعهم عن مطالعة تلك الكتب.