مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (16)

سنة النّشر 2008

تتّضح في تلك الأحاديث التي ذكرها الفنّان صلحي الوادي، آراؤه في جلاء بيّن في شؤون الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، إذ ظلّ يؤكّد دائماً وجوب ارتكاز ذلك الفنّ على المبادئ والمناهج العلميّة، وقد ذهب المفكّر فؤاد زكريّا إلى الأخذ بذلك الاعتقاد ذاته، إذ رأى أنّ يتحتّم على فنّ الموسيقا الاستناد إلى المبادئ العلميّة، كي يتسنّى له أن يتبوّأ تلك المكانة العالية من درجات الرّفعة والسّموّ، وقد تحدّث المفكّر القدير عن مستقبل الموسيقا في مصر، وقبل أن أورد حديثه عن شؤون ذلك الفنّ الموسيقيّ، أرى أنّ في وسعنا أن نؤكّد أنّ آراءه تنطبق على أحوال فنّ الموسيقا في كافّة أقطار الوطن العربيّ، وقد رأى المفكّر فؤاد زكريّا أنّ "التّأليف الموسيقيّ عندنا فلا شكّ في انحدار مستواه، وأستطيع أن أقول مطمئناً أنّ الأكثريّة من مؤلّفينا الموسيقيّين غير مثقّفة فنّيّاً، وقد يبدو هذا القول غريباً، ولكنّ يكفي أن يدرك القارئ أنّ "العالِم" من مشاهير الملحّنين هو من يعرف التّدوين الموسيقيّ، وقراءة المدوّنات (النّوتة)، مع أنّ هذه من الأوّليّات التي يجيدها تلاميذ المدارس الابتدائيّة في البلاد المتقدّمة! أمّا الباقون، وهم كثيرون فحتّى هذه الأوّليّات لا يعرفونها. ومن المؤسف حقّاً أنّ جهود هؤلاء المؤلّفين الموسيقيّين جميعاً لا تنصرف إلى التزوّد بالعلم الصّحيح، وحسبهم تلك الثّروات الضّخمة التي تنهال عليهم، ففيم الحاجة إلى العلم إذن، ما دامت الغاية قد تحقّقت؟ قد يكون هذا الحكم قاسياً، وقد تكون لهجته عنيفة، ولكنّي أقولها صراحة: إنّنا في حاجة إلى جيل آخر من الموسيقيّين "العلماء" بالمعنى الصّحيح لهذه الكلمة، يقضي الواحد منهم سنوات طويلة من عمره في  دراسة شاقّة مضنية، يجني ثمرتها في النّهاية، ولا يتوقّف عن تحصيل المزيد من العلم طوال حياته مهما أصاب من نجاح.. فالفنون اليوم لم تعد تلقائيّة، ولم تعد الفطرة السّليمة تجدي فتيلاً إن لم تصحبها دراسة عميقة، والعلم قد تغلغل في كلّ نواحي حياة الإنسان حتّى في نتاج خياله.. فمن من موسيقيّينا الحاليّين أدرك ذلك؟ ومن منهم عمل على تحقيق هذا الهدف؟ إنّ فنّ الصّوت _ وهو أرفع الفنون وأعمقها _ له مجالات واسعة، وتشكيل الأصوات له إمكانيّات لا تنفد، ولكنّنا في مصر لم نفد من هذه الإمكانيّات الضّخمة إلاّ على نحو ساذج، بل على نحو يكاد يكون بدائيّاً، ألحان تسير على وتيرة  واحدة، آلات قليلة تسير كلّها في تيّار واحد وليس لها إلاّ بعد واحد، إيقاع سطحيّ راقص.. إلى آخر العيوب الكثيرة التي ترجع كلّها إلى سبب واحد هو الافتقار إلى العلم... أمّا عيوب الأداء في موسيقانا فلا تقلّ أبداً عن عيوب التّأليف، إذ أنّ الأمرين في الحقّ مرتبطان. ويوم توجد الموسيقا الرّفيعة، فلا بدّ أن يرتفع الأداء إلى مستواها، أمّا حين تمضي الأمور بلا رقيب، وحين تنعدم المسؤوليّة فستعمّ هذه الصّفة الجميع!".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (15)

سنة النّشر 2008

إنّ المبادئ العلميّة التي يستند إليها الفنّ الموسيقيّ، تؤسّس الرّكائز التي تدعم تطوّر ذلك الفنّ، وكان الفنّان صلحي الوادي يلحّ على الأخذ بتلك الأسس العلميّة، كي يتيسّر لأبناء الأمّة العربيّة أن يطورّوا موسيقاهم العربيّة، وقد استخلص الموسيقار صلحي الوادي من تاريخ  الحضارات عبراً جلّى، إذ رأى "... أنّه من المعروف ضمن كافّة مراحل مسيرة الحضارة الإنسانيّة، إنّ فنّ الموسيقا هو آخر فنّ يتطوّر في أيّ مجتمع لأنّه الأصعب، ولأنّه يحتاج إلى تقنيات مجرّدة ( التّقنيّة للتّقنيّة)، فإن عدنا للحضارة الأوروبيّة نجد أنّ مايكل أنجلو ودانتي وشكسبير كانوا في زمن لم يبرز فيه موسيقيّ يذكر على مستواهم، وكان على الموسيقا أن تنتظر 200 عام بعد عصر النّهضة كي تتحرّك باتّجاه هذه الذّروة".

كان الموسيقار صلحي الوادي كثيراً ما يدعو إلى الاعتماد على المبادئ العلميّة الموسيقيّة، التي ينهض عليها فنّ الموسيقا، بيد أنّ كان يؤكّد أيضاً أن يجب على المؤلّف الموسيقيّ، أن يعتمد في استيعاب تلك القواعد العلميّة على بصيرته الذّاتيّة النيّرة، وإدراكه الواعي، وفهمه المتعمّق في تلك الأسس العلميّة، كي يتهيّأ لذلك المؤلّف أن يبدع الأعمال الموسيقيّة الرّائعة، وقد اعتقد الموسيقار صلحي الوادي اعتقاداً راسخاً أنّ الملحّن "... لا بدّ من أن يدخل في عمله قواعد علميّة موسيقيّة، ويجب أن يكون استخدامه لتلك المبادئ العلميّة وفق تصوّراته الشّخصيّة، فلا تتمثّل عمليّة التّلحين بمجموعة من التّنظيرات يضعها الملحّن في أعماله، فينتج بعد ذلك العمل الموسيقيّ، ولكنّ على الملحّن أن يتعلّم التّقنيات الموسيقيّة كلّها، ثمّ يستوعبها ليتمكّن من إظهارها إلى العالم في صورة ذاتيّة، وكأنّما تصبح تلك النّظريّات موضوعة من قبل ذلك الملحّن، حيث تمتزج معها شخصيّته الفنّيّة".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (14)

سنة النّشر 2008

إنّ ذلك النّداء النّصوح الذي جهر به الموسيقار صلحي الوادي، لا تبرح تشتدّ أصداؤه المتعالية، لترشد العمّه الذين يخوضون غمار النّشاط الموسيقيّ، ولتنبّه أولئك الغرر من غفلتهم، إذ مازالوا يخبطون خبط عشواء في ممارستهم ذلك النّشاط الموسيقيّ، وليوقظ ذلك الدّعاء الجهير أولئك الجهّال من تلك الغواية، التي أوغلوا فيها منذ أمد بعيد، دائبين في ألّا يلتفتوا إلى تلك النّصائح التي يخلصها لهم النّبهاء الثّقات، الذين عمد أولئك الغرر إلى أن يناصبوهم العداء، وإنّ الإنسان ليأخذه العجب العجاب، حينما يرى أصحاب البدع الموسيقيّة السّاقطة يتصامّون عن تلك النّصائح، ويجعلونها دبر آذانهم، فيعرضون عنها عن جهالة، وسأبيّن بعد قليل العلل والبواعث، التي تدفع أولئك الأشخاص المتنكّبين عن النّهج الفنّيّ الموسيقيّ القويم، إلى الإحجام عن أن يمتثلوا تلك النّصائح التي تلقى عليهم، وقد دأب هؤلاء الجهّال في أن يتطاولوا على أولئك النّصحاء النّبهاء، وأن يشنّوا عليهم حملاتهم ساعين إلى أن يطمسوا بعجيجهم المنكر، وضجيجهم الشّديد، تلك النّصائح التي محضها لهم أولئك الثّقات الأجلّاء.

لم يكد يرى الفنّان صلحي الوادي تردّي أحوال الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، حتّى بادر إلى أن يبيّن سبل النّهوض والخلاص من الإسفاف والتّردّي، اللذين أهبطا الفنّ الموسيقيّ في الأقطار العربيّة، من مراتب الرّفعة والسّموّ، إلى ذلك الدّرك الوطيء، الذي يتمرّغ فيه فنّ الموسيقا، ولم يجد الفنّان صلحي الوادي بدّاً من أن يذكر تلك النّصائح، التي أقلّتها نبرات جهيرة، وحملت دعواته لفظات مرفوعة لتلتقطها الأسماع، وتدركها البصائر، فصدر ذلك الكلام النّصوح، عن نفس أمضّها نزول النّكبات بأذواق النّاس وأحاسيسهم الجماليّة، وقد تخدّر وعيهم الجماليّ، بعد أن عطّلت مبادئ الفنّ وشرائعه، فحزّ في صدر الفنّان صلحي الوادي، تردّي الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة في هوّة الإسفاف، فانبعثت في نفسه تلك الدّوافع التي حثّته على الذّود عن أحاسيس وأذواق النّاس في الوطن العربيّ، فجهد دائباً في أن يردّ عن مبادئ الفنّ الموسيقيّ، غائلة الغرر المتطاولين على أسس الفنّ الرّفيع، وقد آلمه تفشّي آفة الجهل عند أصحاب البدع الموسيقيّة الباطلة، فاندفع يدحض حججهم، ويفنّد أقاويلهم، إذ أبطل دسائسهم الماكرة، وأحبط مكائدهم الخدّاعة، وكان الموسيقار صلحي الوادي يدرك تلك العوائق، التي تعترض دون أن يأخذ بتطبيق المبادئ العلميّة، التي يستند إليها الفنّ الموسيقيّ الجادّ، أولئك الأشخاص الذين يمارسون النّشاط الموسيقيّ، فلم تغب عن ذهنه تلك الموانع، إذ ذكر "إنّ تبنّي حضارة موسيقيّة مبنية على العلم، في مجتمع موسيقيّ يعتبر أنّ الموسيقا العربيّة والعلوم شيئان متناقضان، عمليّة صعبة بالضّرورة، وتحتاج إلى الكثير من الدّأب والتّفاني  والمثابرة".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف(13)

سنة النّشر 2008

عبّر الموسيقار صلحي الوادي صادقاً عن اعتزازه الشّديد بتطوّر العلوم الموسيقيّة، والذي حقّقته تلك الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وإذا كان أنحى باللّوائم على أولئك الجهّال، الذين عاثوا فساداً في شؤون الفنّ الموسيقيّ في العصور، التي تلت حقبة تلك الحضارة النّيّرة الغرّاء، فإنّه هدف إلى أن يبيّن في ضحة تلك العوائق، التي تعترض دون أن يتمكّن أبناء هذه الأمّة العربيّة في العصر الحاليّ، من أن يجدّدوا تحقيق أمجادهم الغابرة، في النهوض بشؤون الفنّ الموسيقيّ، وقد تمثّل أبرز تلك العوائق في كون غالبيّة أولئك الأفراد، الذين يمارسون النّشاط الموسيقيّ، قد تنكّبوا عن منهج العلوم الموسيقيّة، والذي كان يرى الفنّان صلحي الوادي أنّه السّبيل الأمثل والأوحد، الذي يؤدّي إلى إدراك تلك الغاية الجليلة، التي تتجلّى في تطوير فنّ الموسيقا في البلاد العربيّة، إذ قال في حديثه عن أحوال الفنّ الموسيقيّ في بعض دول العالم  "لقد تطوّرت الموسيقا في العالم كثيراً، وبرز الكثير من الملحّنين في تركيا وكذلك في اليابان، لكنّ هذا يعود بنا إلى شيء أساسيّ، فالأكاديميّة الموسيقيّة في أنقرة والتي كانت تضمّ بين أساتذتها الملحّن الألمانيّ هندمث، والملحّن الهنغاريّ بارتوك، كان لا بدّ أن تخرّج عدداً من الملحّنين المهمّين، أمثال ملحّن اسمه عدنان سايغون في تركيا، الذي أوصل طابع الموسيقا الشرقيّة الجيّدة إلى أنحاء العالم، وموسيقاه تعزف حتّى اليوم في أمكنة عديدة، هناك بعض الملحّنين المصريّين منذ أكثر من جيل مضى كأبي بكر خيرت، قاموا بمحاولات إنّما كانت محاولاتهم محدودة بسبب نقص في الرّؤية لما هو حداثة. موسيقانا نامت لفترة طويلة، فحين كانت موسيقا الدّنيا كلّها تمرّ في عصر النّهضة وعصر تطوّر، دخلنا نحن عصر سبات موسيقيّ، لذلك فإنّ الوصول إلى لهجة القرن العشرين، دون المرور بعصر نهضة في وعينا، عمليّة ليست سهلة على الإطلاق. وبشكل محدّد أكثر، أقول إنّني لا أرى في أيّة موسيقا عربيّة مقوّمات الموسيقا التي تصل إلى العالميّة، ربما يساء فهم طرح الموضوع بهذه الطّريقة، لهذا أقول ماذا يحدث في المسرح العربيّ، هل هناك نصوص مسرحيّة عربيّة قابلة للتّقديم على المسرح العربيّ، يعود تاريخها إلى أكثر من 50 أو 60 عاماً. هل هناك فنون تشكيليّة تذكر، ولا أقصد ذلك الذي يتبدّى عبر أشكال هندسيّة، أقصد بمعنى الرّسم. ليس لدينا لوحات تذكر يعود تاريخها إلى أكثر من 70 أو 80 سنة، هذا كلّه نعترف به، إنّما عندما نعود للموسيقا فإنّنا نريد أن نعتقد، أو نتوهّم بأنّ لدينا تراث، لدينا تراث غنائيّ تماماً كما لدى الفنانّين التّشكيليّين تراث هندسيّ، لكنّ هذا بالذّات ليس هو الموسيقا بكامل مفهومها ومضمونها، إنّه عامل من العوامل التي تتكوّن منها الموسيقا وليس كلّ ما يجب... ليس في كتاب الأغاني سطر واحد من النّوتة الموسيقيّة، والموسيقيّ يتعامل مع النّوتة كما يتعامل المسرحيّ مع النّصّ  المسرحيّ، كيف أستطيع أن أدرّس طالباً يعزف وضعاً لإسحاق وهو يغنّي، يقول أبو الفرج كان إسحاق يبدأ بعلامة منخفضة، ثمّ يصعد إلى علامة عالية، ثمّ ينزل إلى النّصف فيكون أثر ذلك على الجمهور أن يبكي أو يفرح، كيف لي أن أعيد عمليّة عزف هذا المقطع، أنا كموسيقيّ أتعامل مع صفحة تدعى نوتة موسيقيّة، إن وجدت، وإذا لم توجد هذه النّوتة أعتبر أنّه ليس لديّ قاعدة لتدريس هذه المادة... حتّى سيّد درويش كان لا يقرأ النّوتة، لقد غنّى بعض أغانيه بعض الإيطاليّين أو غيرهم الموجودين في مصر، فنوّتوا له إيّاها، أغان جميلة حتماً لكنّها لا تدفع المسألة باتجاه مفهوم التّطوّر الموسيقيّ، ولا الوصول إليه ولا حتّى بداياته. بداية التّطوّر تأتي مع تعميق العلوم الموسيقيّة، ويسعدني أن يكون لدى العرب عدد من المعاهد الموسيقيّة الممتازة كمعهد القاهرة وتونس وكذلك بغداد.... إنّها معاهد تعلّم الموسيقا ضمن مفهوم العلوم الأكاديميّة العالميّة، لقد تأخّرنا كثيراً كثيراً لكنّنا الآن إذا افترضنا أنّنا بدأنا، نقول أنّه من هنا تبدأ البداية الجادّة لتطوير الموسيقا وليس قبل ذلك".



تنشأ عند المسنّين الحاجات العديدة، التي تلقى مسؤوليّة تلبيتها، على عاتق الأفراد كلّهم في المجتمع، بحسب الموقع الذي يشغله كلّ فرد، في تلك المجموعة البشريّة التي ينضوي إليها، فيمكن لكلّ إنسان أن يساهم في السّعي إلى تلبية تلك الحاجات، حيث يناط بالأفراد كافّة في المجتمع، مهمّة تحقيق تلك المساعي التي توفّر للمسنّين الفرص التي ينعمون فيها، بإدراك تلك الحاجات التي يتطلّعون إليها، ويجب على النّاس أن يحيط علمهم بخصائص عمليّة رعاية المسنّين، التي تشمل تحقيق مهامّ عديدة، ويلزم أن يتأصّل في سلوك الأفراد، الاستعداد لتأدية تلك الأعمال، التي تندرج في أنشطة رعاية المسنّين، إذ تتّضح في أذهان النّاس، أهمّيّة اتّباع الطّرائق التي تفضي إلى تلبية حاجات المسنّين، وقد أصبح في عالمنا المعاصر، تقرّ قوانين في العديد من دول العالم، توجب تطبيق قواعد محدّدة، تهيّئ تحقيق فرص رعاية المسنّين المثلى، حيث بات يتحقّق في هذا العصر الحاليّ، زيادة أعداد الأفراد الطّاعنين في السّنّ.

تتبدّى في المجتمعات العربيّة مفارقة جليّة، فعلى الرّغم من وجود البواعث الملائمة، لحثّ النّاس على أن يولوا عمليّة رعاية المسنّين، العناية المناسبة لها، حيث تبرز في طليعة تلك الدّوافع، التّعاليم الدّينيّة، ثمّ مجموعة القيم الخلقيّة والمواعظ النّظريّة، التي تنمّي وعي النّاس في أهمّيّة عمليّة رعاية المسنّين، بيد أنّ موضوع تلبية حاجات المسنّين في المجتمعات العربيّة، يكاد أن يكون غائباً في أغلب الأنشطة المتنوّعة في تلك المجتمعات، ولنأخذ على سبيل المثال بعضاً من تلك الأنشطة، فبادئ ذي بدء، نلحظ قلّة عناية بعض الباحثين العرب، بمعالجة مسائل موضوع رعاية المسنّين، في دراسات نظريّة، وتكاد بعض قضايا المسنّين الهامّة، تكون غائبة عن بساط البحث والدّراسة عند الباحثين العرب، ثمّ إذا نظرنا في الإجراءات العمليّة والقواعد التّنفيذيّة، قلّما نرى تطبيق عمليّ، يحقّق الغايات التي تنصّ عليها، مسألة رعاية المسنّين، وعندما تنشأ مسائل واهتمامات واسعة الانتشار عند أفراد المجتمع، إذ تشمل جموع كثيرة من النّاس، نستطيع عندئذ أن نتحدّث عن بدء ظهور سمة ثقافيّة، يتميّز بها ذلك المجتمع، وإذا نظرنا في شؤون المجتمع العربيّ،  فإنّ ثقافة رعاية المسنّين، هي غالباً ما تكون موضوعاً غائباً عن أذهان العديد من النّاس في المجتمعات العربيّة، على الرّغم من أنّ تلك المجتمعات، يتوفّر فيها المناخ النّفسيّ، الذي يهيّئ النّاس لتحقيق أهداف رعاية المسنّين، فكان يتوقّع ويؤمل أن يكون شأن تلبية حاجات المسنّين، أفضل من الوضع الحاليّ الذي أمسى واقعاً فيه.

إنّ الحديث عن ثقافة رعاية المسنّين، لا يقتصر على شؤون العواطف ومشاعر الحنو والشّفقة، التي قد يمضي النّاس في المجتمعات العربيّة على هديها، في تعاملهم مع المسنّين، لأنّ حاجات المسنّين أصبحت في عصرنا الحاليّ، هي مسائل اجتماعيّة، تفسّر بلوائح قانونيّة، توجب حقوقاً شخصيّة يجب أن تراعى، والتّمييز بين هذين الحالين هو أمر في غاية الأهمّيّة، لأنّ الاقتصار على الاستناد إلى المشاعر والمواقف الشّخصيّة، لا يفي بتحقيق أهداف رعاية المسنّين في المجتمعات المعاصرة، ما دامت القوانين التي تكفل بتهيئة الفرص، التي تتحقّق فيها حاجات المسنّين، تكون غائبة، أو ربّما تكون موجودة، ولكنّ تظلّ قوانين صوريّة شكليّة، ففكرة الاعتماد على محاسن الأخلاق، وطيب العشرة وحسن المخالطة، في معالجة شؤون رعاية المسنّين، لا تجدي نفعاً إن لم يردف ذلك السّلوك الحسن، بالقواعد القانونيّة، التي تترجم حالة تلك المشاعر، إلى أحداث عمليّة ملموسة، بكل أبعادها الواقعيّة.

أتيح لي في مجرى حياتي الشّخصيّة، أن ألتقي بكثير من الأفراد المسنّين، وكنت أرى تلك الحاجات التي تنشأ عندهم، وربّما تكون المعلومات النّظريّة التي حصّلتها، عن طبيعة تلك المرحلة من العمر التي يعيشونها، هيّأت لي أن أعالج حاجات هؤلاء المسنّين، معالجة فعّالة ناجعة مفيدة، ومن دون أن أتحدّث عن طبيعة القيم الخلقيّة التي رسخت في نفسي، بالإضافة إلى حقيقة التّنشئة الأسريّة، وخاصّيّة الطّرائق التّربويّة، التي صاغت صفاتي الخلقيّة، وسمات شخصيتي الاجتماعيّة، فلا أريد أن أتكلّم عن هذه الصّفات الشّخصيّة، لأنّها قد تعبّر عن حالة فرديّة ذاتيّة، وإن كان يحتمل أن تكون شائعة ومنتشرة عند سائر النّاس، إلّا أنّ يظلّ لنشوء الوعي الفكريّ والنّظريّ، بطبيعة الخاصّيّة الحقوقيّة التي تتّسم بها حاجات المسنّين، الأهمّيّة المميّزة أيضاً، وتنمية هذا الوعي، تستند إلى عمليّة التّثقيف الفكريّ، التي يجب أن تكون متاحة للنّاس كافّة، وقد لاحظت أنّ المسنّين يتّصفون بدماثة الخلق، ولطافة التّصرّف، وهم في كثير من الأحيان، يحجمون عن أن يفصحوا عن حاجاتهم، وهذه الحالة النّفسيّة عند المسنّين، تكاد تغيب عن نظر العديد من النّاس، فإذا كان المسنّون يعرضون عن المطالبة بتحقيق رغائبهم، فما هو عدد السّنوات التي يجب أن تمرّ، حتّى نصل إلى ذلك اليوم، الذي يراعي النّاس فيه، ضرورة تنعّم المسنّين بحقوقهم الشّخصيّة، ولا ريب في أنّ تنمية هذا الوعي الحقوقيّ بحاجات أولئك المسنّين، يجب أن تتمّ في مجتمعات العالم كلّها، وإن كانت تلك المجتمعات قد تتفاوت فيما بينها، في درجة تطوّر نشوء هذا الوعي الذي أشرت إليه آنفاً.

كنت أسير ذات يوم في أحد أحياء مدينة دمشق، في أثناء فترة النّهار، وعندما قرّرت أن أعبر الشّارع عند إشارة المرور الضّوئيّة، ألقيت نظرة على عدّاد الثّواني الموجود على إشارة المرور، ووجدت أنّه بإمكاني أن أعبر الشّارع، إذ قدّرت أنّ مدّة الوقت المتبقّية ريثما يظهر اللّون الأحمر، تكفي لفترة المسير التي أصل فيها إلى الجهة الأخرى في الرّصيف المقابل الذي كنت أقصده، وبينما كنت أسير في ذلك الشّارع، حيث كانت أرتال السّيّارات واقفة، بانتظار تبدّل ألوان إشارة المرور، حيث تنظّم عمليّة ظهور الأنوار الملوّنة، حركة المرور في الشّوارع الحديثة، رأيت في الرّصيف المقابل الذي كنت أتّجه نحوه، سيّدة عجوزاً تتّكئ على عكّاز كانت تمسكها بيدها، وقد اتّضح تقدّمها في العمر، وخمّنت أنّها لن تستطيع السّير بخطوات متتابعة منتظمة، حيث اعتقدت أنّها اعتادت أن تتّئد في سيرها، وتمشي متمهّلة وببطء، ونظرت إليها ووجدتها ما زالت واقفة عند الطّرف الآخر، وهي تقدّر في فكرها، إمكانيّة عبورها الشّارع، بيد أنّ اللّحظات التي ظهر فيها تردّدها في اتّخاذ قرارها في عبور الشّارع، طالت حتّى أنّها ظلّت واقفة في مكانها، حتّى اتّضح عزمها على أن تظلّ مستقرّة في موقعها، من دون أن تعمد إلى عبور ذلك الشّارع.

اتّضح من شأن تلك العجوز، أنّها قد ركنت إلى حالة الانتظار الطّويلة، على الرّغم من أنّ لون الضّوء الأخضر، كان قد ظهر على إشارة المرور، حيث يتاح آنئذ للمشاة أن يعبروا الطّريق، وعند هذه اللّحظة عندما نظرت إليها، أدركت حالة هذه العجوز على الفور، وكنت ما زلت أسير في ذلك الشّارع، وفهمت على التّوّ طبيعة الموقف الذي تمرّ به هذه السّيّدة العجوز، وألتفتّ فوراً إلى الوراء، نحو الجهة التي أتيت منها، وهي الوجهة التي تنظر إليها تلك السّيّدة العجوز، فلم أجد في تلك النّاحية على إشارة المرور، عدّاد الثّواني، الذي يبيّن المدّة المتبقّية لتبديل ألوان الإشارة، وكان تعذّر على تلك السّيّدة رؤية عدّاد الثّواني، الذي كان موجوداً على الإشارة الضّوئيّة التي كانت تقف بالقرب منها، فاتّجهت فوراً نحو تلك السّيّدة، وألقيت عليها التّحيّة، فنظرت إليّ بنظرات توحي بشعورها بالثّقة والاطمئنان، وهي تنظر نحوي، وخاطبتها قائلاً أنّه يوجد وقت كاف كي تعبر الشّارع بأمان، وأنّ الزّمن المتبقّي، يكفي لعبورها الشّارع، وكي أزيد ثقتها بتلك المشورة التي أخلصتها لها، عرضت عليها أن أسير معها نحو الجهة المقابلة التي كانت تقصدها، فكان يتوجّب عليّ آنئذ، أن أعود أدراجي معها إلى تلك الجهة التي كنت أتيت منها، فشكرتني وتفوّهت ببعض كلمات، عبّرت فيها عن موافقتها على اقتراحي، الذي أفصحت عنه، بينما كانت معالم السّعادة تظهر على ملامحها، وسرت معها في أثناء فترة عبورها الشّارع، ورافقتها طوال تلك المدّة التي استغرقتها عمليّة ذلك المسير، حتّى وصلنا إلى الجهة المقابلة، حيث بدأت تشكرني بكلمات رقيقة، وأعربت عن امتنانها لذاك التّصرّف الذي أبديته نحوها، وودعتها وانصرفت لأتابع طريقي قاصداً إلى عبور الشّارع، بعد أن انتظرت ظهور الضّوء الأخضر على الإشارة الضّوئيّة.

إنّ تلك السّيّدة العجوز، التي رأيتها عند الإشارة الضّوئيّة، لم تطلب منّي أن أساعدها في عبورها الشّارع، إلّا أنّي قدرت مدى حاجتها إلى ذلك العون، فتقدّمت من تلقاء نفسي لتقديم المشورة إليها، وقد رآني لفيف من المارّة، وسائقي السّيّارات، الذين شاهدوا تصرّفي مع ذلك الموقف الذي مرّت به هذه السّيدّة العجوز، وأعتقد أنّ مغزى ذلك التّصرّف الذي أتيته، لم يغب عن أذهانهم، وكثيراً ما كنت أقدّم المساعدة إلى الأشخاص، من دون أن أنتظر منهم التّعبير عن حاجاتهم، وأعتقد أنّه يجب مراعاة رغائب المسنّين، حتّى عندما لا يفصحون عنها، وقد تمنّيت أن تنتشر ثقافة رعاية المسنّين عند النّاس كافّة، لأنّه عندما ترسخ في أذهانهم، الحالة الحقوقيّة التي تنجم عن نشوء الحاجات عند المسنّين، يدرك النّاس أنّهم يحملون المسؤوليّة الأخلاقيّة، بالإضافة إلى المسؤوليّة القانونيّة، في مهمّة تلبية حاجات أولئك المسنّين.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف(12)

سنة النّشر 2008

ما برح الفنّان صلحي الوادي يؤكّد أنّ يجب أن ينهض الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، على قواعد العلوم الموسيقيّة، وقد دأب في أن يفنّد آراء أولئك الأشخاص، الذين يدّعون زوراً بإحاطتهم بشؤون فنّ الموسيقا، حينما زعموا أنّ يتهيّأ للفنّ الموسيقيّ في البلدان العربيّة، التّطوّر من دون أن يستند ذلك الفنّ على المبادئ العلميّة، فقال الموسيقار صلحي الوادي رادّاً على هؤلاء الأفراد حججهم المتهافتة "إنّني غير مقتنع بأنّ على الموسيقا العربيّة أن تبقى بغير علوم، إنّني غير مقتنع بآراء بعضهم بأنّ هناك تناقضاً بين العلوم وبين الموسيقا العربيّة، فقد كانوا يقولون أنّه إذا علّمت عازفاً عربيّاً النّوتة، فإنّه يفقد عفويّته لذلك عليك أن تعلّمه سماعيّاً، إنّني لست مقتنعاً إطلاقاً بأنّ على الموسيقا العربيّة أن تبقى بدائيّة، ومقتنع تماماً بالمقابل بأنّ أيّ تطوّر للموسيقا العربيّة، يجب أن ينطلق من توسيع قاعدة علميّة للموسيقيّين العرب... وما هو موجود من الموسيقا العربيّة هو ألحان غنائيّة، لا تتضمّن العلوم الموسيقيّة الضروريّة لنمو أيّ فنّ موسيقيّ، علم الهارموني، وعلم التّوزيع الأوركستراليّ بصورة هارمونيّة، إنّها أمور شبه مفقودة تماماً في الموسيقا العربيّة، التّقنيّات عند العازف العربيّ محدودة، لأنّ المتطلّبات التي يضعها الملحّن أمامه محدودة جدّاً، فلا نقلّل بالتّالي من أهمّيّة أن نرفع تقنيّات العازف، لكي نصل إلى موسيقا أجمل. هذه العمليّة ضروريّة للغاية، من هنا نبدأ، إنّ الممثّل يدرس اللّيونة الجسديّة، رغم أنّها لا علاقة مباشرة لها بوجوده على المسرح، لكنّها تمكّنه من تحريك جسده بشكل مقنع ومناسب أمام المشاهد، العازف المتطوّر يفتح خيال الملحّن المتطوّر، والملحّن المتطوّر حينما يتعامل مع عازف جيّد لتقديم أعماله، فإنّه يفتح المجال أمام خيال المستمع، الحلقة مرتبطة بوجود ملحّن دارس متعلّم يتعامل مع عازف قدير تقنيّاً، وجمهور واع ومدرك ناقد يميّز بين ما هو جيّد وما هو سيّئ في الفنّ، عندها نبدأ الخطوات الأولى الحقيقيّة في التّطوير"(12).



إنّ النّتاج الأدبيّ الذي قدّمه الكاتب ميخائيل نعيمة، توزّع بين أنواع شتّى من الكتابات، التي اندرجت في أجناس أدبيّة متنوّعة، مثل القصّة القصيرة، والمسرحيّة والرّواية، والقصائد الشّعريّة، وكانت مؤلّفاته في تلك الأنواع الأدبيّة، تختلف فيما بينها في مقدار العدد، فهو كتب العديد من الأعمال القصصيّة، بينما أنجز رواية واحدة أطلق عليها اسم "مذكرات الأرقش"، وكان ألّف مسرحيّة "الآباء والبنون"، بالإضافة إلى مسرحيّة "أيّوب"، وقد أنتج مجموعة شعريّة واحدة، وكان عنوانها هو "همس الجفون"، وقد نظّم أيضاً قصيدة "النّهر المتجمّد"، وكتب مقالات فكريّة متنوّعة، ثمّ عندما أمضى العقد السّابع من سني حياته، كتب في جنس أدبيّ إضافيّ، هو السّيرة الذّاتيّة، إذ قرّر أن يتحدّث عن الوقائع التي تضمّنتها سيرة حياته، خلال مدّة بلغت سبعين عاماً، وكان مقدار تلك المدّة الزّمنيّة التي تكلّم عن الأحداث التي اشتملت عليها، هو عنوان سيرة حياته التي كتبها، إذ أطلق على ذلك العمل الأدبيّ اسم "سبعون"، وقد كتب أيضاً بلغات عديدة، وهي العربيّة والرّوسيّة والإنجليزيّة، وكانت ولادة ميخائيل نعيمة في بلدة بسكنتا، التي تقع على سفح جبل صنين، الذي تحدّث عنه قائلاً: "إلى الشّرق من بيروت، وعلى بعد خمسين كيلومتراً وارتفاع ألفين وسبعمئة متر، ينتصب جبل صنين _ أشهر جبال لبنان وأجملها"(1)، وأمّا موقع مدينة بسكنتا، فكانت توجد في سفوح ذلك الجبل "غابات شاسعة من الصّنوبر ومن تحت تلك الغابات تنتثر بيوت بسكنتا"(2)، وكان تاريخ مولده في شهر تشرين الأوّل عام 1889، وقد عني النّقّاد والباحثون بالنّظر في مؤلّفاته الأدبيّة، التي كانت إحدى الخصائص التي اتّصفت بها، هي تجرّدها عن "أيّ تعصّب مذهبيّ ودينيّ"(3)، وقد حرص على أن يكون في الأعمال الأدبيّة التي كتبها، دقيق الوصف، وعميق التّصوير، في معالجته المواضيع التي تناولها في مؤلّفاته الأدبيّة المتنوّعة.

ابتدأت مسيرة التّرحال عن بلده، منذ سنوات صباه، حيث سافر إلى مدينة النّاصرة في فلسطين عام 1902، ثمّ سافر إلى أوكرانيا عام 1906، الذي ظلّ مقيماً فيها حتّى عاد إلى لبنان عام 1911، وقد غادر في ذلك العام نفسه متوجّهاً نحو الولايات المتّحدة الأميركيّة، لإكمال دراسة الحقوق فيها، وبعد مضيّ عشرين عاماً، أنهى رحلة التّطواف، وعاد إلى مسقط رأسه في لبنان عام 1932، حيث تحدّث عن الإحساس الذي خامره في أثناء رحلة العودة إلى بلده، إذ قال: "إنّ شوقي إلى لبنان، وأنا عائد في طريقي إليه من أمريكا، كان أكثر بكثير من شوقٍ إلى أهل ومنبت، أو إلى تراب وسماء، وهواء وماء، ومسارح الطّفولة والصّبا والفتوّة"(4)، وعندما تكلّم عن جبل صنين بقمّته المرتفعة، ذكر أنّ "صنين متّكأ السّماء"(5)، وقد وصف الشّعور الذي انتابه في سعيه إلى ذلك الجبل، فقال "عيناي تكادان تقفزان من وجهي، وقلبي يكاد يطير من بين ضلوعي، إنّي أودّ لو أُدرك تلك القمّة الحبيبة قبل أن تُدركها الشّمس، فأتبرّك بلمس خمارها الأبيض. وأفتح صدري لأنفاسها المثلوجة، المنعشة، وأُطلّ من فوقها على الشّخروب ومن فيه وما فيه"(6)، وقد لحظ تأثير مرور تلك السّنوات الطّوال، في نفسه، وعاين ذلك التّبدّل الذي طرأ عليه، حيث ذكر "كنت أعلم أنّ الذي عاد منّي إلى هذه الأصقاع في أيّار سنة 1932، هو غير الذي نزح عنها في تشرين الثّاني سنة 1911، إلّا أنّ السّلك الخفيّ الذي أدعوه "أنا" والذي لا زال يربط هذا العائد بذلك النّازح، هو السّلك الذي ما انفكّ يغريني بفتوحات لن تتاح لي إلّا في خلوة طويلة هيّأتها لي هذه الجبال"(7)، وقد ظلّ يقيم في ذلك المكان الأثير لديه، حتى وافته المنيّة في الثّاني والعشرين من شهر شباط عام 1988، بعد أن عاش تسع وتسعين عاماً، أي ما يقارب القرن الكامل من مقدار الزّمن.

كان ميخائيل نعيمة يقصد مع عائلته في فصل الصّيف قرية الشّخروب، التي كانت على مقربة من بلدة بسكنتا، حيث كان موقعها "على بعد خمسة كيلومترات إلى الشّرق من بسكنتا ويرتفع عنها ثلاثمائة متر"(8)، وقد ذكر أنّه كانت "تكثر في الشّخروب الصّخور من شتّى الأحجام والأشكال"(9)، وفي حديثه عن رحلة عمره، اعتبر الشّخروب "محطّة من أهمّ محطّاتها، فهو كان، وما برح، "الجُرد" الذي إليه نلجأ في الصّيف لنستغلّ من ترابه ومائه وهوائه ما استطعنا من العافية وضروريات العيش. وقد شاء لي ربّان حياتي أن أستغلّ منه ما هو أثمن حتّى من العافية ومقوّمات العيش"(10)،  وقال في سياق حديثه عن وقائع حياته، بعد أن عاد إلى بلدته بسكنتا، آئباً من أمريكا أنّه قد "انتقلت العائلة في ذلك الصّيف، على عادتها في كلّ صيف، إلى الشّخروب، فكان لا بدّ لي من خلوة غير الكوخ أنصرف فيها إلى التّأليف والتّأمّل. ولذلك بنيت لي خيمة من أغصان الشّجر في فسحة من الأرض تكتنفها الصّخور العالية في القسم الشّماليّ من الشّخروب. وصنعت لها بيدي طاولة صغيرة للكتابة ومقعداً"(11)، وقد تابع حديثه عن ماجريات الأيّام التي كان يمضيها في ذلك المكان، فقال "في تلك الخيمة كنت أصرف نهاري فلا أنحدر إلى البيت إلّا في أوقات الأكل والنّوم، وإلّا لاستقبال زائر، أو لمساعدة أبي وأخي في أعمال الحقل على قدر طاقتي إذا لم يكن لديّ أعمال كتابيّة"(12)، وقد أطلق عليه الكاتب توفيق عوّاد لقب ناسك الشّخروب.

كان تربط ميخائيل نعيمة بتلك الأصقاع التي تستلقي على سفوح جبل صنين، علائق متينة ما برحت ترسخ ثابتة، وتحدّث عن الموقع الذي تحلّ به في نفسه، حيث قال "لبسكنتا والشّخروب أثر في حياتي لا أستطيع حصره وتحديده، فلا بدّ من كلمة، ولو عابرة، عنهما"(13)، وفي جليّة الأمر، كانت له كلمات عديدات عابرات، توزّعت في عدّة مناسبات وأحاديث ومؤلّفات، إذ كان يتحدّث عن هذين الموقعين المتجاورين مكاناً، والمتّحدين في نظر ميخائيل نعيمة، وقد صعب عليه تحديد تأثيرهما في حياته، ربّما لأنّ أثرهما كان شديد الاتّساع، وقد شدّه إليهما أوثق الرّوابط وأمتن العلائق، وذلك الالتصاق القويّ الذي اتّسم به ارتباطه بهذين المكانين، ربّما صعّب عليه أن يفرد لهما حيّزاً خاصّاً بهما، في حديثه عن وقائع حياته، لأنّه قد يكون تعذّر عليه، أن يميّزهما في ذلك المزيج الذي ضمّ نفسه مع هذين المكانين، وكانت حياة ميخائيل نعيمة، قد حفلت بالمواقف الفكريّة والشّخصيّة، التي لا ريب في أنّها تهيّئ لدراسات الباحثين والنّقّاد، الموضوعات الأدبيّة والفكريّة، التي هي جديرة بأن تكون محطّ البحث والدّراسة الجادّين.



كثرت الأحاديث عن الرّهبة التي تنتاب الطّلّاب، عند تأديتهم فروض الامتحان الدّراسيّ، ولم يجد الأشخاص الذين يروون تلك الأحاديث، سنداً يدعم أقوالهم، ويعضد جهودهم في وصفهم ذلك الذّعر الذي يستولي على الطّلّاب، إلّا في تلك الأقوال التي يدلي بها القادة الحربيّون، الذين خاضوا أشرس المعارك وأعنفها، إذ ذكر أنّ نابليون بونابرت كان يخشى كثيراً الدّخول في أجواء الامتحان، وكان يقول أنّه لو خيّر بين أن يدخل في ساحة المعركة وتأدية الامتحان، لاختار أن يخوض غمار المعركة، وقد روي أنّه قال أنّ أهون عليه أن يخوض مائة معركة، على أن يدخل في أجواء امتحان دراسيّ واحد، وإذا راجعنا الأقوال التي تبيّن المكانة التي يحلّ بها الامتحان عند النّاس، نلحظ العبارة التي ما برحت تجري على ألسنتهم، وهي "عند الامتحان يكرم المرء أو يهان"، فإذا كانت هذه الأقوال الرّائجة تبرز حالة الخوف من الامتحان، والتي يقع فيها الطّلبة، فإنّ كلّ الفحاوى والمعاني التي تتضمّنها تلك الأحاديث، كانت منقطعة الصّلة بتلك الحالة التي أمرّ بها، عند تأديتي امتحاناتي الدّراسيّة، التي كنت أخوضها واثقاً بنفسي ثقة عالية.

دأبت في أن أؤدّي الاختبار الدّراسيّ، منشرح الصّدر، ومطمئن البال، وإذا تجاوزت الحديث حاليّاً عن مؤهّلاتي واستعداداتي الشّخصيّة، التي هيّأت لي مواجهة أجواء الامتحان من دون أن يعتريني الوجل، فإنّه كان للأساتذة الذين تلقّيت منهم العلم، في مدرسة اللّاييك، فضل واضح في تعزيز تلك الثّقة بالنّفس، التي كانت تملأ كياني في مواجهة الامتحان، فعلاوة على التّهيئة الجيّدة، التي كانت تتوفّر للطّالبات والطّلّاب، لتلقّي دروسهم في هذه المدرسة، من الأساتذة الأكفاء، الذين أخلصوا في أداء مهامّهم التّدريسيّة، فإنّ الطّرائق التّربويّة التي كانوا يتّبعها هؤلاء الأساتذة، كانت تعزّز في نفوس الطّالبات والطّلّاب الثّقة بمؤهّلاتهم واستعداداتهم الشّخصيّة، وتحول دون أن تصيب نفوسهم الرّهبة والفزع من أجواء الامتحان، وإذا كان هؤلاء الأساتذة الأجلّاء، وفّقوا في تهيئة الطّالبات والطّلابّ لمواجهة الاختبارات الدّراسيّة، إلّا أنّ تلك الحالة التي يمرّ بها الطّالبات والطّلّاب، لا تنفي وقوعهم في حالة القلق، والتي كانت تتسبّب بنشوئها، الطّريقة التي يحدّد بها، مصائر أولئك الطّلبة، بعد تأديتهم امتحانات الشّهادة الثّانويّة "البكالوريا"، فشأن هذا القلق، يختلف عن حالة الخوف من الامتحان الدّراسيّ، الذي يعنى به بتحقيق عمليّة سبر المعلومات التي يحصّلها الطّلبة، لأنّ مصير الطّالب في حياته المقبلة بعد تأدية فحوص الشّهادة الثّانويّة "البكالوريا"، يتحدّد بطريقة قاطعة باتّة، من دون أن يتاح له الفرص، التي يستكشف فيها آفاق تلك الأنشطة، التي يرغب في أن يرودها في قادمات الأيّام.

أرفق بهذه المقالة صورة أظهر فيها جالساً في أحد المقاعد التي تبدو في جهة يمين هذه الصّورة، وتحديداً كان ترتيب المقعد الذي كنت أجلس عليه، هو الثّاني بعد المقعد الأوّل الذي يظهر في مقدّمة صف المقاعد، التي تبدو في جهة يمين الصّورة، وقد كنت أؤدّي الامتحانات في نهاية العام الدّراسيّ 1975_ 1976، وكانت إحدى الجرائد التي تصدر في دمشق، نشرت هذه الصّورة، في شهر أيّار عام 1976، فظللت أحتفظ بتلك الصّورة في أرشيفي الخاصّ، مدّة زادت عن الاثنين والأربعين عاماً، ويظهر في هذه الصّورة العديد من طلّاب الصّفّ العاشر في مدرسة اللّاييك،وترتيب هذه الصّورة، هو السّابع في مجموعة تلك الصّور التي عمدت إلى أن أنشرها، وقد كنت ظهرت في تلك الصّور السّبعة، بسبب وجودي في الأنشطة التي كانت الجرائد تتحدّث عنها، في تغطية صحفيّة حوت تلك الصّور التي كنت ظاهراً فيها.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (11)

سنة النّشر 2008

لم يأل الفنّان صلحي الوادي جهداً في حثّه أولئك الأشخاص، الذين يمارسون النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ في البلدان العربيّة، على الأخذ بمناهج العلوم الموسيقيّة لتطوير الموسيقا العربيّة، وقد هداهم السّبيل القويم إلى إدراك تلك الغاية الجليلة، إذ أخلص لهم النّصيحة قائلاً "لا شكّ في أنّ الوسيلة الوحيدة التي تسمح بارتقاء الآلات العربيّة وعازفيها، وبالتّالي بالموسيقا العربيّة ككلّ هي الوسيلة العلميّة، وهذه الوسيلة تفرض وجود مناهج تتدرّج بطلّاب هذه المعاهد، من لحظة البدء حتّى سبع أو عشر سنوات من الدّراسة، نحن أحياناً لا ندرك أهمّيّة الهمّ الأكاديميّ في تدريس الآلات الموسيقيّة، وبغياب مناهج كهذه تبقى دراسة الآلات الموسيقيّة العربيّة فوضويّة، تعتمد على اجتهادات شخصيّة، وغالباً مزاجيّة لا تؤدّي إلى التّقدّم المنشود الذي نطمح إليه، نعرف أنّ لغتنا العربيّة متقدّمة بين لغات العالم، ونعرف كيف أنّ مناهجها تبدأ من الأحرف ثمّ الكلمات، ثمّ صياغة الجمل الصغيرة ثمّ الإنشاء، ويأتي بعد ذلك ما تستطيع أن تخلقه موهبة الكاتب في شعره أو نثره، ولكنّ لا يوجد لهذا مرادف في الموسيقا العربيّة، وكأنّنا نأتي بالطّفل بدون علم، ونقرأ له قصيدة للمتنّبي، ونطلب منه أن يحلّلها، أو يعرف البحر الشّعريّ الذي نظمت فيه، أصرّ على ضرورة استخدام المناهج في المعاهد، قبل البدء بتدريس أيّة آلة موسيقيّة".

دأب الموسيقار صلحي الوادي في أن يكون سبّاقاً إلى تحقيق فحوى تلك الدعوة إلى الأخذ بمناهج العلوم الموسيقيّة، حيث مهّد لأصحاب المواهب الموسيقيّة أن يحصّلوا العلوم الموسيقيّة في المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، والمعهد العالي للموسيقا، فكانت مبادرته إلى إدراج العلوم الموسيقيّة في المنهاج  الدّراسيّ، الذي يتّبعه طلبة هذين المعهدين، قد تمثلّت فيها مصداق تلك النّصيحة التي أولاها إلى أولئك الأشخاص، الذين يمارسون النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، إذ طابقت هذه الأقوال التي أدلى بها، تلك الأفعال التي أتاها الفنّان صلحي الوادي، الذي بات ذلك السّلوك الذي صدر عنه قدوة حسنة، يتحتّم أن يأتمّ به أولئك النّصّاح الذين يسدون المواعظ إلى سائر النّاس، وقد أكّد الموسيقار صلحي الوادي أنّ "منذ تأسيسه (المعهد العربيّ للموسيقا) عام 1960، والمعهد يسعى للارتفاع بمستوى الموسيقا العربيّة، من خلال تقديم العلوم الموسيقيّة للشّباب العرب السّوريّين، وانطلاقاً من هذا، فإنّنا نرى أنّ ما ينقص الموسيقا العربيّة منذ أزمنة بعيدة، هو العلوم الموسيقيّة التي استطاعت من خلالها باقي الأمم، أن ترتفع في الموسيقا إلى سويّة الفنّ الراقي والجيّد... وهذا النّقص في العلوم الموسيقيّة لدينا، أثّر تأثيراً سلبيّاً على الموسيقا في منطقتنا العربيّة، ومن هنا فإنّنا انطلقنا من فهم أنّ أيّ معهد للموسيقا، يتمّ إنشاؤه في قطرنا يجب أن يضع أمام عينيه _ كهدف أوّل _ التّربية الثّقافيّة العلميّة والإنسانيّة الموسيقيّة... فإذا قلنا أنّ الهدف الأساسيّ للمعهد العربيّ للموسيقا، هو رفع مستوى الموسيقا العربيّة، فإنّ ذلك يتمّ عن طريق التّعليم الموسيقيّ الحديث والعصريّ، وبالتّالي المساهمة في إنشاء فرق موسيقيّة شرقيّة وغربيّة لتقديم الموسيقا بصورتها اللّائقة... أقول  شرقيّة  وغربيّة، مع أنّني لست مقتنعاً تماماً بهذا الفارق بين الموسيقا (الشّرقيّة) والموسيقا (الغربيّة)، فأنا من الذين يؤمنون أنّ الموسيقا هي لغة إنسانيّة، لها لهجتها الخاصّة، وليست هي لغات لها قواعد مختلفة، لأنّ قواعد الموسيقا واحدة مهما اختلفت البيئة، سواء أكانت صينيّة أم تركيّة، وعلينا أن نتعلّم تلك القواعد كي نتحدّث هذه اللغة الإنسانيّة، ونعطيها لهجتنا ونكهتنا الخاصّة".



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (10)

سنة النّشر 2008

تأمّل الموسيقار صلحي الوادي ببصيرته النّافذة في أحوال الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، فتمكّن من أن يشخّص بدقّة الدّاء الذي حاق بتلك الموسيقا العربيّة، ولم يكن أيضاً عسيراً عليه مطلقاً في أن يتوفّق في أن يصف الطّباب النّاجع لتلك العلّة التي نزلت بالفنّ الموسيقيّ العربيّ، فأدّى الفنّان صلحي الوادي واجبه كاملاً، وأنجز بحثه تماماً في شؤون تلك الموسيقا العربيّة، فإذا كان أفراد الشّعب العربيّ يسعون دائبين إلى تحقيق النّهضة الحضاريّة في الأقطار العربيّة، في العصر الحاليّ، إذ باتت الرّغبة في المضيّ في ذلك السّعي، هاجساً يلوح دائماً في خواطر أولئك النّاس كافّة، فإنّ الموسيقار صلحي الوادي أرشد أولئك القوم إلى النّهج الذي يجب عليهم أن يتّبعوه، كي يتأتّى لهم أن يطوّروا الفنّ الموسيقيّ في أقطار الوطن العربيّ، حيث كان يؤكّد أيضاً "إذا أردنا أن تكون النّهضة التي نتحدّث عنها ثورة حقيقيّة في عالم موسيقانا، فعلينا قبل كلّ شيء أن نسلك طريق العلم والمعرفة، ولا يختلف موسيقيّان اثنان بين العرب، أنّ ما ينقص موسيقانا العربيّة هو العلم  بمعناه الأكاديميّ".

لا مشاحّة في أنّ للعرب إبّان الحضارة العربيّة الإسلاميّة، سابقة في تحقيق التّطوّر في العلوم الموسيقيّة، بيد أنّهم انقطعوا في العهود التّالية عن أن يواصلوا تحقيق ذلك التّطوّر في العلوم الموسيقيّة، فأخذوا عندئذ يرجعون القهقرى، بينما أخذت أوروبا بزمام ذلك التّطوّر إذ انضوت إلى موكب النّهوض الحضاريّ، الذي انبثق منه السّعي إلى إدراك ذلك التّطوير في علوم الموسيقا، وقد بيّن الموسيقار صلحي الوادي أنّ "التّطوّر العلميّ في الغرب لا نجد له مرادفاً في الحقبة التاريخيّة ذاتها لدى العرب، الذين كانوا أسبق من الغرب لكنّهم زالوا من الصّورة في ما بعد، أكرّر أنّ هذا لا يمسّ الموسيقا فقط، إنّما علوم أخرى، وكلّ ما بنى الإنسان من حضارة".