ليس في وسع أحد من النّاس أن يتخيّل أنّ تلك العلاقة التي تجمع بين الإنسان والكتاب، قد يعتريها الانقطاع، وليس في طوقه أن يتصوّر أنّ تلك الرّابطة التي تجمعهما قد يصيبها الانصرام، فتشمئزّ نفسه من كراهة تلك الصّورة التي يتخيّل تشكّلها في خاطره، إذا افترض نشوء تلك القطيعة بين الكتاب والإنسان، الذي لا ريب في أنّه سيمنى آنئذ بالنّكبات الفادحة، التي ستسبّب بإنزالها به تلك البينونة الحادثة بينه وبين الكتاب، فيفقد الإنسان مغانم جمّة، ويضيّع تلك المكاسب العديدة، التي كان يتوقّع أن يهيّئ له الحصول عليها، انكبابُه على مطالعة الكتب، فتنزل تلك القطيعة التي تحصل بين الإنسان والكتاب، الأضرارَ الفادحة بذاك الإنسان نفسه، الذي أعرض عن الاحتفاء بذلك الكتاب، وصدف عن الانتفاع بتلك الفوائد الغزيرة التي يكتنز بها، وما برحت غالبيّة النّاس في الوطن العربيّ تصاب بذلك الخسران الكبير، الذي يتمخّض عنه ذلك الجفاء الذي يحدث بين هؤلاء النّاس والكتاب، فمن يستعرض تلك الأبحاث التي تتضمّن الأخبار عن أحوال عمليّة مطالعة الكتب في البلدان العربيّة، فسيقف على تلك الأرقام التي تفصح عن تلك الأوضاع الزّريّة التي حلّت بها الكتب في الوطن العربيّ، الذي ضاقت فيه السّبل على انتشار تلك الأسفار المحبّرة بين النّاس، حيث ضربت على تلك الكتب الأرضُ بالأسداد، وقد توثّقت في تلك البحوث الحقائق التي يؤكّد فحواها الإقبال الضّعيف عند أفراد الشّعب العربيّ على مطالعة الكتب.

ذاعت بين النّاس كافّة تلك الدّراسات العديدة، التي بحث فيها ذلك المصير السّيّئ الذي آلت إليه أحوال الكتب في البلدان العربيّة، إذ ذكر في بعض تلك الأبحاث، الحديث عن قصر تلك المدّة التي يكرّسها الإنسان العربيّ لقراءة الكتب، إذ أفصحت تلك الأخبار عن أنّه يقرأ في السّنة مدّة تستغرق ست دقائق فقط، أي أنّ المقدار الذي يقرؤه من الكلمات في كلّ عام، يتراصف في بضعة سطور فحسب، وتلك الأرقام التي تفجع من يطّلع عليها، لا تجلو جلاءً تامّاً مبلغ تلك البليّة الكبيرة التي حلّت بأقطار الوطن العربيّ، إذ أنّ المغارم الباهظة التي تُمنى بها، لا يحيط بها المدلول الذي تشير إليه تلك الأرقام، حتّى خيال الإنسان لا يكاد يستوعب مقدار الضّرر الكبير، الذي ينزله بالمجتمعات العربيّة ذلك الوضع المهين، الذي انتهى إليه شأن ذلك الكتاب في الأقطار العربيّة، التي هي في أمسّ الحاجة إلى أن تنهض من كبوتها، وتعاود انتهاجها مدارج الحضارة، التي طالما طمح النّاس في الوطن العربيّ إلى أن يسلكوا سبلها.



دأب الإنسان جاهداً في أن يهتك الحجب التي تواري خفايا ذلك العالم الذي يحيا فيه، فانهمك في أن يستطلع غوامض الكون، ساعياً إلى أن يتبصّر في تلك الوقائع التي انطوى عليها ذلك العالم، الذي طالما جهد ذاك الإنسان في أن يسبر غوره، إذ لم تكن لتحول بينه وبين مواصلته استجلاء أسرار الكون، العوائق والحوائل، فكانت تلجّ بنفسه الرّغبة في أن يتبيّن دقائق تلك الوقائع التي يتأمّلها، حتّى يبرح خفاؤها، وتتّضح له حقائقها، وتقوّت رغبته في أن يتبيّن أيضاً خبايا تلك الأرض التي يمشي في مناكبها، حيث تعدّدت تلك الأماكن التي كان يرودها مستجلياً أسرارها، ومستكشفاً عن مجاهلها.

واظب الإنسان على اندفاعه في استكشاف شؤون ذلك العالم، متحلّياً بروح المغامرة، من دون أن يتهيّب المخاطرة بنفسه، فكانت عزيمته على استجلاء غوامض ذلك الكون، تزداد ثباتاً وقوّة، كلّما اعترضت الموانع دون أن يبلغ ذلك الإنسان أربه، وقد تنوّعت تلك العوالم التي كان يرودها مستطلعاً وباحثاً في خفاياها المستترة، إذ ظلّت تلازم الإنسان طيلة الأزمنة المديدة، تلك البواعثُ على الإقدام على أن يستطلع أيضاً جليّة تلك الظّواهر، التي كانت تنجم في ذلك المجتمع الذي يعيش في كنفه، فكان يسعى إلى أن يجلو تلك الأسرار التي تنطوي عليها كافّة تلك الأحداث التي كان يعاينها في مطارح شتّى.

ما برحت الكتب التي أحاطت بميادين الفكر المتعدّدة، تثير في نفس الإنسان حافزاً قويّاً إلى أن يتصفّح أوراقها ويستجلي مضامينها، فلم يكن ليقلّ قدر شغف الإنسان بالاطّلاع على محتويات الكتب التي يتناولها، عن مبلغ ذلك الميل الذي ينبعث في نفسه، إلى أن يستكشف عن شؤون سائر نواحي ذاك العالم الذي يحيا فيه، ففي كلا الحالين اللذين تطرّق فيهما إلى أن يقف على أسرار تلك الظّواهر التي تحيط به، لم يكن يتغيّر شأن ذلك الإنسان، الذي إذا ما شاهد دفّتي الكتاب المنطبق، فكانت تنبعث في نفسه حينئذ الرّغبة في أن يتوغّل في مطالعة ذلك الكتاب، فيسعى إلى أن يفرّج بين هاتين الدّفتين، لتنفتح عن تلك المحتويات التي يضمّها ذلك الكتاب، الذي يسعى إلى أن يطالعه، ويجني ثماره، فكأنّه كان يقف أمام باب كبير، يسعى ذلك الإنسان إلى أن يفتحه، فيباعد بين صفقيه، لينكشفا عن تلك الخفايا التي كان يحجبها ذلك الباب عنه، فتحفزه تلك الأماكن المستترة إلى أن يرودها مستطلعاً مجاهلها، حيث  كان يتكشّف لناظريه عالم جديد سعى إلى أن يقف على معالمه، فيظلّ شغفه بتناول ذلك الكتاب، محتداً في نفسه، وتلجّ به الرّغبة في أن يقرأه، ويشتدّ تصميمه على تبيان مآثره، ويجهد في أن يذلّل المصاعب التي قد تعترض دون أن يمسك به، فيفتن لبّه ذلك الاستكشاف، الذي يمتع نفسه بالاطّلاع على محتويات ذلك الكتاب، وبالتبحّر في معاني النّصوص التي يشتمل عليها.

ظلّ احتفاء الإنسان بالكتاب، يزداد رسوخاً في نفسه، إذ كان يعدّه خليلاً وفيّاً، وصديقاً مؤانساً له، فيزيل عنه وحشته، ويخالطه من دون أن يملّ من مصاحبة ذلك الكتاب، الذي غدا المحاور الأثير الذي دأب الإنسان في أن يطارحه الحديث، ويجاريه في النّقاش، فأصبح الكتاب ذلك المنبع الثرّ الذي تتدفّق منه الأفكار، فلا تكاد سطوره تتابع وصفحاته تتوالى أمام القارئ، حتّى يأخذ النّقاش الذي يدور بينهما في التّوسّع، إذ يستفيضان في مداولة الآراء، ومطارحة الأفكار فيما بينهما، ولا يفتر الإنسان في اغترافه تلك المعاني التي يكتنز بها، أفلا تطابق تلك الخصائص التي يتميّز بها الكتاب، تلك الصّفات التي ينقّب عنها ذلك الإنسان في شخصيّة ذلك الرّفيق، الذي يتوخّى أن يتّخذه صديقاً وخليلاً يستأنس به، ولا تلبث العلاقة التي تنشأ بينهما أن تأخذ في أن تتوثّق، فلا تنفصم الرّابطة التي تؤلّف بينهما مطلقاً، فيغدو الإنسان وذلك الكتاب حليفين لا يفترقان، بعد أن كانا يمضيان في مجرى الحياة فرادى، حتّى قيّض لهما أن يلتقيا، حيث شرع يتوطّد بينهما ذلك الالتئام الوثيق الذي جمعهما معاً، فطفق الإنسان يستمدّ التّجارب المتراكمة من تضاعيف ذلك الكتاب، الذي شحذ فهمه، ونمّى خبرته بتلك الوقائع التي تجري في العالم الذي يعيش فيه.