واظب النّاس طيلة أزمنة ممتدّة على تذوّق البدائع الفنّيّة، التي تأصّلت فيها مظاهر الجمال، الذي طالما كان يكشف عن صوره الزّاهية، ذلك النّتاجُ الفنّيّ الذي أنجزه الفنّانون الأفذاذ، الذين كانوا يتّبعون سنن ذلك التّعبير الفنّيّ الجميل في ابتكارهم أعمالهم الفنّيّة، وكانت فئة من العلماء النّوابغ، مضت على تحقيق الأبحاث العلميّة، فعمدت إلى أن تهتدي في توغّلها في ميدان تلك الدّراسات العلميّة، بتلك المبادئ التي قامت عليها مظاهر الجمال، الذي كان يبهر أنظار النّاس كافّة، حتّى أدرك العلماء أنفسهم تلك الوشائج، التي اعتقدوا بيقين ثابت أنّها تجمع بين الأبحاث العلميّة التي ينجزونها، وذلك النّتاج الفنّيّ الذي يبتكره الفنّانون، وقد ذهب روبرت م. أغروس، وجورج ن ستانسيو إلى أن يؤكّدا تحقّق ذلك التّآلف الحاصل بين العلم والفنّ، فأوردا حديث أدّى فيه عالم فيزيائيّ شهادته التي حصّلها من تلك الأبحاث العلميّة التي أجراها، حيث تحدّثا عن ذلك العالم قائلين: "يشدّد الفيزيائيّ ستيفن فاينبيرغ على الوحدة الجديدة بين العلم والفنون الجميلة، فيقول (هناك أوجه شبه معيّنة بين العلم والفنّ، أوّلها أنّ العلماء يلتمسون الجمال والبساطة، ونحن نلتمس ذلك لاعتقادنا بأنّ القوانين الأساسيّة التي تشكّل ركائز الطّبيعة لا بدّ من أن تكون بسيطة. ولذلك نفتّش عن أوجه بساطة قد تعكس أوجه البساطة المطلقة في نواميس الطّبيعة. وقد اكتشفنا في مجال تخصّصيّ _ وهو فيزياء الجسيمات الأوّليّة_ أنّ الطّبيعة أبسط كثيراً ممّا تبدو في ظاهرها. وهذه البساطة تتّخذ شكل مبادئ التّماثل. ومن ذلك مثلاً أنّ هناك تماثلاً عميقاً بين جسيمين أوّليّين _ النّيوترون والألكترون_ رغم ما يبدو في الظّاهر من اختلاف تامّ بين خواصّ كلّ منهما)"(1).

تابع روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو تحرّيهما عن عناصر الجمال، الذي يتبدّى في الأبحاث العلميّة التي يجريها العلماء، وقد استخلصا من تلك الأعمال التي كان ينجزها هؤلاء الباحثون في المسائل العلميّة، تلك الفكرةَ التي قرّرا فيها أنّ "العالم الذي يعمى عن رؤية الجمال هو عالم ضئيل الحظّ من العلم"(2)، وقد كان هذان المؤلّفان ينسبان ذاك الجمال الذي يجب على العالم أن يعاينه، إلى الطّبيعة ذاتها التي كانت تطالع هؤلاء الفنّانين والعلماء بمشاهدها الغزيرة، حيث توصّل هذان المؤلّفان إلى أن يستنتجا أنّ تلك الطّبيعة "تشقّ طريقاً مشتركاً بين العلوم والفنون الجميلة"(3)، وما إن تحدّث هذان المؤلّفان عن ذلك التّشابه الحاصل بين هذين الصّنفين من أوجه النّشاط الإنسانيّ، حتّى وجدا الفرصة سانحة لهما، في تعزيز رأيهما بإيراد شهادة صاحب تجربة ثرّة في هذين اللّونين من أنواع المناشط الإنسانيّة، إذ ذكرا أنّ "الفيزيائيّ والرّوائيّ ش. ب. سنو، بعد خبرته في كلّ من العلوم والفنون، مؤهّل بطريقة غير عاديّة للتّحدّث عن الجمال الموجود في كلا المجالين"(4)، وفي إثر تلك التّوطئة التي بيّنا فيها تلك المكانة الرّفيعة التي بلغها ش. ب. سنو، أخذا في أن يذكرا أقواله، التي ذكرها فيها أنّ "كلّ من اشتغل في أيّ وقت بعلم من العلوم يعرف مدى ما حصل عليه من لذّة جماليّة. أي أنّ أحدنا في ممارسته الفعليّة للنّشاط العلميّ وفي مسيرته إلى اكتشاف ما، بالغاً ما بلغ من التّواضع، لا يملك إلاّ أن يحسّ بوجود الجمال، فالتّجربة الذّاتيّة، تجربة المتعة الجماليّة، هي على ما يظهر عين المتعة التي يحصل عليها المرء من نظم قصيدة، أو تأليف رواية أو قطعة موسيقيّة. لا أخال أحداً استطاع أن يميّز بين الأمرين. وتاريخ الكشوف العلميّة زاخر بهذه اللّذة الجماليّة"(5)، وذلك الحديث الذي سرده ش. ب. سنو، تضمّن الإفصاح عن بعض تلك الخصائص التي كان يتّسم بها كلّ من هذين النّشاطين العلميّ والفنّيّ، اللّذين جهد الدّارسون في البحث في تلك المعالم المشتركة بينهما.

إنّ سمات ذلك الجمال الذي تجلّى في الأبحاث العلميّة، طابقت تلك الخصائص الجماليّة التي تتميّز بها الأعمال الفنّيّة المبتكرة، حتّى بات كلّ من تلك العناصر التي تتحلّل إليها صور الجمال الذي تظهره الدّراسات العلميّة، يتبدّى نظير له في بنيان الأعمال الفنّيّة، وقد أكّد روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو ذلك التّماثل الذي يتحقّق بين العلوم والفنون، حيث قالا: "عناصر الجمال لا توجد في الفيزياء فحسب، بل إنّ لها أيضاً ما يناظرها في الفنون. فالبساطة، مثلاً، هي بجلاء هدف من أهداف الفنّان. ومن المسلّم به عموماً أنّ الآثار الفنّيّة الجليلة تفي بالمعيار الصّارم المتمثّل في تفادي النّقصان أو الحشو. ومن المؤكّد أن ألبرت دورر كان يفكّر بمبدأ البساطة حين أسدى للفنّانين هذه النّصيحة: هناك وسط عدل بين الإفراط والتّفريط. حاولوا أن تهتدوا إليه في جميع أعمالكم"(6)، وقد ألحّ غروس وستانسيو على التّنويه بعنصر البساطة، التي تشترك الأبحاث العلميّة والمبتكرات الفنّيّة في اتّصافها بها، وقد سعيا إلى يؤكّدا ذلك المعتقد الذي أخذا به، باستشهادهما بتجربة فنّان فذّ خاض في غمار التّأليف الفنّيّ الموسيقيّ، إذ أوردا رأي الموسيقار برامز في تلك الخاصيّة الجماليّة، إذ ذكرا: "ويتحدّث يوهانز برامز عن صعوبة تحقيق البساطة في الموسيقا فيقول: ليس التّأليف صعباً، ولكن الصّعب صعوبة مذهلة أن تطرح جانباً ما كان زائداً من النّغمات"(7)، وقد وجد هذان المؤلّفان في عالم الفنّ التّشكيليّ الشّواهد البيّنة الغزيرة، التي تيسّر لهما تأكيد وجهة نظرهما في حديثهما عن النّشاطين الفنّيّ والعلميّ، فأخذا في التّعليق على تلك الآراء التي استشهدا بها، حيث ذكرا: "كما أنّ النّظريّة العلميّة الجميلة فسيحة الأفق على بساطتها كذلك تعبّر اللّوحة الممتازة عن مجموعة واسعة النّطاق من التّجارب بطريقة بسيطة"(8).

عمد روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو إلى أن يبيّنا آراء كلّ من العلماء والفنّانين في تلك العناصر التي تندرج في مفهوم الجمال، وكان هؤلاء المبدعون في ميداني العلم والفنّ، جهدوا في أن يظهروا دائماً معالم الجمال في تلك الأعمال التي ينجزونها، وسعى المؤلّفان غروس وستانسيو إلى أن يتابعا تحرّيهما عن ذلك التّوافق المتحقّق بين العلوم والفنون، فقصدا أن يترويّا في العنصر الثّاني، الذي يسهم في تحقيق ذلك المظهر الجماليّ الذي يتجلّى في الأعمال الفنّيّة والأبحاث العلميّة، وقد أطلق على ذلك العنصر اسم التّناسق، الذي تحدّثا عنه قائلين: "في وسعنا أن ندمج في العنصر الثّاني _ التّناسق _ التّماثل والتّناسب اللذين يشير إليهما الفيزيائيّون. يقول دورر: من دون التّناسب الصّحيح لا يمكن لأيّ شكل أن يكون كاملاً مهما اجتهد في إنجازه"(9)، وإذا كان الفنّانون كافّة، يستنون بالقواعد ذاتها التي ينتظم بها نشوء المظاهر الجماليّة في تلك الأعمال الفنّيّة التي يبتكرها أولئك الفنّانون، فإنّ المؤلّفين غروس وستانسيو دأبا في أن يشركا فئة العلماء في تحقيق تلك المساعي، التي بدرت من أولئك الفنّانين الذين كانوا يقتدون بقواعد الجمال في تنفيذ أعمالهم الفنّيّة المبتكرة، وقد عمد هذان المؤلّفان إلى أن يثبتا سداد ذلك القول الذي أدلى به الرّسّام الألمانيّ ألبرت دورر، فقصدا أن يردفا ذلك الكلام الذي قاله ذلك الرّسّام، بتلك العبارات التي أفصح فيها الموسيقار كريستوف غلوك عن رأيه في تلك العناصر التي تتحلّل إليها معالم الجمال، الذي يتجلّى في النّتاج الفنّيّ، فسعى المؤلّفان غروس وستانسيو إلى أن يؤكّدا رسوخ عنصر التّناسق في تلك الأعمال الفنّيّة المتنّوعة التي كان يبتكرها الفنّانون، حيث ذكرا: "شبّه الملحّن كريستوف غلوك، الذي عاش في القرن الثّامن عشر، التّناسق في الموسيقا بالتّناسب في الشّكل المرسوم فقال: (إنّ أدنى تغيير في الخطّ الكفافيّ (OUTLINE) _ وهو أمر لا يقضي بتاتاً على الشّكل في رسم كاريكاتوريّ _ يمكن أن يشوّه كلّيّاً صورة لسيّدة حسناء. وأعظم الجوانب الجماليّة للحن أو للتّناسق تصبح عيوباً ونقائص إذا استخدمت في غير مكانها المناسب"(10)، ولم يكن يعسر على الباحثين في مسائل تلك الأنشطة الفنّيّة، أن يحدّدوا العناصر المشتركة التي تشكّل معالم الجمال الظّاهر في الأعمال، التي ينجزها كلّ من العلماء والفنّانين، وهذه العناصر التي اندرجت في مفهوم الجمال، اتّخذت صيغة تلك القاعدة الكلّيّة التي تنطبق على المناشط كافّة، التي يؤدّيها هؤلاء العلماء والفنّانون.

ظلّ ذاك التّناسق الذي يلأم بين عناصر العمل الفنّيّ، يؤثّر أيضاً في تحديد تلك العلاقة التي تجمع بين الموادّ التي تشكّل بنيان العمل الفنّيّ ذاته، من دون أن ينحصر تأثير مبدأ التّناسق في الإسهام في تحقيق تلك الصّيغ الفنّيّة الجميلة، التي تظهر فيها تلك الأعمال التي ينجزها الفنّانون، وقد ذكر روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو أنّ "الرّسّامين يتحدّثون عن (الصّداقة) بين ألوان معيّنة وعن تناسقها الطّبيعيّ. ويصفّ ماتيس هدفه في الرّسم فيقول: متى عثرت على العلاقة اللّازمة بين جميع درجات إشراق الألوان لا بدّ من أن تكون النّتيجة تناسقاً حيّاً بين الألوان، وهو تناسق يشبه التّناسق في قطعة موسيقيّة. وأظلّ أسعى وأواصل السّعي من أجل تحقيق هذا التّناسب في جميع أجزاء القطعة إلى أن أجده"(11)، ويخلص روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو بعد أن عرضا رأي الفنّان ماتيس، إلى أن يثبتا حصول ذلك التّشابه بين العلوم والفنون، حيث أكّدا أنّ "الهدف الذي يسعى إليه ماتيس مشابه لهدف عالم الفيزياء النّظريّة الذي يسعى جاهداً إلى تنسيق البيانات في أبسط صورة لها"(12).

تزداد فتنة العمل الفنّيّ روعة وبهاء، كلّما كانت تلك العناصر التي تشكّل قوام ذلك النّتاج الفنّيّ، تزهو في تألّق مشرق، فيتّضح آنئذ ذلك التّعبير الفنّيّ النّيّر الذي يجلو تلك المعاني التي ينطوي عليها ذلك العمل الفنّيّ، وكان روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو أكّدا في حديثهما عن عناصر الجمال، اتّصاف العمل الفنّيّ البديع بتلك الفتنة الباهرة التي تنبعث من أعطاف ذلك العمل، الذي تتّضح فيه نصاعة ذلك التّعبير الفنّي الرّائع، إذ قالا: "العنصر الأخير من عناصر الجمال هو التّألّق. يقول إدوار مانيه: (الضّوء هو الشّخصيّة الرّئيسة في لوحة الرّسم)، ويقترح ليوناردو دا فينشي، في الكتيب الذي وضعه عن فنّ الرّسم، رسم أشخاص رسماً تخطيطيّاً وهم يجلسون في مدخل بيت مظلم فيقول: (هذا الأسلوب في معالجة وتكثيف الضّوء والظّلّ يضيف الشّيء الكثير إلى جمال الوجوه)، غير أنّ الضّوء يكتسب بهاء خاصّاً وإشراقاً قوّيّاً عندما يقسم إلى ألوان. ومن هنا جمال غروب الشّمس، وقوس قزح، والأسماك الاستوائيّة، والفراش، والأزهار، ومن دواعي إعجابنا بالرّسوم الانطباعيّة التي ظهرت في أواخر القرن التّاسع عشر أنّها تؤكّد على الجمال الاستثنائيّ للضّوء واللّون"(13)، فظلّ العلماء والفنّانون يستمرّون على إبراز تلك السّمات الجماليّة في تلك الأعمال التي ينجزونها، من دون أن يألوا جهداً في سعيهم إلى أن يدركوا ذلك النّجاح، في تحقيق تلك الأغراض الجماليّة في الأنشطة الإبداعيّة المتنوّعة التي كانوا يزاولونها.

1- روبرت م. أغروس وجورج ن. ستانسيو، العلم في منظوره الجديد، ترجمة: كمال خلايليّ، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 134، الكويت، فبراير / شباط 1989، ص54.

2- المصدر السّابق، ص51.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق، ص52.

7- المصدر السّابق.

8- المصدر السّابق.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق، ص53.

11- المصدر السّابق.

12- المصدر السّابق.

 

13- المصدر السّابق.



عكف العلماء على أن يسلكوا السّبل التي تفضي بهم إلى أن يتبيّنوا تلك الحقائق التي ينطوي عليها ذلك الكون، الذي عمدوا إلى أن يمدّوا أنظارهم إلى آفاقه الفسيحة وأرجائه القصيّة، ليكتنهوا طبائع تلك الظّواهر المتنوّعة التي كانت تتراءى لهم في أرجاء شتّى من ذلك الكون، ودأب أولئك العلماء في أن يركنوا إلى أدوات ووسائل المعرفة، التي تتيح لهم الإحاطة بتلك الحقائق التي لجّوا في أن يستكشفوها، وكانوا يعوّلون دائماً على تلك التّجارب التي كانوا يجرونها في أبحاثهم ودراساتهم العلميّة، ليتيسّر لهم أن يبتّوا الحكم على تلك النّتائج، التي كانوا يستخلصونها من تلك الأبحاث العلميّة التي دأبوا في أن ينجزوها، بيد أنّ روبرت م. أغروس ، وجورج ن. ستانسيو ذهبا إلى أن يعتقدا أنّ "الجمال يتحدّى الحقائق"(1)، وكانا قد استرعى أنظارهما "بحث علميّ قدّمه الفيزيائيّان ريتشارد فينمان ومري جيل _ مان عام 1958 وعرضا فيه نظريّة جديدة لتفسير التّفاعلات الضّعيفة"(2)، وقد كانت الفكرة التي لفتت انتباههما في ذلك البحث هو أنّ "النّظريّة تناقض بشكل صارخ عدداً من التّجارب. أمّا الجانب الرّئيس الجذّاب فيها فكان الجمال"(3)، وقد ذكر روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو أقوال العالمين فينمان وجيل _ مان في تعليقهما على نظريتهما التي عرضاها، حيث قالا: "إنّها نظريّة عالميّة ومتناسقة وهي أبسط الإمكانات، ممّا يدلّ على أنّ تلك التّجارب غير صحيحة"(4).

إنّ ذلك الرّأي الذي أفصح عنه هذان الفيزيائيّان، يظهر حالة ذلك التّعارض الحاصل بين النّظريّة العلميّة، ونتائج تلك التّجارب التي لا تثبت صواب تلك النّظريّة، التي يجري عليها العالم اختباراته العلميّة، ليتبيّن بها مبلغ ذلك السّداد الذي تتصف به تلك النّظريّة، وقد تابع الفيزيائيّ جيل _ مان حديثه عن تلك النّظريّة الذي وضعها، إذ ذكر: "غالباً ما يطرح العالم النّظريّ مقداراً كبيراً من البيانات على أساس أنّها إذا كانت لا تنسجم مع خطّة أنيقة فهي غير صحيحة. وقد حدث هذا معي مرّات عديدة، كما في نظريّة التّفاعلات الضّعيفة: لقد كانت هناك تسع تجارب تناقض النّظريّة وكلّها بلا استثناء غير صحيحة. فإذا كانت لديك نظريّة بسيطة تتّفق مع سائر قوانين الفيزياء، ويبدو أنّها تفسّر فعلاً ما يحدث، فلا عليك أن وجدت كمّيّة قليلة من البيانات التّجريبيّة التي لا تؤيّدها. فمن المؤكّد تقريباً أن تكون هذه البيانات غير صحيحة"(5).

عمد العلماء إلى أن يراجعوا دائماً بدقّة تلك المساعي التي يحقّقونها في أبحاثهم العلميّة، بيد أنّهم لم يجدوا بدّاً من أن يقيسوا بمعيار الجمال، تلك النّتائج التي كانت تسفر عنها تلك التجارب التي كانوا يجرونها في دراساتهم العلميّة، حتّى أصبح في وسع هؤلاء العلماء أن يحتكموا إلى مبادئ الجمال، لترشدهم إلى بلوغ الحقائق التي طالما دأبوا في السّعي إلى أن يقفوا عليها، وقد رأى روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو أنّ "الجمال في الفيزياء هو السّمة الغالبة. فالتّجربة تخطئ في الغالب والجمال قلّما يخطئ. فإذا اتّفق أن وجدت نظريّة أنيقة للغاية لا تنسجم مع مجموعة من الحقائق فهي لا محالة واجدة لها تطبيقاً في مجال آخر"(6)، وذاك الرّأي الذي عبّرا عنه، أثبتاه في سياق حديثهما عن الرّياضيّ والفيزيائيّ هرمان فيل الذي ذكرا أنّه كان "مقتنعاً بأنّ نظريّته في القياس لا تنطبق على الجاذبيّة، ولكنه نظراً لكمالها الفنّيّ لم يرد التّخلّي عنها كلّيّاً. وقد تبيّن بعد ذلك بوقت طويل أنّ نظريّة فيل تلقي ضوءاً على ديناميكا الكم الكهربائيّة، فجاء ذلك مصداقاً لحسّه الجماليّ"(7)، وذهب هذان المؤلّفان إلى اعتبارهما الجمال الظّاهر في العلم، هو كالنّبض المتردّد في الأجسام، إذ يثير الجمال أنسام الحياة في بنيان ذلك العلم، حيث قالا: "الجمال - وهو أبعد ما يكون عن الأسلوب غير العلميّ - يبثّ الحياة في العلم"(8).

اشتدّ النّقاش بين أهل الفكر في تحديد ذلك الطّابع، الذي تتّسم به عمليّة التّذوّق الفنّيّ، الذي يتبيّن به الناس معالم الأعمال الفنّيّة، وكان ذلك الجدل الحاصل بين الفلاسفة والباحثين كثيراً ما يحتدّ فيما بينهم، إلى أنّ حسم ذلك النّقاش الدّائر بين هؤلاء المفكّرين، حيث أقرّ بامتلاك بنيان تلك الأعمال الفنّيّة خصائص، تحدّد كنه عمليّة ذاك التّذوّق الفنّيّ، الذي يتقبّل به النّاس ذلك النّتاج الفنّيّ الذي يطّلعون عليه، حيث تتّسم عمليّة التّذوّق الفنّيّ بالطّابع الموضوعيّ، وقد أكّد المفكّر زكريا إيراهيم أنّ "الموضوع الجماليّ ليس مجرّد دعوة إلى التّذوّق أو الاستماع، وإنّما هو أيضاً شيء يتمتّع بطبيعة خاصّة ويفرض علينا (قاعدة) خاصّة في تأمّله، ولئن كنت أنا مصدر الدّيناميكيّة الإستطيقيّة التي ينطوي عليها فعل التّأمّل، إلّا أنّ الاتّجاه الذي تتّخذه تلك الدّيناميكيّة التي أنسبها إلى الأشياء (حين أتأمّلها تأمّلاً فنّيّاً) إنّما يكمن في الأشياء نفسها"(9)، وقد أثبت روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو فحوى تلك النّتيجة الباتّة، التي استخلصت من ذلك البحث الذي أجري للكشف عن طبيعة عمليّة التّذوّق الفنّيّ، الذي ينجزه النّاس الذين يطّلعون على الأعمال الفنّيّة، وإن كانا قد أدركا تلك النّتيجة ذاتها، في اتّباعهما سبيلاً يغاير ذلك النّهج الذي يتّبعه فلاسفة الفنّ وعلماء الجمال، حيث تبصّر هذان المؤلّفان في مباحث المناشط العلميّة، فأكّدا أنّ: "الجمال الذي يبحث عنه الفيزيائيّون ليس نتاج عاطفة فرديّة أو خصوصيّة، بل هو على عكس ذلك. فالفيزيائيّون أنفسهم يشيرون إلى ثلاثة عناصر محدّدة للجمال"(10)، وقد أورد المؤلّفان حديث أينشتاين عن تلك الخصائص الجماليّة التي تتميّز بها النّظريّات العلميّة، إذ قالا: "يلخّص أينشتاين هذه العناصر الثّلاثة للجمال العلميّ بعبارة واحدة فيقول: النّظريّة تكون أدعى إلى إثارة الإعجاب كلّما كانت مقدّماتها أبسط، والأشياء التي تربط بينها أشدّ اختلافاً، وصلاحيّتها للتّطبيق أوسع نطاقاً"(11).

أجمل أينشتاين الحديث عن تلك الخصائص التي تتميّز بها النّظريّة العلميّة، وعمد المؤلّفان روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو إلى أن يصدّقا على ذلك الرّأي الذي ذهب إليه أينشتاين، وما لبثا أن أخذا في تفصيل ذلك الكلام الذي أورده أينشتاين، فقالا: "البساطة إذاً هي العنصر الأول من عناصر الجمال.... ونستطيع أن نطلق على العنصر الثّاني اسم (التّناسق)، واتّساع نطاق تطبيق النّظريّة يراد به روعتها، أيّ مدى وضوح النّظريّة بحدّ ذاتها وإلقائها الضّوء على غيرها من الأشياء"(12)، وقد أردف هذان المؤلّفان على تلك الكلمات التي ذكراها، تعليقهما على حديث الفيزيائيّ جيل _ مان عن النّظريّة التي وضعها، حيث قالا أن تلك العبارة التي تكلّم بها هي "بسيطة تنسجم فعلاً مع سائر قوانين الفيزياء"(13)، وقد تابع حديثهما عن تلك العبارة التي قالها ذلك الفيزيائيّ فقالا أنّها "تصّور الجوانب الثّلاثة للجمال بعبارة واحدة مختصرة، البساطة والتّناسق والروعة"(14)، وأجمع العلماء على اعتبار البساطة هي أحد العناصر، التي يتحلّل إليها مبدأ الجمال الذي يظهر في النّظريّات العلميّة، وقد استشهد روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو، برأي عالم الفيزياء الفلكيّة روجر بنروز في نظريّة أينشتاين في الجاذبيّة، ليؤكّدا أهمّيّة عنصر البساطة في قوام تلك النّظريّات العلميّة التي يضعها العلماء، وكان العالم روجر بنروز قال أنّ "معظم النّظريّات المنافسة ثبت بطلانها بالحجج المقنعة، أمّا القلّة القليلة الباقية فهي على الأغلب مستنبطة مباشرة بحيث تنسجم مع تجارب سبق إجراؤها بالفعل. وليس هناك أيّ نظريّة منافسة تداني النّسبيّة العامّة في أناقتها وبساطة افتراضها"(15).

يؤكّد عنصر البساطة الذي تحدّث عنه العلماء، تلك الخصائص التي كانت تتميّز بها تلك المساعي التي بذلوها في تحقيق أبحاثهم العلميّة، إذ جهدوا في أن يعنوا بدراسة تلك المسائل التي بحثوها، من دون أن يألوا جهداً في تعمّقهم في تحقيق تلك الدّراسات العلميّة، التي سعوا إلى أن يحيطوا فيها إحاطة تامّة، بتلك الموضوعات التي كانوا يعالجونها، حيث اعتقد هذان المؤلفان أنّ مبدأ البساطة "يستلزم شيئين اثنين، الكمال والاقتصاد"(16)، فلا تتحقّق تلك البساطة في تلك النّظريّات العلميّة، إن لم يتمكّن العالم الذي يضعها، من أن يحيط بتلك المسائل كافّة التي كان يعالجها، ولا يتمّ تشكّل ذلك المبدأ إن لم يجهد ذلك العالم في أن يوضّح تلك المسائل التي يتناولها، فيرفع عنها غشاية الغموض الذي كان يكتنفها، وقد أورد هذان المؤلّفان رأي عالم الرّياضيّات والفيزياء هنري بوانكاريه، في عنصر البساطة الذي تتميّز به النّظريّات العلميّة، حيث قال ذلك العالم: "لأنّ في البساطة والضّخامة كلتيهما جمالاً فنحن نؤثر البحث عن حقائق بسيطة وعن حقائق كبيرة"(17)، وعقّب هذان المؤلّفان على كلام العالم بوانكاريه، حيث ذكرا أنّ "النّظريّة الجميلة بهذا المعيار لا بدّ لها من أن تأخذ في الحسبان كلّ الحقائق، وألا تشمل إلّا ما هو ضروريّ، فلا تفريط ولا إفراط. أجل إنّه معيار يصعب استيفاؤه"(18)، ثمّ عمد هذان المؤلّفان إلى أن يزيدا في تأكيدهما ذلك الرّأي الذي اعتمداه، فأوردا حديث هايزنبرغ عن نظريّة الكم، إذ تكلّم عنها قائلاً: "لقد اتّضح على الفور أنّها مقنعة بفضل كمالها وجمالها التّجريديّ"(19).

استرعت أنظار العلماء تلك الخصائصُ الجماليّة التي كانت تجلّت في الأبحاث التي أجروها، وتبدّت في النّظرّيات التي وضعوها، فكانت تستميلهم إليها تلك المظاهر الجماليّة، التي كانت يطغى نفوذها في نفوسهم، وظلّ ذلك الطّابع الجماليّ الذي تتّسم به نظريّاتهم العلميّة، يهيمن أيضاً على عقول هؤلاء العلماء، الذين اندفعوا في الإخبار عن تلك المكتشفات الجماليّة التي كانوا يحقّقونها، وظلّوا يردفون على حديثهم عن تلك الخصائص الجماليّة، تلك العبارات التي تكلّموا بها عن اكتشفاتهم العلميّة، وقد واصل روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو حديثهما عن ظهور تلك الخصائص الجماليّة في تلك النّظريّات التي صاغها العلماء، وكانا لاحظا طابع ذلك التّناسق الذي يندرج في عداد تلك الخصائص الجماليّة، التي طالما اهتم المفكّرون بتتبّع مظاهرها المنتشرة في تلك الأنشطة التي يزاولها الناس، فأورد هذان المؤلّفان حديث العالم أينشتاين عن خاصيّة ذلك التّناسق حيث ذكر أنّه "لا علم من غير الاعتقاد بوجود تناسق داخليّ في الكون"(20)، وألحق هذان المؤلّفان حديث العالم هايزنبيرغ عن ذلك العنصر الجماليّ، بذلك الرّأي الذي أفصح عنه أينشتاين، إذ فسّر العالم هايزنبرغ خاصيّة ذلك التّناسق فحدّدها بأنها "انسجام الأجزاء بعضها مع بعض ومع الكلّ"(21)، وعلّق المؤلّفان أغروس وستانسيو على آراء هذين العالمين، فتحدّثا عن خاصيّة التّناسق، إذ قالا: "النّظريّة الجيّدة في أيّ علم من العلوم هي التي توفّق بين حقائق عديدة لم تكن فيما مضى تربط بينها صلة. كما أن التّناسق يدلّ ضمناً على التّماثل. إنّ في جميع قوانين الفيزياء تماثلاً سارّاً"(22)، وما لبث أن أسهب هذان المؤلّفان في عرضهما آراء بعض العلماء في ذلك العنصر الجماليّ، إذ بدءا بإيرادهما حديث ويلر عن خاصيّة ذلك التّناسق، حيث ذكر "إنّ كلّ قانون من قوانين الفيزياء مردّه إلى شيء من التّماثل في الطّبيعة"(23)، ثم شرع أغروس وستانسيو يستشهدان برأي هايزنبيرغ، ليؤكّدا أهمّيّة خاصيّة ذلك التّناسق، الذي كانا لاحظاه في تلك النّظرّيات العلميّة التي تعمّقا في التّبصّر فيها، حيث كان العالم هايزنبيرغ  يعتقد أنّ "خواص التماثل تشكّل على الدّوام أهمّ سمات النّظريّة"(24)، وخلص هذان المؤلّفان إلى أن يقرّرا حقيقة وجود ذلك التّماثل في القوانين العلميّة أيضاً، إذ قالا أنّ "قانون نيوتن الثّالث مثال معروف على التّماثل في الفيزياء: لكلّ فعل دائماً ردّ فعل معاكس ومساوٍ له، وهذا التّماثل التامّ موجود على المستوى دون الذّرّيّ حيث يقابل كلَّ نوع من الجسيمات جسيم مضادّ له الكتلة نفسها، ولكن بخصائص معاكسة. بل إنّ التّنبّؤ الصّحيح بوجود العديد من الجسيمات دون الذّرّيّة تمّ في المقام الأوّل على أساس هذا التّماثل"(25).

تابع روبرت م. أغروس، وجورج ن. ستانسيو حديثهما عن عناصر الجمال الذي يتجلّى في تلك الأبحاث، التي كان يجريها العلماء، فأخذا في توضيح طابع الرّوعة، التي كانت تتّصف به تلك النّظريّات العلميّة، فرأيا أنّ: "للنّظريّة التي تتّسم بهذه الصّفة وضوح شديد في ذاتها. وهي تلقي ضوءاً على الكثير من الأشياء الأخرى، موحية بإجراء تجارب جديدة. إن نيوتن، مثلاً، قد أدهش العالم بتفسيره للأجسام السّاقطة، ولظاهرتي المدّ والجزر، ولحركة الكواكب والمذنّبات بثلاثة قوانين بسيطة"(26)، ثمّ أورد المؤلّفان أقوال العالم جورج تومسون الذي وافقت آراؤه التي أفصح عنها، ذلك الاعتقاد الذي ذهب إليه هذان المؤلّفان في تحديدهما حقيقة تلك الصّفة الجماليّة، حيث قال العالم تومسون: "إنّه لأمر جميل في الفيزياء كما في الرّياضيات أن تستطيع نظريّة من النّظريّات الجمع بين ظواهر شديدة الاختلاف، وتبيّن اتّصال الظّواهر بعضها ببعض اتّصالاً وثيقاً، أو أن تجمع بين مختلف عناصر الظّاهرة الواحدة"(27)، وأكّد هذان المؤلّفان انطباق آراء العالم تومسون على تلك الخصائص التي كانت تتّسم بها نظريّة النّسبيّة العامّة، إذ ذكرا: "وهذا بالضّبط ما تفعله نظريّة النّسبيّة العامّة بطريقة أنيقة ومدهشة كما يشير إلى ذلك عالم الفيزياء الفلكيّة س. تشاندرا سيكار بقوله: إنّها تكمن أساساً في الرّبط بين مفهومي جوهريّين بوضع أحدهما بجانب الآخر، وهما مفهومان ظلاّ يعبران حتّى ذلك الحين مستقلّين تمام الاستقلال: مفهومي المكان والزّمان من جهة، ومفهومي المادّة والحركة من جهة أخرى، وعلاوة على ذلك أثبتت النّسبيّة العامّة روعتها غير العادّيّة بإلقائها الضّوء على علم الكونيّات، والفيزياء الفلكيّة، وميكانيكا الكم"(28)، فإن كان العلماء قد توغّلوا في إنجازهم دراساتهم العلميّة، إلّا أنّ لم تكن تغيب عن أذهانهم فكرة استكشاف مظاهر الجمال، الذي كانت تفتنهم سماته البادية في تلك الأبحاث العلميّة التي كانوا يجرونها.

1_ روبرت م. أغروس وجورج ن. ستانسيو، العلم في منظوره الجديد، ترجمة: كمال خلايليّ، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 134، الكويت، فبراير / شباط 1989، ص47.

2_ المصدر السّابق.

3_ المصدر السّابق.

4_ المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6_ المصدر السّابق، ص 48.

7_ المصدر السّابق.

8_ المصدر السّابق.

9_ زكريا إبراهيم، مشكلة الفنّ، مكتبة مصر، القاهرة 1959، ص 221.

10_ روبرت م. أغروس وجورج ن. ستانسيو، العلم في منظوره الجديد، ترجمة: كمال خلايليّ، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 134، الكويت، فبراير / شباط 1989، ص 48.

11_ المصدر السّابق.

12_ المصدر السّابق.

13_ المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق.

15- المصدر السّابق، ص 48- 49.

16_ المصدر السّابق، ص 49.

17_ المصدر السّابق.

18_ المصدر السّابق.

19_ المصدر السّابق.

20- المصدر السّابق.

21_ المصدر السّابق.

22_ المصدر السّابق.

23_ المصدر السّابق.

24_ المصدر السّابق.

25_ المصدر السّابق.

26_ المصدر السّابق، ص 49_ 50.

27_ المصدر السّابق، ص 50.

 

28_ المصدر السّابق.



يغشى قتام الجهالة أبصار النّاس بأستاره الحالكة، ليحجب عن أنظارهم كنه ذلك العالم الذي يحيون فيه، فتطبق تلك الدّياجير الدّامسة مناكب الأرض، لتوصد منافذ الضّياء على ذلك الإنسان الذي تأبّى أن يتقلّب في وقائع الحياة، خابطاً في عماية الجهالة، وأنف من أن يسلك معتسفاً مدارج الأرض، فاهتدى الطّريق إلى استجلائه كنه ذلك الكون، فركب سبيل العلم الذي يفضي بمن يسلكه إلى أن يتبصّر تلك الحقائق التي يضمرها ذلك العالم، واتّبع الإنسان تلك الطّرائق والأساليب التي تعتمدها قواعد ذلك العلم، فدأب في أن يفضّ ختم تلك الأبواب التي تنفرج عن شعاب ذلك العالم، الذي تطرّق ذلك الإنسان إلى أن يسبر غوره القصيّ، حيث استفرغ طاقاته في أن يزيل حجب تلك الجهالة عن بصيرته ليتأتّى لطرفه أن ينفسح مستجلياً تلك السّرائر، التي ينطوي عليها ذلك الكون الذي يعيش فيه ذلك الإنسان.

تناجحت مساعي الإنسان في خوضه غمار ذلك النّشاط العلميّ الذي زاوله، إذ أدار فكره بظواهر عديدة تجلّى عنها ذلك العالم، وأحاط ذهنه بدقائقها الغامضة، ووضع النّظريّات والتّفاسير التي تبيّن تلك الحقائق التي تبطنها هذه الظّواهر، وكان ذلك الإنسان يشتقّ طريقه قدماً في نشاط آخر، بينما كان يغذّ سيره في ذلك السّبيل العلميّ الذي انتهجه، حيث واصل أولئك الفنّانون الأفذاذ ابتكار الأعمال الفنّيّة الجليلة، سالكين سنن النّشاط الفنّيّ الإبداعيّ، وقد اختلف هذان النّهجان اللذان تفرّق النّاس في اتّباعهما، إذ كانت الطّرائق التي يجري عليها العلماء في مزاولة أنشطتهم العلميّة، تباين الشّرائع التي يمضي عليها الفنّانون في إنجازهم الأعمال الفنّيّة، حتّى وقر في أفئدة النّاس أنّ اختلاف هذين الطّريقين، اللذين تشّعبوا في انتهاجهما، يرسخ القطيعة بين ميداني الفنّ والعلم، ويفرّق بين تلك المقاصد، التي توخّى النّاس أن يدركوها في مزاولتهم هذين النّشاطين، اللذين كانا يسفران لمن يبلغ آمادهما القصيّة عن مرام متوافقة، ومقاصد متطابقة، تكاد تلأم بين هذين النّشاطين برابطة وثيقة لا تنفصم، فقد أيقنت فئة من العلماء الذين سلكوا المنهج العلميّ، أنّ النّتائج التي خلصت إليها من تلك الأبحاث العلميّة التي أنجزتها، تطابق تلك المضامين التي تنجلي عنها الأعمال الفنّيّة، فكأنّما حقائق هذا العالم، يشعّ سناها متشعّباً في هذين النّهجين اللذين توزّع الفنّانون والعلماء في اتّباعهما، فينتشر ضياء تلك الحصيلة المعرفيّة في هذين النّشاطين اللذين عمد إلى أن يمارسهما النّاس، الذين اهتدوا فيهما السّبيل إلى تلك الحقائق التي طالما سعوا إلى أن يحيطوا بها علماً.

ذهبت جماعة من العلماء إلى تأكيد تماثل تلك الأسس، التي يعتمدها العلم والفنّ في تلك الأنشطة التي تنضوي تحت لوائهما، فإذا كانت يشترط على النّتاج الذي ينجزه الفنّانون أن يتميّز بصفة الجمال، الذي يسم أعمالهم بالخاصيّة الفنّيّة الأصيلة التي تدرج نتاجهم في عداد المبتكرات الفنّيّة، فإنّ الفيزيائيّ لويس دو بروجلي تكلّم عن سمة الجمال التي تبرز في البحوث العلميّة، إذ قال: "كان الإحساس بالجمال في كلّ عصر من تاريخ العلوم دليلاً يهدي العلماء في أبحاثهم"(1)، وقد أكّد روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو ذلك الأثر الذي يحدثه ذلك الشّعور بالجمال في الأعمال التي يزاولها العلماء، حيث قالا: "نجد الجمال في النّظرة الجديدة وسيلة من وسائل اكتشاف الحقيقة العلميّة"(2)، وقد أوردا فقرات ذكرها جيمس واتسن في كتابه "اللّولب المزدوج"، حيث بيّن أنّ الجمال كان هادياً له إلى اكتشاف التّركيب الجزيئيّ ل دن ا DNA، إذ قال "كنّا نتناول طعام الغذاء ويقول كلّ منّا للآخر إنّه لا بدّ من وجود تركيب على هذا الجانب من الجمال، وأقرّ جميع الحاضرين تقريباً بأنّ تركيباً في مثل هذا الجمال لا بدّ من أن يكون موجوداً"(3).

تعدّدت شهادات العلماء على تأكيد الخصائص التي تحدّد سمة الجمال، الذي كان أولئك العلماء يستهدون به في نشاطهم العلميّ الذي يزاولونه، وقد أورد روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو بعضاً من أقاويل العلماء، الذين كانوا يستدلّون بوجود صفة الجمال على صحة تلك الحقائق العلميّة، التي كانوا يتهيّؤون لإعلانها، حيث قالا: "يجمع أبرز علماء الفيزياء في القرن العشرين على أنّ الجمال هو المقياس الأساسيّ للحقيقة العلميّة، فالفيزيائيّ ريتشارد فينمان يرى أنّ المرء يمكن أن يستبين الحقيقة بفضل جمالها وبساطتها، ويعلن هايزنبيرغ أنّ الجمال في العلوم الدّقيقة وفي الفنون على السّواء هو أهمّ مصدر من مصادر الاستنارة والوضوح، وكبار علماء الفيزياء النّظريّة في عصرنا هذا، أحرزوا كشوفاً كبيرة بنشدانهم الجمال. ويلاحظ فيرنز هايزنبيرغ فيما يتعلّق بميكانيكا الكم _ وهو المجال الذي قام فيه ببحوث رائدة _ أنّه ثبت في الحال أنّ النّظريّة مقنعة بفضل كمالها وجمالها التّجريديّ"(4)، ويذهب روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو إلى الإشارة إلى أنّ "علماء الفيزياء يرون أنّ نظريّة النّسبيّة العامّة هي أجمل النّظريّات الفيزيائيّة الموجودة على الإطلاق"(5)، وقد أورد هذان المؤلّفان في كتابهما العلم في منظوره الجديد، إشادة إيرون شرودنغر بهذه النّظريّة حيث قال: "إنّ نظريّة أينشتاين المذهلة في الجاذبيّة لا يتأتّى اكتشافها إلا لعبقريّ رزق إحساساً عميقاً ببساطة الأفكار وجمالها"(6)، ولم يجد هذان المؤلّفان في تعليقهما على رأي إيرون بدّاً من أن يقتصرا في قولهما على إيراد حديث العالم أينشتاين بذاته عن هذه النّظريّة، إذ ذكرا: "كما أشار أينشتاين نفسه إلى جمال هذه النّظريّة في خاتمة مقالته الأولى عن الجاذبيّة حيث قال: لا يكاد أحد يفهم هذه النّظريّة تمام الفهم يفلت من سحرها"(7).

دأب العلماء في أن يدرجوا إجراء التّجارب في مدار ذلك المنهج العلميّ الذي يتّبعونه، فكانوا يلتمسون منها تلك الحجّة الرّاجحة التي ترشح بها، ليّتخذوها دليلاً دامغاً على صحّة تلك الحقائق التي يتوصّلون إلى إثباتها، وقد اشتطّ بعض العلماء في الاعتماد على انتهاج سبيل تلك التّجارب، حتّى عدّوها حكماً فيصلاً في تقدير شؤون تلك النّظريات التي عكفوا على صياغتها، بيد أنّ روبرت م. غروس وجورج ن. ستانسيو خالفا سعي العلماء إلى الاقتصار على الأخذ بمقياس التّجارب، لتبيان حقيقة تلك النّظريّات التي يضعها هؤلاء العلماء، حيث أكّدا أنّ "الجمال معيار أساسيّ في الفيزياء لدرجة أنّه يقدّم حتّى على التّجربة"(8)، وقد استشهد غروس وستانسيو أيضاً برأي الفيزيائيّ بول ديراك الذي رأى أنّ "وجود الجمال في معادلات العالم أهمّ من جعل هذه المعادلات تنطبق على التّجربة"(9)، واعتقد هذان المؤلّفان "أنّ الجمال دليل جدير بالثّقة"(10)، ثمّ خلصا إلى تأكيد ذلك الرّأي بإيرادهما أقوال الفيزيائيّ جورج تومسون إذ ذكر: "إنّ المرء يستطيع دائماً أن يقدّم نظريّة، أو عدداً كبيراً من النّظريّات، لتفسير حقائق معروفة، بل للتّنبّؤ بحقائق جديدة أحياناً. والجمال هو الفيصل. فالنّظريّات بعضها صعب المأخذ ومحدود النّطاق وتعسّفيّ. وقلّما تدوم هذه طويلاً"(11)، فمضى الفنّانون والعلماء معاً على تحقيق صيغ الجمال في تلك المبتكرات التي وضعوها، حيث تعدّدت تلك السّبل التي تفضي إلى الوقوف على مظاهر الجمال في تلك الأفعال التي يأتيها النّاس.

1- روبرت م. أغروس وجورج ن. ستانسيو، العلم في منظوره الجديد، ترجمة: كمال خلايليّ، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 134، الكويت، فبراير / شباط 1989، ص45.

2- المصدر السّابق، ص 46.

3- المصدر السّابق.

4- المصدر السّابق.

5- المصدر السّابق.

6- المصدر السّابق.

7- المصدر السّابق، ص 46، 47.

8- المصدر السّابق، ص 47.

9- المصدر السّابق.

10- المصدر السّابق.

 

11- المصدر السّابق.