استمرّ النّاس على أن يبذلوا جهودهم في سعيهم إلى إدراك تلك المرامي، التي كانوا يتطلّعون إليها، فدأبوا في محاولتهم أن يبلغوا تلك الغايات المقصودة، التي كثيراً ما كانت تحدّدُ تلك الخصائص التي تتّسم بها تلك الأنشطة، التي كانوا يتصّرفون فيها للوصول إلى تلك المقاصد التي انطلقوا إليها، ولم يفت أولئك النّاس أن يتدبّروا عواقب تلك الأفعال التي يأتونها، فكانوا يتبصّرون في العوائد، التي ترجع عليهم من تلك الأعمال التي يجيئونها، فعمدوا إلى أن يتروّوا في الأعمال التي يؤدّونها، ليتهيّأ لهم أن يصنّفوا تلك الأنشطة بحسب نوعيّة المرامي، التي توسّلوا إلى أن يدركوها بالأفعال التي ما فتئوا ينجزونها، وما لبثت تلك المفاهيم التي وضعت لتبيين خصائص الأعمال التي كانوا يقيمون بها، أن أخذت تتّسم بطابع تلك المنافع، التي كانت ترجع على أولئك النّاس من الأنشطة المتنوّعة التي كانوا يزاولونها، وقد عكف باحثون عديدون على دراسة طبيعة تلك الأنشطة، التي كان يعمد فيها أولئك النّاس الذين كانوا يمارسونها، إلى أن يتناولوا الموادّ المتنوّعة، التي قصدوا إلى أن يستخدموها في تصريفهم شؤون معيشتهم، فأطلق هؤلاء الباحثون على مجموع تلك الأنشطة مصطلح الحرفة التي عرّفت في معاجم اللّغة بأنّها "وسيلة الكسب من زراعة وصناعة وتجارة وغيرها"(1)، وقد اتّفق الباحثون على أن يعرّفوا مفهوم الحرفة، بأنّه يعني ذلك "العمل الذي يمارسه الإنسان ويحتاج إلى تدريب قصير"(2)، وكانت تلك التّعاريف التي وضّحت مفهوم الحرفة، أظهرت ذلك المقصد المادّيّ، الذي سعى إلى أن يحصل عليه، من كان يزاول ذلك العمل الذي  اتّخذ شكل الحرفة، التي كانت تلك الثّمار المادّيّة التي تتمخّض بها، تتخّذ غالباً صورة ذلك المردود الماليّ، الذي كان الإنسان يدأب في أن يكسبه.

جهد الإنسان في أن يستخلص من الأعمال التي كان يزاولها تلك الخبرات، التي كانت تزيد قدرته على أن يوسّع نطاق تلك المهامّ التي كان يتطلّع إلى القيام بها، ولم تكد تزداد حصيلة المعارف التي دأب في أن يكنزها في نفسه، حتّى سرعان ما أخذ في التّفكير في أن يحكم استفادته من تلك الخبرات التي توافرت عنده، فشرع يهتدي بتلك المعارف التي كان يحصّلها، لينفّذ تلك الأفكار التي ما برحت تجول في ذهنه، وقد اتّفق الباحثون على أن يطلقوا مصطلح المهنة على حالة ذلك النّشاط، الذي أخذ فيه الإنسان في الاستفادة من تلك الخبرات التي كان استحصلها، لينجز تلك الأعمال التي رغب أن يوسّع بها مجال تلك الأفعال التي كان يأتيها، وقد عرفّت في معاجم اللّغة تلك الكلمة التي استخدمت لتبيان تلك الأعمال التي ينجزها الإنسان، وهي المهنة، بأنّها هي "عمل يحتاج إِلى خِبرة وَمهارة وحِذق بممارسته"(3)،بينما اصطلح على تحديد مفهوم المهنة، بأنّه يعني "مجموعة من الأعمال تتطلّب مهارات معيّنة يؤدّيها الفرد من خلال ممارسات تدريبيّة"(4)، وكان أولئك المفكرّون الذين بحثوا في تحديد خصائص تلك الأفعال التي يأتيها الإنسان، أدركوا تلك الطّبيعة المادّيّة التي كثيراً ما كانت تغلب على صورة ذلك الكسب، الذي هدف الإنسان إلى أن يحصل عليه، وكان يقتضى مضيّ الإنسان على أن ينجز أعماله بصورة منتظمة، أن يأخذ بالتّعاقد مع أناس آخرين، لتحقيق تلك الأفعال التي كان يجيئها، وقد حدّد ذلك التّعاهد الذي كان ينشأ بين تلك الأطراف التي تتعاقد فيما بينها، بمفهوم الوظيفة، التي اتّفق الفقهاء في العلوم الإداريّة على أن يعتبروها "مجموعة من الواجبات والمسؤوليّات، تحدّدها سلطة ذات اختصاص... وقد تكون الوظيفة شاغرة أو مشغولة بشخص واحد تعيّنه سلطة مختصّة لتأدية واجبات ومسؤوليّات هذه الوظيفة بصفة دائمة أو مؤقّتة، مقابل أجر محدّد... من دون أن يتأثّر مستوى الوظيفة في الهرم الإداريّ بكفاءة شاغلها، وطريقة أدائه لعملها"(5)، وقد روعي في ذلك التّعريف الذي تبيّن فيه مفهوم الوظيفة، أن ينصّ على تلك المدّة، التي يتوجّب أن يلتزم خلالها الموظّف بإنجاز تلك المهامّ، التي تضمّنت تلك الأفعال التي ارتبطت بتلك الوظيفة، التي يؤدّيها ذلك الموظّف، إذ كانت حدّدت الوظيفة بأنّها "الواجبات المطلوب إنجازها من قبل الموظّف خلال فترة زمنيّة محدّدة"(6)، فكانت تلك العقود التي تنظّم عمل الموظّف في تأديته مهامه الوظيفيّة، تنصّ على تلك المدّة التي سيستغرقها ذاك الموظّف في أداء مهامّه.

ذهب بعض الدّارسين الذين عالجوا المسائل الإداريّة، إلى أن يعرّفوا الوظيفة أيضاً بأنّها "وحدة من وحدات العمل تتكوّن من عدّة أنشطة مجتمعة مع بعضها في المضمون والشّكل ويمكن أن يقوم بها موظّف واحد أو أكثر"(7)، وكانت تلك التّعاريف التي بيّنت مفهوم الوظيفة، انطوت أيضاً على معنى التّعاقد المادّيّ، الذي يكفل للموظّف أن يكسب المردود الماليّ، الذي يرجع عليه من ارتباطه بتلك الوظيفة، التي عرّفت أيضاً بأنها "كيان نظاميّ يتضمّن مجموعة من الواجبات والمسؤوليّات توجب على شاغلها التزامات معيّنة، مقابل تمتّعه بالحقوق والمزايا الوظيفيّة"(8)، وكانت اندرجت في عمليّة تنظيم الموارد البشريّة، تلك المهمّة التي تجلت في إدارة الأشخاص الذين يعملون في وظائف متنوّعة، وقد تميّز الموظّف بخصائص محدّدة ميّزته عن سائر الأفراد الذين يزاولون الأعمال المتنوّعة، إذ اعتبر الموظّف هو "الشّخص الذي يستخدم بصفة نظاميّة، ليقوم بواجبات ومسؤوليّات وظيفة ما، مقابل أجر محدّد ويتمتّع لقاء ذلك بالحقوق والامتيازات المرتبطة بها"(9)، وقد أدّى تدرّج الموظّف في مزاولته عمله الوظيفيّ، إلى أن ينشأ مفهوم جديد تفرّع عن ذلك العمل الذي كان يؤدّيه ذلك الموظّف، إذ ظهر مفهوم المرتبة، التي عرّفت بأنّها "مستوى وظيفيّ يشكّل حلقة في سلسلة رأسيّة من الوظائف مرتّبة حسب أهميّتها بالنسبة للوظائف الأخرى، وتكوِّن السلسلة ما يتعارف عليه بالسّلم الوظيفيّ للشّركة في القطّاع الخاصّ مثلاً، أو للأجهزة الحكوميّة عامّة في الدّولة"(10).

كانت تلك التّعاريف التي عولج فيها موضوع الرّتبة التي يشغلها الموظّف، قد نصّت في جلاء على مسألة ذلك المردود الماليّ الذي يرجع على الموظّف، الذي كان يرتقي في سلم تلك الرّتب المحدّدة في مجال عمله الوظيفيّ الذي يقوم بتأديته، إذ كانت المرتبة "تعكس في نفس الوقت الرّبط الماليّ للوظيفة (الرّاتب) الذي يُدفع مقابل تأدية عملها، ويتحدّد حسب مستوى صعوبة وواجبات ومسؤوليّات الوظيفة، والمؤهّلات اللّازمة لتأدية العمل، ووضع الوظائف على المراتب المناسبة وفقاً لواجباتها من اختصاص مصنّفي الوظائف، والمصنّف يحدّد مرتبة الوظيفة وليس مرتبة الموظّف الذي يشغلها"(11)، ولم يقتصر بعض المفكّرين على أن يأخذوا بتلك التّعاريف، التي حدّدت فيها المفاهيم التي وضّحت طبيعة تلك الأعمال التي يزاولها الإنسان، فعمدت فئة من هؤلاء المفكّرين إلى أن تميّز في الأبحاث الاقتصاديّة التي أجرتها، بين العمّال أنفسهم الذين يزاولون الأعمال المتنوّعة، إذ وزّع هؤلاء العمّال في فئتين اثنتين، وهما فئتا العمّال المنتجين، والعمّال غير المنتجين، فوضع في تلك الأبحاث الاقتصاديّة مفهوم العمل المنتج والعمل غير المنتج، حيث عرّف بأنّه "مفهوم اقتصاديّ كلاسيكيّ وماركسيّ مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعدّة مفاهيم اقتصاديّة _ سياسيّة أخرى مثل التّراكم، وفائض القيمة، والخدمات"(12)، وقد أدرج في عداد هؤلاء العمّال الذين انضووا إلى تلك الفئة الثّانية "أولئك الذين يقومون بعمل نافع لكن غير إنتاجيّ مثل العاملين في التّسويق والتّداول"(13)، فأصبحت طبيعة ذلك النّتاج الذي ينجزه العامل، هو المعيار الذي يحدّد به تلك الفئة التي ينسب إليها ذلك العامل.

إنّ ذلك التّصنيف الذي اعتمد في توزيع العمّال إلى هاتين الفئتين الاثنتين، كان يتحدّد بحسب وجهة النّظر، الذي كان الباحثون يتدبّرون به في تلك الأعمال التي يزاولها هؤلاء العمّال، إذ كانت "هذه التّمييزات المتنوّعة، تنمّ في النّهاية عن تعدّد الزّوايا التي يمكن أن ينظر لتقسيم العمل من خلالها"(14)، وقد كان الفيلسوف آدم سميث أبرز الباحثين الاقتصاديّين، الذين دأبوا في وضع ذلك التّقسيم بين هاتين الفئتين من العمّال، إذ ذكر في كتابه ثروة الأممّ أنّه "يبرز من العمل نوعان من العمل المأجور: العمل الذي يُبادل مقابل دخل ويؤدّي الخدمات، والعمل الذي يُبادَل مقابل رأسمال وينتج منتوجات مخصّصة للبيع..... والعمل الأوّل غير منتج لأنّ نتيجته، أي الخدمة، تتبخّر في اللّحظة ذاتها التي تقدّم فيها في حين أنّ العمل الثّاني هو عمل منتج لأنّ ثمرته، أي المنتوج، تبقى بين أيدي صاحب العمل مع قيمة مضافة مساوية للأجر وللرّبح. وهكذا فإنّ الطّابع الإنتاجيّ للعمل يتحدّد من خلال عمليّة الإنتاج والتّراكم الرّأسماليّة"(15).

تصدّى باحثون اقتصاديّون عديدون لتفنيد ذلك الرّأي الذي ذهب آدم سميث إلى أن يعتنقه، فطعنوا في تلك المفاضلة التي أجراها آدم سميث بين مجموع العمّال، الذين بحث في تلك المهامّ التي يؤدّونها، وقد رأى الاقتصاديّ الفرنسيّ ج. ب. ساي أنّ الاقتصاد "يقوم على مقولة النّفع التي لا مجال للتّمييز بين عمل منتج وآخر غير منتج. ومن هذه الزّاوية فإنّ العمل المنتج يصبح مرادفاً للعمل المفيد بشكل عامّ ويتّسع بالتّالي ليشمل مجمل الوظائف الاجتماعيّة"(16)، وقد اعتبر الفيلسوف ماركس أنّ "العمل المنتج لا يرتبط، بمضمون الإنتاج بل أنّ المعيار الوحيد لمثل هذا العمل المنتج إنّما يكمن في علاقات الإنتاج وحدها أي ليس في المنفعة الممكن جنيها من المنتوج ولا حتّى في الطّبيعة المادّية للمنتوج؛ فالأجير غير المنتج (أي الذي يعمل لقاء دخل كالمستخدم أو الموظّف) قد يكلّف بمهامّ الإنتاج المادّيّ، كما أنّ الأجير المنتج (أي الذي يقوم بعمل مقابل رأسمال) قد يستخدم في إنتاج خدمات تجاريّة"(17).

رأى بعض الباحثين في العلوم الاقتصاديّة، أنّ ماركس قد تشبّث بجلاء "بتحديد العمل المنتج في نمط الإنتاج الرّأسماليّ لا بالرّجوع إلى نفعيّة العمل أو إلى مضمونه المادّيّ بل من خلال إنتاج فائض القيمة أي من خلال العلاقات الاجتماعيّة"(18)، وقد تعدّدت تلك الدّراسات التي شكّك فيها الباحثون في حصول تلك الجدوى، التي ادّعي بأنّه يحقّقها ذلك التّقسيم والتّمييز بين هاتين الفئتين من العمّال، فاندفع أولئك الدّارسون إلى أن يفنّدوا تلك الآراء، التي أفصح عنها أولئك المفكّرون، الذين أوجدوا ذلك التّمييز بين فئتي العمّال المنتجين والعمّال غير المنتجين، إذ اعتبر هؤلاء الباحثون الذين عارضوا ذلك التّصنيف أنّ "العمل المنتج هو كلّ الجهد الذي يبذله عنصر العمل يدويّاً أم ذهنيّاً بما يسهم في إنتاج وعرض السّلع والخدمات، التي يتقرّر لكلّ منها سعر في سوقها الخاصّة، ومن ثمّ فإنّ هذا التّعريف يضمّ كلّ أنواع العمل التي ينطبق عليها هذا الوصف مثل عمل البنّائين وصانعي الآلات والعمّال والمهرة والمهندسين والمحامين والمدرّسين والممرّضين ورجال الخدمة المدنيّة"(19).

يتّضح في ذلك التّعريف الذي حدّد فيه طبيعة العمل المنتج، أنّه قد ألغي فيه ذلك التّصنيف، الذي اتّبع فيه سبيل التّمييز بين العمل المنتج وغير المنتج، وقد ذكرت آنفاً أنّ آدم سميث كان أبرز المفكّرين الذين أوجدوا ذلك التّقسيم الذي ذكره في كتابه ثروة الأمم، ثمّ اقتدى به العديد من الباحثين والمفكّرين، فلا غرو إذاً من أن يعمدَ إلى الطّعن في تلك الأفكار التي عبّر عنها آدم سميث، أولئك الباحثون الذين لم يأخذوا بفكرة ذلك التّصنيف بين العمّال، حتّى أنّهم كانوا يطعنون صراحة في تلك الآراء التي كان أفصح عنها آدم سميث نفسه، وقد ذُكِرَ تعقيب على ذلك التّعريف الذي أوردته آنفاً، وهو ذاك الذي أزيل فيه ذلك التّقسيم بين هاتين الفئتين من العمّال، حيث قيل أنّ "آدم سميث تبنّى وجهة نظر أخرى تضفي معنى أضيق على العمل المنتج، إذ يعتبر أنّ العمل يكون منتجاً أو غير منتج حسبما إذا أتت نتيجة هذا العمل، هي إنشاء أشياء مادّيّة ملموسة من عدمه، وعلى ذلك فإنّه يقصر معنى العمل المنتج على ذلك العمل، الذي يسهم في إنتاج السّلع المادّيّة فقط، أمّا اللّامادّيّة فلا يعتبر إنتاجها وصفاً للعمل المنتج، أيّاً كانت فائدتها وأهميّتها لأفراد المنتج، أمّا في الوقت الحاضر فليس ثمّة أيّة تفرقة بين عمل منتج أو غير منتج"(20).

لم يكن يقتصر النّاس على أن يأتوا تلك الأعمال، التي كانت تدرّ مردوداً ماليّاً على الأفراد الذين كانوا يزاولونها، بل إنّهم كانوا يجيئون أحياناً تلك الأعمال، التي كانت عوائدها على الأشخاص الذين يأتونها، تتجرّدّ من الطّابع المادّيّ، واندرجت في عداد تلك الأفعال التي لم تكن تفضي بمن يزاولها إلى تحصيل الكسب المادّيّ، الأنشطةُ التي تجري في ميدان العمل التّطوّعيّ، وقد حدّد مفهوم التّطوّع بأنه يعني ذلك الفعل الذي "يتضمّن جهوداً إنسانيّة، تبذل من أفراد المجتمع، بصورة فرديّة أو جماعيّة، ويقوم بصفة أساسيّة على الرّغبة والدّافع الذّاتيّ سواء كان هذا الدّافع شعوريّاً أو لا شعوريّاً"(21).

تشعّب البحث في ميدان تلك الأنشطة التّطوّعيّة، حتّى تطّرق في دراسات عديدة إلى النّظر في شخصيّة ذلك الإنسان المتطوّع ذاته، الذي اعتبر أنّه "لا يهدف إلى تحقيق مقابل مادّيّ أو ربح خاصّ، بل اكتساب شعور الانتماء إلى المجتمع وتحمّل بعض المسؤوليّات التي تسهم في تلبية احتياجات اجتماعيّة ملحّة، أو خدمة قضيّة من القضايا التي يعاني منها المجتمع"(22)، وقد تعدّدت تلك المنافع التي كان يجلبها الأفراد المتطوّعون إلى المجتمعات، التي انتشرت فيها تلك الأعمال التّطوعيّة، حيث كان يهدف أولئك الأشخاص إلى تنمية تلك المجتمعات التي ينضوون إليها،  فكان "العمل التّطوّعيّ هو دافع أساسيّ من دوافع التّنمية بمفهومها الشّامل اقتصاديّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً، ودليل ساطع على حيويّة المجتمع واستعداد أفراده للتّفاني والتّضحية"(23)، وكانت البواعث التي حثّت أولئك الناس إلى مزاولة الأعمال التّطوّعيّة، هي دوافع ذاتيّة انبعثت في نفوسهم، من دون أن يضطّروا أو يرغموا مقهورين على أن يأتوا أفعالاً محدّدة، إذ عدّ التّطوّع "هو أيضاً نوع من الاختيار الحرّ للعمل، وقناعة لمشاركة الأفراد طواعيّة في العمل من واقع الشّعور بالمسؤوليّة"(24).

تجرّد النّاس الذين انهمكوا في تنفيذ المهامّ التّطوّعيّة، من دوافع الرّغبة في أن ينالوا تلك الثّمار المادّيّة، التي كانت تعود على من يزاول تلك الأنشطة التي تطوّعوا للقيام بها، فالعمل التّطوّعيّ "هو عمل غير ربحيّ، لا يقدّم نظير أجر معلوم، وهو عمل غير وظيفيّ أو مهنيّ، يقوم به الأفراد من أجل مساعدة وتنمية مستوى معيشة الآخرين، من جيرانهم أو المجتمعات البشريّة بصفة مطلّقة"(25)، وقد تكرّر في تلك التّعاريف التي وضّحت مفهوم العمل التّطوّعيّ، تأكيد الفكرة التي صوّرت تجرّد الأعمال التّطوّعيّة من تلك المقاصد المادّيّة، فكان ذلك العمل التّطوّعيّ "يمارس دون توقّع نظير مادّيّ لذلك العمل، بل النّظير هو السّعادة والرّضى"، وعني بالحديث عن تلك السّعادة والرّضى اللذين ذكرا في التّعريف الذي أوردته آنفاً، التّعبير عن إحساس المتطوّع بالغبطة التي تملأ نفسه، حيث عدّ العمل التّطوّعيّ "عمل غير ربحيّ.... ويكون دائماً بدون مقابل"(26)، ويترتّب على تخلّي المتطوّع عن السّعي إلى تحصيل المنافع المادّيّة، أنّه "لا تكون له حقوق مثل الموظّفين من راتب شهريّ ومعاش، وإجازات براتب، وبدون راتب، لأنّ عمله دائماً يكون في مؤسّسات أهليّة غير حكوميّة أو خاصّة"(27)، وكان الدّافع الذّاتيّ الذي ينبعث تلقائيّاً في نفس المتطوّع، هو أبرز خصائص تلك الأفعال التّطوعيّة التي كان يأتيها، إذ ذكر أنّ العمل التّطوّعيّ هو "عمل أو سلوك اجتماعيّ يمارسه الفرد من تلقاء نفسه وبرغبة منه وإرادة ولا يبغي منه أيّ مردود مادّيّ، ويقوم على اعتبارات أخلاقيّة أو اجتماعيّة أو إنسانيّة أو دينيّة"(28).

تعدّدت تلك الأفعال التي كان يأتيها النّاس، من دون أن يتوّخوا أن يجنوا من تلك الأنشطة المتعدّدة التي يمارسونها، المردود الماليّ، وقد أدرجت الأعمال التي كانت تتّسم بطابع الهواية، في عداد تلك الأفعال التي لم يكن يستهدف من يمارسها إلى أن يحصّل المكاسب الماليّة، وقد ذكر في تعريف مادّة الهواية في قواميس اللّغة، أنّها "اللِّعبُ أَو العملُ المحبوبُ يُشغَف به المرء ويقضي أَوقاتَ فراغه في مزاولته دون أَن يحترفه"(29)، وقد عرّفت أيضاً كلمة الهواية، حيث قيل أنّها "صفة العمل الذي يقوم به الإِنسان رغبةً وتَرَفُّهاً لا احترافاً"(30)، وقد تطرّق في الأبحاث التي أجريت في ميدان العلوم الإنسانيّة، إلى تحديد مفهوم الهواية، التي اعتبرت هي "ممارسة فعل محبّب للنّفس ويجد الإنسان فيه متعة في مزاولته برغبة ذاتيّة من دون أيّة ضغوطات"(31)، فعبّرت تلك التّعاريف صراحة، عن تخلّي الإنسان الذي يزاول تلك الأعمال التي اندرجت في عداد الهوايات، عن محاولة الحصول على المكاسب المادّيّة، التي كان يتيسّر له أن يظفر بها، إن لم تكن تتّسم تلك الأفعال التي أتاها، بطابع الهواية، ولا ريب في أنّ من يستعرض تلك المفاهيم التي وضّحت حقيقة غالبيّة الأنشطة التي يمارسها النّاس، سيتيسّر له أن يقف على طبيعة ذلك العمل الذي يزاوله الكاتب في إنجازه مؤلّفاته الأدبيّة، وسيتاح له أن يميّز تلك الخصائص التي تتّسم بها تلك المهنة التي يزاولها ذلك الكاتب.

1- المعجم الوسيط _ مجمع اللّغة العربيّة في القاهرة.

2- موقع المركز العلميّ لتجميع الدّراسات والبحوث العلميّة.

3- المعجم الوسيط _ مجمع اللّغة العربيّة في القاهرة.

4- موقع المركز العلميّ لتجميع الدّراسات والبحوث العلميّة.

5- موقع الدّراسات الإداريّة.

6- قواعد العلوم الإداريّة.

7- موقع المركز العلميّ لتجميع الدّراسات والبحوث العلميّة.

8- المصدر السّابق.

9- موقع الدّراسات الإداريّة.

10- المصدر السّابق.

11- المصدر السّابق.

12- موسوعة السّياسة.

13- المصدر السّابق.

14- المصدر السّابق.

15- المصدر السّابق.

16- المصدر السّابق.

17- المصدر السّابق.

18- المصدر السّابق.

19- الموسوعة الاقتصاديّة.

20- المصدر السّابق.

21- أنشطة المنظّمات والجمعيّات الأهليّة .

22- المصدر السّابق.

23- المصدر السّابق.

24- المصدر السّابق.

25- قواعد العمل التّطوّعيّ.

26- المصدر السّابق.

27- المصدر السّابق.

28- المصدر السّابق.

29- المعجم الوسيط _ مجمع اللّغة العربيّة في القاهرة.

30- معجم المنجد _ منشورات دار المشرق، بيروت.

31- موقع أبحاث علم الاجتماع.



لم تكن تفتر حدّة الأقاويل التي كان يطعن بها الأشخاص المغرضون، في تلك الجهود التي يبذلها أولئك الفنّانون الموسيقيّون الأفذاذ العرب، في اتّباعهم سبيل التّأليف الموسيقيّ الإبداعيّ، الذي يستند على القواعد العلميّة القويمة، فما برحت تلقى التّهم جزافاً على أولئك الموسيقيّين، الذين كان يفترى عليهم جدّاً، فكانوا يتّهمون تهماً زائفة وباطلة بأنّهم يميلون بولائهم إلى الدّول الأجنبيّة، إذ كان هؤلاء الموسيقيّون العرب، يتّبعون نهج التّأليف الموسيقيّ الصّحيح، الذي كان يسلكه الفنّانون الموسيقيّون في كافّة دول العالم، وكثيراً ما كان الموسيقار صلحي الوادي يتعرّض لسيل تلك التّهم الجائرة التي كانت توقع عليه، فتلقى عليه تلك الظّنائن، إذ اتّهم بتنكّره لذلك الوطن العربيّ الذي نشأ الموسيقار صلحي الوادي مترعرعاً فيه، وكانت توقع عليه تلك التّهم لأنّه اتّبع سبيل التّأليف الموسيقيّ القويم، الذي وضع أسسه الأولى العلماء والموسيقيّون العرب القدامى، وكان المفكّرون والموسيقيّون في الدّول الأوروبيّة تلقّفوا تلك القواعد من هؤلاء الفلاسفة والعلماء العرب، ودأبوا في أن يطوّروها حتّى اتّخذت صيغة تلك الأسس والمبادئ المعهودة، التي يستند إليها كافّة الموسيقيّين في دول العالم في تأليفهم أعمالهم الموسيقيّة المبتكرة.

عمدت في مؤلّفاتي التي نشرتها في السّنوات الماضية، إلى أن أفنّد تلك التّهم التي كان يذكرها أولئك الأشخاص، الذين كانوا يناصبون الموسيقار صلحي الوادي المشاحنة والخصام، وقد أسقطت عنه تلك التّهم جميعها، ورفعت عنه تلك الظّنائن كلّها، وقد أبلى أيضاً الموسيقيّون العرب بذاتهم بلاء حسناً في الذّود عن مبادئهم، وجهدوا في الدّفاع عن تلك السّبيل التي انتهجوها في تأليفهم أعمالهم الموسيقيّة المبتكرة، وكلّما كنت أراجع في فكري موضوع تلك التّهم التي كانت تلقى على أولئك الموسيقيّين، كانت تتوارد إلى ذهني جملة من صور تلك الأحداث التي ما زلت أعيها جيّداً، إذ ما زلت أذكر إنّي استمعت منذ خمسة عشر عاماً وتحديداً في عام 1998، إلى برنامج إذاعيّ بثّته محطّة إذاعة دمشق، حوالي السّاعة الحادية عشرة قبل ظهر أحد تلك الأيام، التي جرت فيها وقائع الملتقى الثّامن للمعاهد الموسيقيّة في دول حوض البحر الأبيض المتوسّط، حيث أقيم ذلك الملتقى في دمشق في الفترة التي امتدّت من اليوم السّابع ولغاية اليوم الثّاني عشر من شهر تشرين الثّاني، وقد استمعت إلى ذلك البرنامج الإذاعيّ بينما كنت أقود سيارتي في أحد شوارع مدينة دمشق، وكانت إذاعة دمشق عمدت إلى أن تبثّ يوميّاً في ذلك الأوان برنامجاً إذاعيّاً، خصّص بعرض الأنشطة المتنوّعة، التي كانت تجري في ذلك الملتقى الثّامن للمعاهد الموسيقيّة في دول حوض البحر الأبيض المتوسّط، وقد أقيمت ندوات حواريّة رافقت النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، الذي جرى في تلك الفترة التي حدث فيها ذلك الملتقى الموسيقيّ، الذي أنشأته منظّمة أكيوم وهي "منظّمة التّبادل الثّقافيّ لدول حوض البحر الأبيض المتوسّط"، وأذكر أنّ المذيع في ذلك البرنامج الإذاعيّ، استضاف الموسيقار صلحي الوادي، الذي طلب منه المذيع أن يتحدّث عن تلك الأحداث الفنّيّة والثّقافيّة التي تضمّنتها المناشط التي أقيمت في ذلك الملتقى الذي جمع العديد من المعاهد الموسيقيّة.

دأب الموسيقار صلحي الوادي في أن يسرد حديثه في ذلك اللّقاء الإذاعيّ، عن تلك الأنشطة الفنّيّة التي أقيمت في ذاك الملتقى الموسيقيّ، وما كاد أن ينتهي من التّحدّث عن تلك الوقائع التي تضمّنها ذلك الملتقى الموسيقيّ الثّقافيّ، حتّى بادر المذيع إلى أن يوجّه سؤالاً إلى الموسيقار صلحي الوادي، وعلى الرّغم من أنّي أذكر جيّداً الصّيغة، التي ذكر فيها المذيع ذلك السّؤال، إلّا أنّي حينما أورده حاليّاً، فإنّي أعدّ تلك الصّيغة التي أذكرها، هي تعبّر عن مضمون وفحوى ذلك السّؤال، الذي تحدّث فيه المذيع عن الأقاويل، التي نُسبَ فيها الموسيقيّون العرب الذين يبتكرون الأعمال الموسيقيّة الجادّة، إلى الدّول الأجنبيّة، وقد كان الموسيقار صلحي الوادي في طليعة أولئك الموسيقيّين العرب البارزين، الذين كانت تلقى عليهم تلك التّهم التي ذكرها ذلك المذيع، الذي كان نقل تلك الأقاويل إلى الموسيقار صلحي الوادي، طالباً منه أن يعلّق عليها، وكي أوضّح تلك المهمّة التي أدّاها المذيع، فهو عمد إلى أن ينقل تلك الأقاويل، من دون أن يعبّر عن رأيه الشّخصيّ في موضوع تلك الأقاويل، التي طلب من الموسيقار صلحي الوادي أن يعقّب عليها، وكان ذلك المذيع قد ذكر أيضاً أنّ الموسيقييّن الذين استهدفتهم تلك الأقاويل التي نقلها، قد تنكّروا لدولهم العربيّة، بعد أن تأثّروا بمعالم الثّقافة الأجنبيّة، وتلك التّهم التي أوردها المذيع، هي معروفة، وقد تكرّر إلقاؤها على الموسيقار صلحي الوادي، الذي لم يكن البرنامج الذي أثار فيه ذلك المذيع البحث في موضوع تلك الأقاويل التي نقلها، هو المناسبة الأولى، التي تذكر فيها تلك التّهم الجائرة.

ما زلت أذكر جيدّاً الكلام الذي ذكره الموسيقار صلحي الوادي، في تعليقه على تلك الأقاويل التي ذكرت في ذلك البرنامج الإذاعيّ، إذ قال: "إنّي عربيّ ووالديّ عربيّان، وإنّ انتمائي راسخ في ثبات قويّ إلى الوطن العربيّ، وأعتزّ بنشأتي وتأثرّي بالمكان الذي نشأت فيه في البلاد العربيّة، وأقدّم أعمالي الموسيقيّة التي تتضمّن الدّلائل على افتخاري بذلك الانتماء إلى بلدي العربيّ، فكيف ننسب إلى الدّول الأجنبيّة؟"، وأذكر أنّي بعد أن استمعت إلى الكلمات التي تفوّه بها الموسيقار النّابغ صلحي الوادي، استغرقت في التّفكير في تلك المعاني التي أفصح عنها في ذلك البرنامج الإذاعيّ، وإنّي آمل أن تكون إذاعة دمشق قد احتفظت في سجلها الإذاعيّ "الأرشيف"، بتلك البرامج التي كانت يُتحدّث فيها عن تلك المناشط، التي جرت في ذلك الملتقى الثّامن للمعاهد الموسيقيّة في دول حوض البحر الأبيض المتوسّط، وقد اضطرّ الموسيقار صلحي الوادي في تعليقه على ذلك الكلام الذي ذكر في ذلك البرنامج الإذاعيّ، إلى أن يؤكّد تلك المعاني والأفكار التي هي معروفة في بدائه العقول، وهو لم يستذكر تلك المعاني البديهيّة، إلّا كي يبيّن طبيعة تلك المشاحنة التي يتعرّض لها الموسيقيّون العرب، الذين يبتكرون المؤلّفات الموسيقيّة البديعة، وقد أصاب الموسيقار صلحي الوادي شاكلة الصّواب، في تعريفه بذلك النّشاط الفنّيّ الذي يزاوله، وفي حديثه عن أصالة انتمائه إلى وطنه العربيّ، وهو ابتكر أعمالاً فنّيّة موسيقيّة، ستظلّ تفتخر بها الأجيال المتعاقبة التي تنضوي إلى الأمّة العربيّة، وكانت أعماله الموسيقيّة التي عبّرت عن معالم ذلك المكان الذي نشأ وترعرع فيه، أظهرت تلك الموضوعات الإنسانيّة العميقة التي يشترك البشر كافّة في التّأثّر بها، لأنّها كشفت في وضوح جليّ عن تلك المشاعر، التي تنبعث في نفوس النّاس في كلّ الأماكن في هذا العالم.



يتوخّى الإنسان أن يتروّى في تلك الأحداث التي تحصل في مجرى حياته، فيحاول أن يجد رابطة تجمع بين تلك الوقائع، التي يدأب في أن يسلكها في تلك العلاقة التي تؤلّف بينها، كي تعود عليه من تآلفها الوثيق، المنفعةُ التي يرتجي أن تتحقّق، فيحسب أنّ تلك الوقائع كلّما كانت متآلفة ومتضامّة فيما بينها، سهل عليه أن يستخلص منها المغازي والعبر، التي تزيد حصيلة خبراته في الحياة، بل إنّه يحسب أنّ ذلك التّرابط الحاصل بين تلك الأحداث، لا بدّ من أن يجلب له تلك المنافع الجلّى، التي تنجم عن تحقّق التّرابط والتّماسك بين جماع تلك القدرات والطّاقات، التي يختزنها في نفسه، فيحرص على ألا تتشتّت جهوده، ولا تتبعثر مساعيه، في تصريفه شؤون معيشته، ويحسب أنّ الرّابطة التي تضمّ تلك الوقائع معاً، كلّما ازدادت جلاء وضحةً، كان المعنى الذي يستخلصه من تلك الأحداث التي يمرّ بها، أعمق وأكثر دلالة على تلك المغازي، التي يظنّ أنّ تلك الوقائع ترمي إلى أن تؤكّدها، ويعتقد أنّه أصبح آنئذ يستجلي ببيّنة ظاهرة تلك المقاصد، التي تهدف تلك الأحداث إلى أن تفضي به إلى أن يدركها.

كنت في مساء يوم الخميس 22 نيسان عام 2010، أسير على الرّصيف في أحد شوارع مدينة دمشق، وكان ذلك الرّصيف تتخلّله بعض صفائح البلاط المتكسّر، حيث بدت تلك الأحجار المهشّمة، كأنّها فخّ يُتصيّد به النّاس المارّين على ذلك الرّصيف، فلا غرابة إذاً من أن أتعثّر في سيري فوق تلك الصّفائح المكسّرة، ثمّ أصاب بكسر في قدمي، وقد شُخّصت تلك الإصابة التي تعرّضت لها في قدمي، بكسر في عنق القدم، وقرّر الأطباء أن يجروا لي عمليّة جراحية في قدمي، وفي اليوم التّالي ذهبت إلى مشفى الرّازي في دمشق لأجري تلك العمليّة الجراحيّة، وقد رافقتني والدتي وأحد أقربائيّ في ذهابي إلى ذلك المستشفى، حيث أجريت لي تلك العمليّة الجراحيّة بعيد ظهر يوم الجمعة 23 نيسان في عام 2010، وقد سألني آنذاك الطّبيب فيصل كنعان عن نوع التّخدير، الذي أفضّل أن يستخدمه الأطباء في إجرائهم تلك العمليّة، فاخترت طريقة التّخدير القطنيّ، وقد أجريت العمليّة لي وأنا كنت في كامل وعيي، فلَمْ أنم خلال تلك العمليّة، وكانت طبيبة مختصّة في التّخدير هي التي أجرت عمليّة تخديري في ذلك العمل الجراحيّ.

انهمك الأطباء دائبين في إجراء تلك العمليّة، إذ عمدوا إلى أن يضعوا سيخين اثنين في قدمي، ليصلحوا العظم من ذلك الكسر الذي تعرّضت له، وقد رغبت في أن أتحدّث مع بعض الأطباء والممرّضين الذي كانوا يراقبون وضعي الصّحّيّ في أثناء مجرى تلك العمليّة الجراحيّة، فأخذت في أن أتبادل معهم الحديث، وقد اخترت أن أحدّثهم عن مناسبة الاحتفال باليوم العالميّ للكتاب، حيث يجرى ذلك الاحتفال السّنويّ في يوم 23 نيسان، فصادفت مناسبة ذلك الاحتفال في هذا العام 2010، ذلك اليوم نفسه الذي أجري فيه تلك العمليّة الجراحيّة، وعندما علم الأطباء والممرّضون أنّي كاتب، استغربوا جدّاً حدوث تلك المصادفة، فقلت لهم أنّي قرّرت أن أحتفل باليوم العالميّ للكتاب في هذا المكان في غرفة العمليّات، وقد استغرقت المدّة التي جرت فيها العمليّة قرابة السّاعة وخمس عشرة دقيقة، وقد تحدّثت إليهم في أثناء تلك المدّة عن المشاكل، التي يتعرّض لها الكتاب في الوطن العربيّ، وأخبرتهم بالأزمات التي تصيب عمليّة توزيع الكتب، وأنبأتهم في حديثي عن قلّة أعداد القرّاء العرب، وتحدّثت عن آرائي في تلك الطّرق التي يجب أن تتبّع في معالجة تلك المشاكل التي يتعرّض لها الكتاب، وقد طلبوا منّي أن أقدّم لهم في الأيام التي تلي هذه العمليّة الجراحيّة، الكتب التي نشرتها.

تحدّثت عن شؤون الكتاب وذلك المصير السّيّئ الذي انتهى إليه في الوطن العربيّ، بينما كان الأطباء البارعون منهمكين في متابعة إجراء العمليّة، وتحدثت عن مغزى حدوث تلك المصادفة التي كانت غريبة حقّاً، إذ كان كما ذكرت آنفاً، موعد ذلك الاحتفال باليوم العالميّ للكتاب، في اليوم ذاته الذي أجريت لي فيه العمليّة الجراحيّة، وبعد أن فرغ الأطباء من إجرائهم ذلك العمل الجراحيّ، نقلني الممرّضون إلى غرفتي في المستشفى، حيث كانت والدتي تنتظرني فيها، وقد وضع الأطباء على قدمي جبيرة ظلّت تقيّد حركتي، مدّة قاربت السّتة أسابيع حتّى أزيلت تلك الجبيرة عن قدمي، بعد أن مضت تلك الفترة الزّمنيّة، وفي يوم الخميس 28 حزيران عام 2012، ذهبت إلى مستشفى الرّازي في دمشق، لإجراء عمليّة ثانية، حيث جرى فيها عمليّة نزع السّيخين الاثنين من قدمي، وقد استغرقت هذه العمليّة الثّانية، مدّة قاربت الثّلث ساعة، وقد بنّجني الأطباء في مستهلّ تلك العمليّة، فاستغرقت في النّوم في أثناء إجراء الأطباء تلك العمليّة الجراحيّة الثّانية، وبعد أن فرغوا من إنجازهم تلك العمليّة بنجاح، نقلني الممرّضون إلى غرفتي في المستشفى، حيث كانت والدتي ومعها أيضاً خالي، يترقّبان ذلك الموعد الذي أرجع فيه إليهما.

كانت هذه العمليّة النّاجحة الثّانية التي أجراها لي الطّبيب فيصل كنعان، الذي توفي بعد إجرائه هذه العمليّة في شهر كانون الأوّل في عام 2012، وقد كان طبيباً بارعاً رحمه الله، وهو كان على معرفة وطيدة بوالدي رحمه الله، وهذه التّجربة التي مررت بها، هيّأت لي أن أستخلص منها المعاني العديدة، التي نويت أن أفصّل حديثي عنها في الأيام القادمة، وإن تحدّثت آنفاً عن الاحتفال باليوم العالميّ للكتاب، فقد فرّج عنّي الكتاب كثيراً، تلك الغموم التي حلّت بي في تلك الفترة التي تعرّضت فيها لذلك الكسر في قدمي، فكنت آنس بصحبته إيناساً شديداً، وكانت والدتي شدّت أزري، وأولتني عطفها وحنانها الكبيرين، وساعدتني مساعدة بالغة، وإن كانت تجلّ في عيني يوماً بعد يوم، مقدارُ عظمة تلك الإنسانة الرّائعة، التي ظلّت تساندني دائماً منذ مستهلّ نشأتي وترعرعي في هذه الدّنيا، فإنّها جهدت كثيراً أيضاً في أن تخفّف عنّي كلّ تلك المصاعب، التي تكبّدتها بسبب ذلك الكسر الذي أصبت به في قدمي.