ضمّت أحياء مدينة دمشق القديمة، بيوتاً عريقة البنيان، وبهيّة العمران، واسم العائلة التي تسكن في هذا البيت الظّاهر في هذه اللّوحة، هو مذكور في العبارة التي كتبت للتّعريف بهذا المنزل، الذي كان موضوع هذه اللّوحة، والعبارة هي: باحة دار آل العرند في الشّاغور، بينما كان التّاريخ الذي رسم فيه الفنّان عزّ الدّين همّت هذه اللّوحة هو عام 1989، وكان مولد الفنّان التّشكيليّ همّت في مدينة دمشق، التي نشأ فيها، وأحبّ حاراتها القديمة، التي اغترقت معالمها نظره، وملأت فكره، وقد رغب الرّسّام التّشكيليّ عزّ الدّين همّت في أن يكون موضوع هذه اللوحة التي قدّمها، هو معالم بيت آل العرند، الذي طالما كنتُ أتردّدُ إليه، وأزوره مع أفراد أسرتي، منذ كنت صغير السّنّ، حيث كان يصطحبني والدي ووالدتي معهما، عندما كانا يقصدان هذا البيت الذي تتأصّل فيه طابع العراقة، وذلك المنزل هو مشيّد في حيّ الشّاغور، ويجمع بين آل العرند وأسرتي، أمتن الرّوابط العائليّة، وتصلنا بهم أوثق وشائج القرابة الرّاسخة، وقد دامت الألفة النّاشئة بيننا وطيدة ثابتة.

أتاحت لي، صلة القرابة النّاشئة بين آل العرند وعائلتي، أن أزور مع أفراد أسرتي هذا المنزل العريق، الذي كنت أفتن فيه، بصياح الدّيكة في الصّباح الباكر، وكثيراً ما تنشّقت أريج الياسمين الذي كانت تعبق بها الباحة، التي ظهرت فيها بحرة جميلة، وقد ازدانت أرجاء تلك الباحة بالورود الفوّاحة، وكان عائل أسرة آل العرند، هو عبد الرّزّاق العرند، الذي هو ربّ هذا المنزل العريق، وقد كان يكنّى بأبي فارس، وهو أحد المجاهدين القدماء الذين قارعوا الانتداب الفرنسيّ، وكان مقداماً شجاعاً له صولات وجولات في ميادين البطولة، وقد تحدّثت كتب تاريخيّة عديدة، عن تلك المآثر التي حقّقها، حيث نوّه باسمه في تلك الكتب، وهذه حالة بيوتات العزّ، التي جمعت بين جمال البناء العمرانيّ، وكمال الخصال الرّفيعة، التي اتّصف بها السّكّان الذين كانوا يقطنون في منازل الكرم والأصالة.



انطرحت على بساط البحث في الأوساط الأدبيّة، مسألة تحديد ظهور أولى الأعمال العربيّة السّرديّة، التي تمتلك مقومات الرّواية الفنّيّة، وأخذ العديد من الأفراد الذين اهتمّوا بمتابعة الأعمال النّثريّة السّرديّة، في أن يدلوا بدلوهم في ذلك النّقاش الأدبيّ الدّائر، وقد صدرت في سورية خلال عام 1937، رواية اتّسمت بالخصائص الفنّيّة، التي تؤهّلها لأن تندرج في ميدان الأدب الرّوائيّ الذي تأسّس على قواعد فنّيّة، وهذه الرّواية الصّادرة في العقد الرّابع من القرن العشرين، حظيت باتّفاق أغلبيّة النّقّاد على أحقّيّتها بأن تتّسم في سورية، بالرّيادة الزّمنيّة في ميدان الأدب الرّوائيّ، الذي يراعى في تحديده، استخدام المقاييس التي تسبر بها، حقيقة القيمة الفنّيّة التي تتمتّع بها الأعمال السّرديّة الرّوائيّة، التي ترشّح للإدراج في نطاق أدب الرّواية الفنّيّة، وكان ذلك العمل الأدبيّ الرّوائيّ، الذي نال لقب الأسبقيّة إلى الدّخول في نطاق الرّواية الفنّيّة في سورية، هو رواية نهم التي كتبها الرّوائيّ العربيّ السّوريّ شكيب الجابريّ، إذ لبّت تلك الرّواية التي نشرها ذلك العام، الشّروط التي يتوجّب تحقّقها في العمل النّثريّ السّرديّ، كي يتّخذ طابع الرّواية الفنّيّة.

إنّ طبيعة الشّكل التي تنصبّ فيه أحداث الرّواية، يتيح أن يتناول في ذلك العمل السّرديّ، القضايا والمسائل المتنوّعة التي تنشأ في المجتمع، وإذا كان لوحظ التّأخّر في ظهور الرّواية الفنّيّة في الأدب العربيّ، فإنّ المجتمعات العربيّة، كانت مهيّأة خلال القرن التّاسع عشر، لظهور ذلك الجنس الأدبيّ السّرديّ، وهو الرّواية، بيد أنّ وجود ذلك الاستعداد في طبيعة المجتمع، لتقبّل ذلك الجنس الأدبيّ الرّوائيّ، يتوجّب أن تسايره عمليّة التّهيّؤ عند الأفراد الذين ينضوون إلى ذلك المجتمع، لاستقبال ذلك الفنّ الرّوائيّ، الذي سيكون ظهوره حديث النّشأة في ذلك الأوان، وإذا كان شكل هذا الجنس الأدبيّ، وهو الرّواية، يتيح للكتّاب إدراك العديد من الأهداف، التي يحدّد أحدها في معالجة المسائل والمواضيع، التي ينشغل النّاس بالتّصدّي لها، فلا ريب في أنّه سيكون من الأولى بأولئك النّاس، أن يتلقّوا ذلك النّتاج الأدبيّ الذي يعرض عليهم، ويخصّص لهم، فإذا اتّفق على الإقرار بأنّ ذلك الجنس السّرديّ الرّوائيّ، يلائم في صيغته الفنّيّة المنجزة، عمليّة معالجة المواضيع والمسائل النّاشئة في المجتمع العربيّ، فيتبع  حصول ذلك الاتّفاق، النّظرُ في استعداد النّاس لتلقّي ذلك النّوع الأدبيّ الرّوائيّ.

كان أفراد الجمهور في المجتمعات العربيّة، يمتلكون حسّاً نقديّاً ناضجاً، في تذوّقهم الرّوايات الفنّيّة المحكمة السّبك، ومتينة النّسج، وكانت الذّائقة الأدبيّة عندهم، ما تبرح تواصل تطوّرها ونموها، وقد دلّ على حالة أولئك القرّاء، تقبّلهم تلك الرّوايات الأجنبيّة المترجمة، والتي كانت على سويّة فنّيّة عالية، وباعتقادي لو أتيح لأولئك النّاس، تلقّي الرّوايات الرّفيعة المستوى في زمن مضى، لكان جرى تجاوبهم مع ذلك الفنّ الرّوائيّ، بحسب ما تقتضيه عمليّة التّذوّق الفنّيةّ النّاضجة، التي تتناول الأعمال الأدبيّة الرّفيعة، وكان الكتّاب طبّقوا منذ زمن بعيد، قواعد الفنّ الرّوائيّ الرّفيع، وإذا أردنا أن نحيل ذلك الافتراض، إلى تلك اللّحظة التّاريخيّة التي تقارب منتصف القرن التّاسع عشر، إذ بدأ الاهتمام بتتبّع ظهور الأعمال السّرديّة النّثريّة، فإنّنا لا نقلّل من أهمّيّة الأعمال التي كتبت خلال القرن التّاسع عشر، ولكنّ ذكرت ذلك الافتراض، كي أبيّن أنّ زمن نشوء الرّواية الفنّيّة في الأدب العربيّ، كان يمكن أن يتحقّق في وقت مبكّر، من دون الانتظار حتّى حلول سنوات النّصف الأولى من القرن الفائت.

بدأ تفتّح وعي النّاس على الرّواية الأدبيّة الفنّيّة، منذ العقود الأولى من القرن العشرين، وارتفع مستوى الذّائقة الأدبيّة عند النّاس، إلى أن بلغ حدّاً، اعتبره الكتّاب ركيزة ثابتة، يركن إليها، في مسعاهم إلى خوض ميدان الكتابة السّرديّة الفنّيّة، التي كان يتمخّض عنها نتاج أدبيّ روائيّ، يغاير في مظهره، الشّكل الذي اتّخذته الرّوايات الصّادرة في مراحل زمنيّة خلت، وقد بيّنت سابقاً أنّ غياب الشّكل الفنّيّ عن العمل النّثريّ السّرديّ، يحول دون أن تحقّق الرّواية تلك الفوائد الأدبيّة، التي كانت معقد رجاء، ومحطّ آمال مجموعة الأفراد الذين ارتبطوا بعلائق متنوّعة بنشاط الإنتاج الأدبيّ الرّوائيّ، وعندما أدرك الكتّاب الذين زاولوا الكتابة الرّوائيّة، أهمّيّة التّأثير الذي تحدثه الرّواية في نفوس وأذهان النّاس الذين يطالعونها، بعد أن آنس الكتّاب، من جمهور النّاس، التّفاعل مع تلك الرّواية التي كانوا يتلقّونها، برزت عندئذ، تلك اللّحظة التّاريخيّة الفارقة، التي كانت موعد ظهور الرّواية الفنّيّة، وكان الرّوائيّ شكيب الجابريّ، قد امتلك ناصية الصّياغة الفنّيّة السّرديّة، فقدر على إنجاز مهامّ الكتابة الرّوائيّة الفنّيّة، وتمكّن من أن يتبيّن مستشرفاً، الحاجات والمسائل التي تلحّ على الأشخاص في المجتمع الذي يعيش فيه، وعزم على أن ينتهج سبيل ذلك النّمط من الكتابة الأدبيّة السّرديّة، التي كانت تستوفي معايير إنتاج الرّواية الفنّيّة.

أخذ ذلك الجنس الأدبيّ الرّوائيّ، يشقّ طريقه الذي يفضي إلى أن يدرك النّاس الذين كانوا يتقبّلونه، حيث كانوا يتابعون النّتاج الأدبيّ الذي ينتشر بينهم، وكان الكاتب شكيب الجابريّ حدّد تلك المهامّ التي سعى في أن ينفّذها، منذ أن أخذ في خوضه ميدان الكتابة الرّوائيّة، وهو نشر روايته نهم، التي اتّسمت بخصائص الرّواية الفنّيّة،فاعتبر رائد الرّواية الفنّيّة في سورية، وتبوّأ أيضاً مكانة بارزة في نطاق الأدب العربيّ الرّوائيّ، وهو أدرك قوّة تأثير الرّواية، ووعى أحوال النّاس الذين يعيشون في المجتمع العربيّ، وكان تمكّن من الأداة التي كان يستخدمها، وهي اللّغة، في صياغة عمله الرّوائيّ، وقد أدلى بحديث، هو دليل كاشف وهاد إلى كثير من المسائل الأدبيّة، التي طالما ناقشها الأشخاص الذين عنوا بالنّظر في القضايا الأدبيّة، حيث قال: "وما أردت من كتاب "نهم" سوى أن يخلق لي قرّاءً وجمهوراً. كنت أريده أن يكون قنبلة تهزّ العالم العربيّ ليلتفت إليّ العدد الأكبر من كلّ قطر، لتؤمن بي النّفوس الناشئة فأسير بها في الفكر حيث أريد"(1)،  فكانت رواية نهم هي باكورة الأعمال الأدبيّة الرّوائيّة التي كتبها شكيب الجابريّ، وهو كان مدركاً النّفوذ الذي تحوزه الرّواية الفنّيّة، ومحيطاً بالآماد الذي يصل إليها تأثير ذلك الجنس السّرديّ، في جموع القرّاء الذين يقبلون على مطالعة الرّوايات الأدبيّة.

إنّ الخصائص الفنّيّة التي اتّسمت بها رواية نهم، هيّأت لذلك العمل الأدبيّ الروائيّ، أن يكون في طليعة الأعمال السّرديّة التي شقّت طريق الرّواية الفنّيّة في الأدب العربيّ، وأدرك شكيب الجابريّ طابعالعمل الرّوائيّ، الذي يتيّح للكاتب أن يعالج في نصّه السّرديّ المسائل التي تنجم بارزة في المجتمع، وهو اختار الأدوات الأدبيّة التي تلائم تلك المرامي التي قصد أن يدركها، وإذا كان الرّوائيون العرب، قد أحاطوا بطبيعة الرّواية، التي يجدون فيها المجال واسعاً، ليعالجوا فيها المسائل، التي كانوا قد عزموا على أن يتناولوها في أعمالهم الرّوائيّة، إذ سلكوا نهج الكتابة الرّوائيّة، جادّين ومنهمكّين في إدراك الأهداف، التي كانوا وضعوها نصب أعينهم، وقد توثّقت عند الأديب الرّوائيّ شكيب الجابريّ، ثقته بقدرته على تحقيق النّجاح في التّعبير عن تلك المسائل البارزة في مجتمعه، ولم تكن لتنشأ تلك الثّقة، لولا اقتناعه في قدرة الرّواية الفنّيّة، علىالتّأثير في جموع القرّاء، وهو امتلك الأدوات الأدبيّة، التي تهيّئ له تحقيق تلك الأهداف، التي تطلّع إليها وتحدّث عنها في تلك العبارات التي أوردتها آنفاً، ولا ريب في أنّه على قدر إدراكه تلك الآماد التي تبلغها الرّواية، في استمالة القرّاء إلى تلك المسائل المعروضة ضمن ذلك العمل النّثريّ السّرديّ، كان يقينه بأهمّيّة تحقيق تلك الخصائص الفنّيّة التي تميّز العمل السّرديّ الرّوائيّ، وقد كان على ثقة أيضاً، بقدرة النّاس على التّفاعل مع الرّوايات الأدبيّة التي يقدمّها إليهم.



عجائب التّاريخ

توجد صدف عجيبة ومفارقات غريبة، في كثير من أوقات الأحداث التي تجري في حياة البشر، سواء ارتبطت تلك الغرابة بأوقات المولد أو الوفاة، أو بالوقائع الجارية التي سجّلت في ذاكرة التّاريخ.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (33)

سنة النّشر 1987

أدركت مغزى كلامها الذي سردته، فقلت لها:

إنّ هذه الأماني لا تجترّ الضّرر ولا تجلب السّوء إلينا، والرّجاء لا يزيّف الأشياء، ولا يزوّر الوقائع التي نمرّ بها، وإنّما يمهّد لنا السّبيل الأمثل، إلى أن نلمّ بها، من دون أن تتدافعنا الظّنون، في سعينا إلى أن ندركها، فهو يضيء غياهب المدارج التي نسلكها، فلا يتيسّر لتلك الأماني أن تنتهج سبيل المخادعة، وتتّبع طريق المدالسة، ولا تمّوه علينا الأرزاء والبلايا التي قد تحيق بنا، ولا تخفي عنّا شرور تلك الوقائع ومضارّها، وهي لا تجتثّ المصائب الحاصلة، ولا تقتلع النّوائب الواقعة، ولا تنحي بصرنا عن النّوازل التي قد تلمّ بنا، ولا توقعنا في الوهم، إذا دهمنا الشّرّ المستطير، فنظنّ أنّ رفّت علينا السّعادة، ونتصوّر أنّنا نظفر بآلاء نعمها، ونهنأ بعطاء كرمها، ولا تسدل تلك الأماني فوق الكرائه ستاراً كثيفاً، ولا ترخي عليها خماراً سميكاً، ولا تحجب عنّا إلّا الضّرر الزّائف، الذي نتخيّل أنّه ستلحقه بنا تلك الدّواهي، فتلطّف آنئذ من تأثيرها في نفوسنا، وتجنّبنا الوقوع في رطمة تلك الأوهام الخادعة، فتظهر لنا حقيقة تلك البوائق الصّرفة، التي نطّلع عليها بمعاينة دقيقة، بعد أن تتيح لنا وسائل المعرفة، أن نستكشف كنه تلك الطّوارئ التي تدهمنا، وأدهش من شأن أولئك النّاس، الذين يتطيّرون جزعين من طواف أخيلة تلك الآمال بفكرهم، فيصيبهم الفزع من أن تختلّ عقولهم وتعتلّ أذهانهم، إن لازمت نفوسهم، وهي إن أقبلت عليهم، فتثير مرائرهم، من دون أن تخفى عليهم وقائع الحياة في حقائقها المرّة، ومحاسنها العابرة، وأنحو إلى أن أغبط أولئك الأقوام الذّين يخوضون في نطاق الأحداث، التي تلوح في مجرى حياتهم، من دون أن يلتفتوا إلى يقظة شعورهم النّقي، الذي تثيره في كيانهم، أطياف تلك الأماني الحائمة، فلا يميّزون نعم الأشياء من نقمها، ويمسون مترفين بجهالة نفوسهم، ومتنعّمين بضلالة فكرهم.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (32)

سنة النّشر 1987

اقترب منّا النّادل حذراً في خطوه، فدعانا بسيره المتّئد والمتمهّل، إلى الإمساك عن مواصلة الحديث الدّائر فيما بيننا، وشرع يضع أمامنا على المائدة صحاف الحساء واللّحم المشويّ وبعض الفطائر، ثمّ انصرف عنّا، فرمقتها وهي تقدّ قطع اللّحم، وتدني الملعقة إلى فمها، فألوك طعامي وأنا أخالسها النّظر، إلى أن تشابكت نظراتنا، فأغضيت طرفي عن بصرها الثّاقب، وتشاغلت بالطّعام الموضوع أمامي، فقرّبت الملعقة إلى فاهي، لأرشف ما تحتويه، فوجدتها فارغة، قد تقاطر الحساء منها على الصّحن، فلم أنتبه لذلك الأمر إلاّ بعد برهة من الزّمن، واستسغنا هذا الطّعام الذي كنّا نمضغه، وما إن أشرفنا على الانتهاء من تناوله، حتّى التفتت إليّ وقالت:

خليق بنا أن ننعم بطيب هذا الطّعام فترة طويلة، من دون أن نضيّع لذّته في أجواء المجادلة والمناقشة.

راقني مغزى كلامها، وما لبثت أن علت الابتسامة وجهي، وأجبتها قائلاً:

عسى أن تورف ظلال ذلك الهناء إلى أبعد مدى، حتّى تشمل سائر حواسنا.

بدت معالم الفخر على وجهها، الذي طفح عليه البشر، بعدما أذعنت لمشيئتها، وقالت:

لا ضير من خداع نفسينا، بتلك الأماني اللّطيفة، فنقرّ بها حتّى تشملنا السّعادة، وتغمرنا بهنائها.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (31)

سنة النّشر 1987

هممت مراراً بأنّ أكفّها عن استرسالها في الحديث، فنهاني عن أن أقطع كلامها، إنصاتي لنغية صوتها ونغمة همسها، فأطربت مسامعي وهيّجت مشاعري، وهمت بكياسة عبارتها، وكادت تلك الآراء التي أفصحت عنها، أن تلقي عليّ شباكها، وقد كانت اعتنقتها بإحكام منيع، حتّى دفعتني إلى الحديث، كلماتها التي انتهت إلى سمعي في خاتمة مقالها، فتكلّمت إليها قائلاً:

حالة ذلك الهدوء الذي ننعم به في هذا المكان الذي نجلس فيه، ربّما تلقي في روعك أنّ من الأولى أن نخمد احتدام الشّعور، ونحدّ ضرام العواطف، وقد كان يعترينا ذلك الاضطراب، بينما كنا نسير في مهبّ العواصف الهوج، فرأيت الفارق بين الحالين بسرعة قصوى، فأقرّ ذهنك ذلك الرّأي، واقتنعت بذاك الاعتقاد، إلّا أنّ النّفس في كلا الحالين، تدرك ذلك الهدوء الذي تنشده، وتصل إلى تلك الطّمأنينة التي تلتمسها، فآفاق الذّهن الوسيعة، لا تفي بالإحاطة بكلّ الخواطر التي تلوح في الفكر، وتقصّر عن أن تستوعب المشاعر كافّة التي تنبعث في النّفس، وإن كانت الحكمة هي المرتجى والمبتغى الذي يسعى إليه الفكر، فطالما رامت المشاعر والعواطف أن تركن إلى نباهة وفطنة الإحساس، وقد كانت تلك المشاعر تستقرّ هانئة في رحاب الإيمان، الذي تنفسح أرجاؤه، وتتّسع أعطافه، لتشمل هدايته الذّهن والفؤاد أيضاً، فإن ضاق الفكر عن أن يعي كنه الأشياء، فإنّ بصيرة الإنسان تظلّ تستنير بضياء الهداية التي يبعثها الإيمان، فالشّعور الصّريح يمحض الإنسان المشورة المخلصة، وهو لا يخادع الذّهن ولا يراوغ في نصحه، الذي يسديه إلى النّاس، وإنّي لا أهذي في مقالي ولا أهذر في كلامي، ولا أتفوّه بأقاويل مضلّلة وحجج مخاتلة، فإن كان يجدر بالإنسان ألّا يصغي إلى جلبة أهوائه المتقلّبة، فإنّه ضرب من صور الجحود، أن يتصامّ النّاس عن مشورة ذلك الشّعور الصّافي، الذي ينبعث في نفوسهم، وألّا يهتدوا به، وبالحريّ أن يتقبّلوا ذلك النّصح بالشّكر لا بالحذر، ويجزوا ذلك الشّعور على معروفه، بالثّناء لا بالجفاء.

النّغية: ما يعجب من صوت أو كلام.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (30)

سنة النّشر 1987

دخلنا المطعم وانتبذنا إلى ناحية قصيّة، وجلسنا حول مائدة منزوية الموقع، وانسدلت نحونا الأضواء خافتة، تحبك حولنا أستار البهجة والغبطة، وبدأت تفد إلينا الألحان الهامسة، فنعمنا بدفء هذا المطعم، الذي أثار الهدوء السّائد فيه أفكارنا، ودبّت في نفسينا المشاعر المتّقدة، تلفح بحرّها أوصالنا المرتعدة، فتغمرها بالسّكينة والطّمأنينة، وأقبل إلينا النّادل، فأملينا عليه أصناف الطّعام التي تخيّرناها، ثمّ انصرف يستطلع رغائب سائر الوافدين إلى هذا المطعم.

رغبت في أن أناقلها الحديث، فلم يحل هذا الهدوء المستشري بيننا، دون استئنافي الكلام، فقلت لها:

يتيه في غواية الضّلالة من يعتقد أنّ حيازة بصيرة الذّهن وفطنة العقل، تغني عن الاستناد إلى دلائل الشّعور والعاطفة، وتلك الخصائص يوائم بعضها بعضاً، من دون أن يتأتّى لأفانين الغيّة وطرائق العميّة، أن توقع الإنسان الذي يأتمّ بسنن العاطفة، في مهاوي الخسران ومزالق البطلان، وأجواء تلك العاطفة الرّحبة، وعالمها الفسيح، يملأ النّفس. ويحيد عن السّداد من يغفل عن تلك المشاعر، ويهمل المشورة التي تسديها إليه، وقد أتيح له أن يستفتيها في معالجة معضلاته، ويسترشدها في سعيه إلى أن ينال مآربه، فكانت تلك العواطف، تمالئ الإنسان على التّبصّر في تلك الوقائع التي ما برح يتصدّى لها.

لم أكد أفرغ من كلامي، حتّى رغبت في أن تأخذ بالحديث، فقالت لي:

طالما كنت أعوّل على الشّعور الصّريح والتّأثّر الصّادق اللذين كانا يعترياني، حينما نظرت في مجريات الحياة التي كنت أمرّ بها، ولن تتجاذبني الحيرة والشّكوك، ولن تتنازعني هواجس الفكر، حينما أستقصي سريرة نفسك وأتبيّن حقيقة طويّتك، وألّا تشاطرني الاعتقاد بأنّ من يجهد ذهنه ويكدّ فكره، في استبصاره تلك الشّؤون التي يتقلّب ويتصرّف فيها، يخفف الوطأة عن مشاعره، فيطيب نفساً، فإذا ما استندنا إلى فطنة الذّهن، في تطرّقنا إلى شؤوننا المتنوّعة، فإنّنا نبلغ في أيسر سبيل السّكينة والطّمأنينة، فمن المجدرة أن نصغي إلى نصح أولئك النّبهاء، الذين يوردون أقوالهم، التي ينكرون فيها على الإنسان، استرشاده بعواطفه، في سعيه إلى معالجة تلك المواضيع التي تعنّ له ظاهرة في واقع الحياة، ويخوّلون إلى حصافة الذّهن ورجاحة العقل، التّدبّر في تلك المسائل التي يقلّب النّاس فيها النّظر.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (29)

سنة النّشر 1987

تمهّلت في أن أسرد حديثي، كي لا تغيب عنها خواطري التي تضمّنتها أقوالي، وكنّا قد غادرنا حديقة المزرعة، وأخذنا نمشي على الأرصفة، التي صادفنا فيها المارّة الذين كانوا يحثّون خطاهم في سيرهم، وكانت نادية تصغي إليّ بانتباه، وتفطن لفحاوي العبارات التي تفوّهت بها، وتدرك مغازي كلامي الذي نطقت به، وما لبثت أن اندفعت في الحديث، فقالت لي:

يشقي النّفس ذلك التّباين الحاصل بين الذّهن والمشاعر، والفكر النّابه الذي يتّسم بالإدراك والوعي، يؤازر ببراهينه دلائل ذلك الشّعور الذي يخامرنا، فإن حلّت بينهما القطيعة، فيمضّ النّفس عندئذ شدّة الشّكّ الذي يمازجها، وطغيان الوساوس التي تداخلها، فإن تفتّحت براعم الحيرة والظّنون في أكناف العواطف، فلا تقتلع جذورها إلاّ ريح الذّهن المجلجلة.

اعتراني الإعجاب بجزالة آرائها، وطلاقة لسانها، وتيقّنت بأنّها ارتوت من ينابيع المعرفة، التي اغترفت منها فيضاً غزيراً من الحكم، فسحّت في ذهنها سيول الهداية، فنمّت أفكارها ووثّقت آراءها، وامتدّ شرود ذهني فترة من الوقت، إلى أن نبّهتني بإيماءة من يدها، إلى رذاذ المطر الواكف، الذي بدأ ينزل، فتنبّهت من غفلتي، وفتحت مظلّتي، لنحتمي بها من الأمطار المتساقطة، والتحمت كفّي بمقبض المظلّة، التي قرّبتها إلى نادية، وأنا أخصّها بنصيب وافر من الرّعاية التّامّة، والحماية الوافية، وقد شرعت ريح هوجاء تنازعني تلك المظلّة، فاقتحمنا في سيرنا جدر العواصف الشّديدة، وانطلقنا ندلف بين ردغ الوحل، فشقّ علينا أن نمشي في طريقنا الموحل، إلّا أنّنا امتلكنا زمام أمرنا، بعد أن أفاضت النّشوة على نفس كلّ منّا النّشاط والحماس، فتحضّنا على المسير من دون أن نضيّع منها النّزر اليسير، وهي تمدّ من أمد تلك السّعادة التي تغمرنا، وتراءت لنا من بعيد أنوار مشعّة، تنتشر من مطعم منعزل عند ناصية الطّريق، فأشرت عليها بأن نعرّج عليه، ونلوذ به ليكون لنا موئلاً نأمن فيه، ونحترز به من غائلة ذلك البرد القارس ونفحات الرّيح المقرورة، فوافقتني على اقتراحي، وامتدّ طغيان السّكون بيننا، فلا يفسده إلّا زمجرة تلك الرّيح الصّاخبة، ولا يعكّره إلاّ تلك اللّجّة المنبعثة من حفيف الأشجار، وهدير السّيّارات.



اجتمعت في وسط هذه اللّوحة، الزّهور في إضمامةٍ، التفّت فيها تلك النّباتات الزّاهية على بعضها البعض، وتكاثف بريق تلك الزّهور، التي انطلقت منها أشعّة ظلّت تتموّج، حتّى أدركت المنطقة العليا، حيث لاحت في ذلك القسم من اللّوحة، الألوان الغامقة، وقد ظهرت الزّهور مضيئة، ولامعة وبرّاقة، وكان توالي أمواج ذلك البريق، أكّد دوام تألّق تلك الزّهور، وأثبت أيضاً استمرار فيضان ذلك اللّمعان المنبعث من الألوان الدّافئة، التي توزّعت في وسط اللّوحة، فكانت دفقات ذلك البريق، الذي امتدّ سناه اللّامع من وسط اللّوحة، تمتدّ كشلال ينهمر مندفعاً، ليجابه ذلك القتام الذي أظهرته الألوان الدّاكنة، فاخترق ذلك البريق المشعّ من الزّهور، كثافة تلك الألوان الغامقة، بعد أن ظلّت دوائر ذلك البريق المتوهّجة، تتّسع حتّى تصل إلى تلك الأماكن الدّاكنة في أعلى اللّوحة.

مازجت الألوانُ الدّافئة السّاطعة التي ميّزت هيئة الزّهور، الألوانَ الغامقة التي كانت درجة تشبّعها، تلائم تلك الألوان الزّاهية التي حقّقت الانسجام معها، فكان تآلف تلك الألوان، أكّد الثّبات والاتّزان في مركز هذه اللّوحة، وقد ظهر ذلك التّوازن أيضاً، في مساحة تلك اللّوحة بأكملها، وعلى الرّغم من ذلك التّباين، في درجة إشعاع الألوان الموزّعة على سطح اللّوحة الواسعة، فإنّه قد تحقّق التّوازن الرّاسخ في هذه اللّوحة، التي تميّزت بالانسجام اللّونيّ، الذي أظهر الوحدة التّشكيليّة بكلّ المعاني التي تضمّنتها تلك اللّوحة، فتبدّى التّوازن الذي تحقّق في هذه اللّوحة، بدقّة محكمة، وكانت وفرة حلقات ذلك البريق المنطلقة في تواليها الممتدّ من طاقة تلك الأزهار، تثبت دلائل الخصوبة، وعوامل النّماء المنغرسة في أعطاف تلك الزّهور، وتوزيع المناطق التي بدت فيها الألوان الغامقة، حول إضمامة الزّهور، أعطى اللّوحة توازناً وثباتاً، وقد كان ذلك القسم الذي ظهرت فيه تلك الزّهور، يفيض بالحيويّة المستمرّة.

إنّ تدقيق النّظر في انطلاق تلك الحلقات المشعّة، التي انبثقت من الزّهور، يدفع إلى البحث عن السّند الذي استند إليه فيضان ذلك البريق الوهّاج، الذي ظهر في حلقات متتالية، أبرزت سمة التّجدّد في عمليّة انبعاث ذلك اللّمعان الدّائم، فكانت دلائل التّشكيل الجماليّ الذي لاحت فيه تلك اللّوحة، تحفزنا إلى النّظر في أرجاء هذه اللّوحة، التي ظهرت فيها خصائص التّوازن، وكانت الألوان الغامقة التي ظهرت فيها تدرجات اللّون البني، أبرزت سمة الاستقرار، حيث أكدّت الألوان الباردة أيضاً في أسفل اللّوحة، خاصّة الرّسوخ والاتّزان، لأنّ تلك المنطقة بخاصّة، ستكون بمثابة الأساس، الذي تنهض عليه طاقة تلك الزّهور، وقد لاءمت ألوان تلك المنطقة في أسفل اللّوحة، ألوان سائر الأقسام، وكنّا عندما لاحظنا أنّ وسط اللّوحة، كانت يمور بالحيويّة، وينبعث منه البريق اللّامع، الذي ما برحت تتدفّق مسايله المستمرّة، فإنّ كلّ تلك المعالم التي استغرقت نظرنا، كانت القرائن على حضور عنصر في هذه اللّوحة، هو طاغ في تأثيره، وراسخ في مكوثه بهذه اللّوحة، وإن كان رقيقاً في مظهره، ولطيفاً في هيئته، وذلك العنصر يلوح أيضاً بين أعطاف تلك الأزهار، ويظهر في أرجاء فسحات البريق اللّامع، وهذا العنصر الذي تميّزت أيضاً به تلك اللّوحة، هو المرأة، فهي الينبوع الذي كان يفيض بألق الإشعاع المندفع المتجدّد، فظهرت المرأة في أطواء تلك الأمواج المتدافعة البرّاقة، وبوجود تلك المرأة الأنثى، اكتملت عناصر هذه اللّوحة، التي إن اختلفت تلك المعاني التي كانت تفصح عنها، إلّا أنّ الارتباط بينها قد تحقّق،فكانت الأنثى هي الأصل الثّابت والرّكيزة الرّاسخة، اللذين استندت إليهما الزّهور النّاضرة الألوان.

إنّ ظهور هيئة الأنثى قد كمّل أيضاً الخصائص الفنّيّة التي تميّزت بها هذه اللّوحة، ولم يكن يخفى على النّظرة الفاحصة المدقّقة، مغزى اندماج هيئة المرأة، في صيغة التّشكيل الفنّيّ الظّاهر في هذه اللّوحة، حيث اندرج مغزى ذلك الظّهور في عداد المعاني الجماليّة، والفحاوى الفكريّة، التي انطوت عليها هذه اللّوحة الفنّيّة، إذ ظلّت أطياف المرأة تلازم هيئة الزّهور، فبَاتَ في وسعنا أن نقول أنّ الزّهرة هي الأنثى، والأنثى هي الزّهرة، حتّى يكاد يتعذّر علينا التّمييز بينهما في هذه اللّوحة، وقد كان حضور المرأة أيضاً ظاهراً، في مراحل انطلاق البريق المشعّ الصّادر من الزّهور نحو الفضاء الفسيح المتّسع، فاكتملت في الوقت ذاته، بوجود المرأة، عناصر اللّوحة والكون معاً.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (28)

سنة النّشر 1987

وصلت إلى حديقة المزرعة، وقد جهدت في أن أكون السّبّاق إلى أن أقبل على ذلك الموعد، الذي تعاهدنا على أن نلتقي فيه، فتوخّيت أن أبكّر في المجيء إلى تلك الحديقة، لأمهّد لنفسي سبيل التّلاؤم مع أجوائها، وكي تزول عنّي تلك الرّهبة التي تعتريني، ويتبدّد ذلك الوجل الذي ينتابني من جراء قدومي إلى ذلك الموعد، وألفيت نادية تقبل إليّ من الجهة المقابلة، فرأتني على هذه الهيئة التي اتّخذتها في تأهّبي لأن ألاقيها، وألفيتها تطبع على خدّيها ابتسامة حيّية، ولاحت على ثغرها سيماء الخفر، فتبادلنا التّحية، وبادرت إلى الكلام بلهجة رقيقة، فقالت:

أرى ببيّنة ثابتة، حرصك على إنجازك وعدك ووفائك به، وأتأكّد بدليل وثيق، من مراعاتك تحقيق عهدك على القدوم إلى هذه الحديقة، ولم أكن أذهب في قرارة نفسي إلى الظّنّ بأنّك ستخلف ذلك الميعاد، الذي كنّا ضربناه.

سارعت إلى أن أقاطع كلامها خشية أن تسترسل في حديثها، فتصوّر لي تأصّل تلك الخصال الحميدة في نفسي، قبل أن تتحقّق بأثبات الحجّة الدّامغة، من صحّة ذلك الرّأي الذي كانت اعتقدته، وقلت لها:

لن يخيب ظنّك في تثبتّك من إيفائي بتلك العهود التي اتّخذها.

أطبق الصّمت بيننا بعد أن تعجّلنا في الحديث، فكأنّنا نتمهّل عن عمد في أن نخوض في الكلام، ونتريّث في أن نتفوّه بالألفاظ، كي يتبدّد ذلك الاضطراب الذي يعترينا، إلاّ أنّ ظلّ الارتباك يلازمنا فترة من الوقت، وكان يرتعج البرق في السّماء مضيئاً، ويهتك أزيز الرّعد أستار السّكون، فكنّا غافلين عن تلك الأجواء لا نكترث بما يجري في حواشي السّماء وأفقها، بينما كنّا نواصل التّجوال في حديقة المزرعة، وبدأ تلوح في خاطري تلك الصّفات الجليلة التي نعتَتني بها منذ انطلاقها في الكلام، فرغبت في أن أشير في حديث عارض، إلى فحوى أقوالها التي خاطبتني بها، فقلت لها:

دأبت في أن أتروّى في الوقائع التي كانت تبرز لي في مجرى الحياة، وأعكف على أن أسبر أغوار النّتائج التي كانت تفضي إليها الأحداث التي تطرأ عليّ، فأنظر في تلك الماجريات، ملتمساً صواب الرّأي، وسداد المنطق، من تلك الهداية التي تهيّئها لي عواطفي المضمرة ومشاعري المستعرة، فلا تخدعني المظاهر بأضاليلها، ولا تستميلني بأباطيلها، وتلك الحالة التي أستمرّ عليها، تندر بين النّاس، الذين تكون المشورة التي يستخلصونها من ثنايا الذّهن، أرسخ عندهم من دلائل العاطفة، ومنطق العقل أفصح بياناً من هواجس الصّدر، ويحدث المصاب الجسيم عند أولئك الأقوام، عندما تنفصم الرّوابط المؤلّفة بين الفكر والعاطفة، وتنغلق السّبل النّافذة بينهما، فتنفكّ عرى التقائهما، وتنحلّ عقد التئامهما، فيذعن هؤلاء النّاس لأحد هذين الطّرفين، من دون أن يعوّلوا على الطّرف الآخر الذي يقابله.