يشتدّ اعتزاز العرب بلغتهم العربيّة التي اعتبروها سيّدة لغات العالم، وهي في اعتقادهم أمّ اللّغات، ويعدّونها أيضاً سيّدة وخيراللّغاتوالألسنة، وقد تحدّث المؤرّخون والمفكّرون والباحثون من أجناس شتّى، عن افتخار الإنسان العربيّ بلغته، واللّغة العربيّة هي لغة البيان والبلاغة والفصاحة، وقد شرح ابن المقفّع معنى البلاغة، إذ قال "البلاغة اسم لمعان تجري في وجوه كثيرة: منها ما يكون في السّكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون شعراً، ومنها ما يكون سجعاً، ومنها ما يكون خطباً، وربّما كانت رسائل. فعامّة ما يكون من هذه الأبواب فالوحي فيها والإشارة إلى المعنى أبلغ. والإيجاز هو البلاغة"، والعبارة الأخيرة التي وردت في حديث ابن المقفع، ظهر فيها التّنويه بفكرة الإيجاز في الكلام، وقد اعتبر العرب خير الكلام ما قلّ ودلّ، وقال ابن المعتزّ "البلاغة هي البلوغ إلى المعنى ولما يطل سفر الكلام"، وذهب الخليل بن أحمد إلى أن يعتبر "البلاغة هي ما قرب طرفاه وبعد منتهاه"، وقصد الخليل في شرحه حدّ البلاغة، بقوله "ما قرب طرفاه"، أي الكلام الذي قصرت عبارته، وأمّا قوله "وبعد منتهاه"، فيعني أنّه حقّق معنى وافراً غزيراً واسع المدى، واتّسم بالجمال والبيان والفصاحة.

اتّضحت عناية العديد من الأدباء والفقهاء في تبيان معنى البلاغة، وقد ذهب الجاحظ إلى إبراز أهمّيّة العناية باللّفظ في تحقيق البلاغة، فقال "المعاني مطروحة في الطّريق، يعرفها العجميّ والعربيّ والبدويّ والقرويّ، وإنّما الشّأن في إقامة الوزن وتخيّر اللّفظ وسهولة المخرج"، وأمّا ابن جنّي فقد رأى "أنّ العرب كما تعنى بألفاظها فتصلحها وتهذّبها وتراعيها، وتلاحظ أحكامها بالشّعر تارة، وبالخطب تارة، وبالأسجاع التي تلتزمها وتتكلّف استمرارها، فإنّ المعاني أقوى عندها، وأكرم عليها وأفخم في نفوسها"، وكان عالم اللّغة والنّحويّ عبد القاهر الجرجانيّ لا يفصل بين اللّفظ والمعنى، في تبيان بلاغة الكلام، حيث كان يجمع بينهما النّظم، وهو قال "الألفاظ لا تُفيد حتّى تُؤلّف ضرباً خاصّاً من التّأليف، ويُعْمَد بها إلى وجه دون وجه من التّركيب والتّرتيب"، وأضاف في شرح المقصد الذي عنى بإظهاره في حديثه، حيث ذكر "هل تجد أحداً يقول: هذه اللّفظة فصيحة، إلّا وهو يعتبر مكانها من النّظم، وحسن ملاءمة معناها لمعنى جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها؟" وهو وضّح فكرة النّظم بقوله "معلوم أن ليس النّظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض"، وقد رأى أحمد حسن الزّيّات، أنّ البلاغة لا تفصل بين العقل والذّوق، ولا بين الفكرة والكلمة، ولا بين المضمون والشّكل، إذ الكلامكائن حيّ، روحه المعنى وجسمه اللّفظ فإذا فصلت بينهما أصبح الرّوح نفساً لا يتمثّل والجسم جماداً لا يحسّ، وقد اعتبر العرب الكتابة البليغة هي "أَلذُّ من السَّلْوَى إِذا ما نَشُورُها؟، وتعني تلك العبارة أنّ البلاغة هي ألذّ من العسل إذا ما نستخرجها، فذلك الوصف يبيّن مكانة حلاوة الحديث وطلاوة العبارة عند العرب.

إنّ اللّغة إذا اعتبرت بحقّ وعاء الفكر، فإنّها أيضاً مرآة للوضع الحضاريّ السّائد في المجتمعات، وقد قال كولريدج "اللّغة مستودع أسلحة العقل البشريّ، الذي يتضمّن دلائل انتصاراته في الماضي وأسلحة فتوحاته في المستقبل"، وإذا كان كولريدج عنى بكلامه اللّغة بوجه عامّ، فإنّ اللّغة العربيّة لا تضارعها ولا تجاريها أيّة لغة في هذا العالم فيقوّتهاالبلاغيّةواستطاعتها"اختراق وتجاوزالمعارفالأدبيّةلتصلإلىالعواطفوتطبعهابطابعهاالخاصّ"، وبهذه القدرة التي تحوزها اللّغة العربيّة، فإنّها "لايمكنمقارنةاللّغةالعربيّةبغيرالموسيقا"، وقد ذهب أحد المستشرقين إلى تأكيد هذا المعنى حيث قال "بينمايختلفتأثيراللّغةعنتأثيرالموسيقالدىالنّاطقينباللّغة الانكليزيّة،تجدالعربيتفاعلونمعاللّغةوالموسيقابنفسالنّمطأساساً،غيرأنّ تأثيراللّغةلديهمربّمايكونأعمقوأشدّوأكثرعاطفيّة"، وكلام هذا المستشرق، يستدعي التّأمّل فيه مليّاً، إذ أحلّ اللّغة العربيّة بتلك المكانة العالية، حيث أصبحت اللّغة العربيّة الأداة التّعبير الأجمل التي تمتلك قوّة التّأثير الأكمل.

كثرت الدّلائل على عناية العرب بحفظ لغتهم، التي تعدّ من أقدم اللّغات، وأكثرها أصالة، والعربهم"ذوونفوسحسّاسة مثلسائرأهلالخيالالشّعريّ، فأصبحللبلاغةوقعشديدفينفوسهم،فالعبارةالبليغةقدتقعدهمأوتقيمهمبما تثيرهفيخواطرهممنالنّخوة، قد يكون العرب بين أكثر الشّعوب العالم إحساساً بلغتهم"، واللّغة العربيّة الفصحى هي أغنى اللّغات في القدرة على التّعبير، وقد تميّزت بخصائص انفردت بها عن سائر اللّغات، فاللّغة العربيّة "تملك أوسع مدرج صوتي عرفته اللّغات، حيث تتوزّع مخارج الحروف بين الشّفتين إلى أقصى الحلق. وقد تجد في لغات أخرى غير العربيّة حروفاً أكثر عدداً، ولكنّ مخارجها محصورة في نطاق أضيق ومدرج أقصر، كأن تكون مجتمعة متكاثرة في الشّفتين، وما والاهما من الفم أو الخيشوم، أو تجدها متزاحمة من جهة الحلق"، فتميّزت اللّغة العربيّة عن سائر اللّغات بتلك الخاصّيّة التي تأكّد بها ترابط الحروف في تآلف جليّ، في العبارات التي نطق بها العرب.

مهّد اتّساع ذلك المدرج الصّوتيّ الذي تحدّث عنه الباحثون اللّغويّون، لأن تتوزّع فيه "المخارج توزّعاً عادلاً يؤدّي إلى التّوازن والانسجام بين الأصوات. ويراعي العرب في اجتماع الحروف في الكلمة الواحدة وتوزّعها وترتيبها فيها حدوث الانسجام الصّوتيّ والتّآلف الموسيقيّ"، وقد ذُكِرَت أمثلة تبيّن خاصّيّة تحقيق ذلك التّوافق بين الحروف، فقيل أنّه "لا تجتمع الزاي مع الظاء والسين والضاد والذال. ولا تجتمع الجيم مع القاف والظاء والطاء والغين والصاد، ولا الحاء مع الهاء، ولا الهاء قبل العين، ولا الخاء قبل الهاء، ولا النون قبل الراء، ولا اللام قبل الشين"، وإذا كانت اللّغة العربيّة تميّزت بعراقتها الضّاربة جذورها في أزمنة التّاريخ الموغلة في القدم، إلّا أنّ ظلّت "أصوات العربيّة ثابتة على مدى العصور والأجيال منذ أربعة عشر قرناً. ولم يُعرف مثل هذا الثّبات في لغة من لغات العالم في مثل هذا اليقين والجزم"، ومتّن هذا الثّبات الحاصل في اللّغة العربيّة، وسائل تواصل الأجيال المتتابعة مع نصوص اللّغة الكثيرة، التي ظلّت راسخة خلال توالي تلك العصور المديدة، وقد تميّزت اللّغة العربيّة بأصوات الإطباق، إذ تستخدم في الكلام "الأعضاء الخلفيّة من جهاز النّطق أكثر من غيرها من اللّغات، فتوظّف جذر اللّسان وأقصاه والحنجرة والحلق واللّهاة توظيفاً أساسيّاً، ولذلك فهي تحتوي على مجموعة كاملة لا وجود لها في أيّ لغة ساميّة، فضلاً عن لغات العالم، وهي مجموعة أصوات الإطباق: الصّاد والضّاد والطّاء والظّاء والقاف، ومجموعة الأصوات الخلفيّة وتشمل الصّوتين الجذريّين الحلقيّين: الحاء والعين، والصّوت القصيّ الطّبقيّ: الغين، والصّوت القصويّ اللهويّ: القاف، والصّوت الحنجريّ: الهمزة"، فكانت اللّغة العربيّة سهلة النّطق، يتأتّى التّلفّظ بها بسلاسة، وتأخذ الألسن في الحديث بها بيسر من دون أن تصادف عنتاً أو مشقّة.

اشتمل معجم اللّغة العربيّة على أكبر عدد من الكلمات، التي لا يقارن بمقدارها، مجموع الكلمات التي تحتويها أيّة لغة في العالم، فذلك المعجم هو أغنى وأغزر معاجم اللّغات في المفردات ومرادفاتها، وهي التي يطلق عليها وصف الثّروة اللّفظيّة، إذ يضمّ العديد من المعاجم العربيّة الكبيرة أكثر من مليون مفردة، و"حصر تلك المفردات لا يكون بحصر موادّ المعجم، لأنّ العربيّة لغة اشتقاق، والمادّة اللّغويّة في المعجم العربيّ التّقليديّ هي مجرّد جذر، والجذر الواحد تفرّع منه مفردات عديدة، يضاف إليها قائمة أخرى بالأسماء المشتقّة من بعض تلك المفردات، وكلّ مفردة تؤدّي معنى مختلفاً عن غيرها،" ويتحدّث أرنست رينان العالم الفرنسيّ، عن اللّغة العربيّة قائلاً: "إنّ هذه اللّغة قد بلغت حدّ الكمال في قلب الصّحراء عند أمّة من الرّحل ففاقت اللّغات بكثرة مفرداتها ودقّة معانيها وحسن نظام معانيها"، فاللّغة العربيّة هي إحدى أغنى وأدقّ لغات العالم في الكلمات والمعاني التي تدلّ عليها، إذ يتجاوز القاموس العربيّ 12 مليون كلمة بحسب قاموس "المعاني" الإلكترونيّ، وقال الإمام الشّافعيّ: "لسان العرب أوسع الألسنة مذهباً، وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسانٌ غير نبيّ"، والأبجديّة العربيّة تتألّف من 28 حرفاً، وهي ثاني أكثر الأبجديّات انتشاراً في العالم، وتستخدم لكتابة العديد من اللّغات غير العربيّة كالأفغانيّة، وتطوّرت اللّغة العربيّة، مثلما هو حالة سائر اللّغات، فترك استعمال مفردات من تلك اللّغة، حيث اندثرت فيها كلمات متعدّدة، ولكنّ أضيفت إليها في أوقات متتابعة، مفردات جديدة أخرى.

يرجع تاريخ صدور أوّل قرار باستعمال اللّغة العربيّة في الأمم المتّحدة، إلى يوم 4 كانون الأوّل "ديسمبر"، في عام 1954م، إذ صدر قرار الجمعيّة العامّة رقم 878 في دورتها التّاسعة، باعتبارها لغة عمل في عام 1955م، وكان تصدّر القرار العنوان التّالي: "ترجمة بعض الوثائق الرّسميّة للجمعيّة العامّة إلى اللّغة العربيّة وفقاً للمادّة 59 من النّظام الدّاخليّ للجمعيّة العامّة"، ثمّ أصدرت منظّمة اليونسكو في عام 1960  قراراً يقضي "باستخدام اللّغة العربيّة في المؤتمرات الإقليميّة التي تُنظَّم في البلدان النّاطقة بالعربيّة وبترجمة الوثائق والمنشورات الأساسيّة إلى اللّغة العربيّة"، وبعد مضيّ عقد ونيّف، أصدرت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في يوم 18 كانون الأوّل "ديسمبر"،  قرارها رقم 3190، في دورتها ال28، في عام 1973م، الذي "تقرّر بموجبه إدخال اللّغة العربيّة ضمن اللّغات الرّسميّة في المنظّمة الأمميّة"، فاعتمدت اللّغة العربيّة بموجب هذا القرار لتكون إحدى اللّغات الرّسميّة السّت في الجمعيّة العامّة والهيئات الفرعيّة التّابعة لها، وقد نصّ ذلك القرار على "أنّ الجمعيّة العامّة إذ تدرك ما للغة العربيّة من دور هامّ في حفظ ونشر حضارة الإنسان وثقافته، وإذ تدرك أيضاً أنّ اللّغة العربيّة هي لغة تسعة عشر عضواً من أعضاء الأمم المتّحدة (في ذلك الأوان الذي صدر فيه هذا القرار)، وأنّها لغة عمل مقرّرة في وكالات: منظّمة الأمم المتّحدة للتّربية والعلم والثّقافة (اليونسكو)، ومنظّمة الأمم المتّحدة للأغذية والزّراعة (الفاو)، ومنظّمة الصّحة العالميّة، ومنظّمة العمل الدّوليّة، كما أنّها لغة رسميّة ولغة عمل في منظّمة الوحدة الأفريقيّة، وإذ تلاحظ مع التّقدير ما قدّمته الدّول العربيّة، من تأكيدات بأنّها ستُغطّي بصورة جماعيّة، النّفقات النّاجمة عن تطبيق هذا القرار خلال السّنوات الثّلاث الأولى، تقرّر إدخال اللّغة العربيّة ضمن اللّغات الرّسميّة ولغات العمل المعتمدة في الجمعيّة العامّة ولجانها الرّئيسيّة، على أن تقوم بتعديل أحكام النّظام الدّاخليّ للجمعيّة العامّة المتّصلة بالموضوع"، وقد صدر هذا القرار في الاجتماع رقم 2206، في 18 كانون الأوّل "ديسمبر" 1973م، فأصبحت اللّغة العربيّة منذ هذا الأوان، لغة عمل رسميّة، وغدت إحدى اللّغات السّت التي يعمل بها في الأمم المتّحدّة.

ما برح يزداد رسوخ حضور اللّغة العربيّة في الهيئات التّابعة للأمم المتّحدة، إذ أصبحت في تاريخ 1 كانون الثّاني "يناير" 1983م، لغة رسميّة في مجلس الأمن والمجلس الاقتصاديّ والاجتماعيّ، بناء على قرار الجمعيّة العامّة 219 في دورتها 35 المؤرّخة 17 كانون الأوّل "ديسمبر" 1980م، ونصّ هذا القرار على أنّه "يتعيّن بموجب هذا القرار أن يُصبح جهاز موظّفي اللّغة العربيّة في حجم جهاز موظّفي كلّ من اللّغات الرّسميّة ولغات العمل الأخرى، وعلى أن تتمتّع اللّغة العربيّة بنفس الوضع الممنوح للغات الرّسميّة ولغات العمل الأخرى، وترجو مجلس الأمن إدخال اللّغة العربيّة لغة رسميّة ولغة عمل، والمجلس الاقتصاديّ والاجتماعيّ إدخال اللّغة العربيّة لغة رسميّة في أجل لا يتعدّى 1 كانون الثّاني "يناير" 1983م"، وقد اقتضى تنفيذ هذين القرارين الصّادرين "إنشاء دوائر وأقسام التّرجمة التّحريريّة والشّفويّة العربيّة بمقرّ الأمانة العامّة في نيويورك وجنيف وفيينا ونيروبي، ووحدة تجهيز النّصوص العربيّة، وقسم المحاضر الحرفيّة، وقسم تحرير الوثائق الرّسميّة، وقسم تصحيح التّجارب الطّباعيّة، وشعبة النّشر، وكلّها تتبع إدارة شؤون الجمعيّة العامّة وخدمات المؤتمرات: كما أنشئ قسمان للتّرجمة العربيّة في اللّجنة الاقتصاديّة لغرب آسيا ومقرّها بيروت، واللّجنة الاقتصاديّة لأفريقيا ومقرّها أديس أبابا. وفي نفس الوقت، أنشئ قسم الخدمات الإذاعيّة وقسم تعليم اللّغة العربيّة، فضلاً عن خدمات مكتبة داغ همرشولد، والخدمات التّلفزيوينّة، والإنترنت والخدمات التّقنية والتّكنولوجيّة الحديثة من مثل التّعرّف الصّوتيّ، وخدمة المؤتمرات عن بُعد، والتّرجمة التّحريريّة عن بُعد، والتّرجمة الشّفويّة عن بُعد، أسوة باللّغات الرّسميّة ولغات العمل الأخرى"، فأخذت اللّغة العربيّة مكانتها، على قدم المساواة مع سائر اللّغات الرّسمية المعتمدة في الأمم المتّحدة.

إنّ اللّغة العربيّة هي إحدى اللّغات الأكثر انتشاراً في العالم، حيث تعتبر اللّغة الأمّ لما يزيد على 300 مليون نسمة، يعيش معظمهم في الوطن العربيّ، ويضاف إلى ذلك العدد ما يزيد على 130 مليون شخصاً، يتحدّثون بها، بصفتها لغة ثانية، وتقدّر بعض الدّراسات الإحصائيّة المنشورة، أن يصل عدد الأشخاص الذين يتحدّثون باللّغة العربيّة، إلى 647 مليوناً سنة 2050م، واللّغة العربيّة هي اللّغة الرّابعة في العالم، بالنّسبة إلى ترتيب اللّغات الأكثر تداولاً واستعمالاً على الكرة الأرضيّة، بعد اللّغتين الانكليزية والفرنسيّة والإسبانيّة، كما أنّها من "قلائل اللّغات السّامية التي صمدت حتّى يومنا هذا"، واللّغات الرّسميّة في الأمم المتّحدة، هي اللّغات السّت التي تستعمل في اجتماعات الأمم المتّحدة، وتُكتب بها جميع الوثائق الرّسميّة للأمم المتّحدة، وهي الإنكليزيّة والفرنسيّة والرّوسيّة والصّينيّة والإسبانيّة والعربيّة، أي اللّغات الأربع التّابعة للأعضاء الخمسة الدّائمين في مجلس الأمن الدّوليّ، وهي اللّغات التي تأتلف مع اللّغتين العربيّة والإسبانيّة، في نطاق اللّغات الرّسميّة التي قرّرت منظّمة الأمم المتّحدة، أن تحتفل بكلّ منها في أيّام معيّنة، حيث خصّصت يوماً خاصّاً للاحتفال بكلّ لغة على حدة.

اختير اليوم العالمي للغة العربيّة في الثّامن عشر من شهر كانون الأوّل "ديسمبر" من كلّ عام، وقد كانت البواعث التي أدّت إلى الاحتفال بهذه اللّغات السّت، وردت في إعلان نصّ على أنّه في "إطار جهود الأمم المتّحدة لتعدّد اللّغات والثّقافات، ولرفع مستوى الوعي التّاريخيّ والثّقافيّ وإنجازات كلّ لغة من اللّغات. وبناء على مبادرة اليونيسكو، المنظّمة العالميّة للتّربية والثّقافة العلوم، أعلن في 19 شباط "فبراير" 2010 الاحتفال بكلّ لغة من اللّغات الرّسميّة للأمم المتّحدة"، فإضافة إلى ذلك اليوم الذي تحتفل فيه منظّمة الأمم المتّحدة، باليوم العالميّ للغة العربيّة، وهو مثلما ذكرت آنفاً في الثّامن عشر من شهر كانون الأوّل "ديسمبر" من كلّ عام، فإنّه تقرّر "الاحتفال باللّغة الإنجليزيّة في 23 نيسان "أبريل"، وهو تاريخ يوم ميلاد وليم شكسبير الشّاعر والمسرحيّ الإنجليزيّ"، وكان موعد الاحتفال باللّغة الفرنسيّة في 20 آذار "مارس"، وهو اليوم الذي يتزامن مع اليوم الدّوليّ للفرانكوفونيّة الذي يحيي اتّفاقيّة نيامي الموقّعة في 20 آذار "مارس" 1970، وهو تاريخ نشأة الفرانكوفونيّة"، وتقرّر اعتماد يوم الاحتفال باللّغة الرّوسيّة في 6 حزيران "يونيو"، الذي يتزامن مع يوم ميلاد شاعر روسيا ألكسندر بوشكين"، "وأمّا بالنّسبة لموعد الاحتفال باللّغة الصّينيّة، فقد اختير يوم 22 نيسان "أبريل"، تخليداً لذكرى سانغ جيه مؤسّس الأبجديّة الصّينيّة"، واتّفق على الاحتفال باللّغة الإسبانيّة في يوم 12 تشرين الأوّل "أكتوبر"، تزامناً "مع الاحتفال بيوم الثّقافة الإسبانيّة"، وقد وقع اختيار أفراد الشّعوب الذين يتكلّم كلّ منهم، إحدى تلك اللّغات الخمس، على تلك الأيّام التي باتت الأيّام العالميّة لتلك اللّغات الرّسميّة.

يلاحظ عند النّظر في تلك الأيّام العالميّة التي يجري في كلّ منها، الاحتفال بلغة محدّدة، أنّ ثلاثة أيّام حدّد تاريخ الاحتفال بها، في ذكرى ولادة كاتب أو شخص، كان لكلّ منهما، تأثير بارز في تلك اللّغة التي نسب إليها، بينما اختير تاريخا يومين يجري فيهما الاحتفاء بلغتين اثنتين، ليكون كلّ منهما، في يوم يوافق ذكرى الاحتفال بحدث ثقافي معيّن، بينما وافق موعد الاحتفال باللّغة العربيّة، تاريخ صدور القرار الذي اعتبر اللّغة العربيّة لغة رسميّة، وإنّي أرغب في أن أناقش، في زمن قريب، موضوع تحديد تاريخ موعد الاحتفال بهذه اللّغات الرّسميّة السّت، وإضافة إلى مزايا اللّغة العربيّة، التي كنت أشرت إليها سابقاً، فإنّه توجد العديد من الخصائص المتبقيّة، التي كانت تتّصف بها تلك اللّغة، حيث ظلّت أيضاً هي لغة العلم والفنّ.



يشتدّ اعتزاز العرب بلغتهم العربيّة التي اعتبروها سيّدة لغات العالم، وهي في اعتقادهم أمّ اللّغات، ويعدّونها أيضاً سيّدة وخيراللّغات  والألسنة، وقد تحدّث المؤرّخون والمفكّرون والباحثون من أجناس شتّى، عن افتخار الإنسان العربيّ بلغته، واللّغة العربيّة هي لغة البيان والبلاغة والفصاحة، وقد شرح ابن المقفّع معنى البلاغة، إذ قال "البلاغة اسم لمعان تجري في وجوه كثيرة: منها ما يكون في السّكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون شعراً، ومنها ما يكون سجعاً، ومنها ما يكون خطباً، وربّما كانت رسائل. فعامّة ما يكون من هذه الأبواب فالوحي فيها والإشارة إلى المعنى أبلغ. والإيجاز هو البلاغة"، والعبارة الأخيرة التي وردت في حديث ابن المقفع، ظهر فيها التّنويه بفكرة الإيجاز في الكلام، وقد اعتبر العرب خير الكلام ما قلّ ودلّ، وقال ابن المعتزّ "البلاغة هي البلوغ إلى المعنى ولما يطل سفر الكلام"، وذهب الخليل بن أحمد إلى أن يعتبر "البلاغة هي ما قرب طرفاه وبعد منتهاه"، وقصد الخليل في شرحه حدّ البلاغة، بقوله "ما قرب طرفاه"، أي الكلام الذي قصرت عبارته، وأمّا قوله "وبعد منتهاه"، فيعني أنّه حقّق معنى وافراً غزيراً واسع المدى، واتّسم بالجمال والبيان والفصاحة.

اتّضحت عناية العديد من الأدباء والفقهاء في تبيان معنى البلاغة، وقد ذهب الجاحظ إلى إبراز أهمّيّة العناية باللّفظ في تحقيق البلاغة، فقال "المعاني مطروحة في الطّريق، يعرفها العجميّ والعربيّ والبدويّ والقرويّ، وإنّما الشّأن في إقامة الوزن وتخيّر اللّفظ وسهولة المخرج"، وأمّا ابن جنّي فقد رأى "أنّ العرب كما تعنى بألفاظها فتصلحها وتهذّبها وتراعيها، وتلاحظ أحكامها بالشّعر تارة، وبالخطب تارة، وبالأسجاع التي تلتزمها وتتكلّف استمرارها، فإنّ المعاني أقوى عندها، وأكرم عليها وأفخم في نفوسها"، وكان عالم اللّغة والنّحويّ عبد القاهر الجرجانيّ لا يفصل بين اللّفظ والمعنى، في تبيان بلاغة الكلام، حيث كان يجمع بينهما النّظم، وهو قال "الألفاظ لا تُفيد حتّى تُؤلّف ضرباً خاصّاً من التّأليف، ويُعْمَد بها إلى وجه دون وجه من التّركيب والتّرتيب"، وأضاف في شرح المقصد الذي عنى بإظهاره في حديثه، حيث ذكر "هل تجد أحداً يقول: هذه اللّفظة فصيحة، إلّا وهو يعتبر مكانها من النّظم، وحسن ملاءمة معناها لمعنى جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها؟" وهو وضّح فكرة النّظم بقوله "معلوم أن ليس النّظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض"، وقد رأى أحمد حسن الزّيّات، أنّ البلاغة لا تفصل بين العقل والذّوق، ولا بين الفكرة والكلمة، ولا بين المضمون والشّكل، إذ الكلامكائن حيّ، روحه المعنى وجسمه اللّفظ فإذا فصلت بينهما أصبح الرّوح نفساً لا يتمثّل والجسم جماداً لا يحسّ، وقد اعتبر العرب الكتابة البليغة هي "أَلذُّ من السَّلْوَى إِذا ما نَشُورُها؟، وتعني تلك العبارة أنّ البلاغة هي ألذّ من العسل إذا ما نستخرجها، فذلك الوصف يبيّن مكانة حلاوة الحديث وطلاوة العبارة عند العرب.

إنّ اللّغة إذا اعتبرت بحقّ وعاء الفكر، فإنّها أيضاً مرآة للوضع الحضاريّ السّائد في المجتمعات، وقد قال كولريدج "اللّغة مستودع أسلحة العقل البشريّ، الذي يتضمّن دلائل انتصاراته في الماضي وأسلحة فتوحاته في المستقبل"، وإذا كان كولريدج عنى بكلامه اللّغة بوجه عامّ، فإنّ اللّغة العربيّة لا تضارعها ولا تجاريها أيّة لغة في هذا العالم فيقوّتهاالبلاغيّةواستطاعتها"اختراق وتجاوزالمعارفالأدبيّةلتصلإلىالعواطفوتطبعهابطابعهاالخاصّ"، وبهذه القدرة التي تحوزها اللّغة العربيّة، فإنّها "لايمكنمقارنةاللّغةالعربيّةبغيرالموسيقا"، وقد ذهب أحد المستشرقين إلى تأكيد هذا المعنى حيث قال "بينمايختلفتأثيراللّغةعنتأثيرالموسيقالدىالنّاطقينباللّغة الانكليزيّة،تجدالعربيتفاعلونمعاللّغةوالموسيقابنفسالنّمطأساساً،غيرأنّ تأثيراللّغةلديهمربّمايكونأعمقوأشدّوأكثرعاطفيّة"، وكلام هذا المستشرق، يستدعي التّأمّل فيه مليّاً، إذ أحلّ اللّغة العربيّة بتلك المكانة العالية، حيث أصبحت اللّغة العربيّة الأداة التّعبير الأجمل التي تمتلك قوّة التّأثير الأكمل.

كثرت الدّلائل على عناية العرب بحفظ لغتهم، التي تعدّ من أقدم اللّغات، وأكثرها أصالة، والعربهم"ذوونفوسحسّاسة مثلسائرأهلالخيالالشّعريّ، فأصبحللبلاغةوقعشديدفينفوسهم،فالعبارةالبليغةقدتقعدهمأوتقيمهمبما تثيرهفيخواطرهممنالنّخوة، قد يكون العرب بين أكثر الشّعوب العالم إحساساً بلغتهم"، واللّغة العربيّة الفصحى هي أغنى اللّغات في القدرة على التّعبير، وقد تميّزت بخصائص انفردت بها عن سائر اللّغات، فاللّغة العربيّة "تملك أوسع مدرج صوتي عرفته اللّغات، حيث تتوزّع مخارج الحروف بين الشّفتين إلى أقصى الحلق. وقد تجد في لغات أخرى غير العربيّة حروفاً أكثر عدداً، ولكنّ مخارجها محصورة في نطاق أضيق ومدرج أقصر، كأن تكون مجتمعة متكاثرة في الشّفتين، وما والاهما من الفم أو الخيشوم، أو تجدها متزاحمة من جهة الحلق"، فتميّزت اللّغة العربيّة عن سائر اللّغات بتلك الخاصّيّة التي تأكّد بها ترابط الحروف في تآلف جليّ، في العبارات التي نطق بها العرب.

مهّد اتّساع ذلك المدرج الصّوتيّ الذي تحدّث عنه الباحثون اللّغويّون، لأن تتوزّع فيه "المخارج توزّعاً عادلاً يؤدّي إلى التّوازن والانسجام بين الأصوات. ويراعي العرب في اجتماع الحروف في الكلمة الواحدة وتوزّعها وترتيبها فيها حدوث الانسجام الصّوتيّ والتّآلف الموسيقيّ"، وقد ذُكِرَت أمثلة تبيّن خاصّيّة تحقيق ذلك التّوافق بين الحروف، فقيل أنّه "لا تجتمع الزاي مع الظاء والسين والضاد والذال. ولا تجتمع الجيم مع القاف والظاء والطاء والغين والصاد، ولا الحاء مع الهاء، ولا الهاء قبل العين، ولا الخاء قبل الهاء، ولا النون قبل الراء، ولا اللام قبل الشين"، وإذا كانت اللّغة العربيّة تميّزت بعراقتها الضّاربة جذورها في أزمنة التّاريخ الموغلة في القدم، إلّا أنّ ظلّت "أصوات العربيّة ثابتة على مدى العصور والأجيال منذ أربعة عشر قرناً. ولم يُعرف مثل هذا الثّبات في لغة من لغات العالم في مثل هذا اليقين والجزم"، ومتّن هذا الثّبات الحاصل في اللّغة العربيّة، وسائل تواصل الأجيال المتتابعة مع نصوص اللّغة الكثيرة، التي ظلّت راسخة خلال توالي تلك العصور المديدة، وقد تميّزت اللّغة العربيّة بأصوات الإطباق، إذ تستخدم في الكلام "الأعضاء الخلفيّة من جهاز النّطق أكثر من غيرها من اللّغات، فتوظّف جذر اللّسان وأقصاه والحنجرة والحلق واللّهاة توظيفاً أساسيّاً، ولذلك فهي تحتوي على مجموعة كاملة لا وجود لها في أيّ لغة ساميّة، فضلاً عن لغات العالم، وهي مجموعة أصوات الإطباق: الصّاد والضّاد والطّاء والظّاء والقاف، ومجموعة الأصوات الخلفيّة وتشمل الصّوتين الجذريّين الحلقيّين: الحاء والعين، والصّوت القصيّ الطّبقيّ: الغين، والصّوت القصويّ اللهويّ: القاف، والصّوت الحنجريّ: الهمزة"، فكانت اللّغة العربيّة سهلة النّطق، يتأتّى التّلفّظ بها بسلاسة، وتأخذ الألسن في الحديث بها بيسر من دون أن تصادف عنتاً أو مشقّة.

اشتمل معجم اللّغة العربيّة على أكبر عدد من الكلمات، التي لا يقارن بمقدارها، مجموع الكلمات التي تحتويها أيّة لغة في العالم، فذلك المعجم هو أغنى وأغزر معاجم اللّغات في المفردات ومرادفاتها، وهي التي يطلق عليها وصف الثّروة اللّفظيّة، إذ يضمّ العديد من المعاجم العربيّة الكبيرة أكثر من مليون مفردة، و"حصر تلك المفردات لا يكون بحصر موادّ المعجم، لأنّ العربيّة لغة اشتقاق، والمادّة اللّغويّة في المعجم العربيّ التّقليديّ هي مجرّد جذر، والجذر الواحد تفرّع منه مفردات عديدة، يضاف إليها قائمة أخرى بالأسماء المشتقّة من بعض تلك المفردات، وكلّ مفردة تؤدّي معنى مختلفاً عن غيرها،" ويتحدّث أرنست رينان العالم الفرنسيّ، عن اللّغة العربيّة قائلاً: "إنّ هذه اللّغة قد بلغت حدّ الكمال في قلب الصّحراء عند أمّة من الرّحل ففاقت اللّغات بكثرة مفرداتها ودقّة معانيها وحسن نظام معانيها"، فاللّغة العربيّة هي إحدى أغنى وأدقّ لغات العالم في الكلمات والمعاني التي تدلّ عليها، إذ يتجاوز القاموس العربيّ 12 مليون كلمة بحسب قاموس "المعاني" الإلكترونيّ، وقال الإمام الشّافعيّ: "لسان العرب أوسع الألسنة مذهباً، وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسانٌ غير نبيّ"، والأبجديّة العربيّة تتألّف من 28 حرفاً، وهي ثاني أكثر الأبجديّات انتشاراً في العالم، وتستخدم لكتابة العديد من اللّغات غير العربيّة كالأفغانيّة، وتطوّرت اللّغة العربيّة، مثلما هو حالة سائر اللّغات، فترك استعمال مفردات من تلك اللّغة، حيث اندثرت فيها كلمات متعدّدة، ولكنّ أضيفت إليها في أوقات متتابعة، مفردات جديدة أخرى.

يرجع تاريخ صدور أوّل قرار باستعمال اللّغة العربيّة في الأمم المتّحدة، إلى يوم 4 كانون الأوّل "ديسمبر"، في عام 1954م، إذ صدر قرار الجمعيّة العامّة رقم 878 في دورتها التّاسعة، باعتبارها لغة عمل في عام 1955م، وكان تصدّر القرار العنوان التّالي: "ترجمة بعض الوثائق الرّسميّة للجمعيّة العامّة إلى اللّغة العربيّة وفقاً للمادّة 59 من النّظام الدّاخليّ للجمعيّة العامّة"، ثمّ أصدرت منظّمة اليونسكو في عام 1960  قراراً يقضي "باستخدام اللّغة العربيّة في المؤتمرات الإقليميّة التي تُنظَّم في البلدان النّاطقة بالعربيّة وبترجمة الوثائق والمنشورات الأساسيّة إلى اللّغة العربيّة"، وبعد مضيّ عقد ونيّف، أصدرت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في يوم 18 كانون الأوّل "ديسمبر"،  قرارها رقم 3190، في دورتها ال28، في عام 1973م، الذي "تقرّر بموجبه إدخال اللّغة العربيّة ضمن اللّغات الرّسميّة في المنظّمة الأمميّة"، فاعتمدت اللّغة العربيّة بموجب هذا القرار لتكون إحدى اللّغات الرّسميّة السّت في الجمعيّة العامّة والهيئات الفرعيّة التّابعة لها، وقد نصّ ذلك القرار على "أنّ الجمعيّة العامّة إذ تدرك ما للغة العربيّة من دور هامّ في حفظ ونشر حضارة الإنسان وثقافته، وإذ تدرك أيضاً أنّ اللّغة العربيّة هي لغة تسعة عشر عضواً من أعضاء الأمم المتّحدة (في ذلك الأوان الذي صدر فيه هذا القرار)، وأنّها لغة عمل مقرّرة في وكالات: منظّمة الأمم المتّحدة للتّربية والعلم والثّقافة (اليونسكو)، ومنظّمة الأمم المتّحدة للأغذية والزّراعة (الفاو)، ومنظّمة الصّحة العالميّة، ومنظّمة العمل الدّوليّة، كما أنّها لغة رسميّة ولغة عمل في منظّمة الوحدة الأفريقيّة، وإذ تلاحظ مع التّقدير ما قدّمته الدّول العربيّة، من تأكيدات بأنّها ستُغطّي بصورة جماعيّة، النّفقات النّاجمة عن تطبيق هذا القرار خلال السّنوات الثّلاث الأولى، تقرّر إدخال اللّغة العربيّة ضمن اللّغات الرّسميّة ولغات العمل المعتمدة في الجمعيّة العامّة ولجانها الرّئيسيّة، على أن تقوم بتعديل أحكام النّظام الدّاخليّ للجمعيّة العامّة المتّصلة بالموضوع"، وقد صدر هذا القرار في الاجتماع رقم 2206، في 18 كانون الأوّل "ديسمبر" 1973م، فأصبحت اللّغة العربيّة منذ هذا الأوان، لغة عمل رسميّة، وغدت إحدى اللّغات السّت التي يعمل بها في الأمم المتّحدّة.

ما برح يزداد رسوخ حضور اللّغة العربيّة في الهيئات التّابعة للأمم المتّحدة، إذ أصبحت في تاريخ 1 كانون الثّاني "يناير" 1983م، لغة رسميّة في مجلس الأمن والمجلس الاقتصاديّ والاجتماعيّ، بناء على قرار الجمعيّة العامّة 219 في دورتها 35 المؤرّخة 17 كانون الأوّل "ديسمبر" 1980م، ونصّ هذا القرار على أنّه "يتعيّن بموجب هذا القرار أن يُصبح جهاز موظّفي اللّغة العربيّة في حجم جهاز موظّفي كلّ من اللّغات الرّسميّة ولغات العمل الأخرى، وعلى أن تتمتّع اللّغة العربيّة بنفس الوضع الممنوح للغات الرّسميّة ولغات العمل الأخرى، وترجو مجلس الأمن إدخال اللّغة العربيّة لغة رسميّة ولغة عمل، والمجلس الاقتصاديّ والاجتماعيّ إدخال اللّغة العربيّة لغة رسميّة في أجل لا يتعدّى 1 كانون الثّاني "يناير" 1983م"، وقد اقتضى تنفيذ هذين القرارين الصّادرين "إنشاء دوائر وأقسام التّرجمة التّحريريّة والشّفويّة العربيّة بمقرّ الأمانة العامّة في نيويورك وجنيف وفيينا ونيروبي، ووحدة تجهيز النّصوص العربيّة، وقسم المحاضر الحرفيّة، وقسم تحرير الوثائق الرّسميّة، وقسم تصحيح التّجارب الطّباعيّة، وشعبة النّشر، وكلّها تتبع إدارة شؤون الجمعيّة العامّة وخدمات المؤتمرات: كما أنشئ قسمان للتّرجمة العربيّة في اللّجنة الاقتصاديّة لغرب آسيا ومقرّها بيروت، واللّجنة الاقتصاديّة لأفريقيا ومقرّها أديس أبابا. وفي نفس الوقت، أنشئ قسم الخدمات الإذاعيّة وقسم تعليم اللّغة العربيّة، فضلاً عن خدمات مكتبة داغ همرشولد، والخدمات التّلفزيوينّة، والإنترنت والخدمات التّقنية والتّكنولوجيّة الحديثة من مثل التّعرّف الصّوتيّ، وخدمة المؤتمرات عن بُعد، والتّرجمة التّحريريّة عن بُعد، والتّرجمة الشّفويّة عن بُعد، أسوة باللّغات الرّسميّة ولغات العمل الأخرى"، فأخذت اللّغة العربيّة مكانتها، على قدم المساواة مع سائر اللّغات الرّسمية المعتمدة في الأمم المتّحدة.

إنّ اللّغة العربيّة هي إحدى اللّغات الأكثر انتشاراً في العالم، حيث تعتبر اللّغة الأمّ لما يزيد على 300 مليون نسمة، يعيش معظمهم في الوطن العربيّ، ويضاف إلى ذلك العدد ما يزيد على 130 مليون شخصاً، يتحدّثون بها، بصفتها لغة ثانية، وتقدّر بعض الدّراسات الإحصائيّة المنشورة، أن يصل عدد الأشخاص الذين يتحدّثون باللّغة العربيّة، إلى 647 مليوناً سنة 2050م، واللّغة العربيّة هي اللّغة الرّابعة في العالم، بالنّسبة إلى ترتيب اللّغات الأكثر تداولاً واستعمالاً على الكرة الأرضيّة، بعد اللّغتين الانكليزية والفرنسيّة والإسبانيّة، كما أنّها من "قلائل اللّغات السّامية التي صمدت حتّى يومنا هذا"، واللّغات الرّسميّة في الأمم المتّحدة، هي اللّغات السّت التي تستعمل في اجتماعات الأمم المتّحدة، وتُكتب بها جميع الوثائق الرّسميّة للأمم المتّحدة، وهي الإنكليزيّة والفرنسيّة والرّوسيّة والصّينيّة والإسبانيّة والعربيّة، أي اللّغات الأربع التّابعة للأعضاء الخمسة الدّائمين في مجلس الأمن الدّوليّ، وهي اللّغات التي تأتلف مع اللّغتين العربيّة والإسبانيّة، في نطاق اللّغات الرّسميّة التي قرّرت منظّمة الأمم المتّحدة، أن تحتفل بكلّ منها في أيّام معيّنة، حيث خصّصت يوماً خاصّاً للاحتفال بكلّ لغة على حدة.

اختير اليوم العالمي للغة العربيّة في الثّامن عشر من شهر كانون الأوّل "ديسمبر" من كلّ عام، وقد كانت البواعث التي أدّت إلى الاحتفال بهذه اللّغات السّت، وردت في إعلان نصّ على أنّه في "إطار جهود الأمم المتّحدة لتعدّد اللّغات والثّقافات، ولرفع مستوى الوعي التّاريخيّ والثّقافيّ وإنجازات كلّ لغة من اللّغات. وبناء على مبادرة اليونيسكو، المنظّمة العالميّة للتّربية والثّقافة العلوم، أعلن في 19 شباط "فبراير" 2010 الاحتفال بكلّ لغة من اللّغات الرّسميّة للأمم المتّحدة"، فإضافة إلى ذلك اليوم الذي تحتفل فيه منظّمة الأمم المتّحدة، باليوم العالميّ للغة العربيّة، وهو مثلما ذكرت آنفاً في الثّامن عشر من شهر كانون الأوّل "ديسمبر" من كلّ عام، فإنّه تقرّر "الاحتفال باللّغة الإنجليزيّة في 23 نيسان "أبريل"، وهو تاريخ يوم ميلاد وليم شكسبير الشّاعر والمسرحيّ الإنجليزيّ"، وكان موعد الاحتفال باللّغة الفرنسيّة في 20 آذار "مارس"، وهو اليوم الذي يتزامن مع اليوم الدّوليّ للفرانكوفونيّة الذي يحيي اتّفاقيّة نيامي الموقّعة في 20 آذار "مارس" 1970، وهو تاريخ نشأة الفرانكوفونيّة"، وتقرّر اعتماد يوم الاحتفال باللّغة الرّوسيّة في 6 حزيران "يونيو"، الذي يتزامن مع يوم ميلاد شاعر روسيا ألكسندر بوشكين"، "وأمّا بالنّسبة لموعد الاحتفال باللّغة الصّينيّة، فقد اختير يوم 22 نيسان "أبريل"، تخليداً لذكرى سانغ جيه مؤسّس الأبجديّة الصّينيّة"، واتّفق على الاحتفال باللّغة الإسبانيّة في يوم 12 تشرين الأوّل "أكتوبر"، تزامناً "مع الاحتفال بيوم الثّقافة الإسبانيّة"، وقد وقع اختيار أفراد الشّعوب الذين يتكلّم كلّ منهم، إحدى تلك اللّغات الخمس، على تلك الأيّام التي باتت الأيّام العالميّة لتلك اللّغات الرّسميّة.

يلاحظ عند النّظر في تلك الأيّام العالميّة التي يجري في كلّ منها، الاحتفال بلغة محدّدة، أنّ ثلاثة أيّام حدّد تاريخ الاحتفال بها، في ذكرى ولادة كاتب أو شخص، كان لكلّ منهما، تأثير بارز في تلك اللّغة التي نسب إليها، بينما اختير تاريخا يومين يجري فيهما الاحتفاء بلغتين اثنتين، ليكون كلّ منهما، في يوم يوافق ذكرى الاحتفال بحدث ثقافي معيّن، بينما وافق موعد الاحتفال باللّغة العربيّة، تاريخ صدور القرار الذي اعتبر اللّغة العربيّة لغة رسميّة، وإنّي أرغب في أن أناقش، في زمن قريب، موضوع تحديد تاريخ موعد الاحتفال بهذه اللّغات الرّسميّة السّت، وإضافة إلى مزايا اللّغة العربيّة، التي كنت أشرت إليها سابقاً، فإنّه توجد العديد من الخصائص المتبقيّة، التي كانت تتّصف بها تلك اللّغة، حيث ظلّت أيضاً هي لغة العلم والفنّ.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (31)

سنة النّشر 2008

ما برح الموسيقار صلحي الوادي يؤكّد دائماً أنّ تلك المهامّ التي تتصدّى المؤسّسات الإعلاميّة لأن تحقّقها، يجب ألاّ تعرقل سعي المعاهد الموسيقيّة إلى إدراك أهدافها الفنّيّة السّاميّة، وقد تحدّث الفناّن صلحي الوادي عن تلك الأعمال، التي ينبغي أن تناط بتلك المؤسّسات الإعلاميّة، إذ قال أنّ "وسائل الإعلام خاصّة الإذاعة والتّلفزيون لها أهمّيّة كبيرة في كلّ المجتمعات، كي ترفع من مستوى الإنسان الفكريّ وتذوّقه الفنّيّ، فإن استخدمتها بصورة إيجابيّة انعكس هذا بشكل إيجابيّ على المجتمع..، وإن كانت سلبيّة فستؤدّي إلى تردّي الذّوق العامّ،... وهذا لا يتعلّق فقط بالموسيقا بل بمختلف الفنون والثّقافات... وأنا أقول إنّ تقديم هذه الوسائل وتبنّيها للفنون التّهريجيّة سيجعل الرّقعة المطلوب إصلاحها تتّسع أكثر فأكثر.. وتزداد بالتّالي صعوبة مهمّة التّغيير باتّجاه الفنون الرّاقية.. إنّ على البرامج التّلفزيونيّة والإذاعيّة أن لا تنظر إلى مهمّتها ودورها كوسائل للتّرفيه، بل هناك إلى جانب هذا دور ثقافيّ جادّ يجب أن تتوجّه به إلى النّاس، عبر برامج وفقرات يوميّة تقدّم تعريفاً للمواطن على الفنون الرّاقية.. وفي إطار علميّ ومدروس... من تجربتي مع عدّة مدراء لوسائل الإعلام فيما سبق كان فهمهم لدور مؤسّساتهم على أنّه دور ترفيهيّ، وهو تفكير مبني على تقدير خاطئ لطبيعة المواطن المعاصر.. وهذه النّظرة فيما يخصّ الموسيقا تترك الباب مفتوحاً أمام الكثير من تعدّيات المتطفّلين على عالمها. من بين هؤلاء تجد من يقدّم برامج موسيقيّة مطوّلة، يتحدّثون فيها بصورة تبدو للمشاهد أنّها صورة علميّة.. (فالمحدّث يقول ما لا يفهم المشاهد.. إذاً هو على صواب).. بينما تبدو المعلومات المقدّمة للموسيقيّ المتعلّم مزيجاً غريباً غير متناسق من علوم الفلك والفلسفة والشّعر.. يجتهد مقدّم هذا البرنامج بما لو قدّر له النّشر لتجاوز كتاب الفارابي عن الموسيقا؟ بل والمعجم البريطانيّ؟! ولكنّ.. وبغياب حكم حقيقيّ قادر على تقييم برنامج كهذا بشكل علميّ.. يأخذ هذا البرنامج مشروعيّة استمراره؟".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (30)

سنة النّشر 2008

بيّن الموسيقار صلحي الوادي بصراحة نيّرة، ذلك المستوى الذي تحلّ به الموسيقا في البلاد العربيّة، التي تردّى فيها النّشاط الموسيقيّ في مهواة الانحطاط، وإنّي أعتقد أنّ أبناء الأمّة العربيّة، إذا لم يسلكوا نهج الصّراحة المحضة، في كشف الأدواء التي تصيب المجتمعات العربيّة، فإنّهم لن يفلحوا في معالجة تلك المشاكل العسيرة، التي تعترض دون أن تتحقّق النّهضة الحضاريّة في تلك البلاد العربيّة، وقد وعى الفنّان صلحي الوادي جيّداً المسؤوليّة الجسيمة، التي تضطلع هيئة التّلفزيون في سورية بتحمّلها، إذ وجب على تلك الهيئة الإعلاميّة أن تنشر الأعمال الفنّيّة الرّفيعة، حيث اقتضت تلك المهامّ التي توكّلت تلك الهيئة بأن تحقّقها، ألّا تعمد إلى تقديم سفاسف الأعمال الموسيقيّة، وألّا تساير مشارب أولئك الأشخاص، الذين يميلون إلى الأعمال الموسيقيّة التي تسفّ إلى الوضاعة، وقد تحدّث الفنّان صلحي الوادي عن تلك الأعمال التي يجب على هيئة التّلفزيون أن تأتيها، إذ قال "لا يجوز لنا أن نتوقّع أن يكون الجمهور كلّه متطلّباً لموسيقا ذات مستوى رفيع، وكلّما ازداد الجمهور وانتشر تتقلّص متطلّباته الفنّيّة، فجمهور التّلفزيون له متطلّبات متوسّطة والسّينما أعلى قليلاً.. والمسرح أعلى أكثر، ولهذا فالتّلفزيون يقدّم أقلّ ما يمكن من الأعمال الفنّيّة الرّاقية، لتأمين الفقرات المتنوّعة الكثيرة لجمهوره الواسع، وهذا من شأنه أن يخلق السّلعة الاستهلاكيّة، وفي التّلفزيون مجال واسع لمثل هذه الأعمال... ولو كنت مسؤولاً هناك لقدّمت ما يطلبه الجمهور، ولما أريده أنا، أي لأحدثت توافقاً بين ما هو مقدّم، وما يجب أن يقدّم من أغان رفيعة وموسيقا جميلة لجمهور مثقّف ولا يمكننا أن نستهين بنسبته".

إنّ المؤسّسات الإعلاميّة في سورية إذا أدركت حقّاً كنه تلك المسؤوليّة التي انبرت لأن تتحمّلها، لأنجزت تلك المهامّ التي توائم ذلك النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ الجليل، الذي تمارسه المؤسّسات الثّقافيّة الموسيقيّة، وقد رأى الموسيقار صلحي الوادي أنّ "لا شكّ في أنّ المؤسّسات الإعلاميّة، بإمكانها المشاركة في ذلك النّشاط الموسيقيّ (في توسيع رقعة الجمهور الواعي والمتذوّق للموسيقا الجادّة)، لو اقتنعت بأهمّيّة الثّقافة الموسيقيّة، فلو وجدت البرامج التّلفزيونيّة والإذاعيّة المتخصّصة بهذا المجال، لساهمت مساهمة كبيرة، بالإضافة إلى عملنا، في توسيع رقعة التّذوّق الموسيقيّ بين الجماهير الكبيرة، وفي إيجاد نافذة يبرز منها الشّباب الموهوبون، الذين نقدّم لهم تشجيعاً كبيراً في إتاحة فرصة الظهور لهم، أمام تلك الجماهير التي ترغب في الاستماع إلى عزفهم".



تناقلت وسائل الإعلام العالميّة صوراً ظهرت فيها السّترات الصّفراء معروضة في بعض المحلّات والمتاجر في فرنسا، وقد كانت الغاية التي سعى إليها أصحاب تلك المحلّات، في إظهار تلك السّترات الصّفراء في متاجرهم، هي دفع الأذى عن محلّاتهم، حسبما ذكرت تلك الوسائل الإعلاميّة العالميّة، التي أوضحت أنّ السّترات الصّفراء، أصبحت وسيلة يتّخذها أصحاب المتاجر لحماية محلّاتهم من التّعرّض للأضرار.

إنّ المسعى الذي صدر من أصحاب المتاجر، يتّضح فيه وجه الطّرافة، التي تخالطها مرارة السّخريّة، وهي الحالة التي يعبّر عنها تعبيراً دقيقاً، القول العربيّ البليغ، وهو شرّ البليّة ما يضحك.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (29)

سنة النّشر 2008

إنّ تلك الرّابطة التي تجمع بين الفنّان والجمهور الجدير بتذوّق العمل الفنّيّ، لا تخلّ باستقلاليّة ذلك الفنّان بمزاولة نشاطه الفنّيّ الإبداعيّ، فهو يأبى أن يفرّط في أن يصون استقلاله باصطفاء الأسلوب الفنّيّ الذي يرتئي أن يتّبعه، من دون أن يستفتي سائر النّاس في اختياره ذلك النّهج الفنّيّ الذي قرّر ذلك الفنّان أن يسلكه، وقد رأى الفنّان رودان أنّ "الفنّان رجل يعشق مهنته، وهو يرى أنّ أثمن مكافأة يظفر بها هي اغتباطه بتحقيق عمل جيّد،... وإنّ الفنّ أيضاً درس رائع في الإخلاص، فالفنّان الحقيقيّ يعبّر دائماً عمّا يجول بذهنه، حتّى ولو أدّى به الأمر إلى أن يطيح بشتّى الآراء الذّائعة، وهو بهذا يلقّن أشباهه من النّاس درساً في الصّراحة، ولن يكون أروع من ذلك التّقدّم الذي لا بدّ من أن تحرزه الإنسانيّة لو قدّر للصّدق المطلق أن يسود بين النّاس!"، ويعلّق المفكّر زكريّا إبراهيم على رأي رودان قائلاً "وأمّا نحن فإنّنا نقول إنّ الفنّان الحقيقيّ إنّما هو ذلك الصّانع الذي لا يزدري المادّة، ولا يحتقر الصّنعة، بل يخلص دائماً للفنّ بوصفه مهنة، ويؤدّي رسالته في المجتمع بوصفه صاحب حرفة يعيش منها، ولكنّه يعيش أيضاً لها! وليس "الصّدق" في الفنّ سوى وفاء الفنّان لرسالته، بوصفها ذلك النّشاط الإبداعيّ الذي لا يبدأ إلّا حيث تنتهي الحرفة".



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (40)

سنة النّشر 1987

تيسّر لي أن أدرك اقتراب موعد التقائي بنادية، من خلال تلك الاستعدادات، التي تمهّد لي انطلاقي إلى ذلك المكان الذي سأراها فيه، فآنس في نفسي، ثوران مشاعري، وهيجان خواطري، وغليان عواطفي، فتنذر تلك الأحوال الطّارئة عليّ، بدنوّ ذلك الموعد المرتقب، فأخفّ إلى أن أذهب مسرعاً إلى ذلك اللّقاء، من دون أن آبه لما أطأه بقدمي من رمضاء تلك السّبيل التي اتّبعها، ولم أكترث لما يتأجّج في صدري من ضرام الأشجان، وأنا أثير في نفسي تلك الغموم الخامدة التي نشبت فيها، بعد إخفاقي وتعثّري فيما خلا من الأيّام، في إنشاء تلك العلائق التي كانت تحلّ بها أطياف العشق والغرام، فأتّجه نحو ذلك الموعد الذي سأرى فيه نادية، من دون أن يثنيني عائق عن سيري إلى ذلك اللّقاء، أو يحبط سعيّ في خوضي غمرات تلك السّبيل الشّاقّة، وإن كنت أعتقد أنّ جسارة إقدامي وجرأة اندفاعي نحوه، كانتا كاقترابي من الضّرر الدّاهم والخطر الدّائم، كي يتسنّى لي معرفة مكامن شرّهما، لأحفظ نفسي من بائقتهما وأحميها من غائلتهما.

لم نكن نصوغ الحجج أو الذّرائع، التي نسوّغ بها تحقيق اللّقاء الذي نجتمع فيه معاً، ولم نحبْك الحيل، التي نبرّر بها ضرب المواعيد التي يرى فيها أحدنا الآخر، وكنت عندما أحاور نادية، وأطرح عليها أفكاري في الحديث الذي نخوض فيه، لم يكن يطرأ على بالي، أنّ أحداً يطارحني الكلام، فأتاحت لنا صلة الفكر، رسوخ دعائم التّرابط والتّآلف فيما بيننا، حتّى غدونا كياناً واحداً، فتجلّى حوارنا مثل انطلاق خواطر الذّهن، وسوانح الفكر في نفس واحدة، إلّا أنّني لم أصدع برسوخ اندماجنا، ولم أجهر بحقيقة اتّحادنا، كي لا يستحكم تعلّقي بها، فلا أجد سبيلاً بعدئذ إلى أن أفصم عرى الاتّفاق الذي يجمع بين أفكارنا، ولا أتمكّن من أن أحلّ عقد التّواؤم التي تؤلّف بين نفسينا، وكنت أشدّ نفياً وإنكاراً منها لحقيقة انسجامنا، ربّما لأنّني كنت أكثر يقيناً منها بثبوتها، وأحار في أمري، وأنا ألفي نفسي توثّق علاقتها مع نادية، برباط الهيام الذي لا ينحلّ، وتوطّد صلتها بها، بعقد الغرام التي لا تنفكّ.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (28)

سنة النّشر 2008

 

يتنزّه الفنّان الأصيل في إخلاصه لتلك القيم والمثل الفنّيّة السّامية، عن السّعي إلى اجتلاب تلك المغانم، التي لا تراعيها عمليّة ذلك التّقييم الفنّيّ، الذي يسبر الأعمال الفنّيّة التي يبتدعها، فلا يكترث بتلك المنافع التي تعارض تلك القيم الفنّيّة، مهما عظم شأن تلك المنافع، وعلا قدر تلك الفوائد، أفلم يقل أحد الفلاسفة إنّ الكاتب الذي يقصد إلى أن يعيش من الغلّة، التي تنجم من بيع المؤلّفات التي يكتبها، فإنّ كتاباته غير جديرة بأن تعيش، وقد تطرّق المفكّر زكريّا إبراهيم مستشهداً بآراء الفيلسوف لالو، إلى البحث في تلك العلاقة التي تربط بين الفنّان وسائر النّاس، فتحدّث عن تلك العلاقة قائلاً "والحقّ أنّ الغرض الحقيقيّ الذي يهدف إليه كلّ فنّان _ فيما يرى لالو _ إنّما هو "المجد" أو "الشّهرة"، وماذا عسى أن يكون "المجد" بدون "جمهور"؟.. وحتّى حينما يزدري الفنّان حكم الوسط الاجتماعيّ الذي يعيش في كنفه، فإنّه لن يستطيع أن يجتزئ بحكمه هو على نفسه لأنّه يجد نفسه مضطرّاً ( من حيث يدري أو من حيث لا يدري ) إلى أن يهيب بفكر وسط اجتماعيّ آخر،... " فالفنّان على حدّ تعبير لالو لا يتخلّص من طغيان جمهوره، إلّا بتصوّره لجمهور آخر"، ونحن لا نتصوّر القيمة الجماليّة على أنّها دائماً وبالضّرورة نجاح واقعيّ، بل هي قد تتبدّى لنا أيضاً على صورة "نجاح ممكن" ( أو محتمل )... ولمّا كان "التّنظيم الجزائيّ" هو جوهر كلّ مجتمع، فليس بدعاً أن نجد في مضمار الحياة الفنّيّة جزاءات جماليّة تتمثّل بوضوح في النّجاح والمجد والخلود، أو على العكس، في الفشل وخمول الذّكر والتّعرّض لسخريّة النّاس، حقّاً إنّ الفنّان قد يتوهّم أنّه لا يعمل إلّا لنفسه، وأنّه لا يأبه إن في كثير أو قليل باستحسان الجمهور أو استهجانه، ولكنّ هذه الجزاءات الجماليّة، لا بدّ من أن تعمل عملها في نفسه، إن من حيث يدري أو من حيث لا يدري! وليس أمعن في الخطأ من أن نخلط بين الجزاء الجماليّ والجزاء المادّيّ، فإنّه ليس هناك بالضّرورة تناسب رياضيّ بين الشّهرة الفنّيّة والثّراء المادّيّ، فضلاً عن أنّ للجزاءات الاجتماعيّة من التّأثير على الضّمائر الجماليّة أكثر ممّا للمكافآت المادّيّة، أو شتّى مظاهر النّجاح الاقتصاديّ".



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (39)

سنة النّشر 1987

ما برحت طرقات مدينة دمشق المقصد الذي أعتمده في مسيري، عندما أقدم على أن أتخفّف من وطأة الملالة التي كانت تعتريني، وكنت أطرح على قارعة الطّريق أفكاري المتجمّعة وأهوائي المندفعة، فلا غرو من أن تمتزج خواطري بمعالم تلك الشّوارع الممتدّة، التي كانت تحتضن ذكرياتي الغابرة، فأستاف في كلّ ناحية من هذه الطّرقات، عبير نجوى كانت نفسي طرحتها في دياجي اللّيالي، وأتنشّق في كلّ زاوية ريّا ذكرى، سرعان ما كنت أتضمّخ بطيبها الفوّاح، وأتعطّر بشذاها الذّكيّ، وما برحت تقابل هذه المدينة تهورّي وطيشي بالمغفرة، فتصفح عن زلّاتي وتعفو عن هفواتي، فظلّت هي الملاذ الذي آوي إليه وأمتنع به، وتغمر نفسي الطّمأنينة حينما أتجوّل في أرجائها، فما تبرح تكلؤني عينها السّاهرة، فتحنو عليّ وترفق بي، فأحرص على أن أتصون من المعايب، وأتجنّب أن أتلطّخ بحمأة المثالب، كي لا أدنّس أرجاء هذه المدينة برعونة تصرّفي وطيش أهوائي، فأصبح وأنا أطوف في ربوعها، مثل ناسك يجول في رحاب معبده.

دأبت في أن أشغل نفسي بقيّة يومي، عندما أرجع إلى منزلي، بمطالعة بعض الكتب، فأواظب على القراءة، حتّى يحول بيني وبين أسطر الكتاب الذي أقرؤه، خاطر يطرأ بغتة على بالي، فيشوّش فكري، فلا يلبث أن يزيغ بصري، وينصرف نظري عن الكتاب، فأهرع إلى النّافذة، أرنو إلى بهاء السّماء الموشّحة بالسّحب، وأرمق أغصان الأشجار المتفرّعة، وصفائح الحجارة المتراصّة على الرّصيف، علّني أسلو عن ذلك الهاجس الذي دار في خلدي، ثمّ أعمد إلى أن أستمع إلى معزوفات موسيقيّة جادّة، فأقعد على الأريكة وأصيخ إلى تلك الأنغام الرّقيقة، فتهيّج مشاعري الألحان العذبة، وتتغلغل في نفسي بلين وصفاء، فتثير فيها سورة الحماسة وحدّة النّشاط، ولا تلبث أن تتردّد أصداؤها في قرارة نفسي، فتبعث تلك الألحان اللّواعج الكامنة فيها، وتحثّني تلك القطع الموسيقيّة، على أن أستغرق في تتبّع تلك الألحان التي كانت تنطوي عليها، وأواصل الطّواف في أجواء الأنغام الرّشيقة الفاتنة، فأنصت لألحان تشايكوفسكي، حاضر الذّهن، ومنتبه الخاطر، ونقيّ الحسّ، وأرسخّت في نفسي موسيقا بيتهوفن صلابة العزيمة ومتانة الإرادة، ورفّهت عنّي موسيقا موزارت وبراهمس وليست وشوبان، فدفعت عنّي ألحانهم أوقار عنائي وآصار شقائي، وأدأب في أن أتلمّس أشعّة تلك المعزوفات الموسيقيّة المضيئة في فلك الفنّ، وأرهف السّمع إلى الألحان الحائمة في أصقاع الكون، وأصغي إلى ذلك الصّوت المتحدّر من عنان السّماء الشّاهقة، ليحيي موات الأرض وينعش المشاعر الجافّة، فيسطع ضياء ألحان أساطين الموسيقا لامعاً، وتمتدّ أصداء تلك الأنغام في السّماء، ولا يلبث أن يستقرّ بنفسي، فتستحيل خواطري إلى أنغام تجول في أجواز الفضاء، لتواكب ألحان تلك المعزوفات الموسيقيّة، التي تضرم في نفسي لهيب المشاعر، وتوقد فيها شعلة العواطف.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (27)

سنة النّشر 2008

لا تفتر عزيمة الفنّان على أن تستمسك بعرى تلك الأسس والمبادئ الفنّيّة، التي يتلمّس منها الهداية في إنجازه أعماله الفنّيّة التي يبتكرها، ويدأب ذلك الفنّان في أن يذود عن تلك المبادئ الفنّيّة، من دون أن يأبه لتلك المضارّ التي قد تسبّب بإلحاقها به منافحته عن تلك المبادئ، التي إن نفر منها النّاس قاطبة، فإنّه لا يعرض مطلقاً عن الأخذ بها، فلا يكترث بتبعات انتهاجه سبيل تلك المبادئ والأسس الفنّيّة، مهما انتوى هؤلاء النّاس الذين يشارّونه، أن يجازوه على اعتزامه أن ينتهج سبيل تلك الأسس الفنّيّة، فيعتبر الفنّان أنّ المثوبة التي يسعى إلى أن ينالها جزاء على إنجازه أعماله الفنّيّة، تتمثّل في تحقيقه إبداع تلك الأعمال الفنّيّة نفسها التي أنجزها، فيطبّق الفنّان في نشاطه الفنّيّ الذي يمارسه، تلك القاعدة الأخلاقيّة السّامية، التي تؤكّد أنّ المكافأة على القيام بالفعل الخيّر تتمثّل في إتيان ذلك الفعل ذاته، فيسمو الفنّان بذلك النّشاط الذي يزاوله إلى رتبة ذلك الفعل الأخلاقيّ الجليل النّزيه، فلا يكترث الفنّان أبداً بسعي أولئك النّاس الذين يخاصمونه، إلى ألّا يثيبوه جزاءه على إنجازه تلك الأعمال الفنّيّة التي ابتدعها.

نافح الموسيقار صلحي الوادي عن مبادئ وأسس فنّ الموسيقا، ليعلي ويمجّد الرّسالة الفنّيّة التي اضطلع بتحقيقها، ولم يفته أن يجلي كلّ العوامل التي تسهم في أن تحقّق الانحطاط في مستوى الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، فمن يتأمّل العلاقة التي تربط بين الفنّان والجمهور، يرَ فئة من ذلك الجمهور تتمّم عوامل ذاك الانحطاط، بتقصير كلّ من أفراد تلك الزّمرة من الجمهور في تنمية وصقل ذوقه الفنّيّ، وقد ربط الفنّان صلحي الوادي بين تلك العوامل إذ رأى أنّ "المستمع المستهتر بقيمه يستحقّ الموسيقيّ الجاهل في علومه، فالمستمع لا يطلب مستوى جيّداً لأنّ أمامه فنّاناً دون مستواه، هكذا تكتمل الدّائرة، أنا آسف لقول هذا الكلام، ولن أكون سلبيّاً ومتشائماً وأقول أنّ هذا الوضع سيستمرّ طويلاً، الفنّان الجادّ يفرض على جمهوره أن يرتفع بذوقه إلى مستوى أعلى، وحين يكون الجمهور واعياً، يرفض الدّجل في الموسيقا ويبحث عمّا لهُ قيمة في الفنّ".