مقتطفات من رواية أناشيد الألم (72)

سنة النّشر 1987

أقهمت السّماء مشرقة الأنوار، وامتدّت أشعّة الشّمس بين قزع السّحاب المبعثرة، وألقت بضيائها على حبيبات الماء المنتثرة فوق الأعشاب، فتتلألأ وهّاجة برّاقة.

مررت في ظهيرة هذا اليوم في طريق الصّالحيّة، فوجدته في هذه السّاعة من النّهار، مكتظّاً بالأشخاص المارّين فيه، وكانت تتنوّع فيه مقدار الضّوضاء وحركة النّاس والسّيّارات، بحسب اختلاف طبيعة الطّقس، وتبدّل أحوال الجوّ، إلّا أنّه لا يعدم أثراً من الحيويّة والنّشاط اللذين يسريان فيه على مدار الأيّام، وكانت تتوزّع الحوانيت على جانبي ذلك الشّارع، فحينما يسير فيه الإنسان، يطوي تلك المسافة الممتدّة حتّى نهاية هذا الطّريق من دون أن ينتبه لمضيّ الزّمن، بسبب تنوّع المشاهد، وتعاقب المناظر حواليه، فلا يأبه لذلك المسير الطّويل الذي خاض فيه آنئذ، فجزت أرجاء ذلك الشّارع حتّى أدركت ساحة عرنوس، فلاحت أمامي عدّة طرقات متفرّعة عن ذلك الشّارع الذي سرت فيه، فتجاذبتني طريقان، كانت إحداهما تؤدّي إلى حيّ المزرعة وحديقتها الهادئة، والأخرى تفضي إلى شارع الرّوضة حيث أقطن، وكنت أجزم قراري فيما مضى من الأيّام، بقدر ما أدّخره من الهمّة والعزيمة، ثمّ ما لبثت أن اتّجهت نحو حيّ الرّوضة، وأنا أوطّد مريرتي على معاودة التّجوال، والذّهاب إلى حيّ المزرعة في فرصة قادمة.

قعدت على الأريكة، أنصت لألحان الموسيقار النابغة بتهوفن في سيمفونيّته الخامسة، ثمّ استمعت إلى بضع قطع موسيقيّة للموسيقار ليست، أظهرت روائع ألحانه المخصّصة لآلة البيانو، فبدأت توقد مشاعري شعلة ذلك الفنّ الرّفيع، فتوهّج سراج العاطفة في نفسي، ليضيء غياهب فكري، وظلمات خاطري، وانطلقت من هدأة الشّرود إلى حدّة الانفعال، من دون أن يعتري ذهني اضطراب التّفكير واختلال الخيال، فحلّت بملامحي آيات الوقار ودلائل على الرّزانة، وتردّدت في زفراتي تلك الأنّات التي يدوّي صداها في نفسي، فخلّفت آثارها في مشاعري من دون أن يبرح كياني منها نغمة خافتة، فاقتصر على نفسي، مجال انتشارها الرّحيب، وموضع جولانها الفسيح.

أقهمت السّماء: انقشع عنها الغيم.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (71)

سنة النّشر 1987

إنّي لأغبط حال أولئك النّاس الذين يكدّون في عملهم لتحصيل قوتهم، وأسباب معيشتهم، فيظفرون بالثّواب والجزاء على جهودهم التي بذلوها، وينعمون ببهجة العيش، وينالون أصالة الحكمة التي يستكشفونها في سلسلة الأحداث المتعاقبة الجارية في هذه الحياة، وما يبرحون يستزيدون في اكتساب تلك العطايا، ويمتدّ نظرهم إلى تخوم هذا الكون فيضعون له حدّاً في ذلك المكان الذي تبلغه نظراتهم، من دون أن يجوزوا بأفكارهم تلك الحدود الموضوعة، فيعيشون متنعّمين في أرجاء هذا العالم، الذي يدركون مقدار ضيقه إن هم قاسوا أبعاده بالنّظر، ويتيّقنون بمبلغ اتّساعه إن هم سبروا أغواره بالفكر، فتجري حياتهم ضمن تلك الأمكنة الضّيّقة التي يحدّدها نظرهم، وليتني انضويت إلى جمعهم، فكنت قد بلغت بأيسر سبيل السّكينة والطّمأنينة.

استأذنت جاري صالح في الانصراف، فتوادعنا وهو يدعوني بإلحاح إلى معاودة تلك الزّيارة، وأن أختلف إليه حينما أجد من خلال أشغالي وفروضي المتعدّدة، الفرصة الملائمة لتحقيق ذلك اللّقاء بيننا.

رأيت في هذا المنزل المنشأ الكريم والمثوى الأثيل الذي شبّت في كنفه ليلى، وغالباً ما يعزا سلوك الإنسان وطريقة تصرّفه في أعماله التي يأتيها، إلى الأثر الذي تخلّفه في نفسه تلك البيئة التي يعيش فيها، فتأثير ذلك المحيط الذي يحيى فيه، قد يظهر في تكوين ميوله، وبعث أهوائه، أمّا ذلك الحسّ الرّفيع المتأصّل في الكيان، فإنّه يجفو كلّ تلك المؤثّرات، ويظلّ في منعة من أن تدركه سطوة كلّ الأوساط التي تحيط بالنّاس، فتحافظ النّفس الصّالحة على رسوخها في مقام السّجايا الجليلة، التي يتطبّع بها الإنسان في الظّروف والأحوال المختلفة، فيترفّع عن الانحدار إلى دركات المآرب الوضيعة، ويتنزّه عن اتّباع الأهواء الطّائشة، ولا يحيد عن ذلك الموضع الذي اقتبس منه أنوار الهداية، التي تشعّ من الخصال الرّفيعة، وأكاد أنفر من تلك الأفكار التي تلأم بين طباع المرء وخصاله، وأحوال تلك الوقائع المتبدّلة حوله، وتسنّ لها القوانين الباطلة والأحكام السّاقطة، وهذه النّجوم المتلألئة في أقطار السّماء شهدت ذاك التّبدّل الذي طرأ على معالم الكون، بينما تأصّلت في مكانها بثبات ومنعة من دون أن يخفت لمعانها، أو يخمد ضياؤها، ولا يذعن الإنسان لتلك الأفكار إلّا عن جهالة، فتحكم سيطرتها التّامّة عليه بما تغريه بتلك البهارج الزّائفة التي تصوّرها له، وتطمعه في منافعها الزّائلة.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (70)

سنة النّشر 1987

أصغى بانتباه جليّ إلى حديثي، وهو يثير فطنته لتتبّع زلّات لساني وهفوات كلماتي، التي ظنّ أنّها قد تصدر عنّي، فأخذ يترصّد ظهور سقطة تنفلت من فمي، واعتراني العجب من شأنه، لما أقرّ به من رجاحة بعض تلك الآراء التي أفصحت عنها، ولم أثر فضوله بما أبديته من الأفكار، بقدر ما بعثت في نفسه تلك الرّغبة في أن يجاذبني أطراف الكلام، الذي كنت أدفع من خلاله عن نفسي تلك الملامة التي تنحى عليها، لما طبعته برحاء الهموم وغمّم الشّجو في أساريري من مظاهر الحسرة والألم، فوقدة ذلك الأسى المتوّهجة في نفسي، تضرم لواعجي وتؤجّج مشاعري، لتزكّي وجداني، وتطهّر كياني، ولن أدرك تلك المنزلة الرّفيعة من السّعادة، وأهنأ بالغبطة الدّائمة، إلّا بعدما تضمحلّ أهوائي الطّائشة في أجيج الأشجان، وتزهق في لهيب الغموم، وإن عنت من جرّاء سعيي إلى بلوغ تلك الحالة من الإحساس بالسّكون والطّمأنينة، ومنيت بأفدح العذاب، وتمثّل في خاطري حال أولئك البررة الصّالحين الذين طبع شقاء حياتهم على جباههم صور العناء، فتلوح في نظراتهم رعشات الألم، ويشعّ من أعينهم وميض الأسى، إلّا أنّ ذلك الحزن الذي ينتابهم، لم يحل دون أن تنبعث البهجة في نفوسهم، فلا تنغّص عليهم صفو عيشهم هذه الأشجان، ولا تكدّر هناء حياتهم تلك الأحزان.

استغربت شأن تلك المحاورة التي دارت بيننا، وقد أثرنا فيها تلك المسائل التي ناقشناها، فكان كلّ كلمة وعبارة تتلقّفها أذناي، أجد صداها المتردّد في نفسي، وحينما رأيت تأثّره الجليّ بتلك المناقشة، واقتناعه بما كاشفته به من أفكاري، تيقّنت بأنّي لم أشتطّ في كلامي، ولم أنأ عن ذلك المقصد الذي توخّاه وسعى إليه في كلامه الذي تلفّظ به.

تنوّعت تلك الموضوعات التي تطرّقنا إليها في كلامنا، فأخذ جاري صالح يحدّثني عن وقائع تلك الأيّام التي أمضاها من سنوات حياته، وبدأ يخبرني بشؤون عائلته بلهجة كان يغلب عليها الشّكوى تارة، والحمد تارة أخرى، وكنت أتتبّع لمعان ذلك الضّياء الذي كان يشعّ من أساريره، حينما يورد في حديثه اسم كريمته ليلى، أو عندما يلمّح إليها من دون أن يجهر باسمها، وكانت تشغلني عن الالتفات إلى حديثه فترة وجيزة، تلك النّيران التي تضطرم في الموقد، فأتأمّل سياطها الممتدّة وشعلتها الملتهبة.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (69)

سنة النّشر 1987

أدهشتني عباراته التي أفصح فيها عن سداد منطقه وحصافة رأيه، الذي دلّ على اختباره العميق لأحوال الحياة، وسبره الدّقيق لشؤون النّاس المتنوّعة، فوقفت على أصالة تلك المعاني التي تضمّنها حديثه، ورأيت صواب مرامي كلامه القصيّة، وقد كان دأبي أن أذمّ شأن أولئك الأشخاص الذين تقتصر خبراتهم على العبر، التي تفيض بها الوقائع الجارية، وتخلو معارفهم على تلك العظات التي يستخلصونها من مشاهد الحياة، على الرّغم من اتّساعها، فلا يخوضون في الشّؤون المستترة التي تنطوي عليها تلك الأحداث التي تحصل في حياتهم، ولا ينبشون عن أسرارها الخافية، ولا يستنبطون منها خواطر وأفكاراً جديدة، قد تناقض بعضاً من تلك الآراء، التي كانوا أقرّوها في مستهلّ مشاهدتهم تلك الأشياء التي كانت تسترعي انتباههم، وقد تعارض فحاوى تلك النّتائج التي توصّلوا إليها، في بدء اطّلاعهم على الأحداث التي كانوا يعاينونها، فيعزفون عن الدّرس المحكم والبحث العميق، ولا يرون الأشياء بأحوالها وأوجهها المختلفة، إلّا أنّي استأنست بتلك الأفكار التي أعرب عنها جاري صالح، وقد نشبت أشراك حديثه فيّ، وهو يحضّني على المناقشة، ولم يكن يعلم مقدار ذلك الأثر الذي خلّفه في نفسي، وكثير من النّاس يثيرون فيّ الحسّ والفكر عرضاً من غير عمد أو قصد، وانفلتّ من حبائل تلك الظّنون، التي توهّمت فيها أنّ اللّبس والغموض يشوبان ذلك المظهر، الذي كانت تتراءى فيه للأشخاص الآخرين طباع نفسي، فأدركت مقدار تشابه نفوس البشر لبعضها البعض، وتماثل الأفكار العديدة التي تخطر في أذهان النّاس، فما من حديث إلّا كثيراً ما كانت أصداؤه تصل إلى أبعد مدى، وتبلغ الأشخاص العديدين، والحكمة الشّاملة تبزغ من حياة فرد واحد، لتعمّ سائر الأنام، على اختلاف مشاربهم وتنوّع أحوالهم، وشرعت أسرد حديثي علّه يدرك من خلاله خواطر فكري، فقلت له:

إن ظهرت على ملامح الوجوه، معالم الفرح ومخايل الحزن، فهي غالباً لا تشير إلى ثبات حالة النّفس، التي تتجاذبها مشاعر شتّى، وتتنازعها عواطف مختلفة، فصور تلك الأحاسيس التي تبدو في قسمات الأوجه آنئذ، لا تدلّ على حقيقة الشّعور المستقرّ، فتلك الهيئة التي تلوح فيها المعارف، ليست إلّا مشهداً تبرز فيه مرحلة محدّدة من أطوار ذلك التّجاذب، الذي ينشب في دخيلة النّفس، بين تلك الأهواء المستترة، والرّغائب الكامنة، والمآرب المتوارية، فتتناوب تلك الصّور على الظّهور فوق تلك الأسارير، وفق مسار تلك المراجحة الجارية في أعماق النّفس، حتّى تتمّ الغلبة لحالة من الشّعور على أخرى، فيتأتّى لمعالم تلك المشاعر السّائدة حينئذ، أن تثبت في ملامح الوجه، وكم مداولة امتدّ أمدها برهة طويلة، فلا نستطيع أن نقف على حقيقة أحاسيس النّفس، لما نشهده من تقلّب وتبدّل المشاعر، وقد ننخدع بهيئة تلك الأقنعة المزيّفة التي يظهر بها بعض النّاس، الذين يتّبعون طرائق المراءاة في الإفصاح عن خفايا شعورهم، وما ينبعث في النّفس من دواعي المسرّة وأسباب الحزن، لا تقتضي نشوءه آثار تلك الظّواهر التي تحيط بالإنسان، فلا تنحصر فيها علل إثارة تلك المشاعر في نفسه، ولا تختصر دونها سائر الذّرائع، فيجب ألّا نغفل عن جلاجل النّفس، التي يتردّد نغيها الخفيت في أعماقنا، فنحسب مناجاتها الهامسة مشابهة للغط تلك الضّوضاء الصّادرة من أنحاء الطّرقات وأرجاء الكون.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (68)

سنة النّشر 1987

قصدت جاري صالح إيفاءً بوعدي له بأن أزوره في منزله، فلقيني بوجه بشوش يفيض فيه البشر، مرحّباً بقدومي إليه، وكنت أسعى في بدء مجالستي معه إلى الإنصات لمتع أحاديثه المختلفة، التي تتشعّب في شؤون الحياة المتنوّعة، فتنسري عن نفسي غصص الهمّ ووطأة السّأم، ودلّت نبرة صوته الجهيرة على صلابة طبعه، وإن كان يتخلّلها أحياناً، بعض الخفوت الذي يشير إلى وداعة نفسه ودماثة خلقه، وراقني ذلك المزيج من السّمات المتباينة، التي ائتلفت في كيان واحد، وبدت في جبهته الأسارير المتفرّعة جليّة، وعلت ملامح وجهه الغضون التي جهرت بشقاء وتعب أيّامه الغابرة، وكنت موجز الكلام في حديثي معه، أكتفي بما ألمح أمامي من عالم ممتدّ وحياة واسعة، والمرء بما يشغله به هواه شغوف بالحديث عنه، فما فتئ يخبرني عن تلك النّباتات التي يمضي جلّ وقته في رعايتها وترتيبها في صفوف منسّقة وأرتال منتظمة، وكان يمتدّ قبالة الأريكة التي أجلس عليها، لوحاً عريضاً من الزّجاج تلوح من خلاله النّباتات النّاضرة، فكان منظرها يسرّ النّفس، ويمتّع الحسّ، وسمعت حديثه، وهو يقصّ عليّ دواعي ذلك الجهد الذي يبذله في العناية بتلك الزّرائع النّابتة، فقال لي:

إن ابتلى الجسد بعلّة، فإنّ أصل الدّاء يكمن في النّفس، فإنّي أمضي سحابة يومي في الكدّ والمثابرة على العمل حتّى يدركني النّصب ويوهنني التّعب، وما إن أفرغ من عملي حتّى أنتهز فرصة اللّهو والتّسلية، التي تشغلني عن الالتفات إلى شؤون نفسي، وتصرف انتباهي عن أغراضها المحتجبة وأدوائها المستترة.

لم يداخلني العجب من أمره حينما أدلى بحجّته وأفصح عن رأيه، فسوّغت معتقده مراعاة لباعث المودّة التي نشأت بيننا، ولم أنسبه إلى تلك الفئة من النّاس الذين يعرضون عمّا ينتابهم من الشّعور، ويضربون به عرض الحائط، ولم أشأ أن أفاتحه بهذا الرّأي الذي لاح في فكري، ليس تقديراً لما تستوجبه آداب المحادثة وسنن اللّباقة، من التّصرّف الملائم لهذه العلاقة التي ألّفت بيننا، وإنّما لخشيتي أن أخوض في شجون الحديث الشّائك، وألج في مجاهله، فيطرح فيه عليّ آراء محكمة، طبعتها في ذهنه خبرته بشؤون الحياة، فلا أتمكّن من أمضي رهواً في تجاذبنا أهداب ذلك الكلام الدّائر بيننا، وظلّ يتردّد ذلك الخاطر في نفسي حتّى سمعته يقول:

لن تكون النّفس عزيزة الشّكيمة، وشديدة الجلادة تجاه الأرزاء التي تتعرّض لها، فمن فدحته مشاقّ الدّهر وبهظته خطوبه، تترفّع به أنفته عن مذلّة الشّكوى إن أدركت نفسه ملاذ الصّبر، وموئل السّكينة، فإنّ ابتلاء المرء بمكروه هو عبرة تذيعها الألسن على الدّوام، وما تصبّره على المحنة إلاّ حكمة تحمدها الأفئدة بالمدح والثّناء، وتمضي حياته بين تلك العظة والحكمة من دون أن يغفل عن المسارّ، فلا تفوته المتع والملذّات.

النّصب: العناء.

تمتدّ آفاق الفنّ لتحيط بالمواضيع كافّة التي تبرز في مجرى حياة النّاس، من دون أن يستعصي على الفنّانات والفنّانين أن يتناولوا كلّ المسائل والقضايا، التي تستأثر باهتمام الأشخاص طرّاً في مجتمعات هذا العالم، ولا يقتصر تميّز النّتاج الفنّيّ، على أن يعرض تلك الأشياء التي ينشغل بها الأفراد، بل إنّه يسبر أغوارها، ويوضّح كنهها، ويجلو غوامضها، وكانت الفنّانة التّشكيليّة خالصة هلال، أخذت في كلّ أعمالها الفنّيّة، تعالج مواضيع عديدة، كانت وثيقة الصّلة بحياة النّاس بمختلف مشاربهم وتنوّع أحوالهم، وهي لجأت إلى التّصريح بالتّعبير الفنّيّ عن القضايا التي تناولتها برؤيتها الثّاقبة وبصيرتها المشرقة، وكانت تختار العناصر الفنّيّة التي تلائم التّعبير عن تلك المواضيع التي تناولتها في لوحاتها التي رسمتها، وقد تجلّت المؤهّلات الفنّيّة العالية التي تمتلكها الفنّانة التّشكيليّة خالصة هلال، في رسمها هذه اللّوحة بالألوان الزّيتيّة، وهي يعود تاريخها إلى عام 2003، وقد ظهر في هذه اللّوحة اللّون الورديّ الذي شغل مساحة امتدّت من وسط هذه اللّوحة، حتّى جهة اليمين، وكان تدرّج هذا اللّون المشرق الزّاهي، يساير أحوال الشّعور المتبدّلة، من الصّفاء الذّاتيّ والنّقاء النّفسيّ، حتّى بلوغ تلك الطّمأنينة التي تنشر في الكيان السّكون والهناء، والفنّانة خالصة هلال توفّقت بابتكارها الفنّيّ في التّعبير عن ذلك التّدرّج في الشّعور، فكان اللّون الورديّ يميّز ذلك الإحساس الرّائق الصّرف، بينما كان يشعّ متألّقاً بالحيويّة والإشراق الزّاهي.

يلحظ النّاظر إلى هذه اللّوحة، انطلاق أسراب تلك الأطياف التي تثير الخيال، وقد وفّقت الفنّانة خالصة هلال، في التّعبير العميق عن تلك الحالة من الشّعور الذي ينطبع فيه معالم الصّفاء، فكانت أطياف السّعادة والهدوء تقتبس من اللّون الورديّ تلك الخاصّيّة اللّونيّة التي باتت تتميّز بها أيضاً، لتغدو تلك الأطياف تطابق شأن الأحلام الورديّة، التي تداعب مخيّلة الإنسان، إلّا أنّ تلك الأطياف الزّاهية، لا تجعل النّاظر إلى هذه اللّوحة يحلّق بعيداً عن هذا الواقع المعاش الذي تعترض فيه النّاس العقبات، وتحبط آمالهم المنغّصات، وكان ذلك الارتداد إلى أرض الواقع، قد عبّرت عنه بدقّة عناصر هذه اللّوحة، فإنّنا في مقابل تلك الإشراقة من لمعة الأمل وبريق السّعادة الزّاهيتين بإشعاع اللّون الورديّ، كنّا نرى في جهة اليسار من هذه اللّوحة، تدرّجات اللّون البني، التي كانت تحمل في شكلها التّعبيريّ هيئة الإنسان، حيث برزت شخوص الأفراد في تلك المساحة التي ظهر فيها اللّون البني، وكانت هيئات الأفراد، التي كساها ذلك اللّون البني، تقدم على مجابهة تلك الأطياف الورديّة الهانئة، وكأنّ الإنسان ذاته، هو الحربة والأداة التي تطعن في استقرار وسكون ذلك الصّفاء الهانئ الذي يغمر نفوس النّاس، وكانت طريقة الارتداد إلى أرض الواقع، قد تحقّقت موافقة الصّفة الحقيقيّة، فضلاً عن التّعبير الفنّيّ الإبداعيّ، فاللّون البني يلائم طابع صلابة تلك الأحجار القاسية، التي ظهرت في القسم الأسفل من اللّوحة، حيث ظهر اللّون البني الغامق، ولاحت الأعشاب متناثرة بين أكوام الحجارة، وكانت تعلو تلك النّاحية السّفلى من اللّوحة، تلك المساحة الواسعة التي انتشر فيها اللّون الورديّ، فأنشأ الإنسان بذاته، تلك العوائق التي تحول دون استمرار تلك الحالة من الشّعور بالهناء، الذي أحبطته صلابة وقسوة الإنسان، الذي عبّرت عن سماته الشّخصيّة، هيئة الأحجار المترامية في النّاحية السّفلى من هذه اللّوحة.

إنّ انتقاء تلك الألوان التي تقابلت في هذه اللّوحة، وافق تلك المعاني التي تضمّنها ذلك العمل الفنّيّ التّشكيليّ، الذي تجلّت فيه حالة صفاء النّفس، التي كانت تماثل أحلام النّاس، بينما كانت تعترض تلك الأطياف الزّاهية، صلابة الواقع الذي عبّرت عنه قسوة الأحجار والأرض، التي لاحت باللّون البني الغامق، الذي كان يظهر تلك القسوة والمتانة التي اتّسم بها أديم تلك الأرض، وكان أحد خصائص الإبّداع الفنّيّ التي تجلّت في هذه اللّوحة، هو تحقيق الانسجام بين الألوان المتقابلة في تشكيل فنّيّ بهيّ، إذ أخذت تدرّجات تلك الألوان مقدارها الدّقيق في أجزاء تلك اللّوحة، فحصل تطابق بين الانسجام اللّونيّ، وذلك الموضوع الذي نهضت عليه تلك اللّوحة المتميّزة بوفرة التّفاصيل، التي لا يعنى بمراعاة تحقّقها إلّا من يتّسم بالجلادة والصّبر من الفنّانات والفنّانين البارعين، الذين دأبوا في أن يخصّوا أدقّ التّفاصيل بالاهتمام اللّائق برفعة الفنّ، وقد كان كلّ جزء في هذه اللّوحة التي رسمتها الفنّانة خالصة هلال، يوضّح فكرة عميقة في مجموع تلك المعاني، التي اشتمل عليها الموضوع الفنّيّ الذي انبنى عليه ذلك العمل الفنّيّ التّشكيليّ، وإن كان ظهر في هذه اللّوحة المقابلة والمجابهة بين طرفي تلك العلاقة النّاشئة فيها، ولكنّهما حقّقاً معاً حالة الانسجام الفنّيّ، الذي ظهر في صيغة التّشكيل الجماليّ البديع.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (67)

سنة النّشر 1987

أطلّت علينا مشارف بيتها من بعيد، بينما كنّا نسير تجاهه، فبادرت قبيل أن أودّعها إلى معاهدتها على الالتقاء مجدّداً في الفترة المقبلة، لأنحي عنّي ما يثيره من اللّوعة هذا الفراق، بترقّبي ذاك الموعد المحدّد، ثمّ اتّجهت إلى منزلها، وقد رجعت أدراجي في الطّريق ذاته الذي سرنا فيه، أتعقّب رسم خطواتنا فوقه، حتّى وصلت إلى منزلي.

بتّ أفاضل بين آرائي ومعتقداتي التي استخلصتها من وفرة مطالعاتي للكتب التي طغت بتأثيرها في فكري، وبين آراء نادية التي استنسبتها من اختبارها لأحوال الحياة، وتبصّرها في شؤونها، فكانت تعرض عن تلك الأفكار التي تتباين حولها أحكام شعورها وذهنها، وتمتنع عن الخوض في الحديث عنها، خشية أن تمازج فكرها آراء لا تحمد فحواها، ولا يمجّد مضمونها، وكنت أميل إلى اعتناق بعض من آرائها، وإن اقتضى الأمر أن أطوي صفحات عديدة من معتقداتي، وأضمّ وأحزم رايات ممتدّة من أفكاري، إن لم تحلّ بنفسها في منزلة الرّضا وموقع الثّناء، ولم أكن بهذا التّصرّف أتملّقها، فقد ألهمتني الدّراية بالتّدبير والهداية في التّفكير، فلا أعيّر بتخلّقي بطباعها، وقد تألّق في شمائلها طيب السّريرة ونقاء الطّويّة، فشرعت أنشق أنسام ذلك الهوى الذي مهّد لي دروب الهدى، ولم تكن تجهر بآرائها صراحاً، أو تعلن عن أفكارها جهاراً، ولم تملِ عليّ ما ترتأيه من المعتقدات، وإنّما دأبت في أن أستنتج من فعالها وأستخلص من خصالها، كلّ ما يدلّ إلى تلك الآراء التي كانت تأخذ بها، فثمّنت جهدي بمقدار رفيع، واغتبطت من جرّاء ذلك المسعى الذي أبديته، فرسخ في نفسها السّرور، إلّا أنّي لم أكن لأجحد شأن أفكاري بهذه المفاضلة التي أجريتها، ولم أزدر صفوة آرائي، ولم أذمّ تلك الشّرائع التي اعتقدتها باقتناع وثيق، واعتنقتها بعد تفكّر سديد، والتزمتها بعد تدبّر مديد، فقد كانت تلك الأفكار جميعها التي وازنت بينها، تؤدّي إلى الغاية ذاتها، فالرّأي الذي يدعو إلى تلك المحامد والأخلاق الرّفيعة أعتنقه، والدّرب الذي ينفذ إلى تلك الجنات العامرة بالفضائل الطّاهرة أسلكه، فإن اعتكفت في كنف أفكار نادية وآرائها، لن تجنح أموري إلى الضّياع ولن أجازى على أفعالي بالخسران، فلا تدركني النّدامة على يوم أمضيته معها، ولا يصيبني الأسف على ثناء مدحتها به.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (66)

سنة النّشر 1987

رأيت حنانها الرّقيق وعطفها الكبير، حينما تحدّثت عن مكابدة والدها ومعاناته وطأة المرض، وكان يلهج لسانها بذكر الأدعية المستمرّة، إذ آلت على نفسها إقامة صلواتها الدّائمة، وداخلتني عواطف شتّى، فألفيت شعاعاً باهراً ينطلق من بريق عينيها، فتلتمع أنواره التي كانت تنسدل على والدها الذي عمده المرض وأضنته العلّة، ولشدّ ما تمنّيت أن يصل إليّ بعض أنوار ذلك الشّعاع المتلألئ، ولو نزر يسير من ضيائه اللّامع، فأطمئن آمناً ومتنعّماً بسطوعه المنتشر، ولمعانه البرّاق، حتّى أنّني تصوّرت متكهّناً ومتوهّماً ما يدركني من وميض ذلك الشّعاع، فتخيّلت  نفسي تهنأ بأعطاف أنواره، وتغمرها أكناف ضيائه الباهر، الذي يحدّ عنّي تصاريف الدّهر وغير الزّمان، ومنذ هذه اللّحظة، وددت أن أثير تحنانها نحوي وعطفها عليّ، وإن تكبّدت من جرّاء إثارة تلك المشاعر في نفسها، أشدّ الفوادح وأفظع الخطوب، فلا آبه للألم الذي يصيبني، وإنّما أشغف بلهجة الحنان، التي تبديها لي، وأفتن بتلك العواطف الطّاهرة التي تجاهرني بها، ولا أرى في وقائع هذه الحياة، مثيلاً لهذه المشاعر التي تنبعث في نفسها آنئذ، إلّا ما يظهر من عطف أمّ رؤوم على وليدها، ومحبّة ابن بارّ شفوق لوالديه، ثمّ خاطبتها بعدما جزنا فترة من الصّمت المؤثّر، فقلت لها:

آمل أن تخبريني في الأيّام القادمة بإدراكه الشّفاء التّامّ وتعلميني بإبلاله من مرضه.

وأجابتني قائلة:

هل أجد سواك من أنبئه بهذه البشرى وأحدّثه عن تلك المسرّة.

داخلني الزّهو لما عرّضت لي بكلامها، ولما استخلصته من عباراتها، وشأن الإنسان أن يشرك أصدقاءه وخلصاءه في الابتهاج بمسرّة أفراحه، ويصطفي منهم قلّة مختارة، ليؤاسوه في مصابه ويعزّوه في محنته، ويخفّفوا عنه غمّة أتراحه، فبوّأتني المنزلة ذاتها، سواء أكان شأن تلك المشاركة، تحقّق في سراء أفراحها أم في ضراء أتراحها، والتفت إليها قائلاً:

ستكشف لك الأيّام المقبلة عن إشراق بهجتها، وستتبدّد في مدارها تلك الغموم، التي تكدّر صفو أوقاتك بقتامة هواجسها وحلكة وساوسها.

أومأت برأسها مشيرة إلى موافقتها على ما أوردته في كلامي، ثمّ أتبعت إقرارها فحوى مقالي، نظرات ساخرة، فكأنّها شحذت أسنّة تلك اللّمحات، لتطعن بها لهجة التّفاؤل التي انتهت إلى سمعها قبل لحظات، وما رأيت مطلقاً أشدّ فتكاً من تلك النّظرات، التي لشدّ ما تهيّبتها وتخوّفت منها، فكانت تتردّى أمامها كلّ المعتقدات والأفكار المحكمة، حتّى أنّي تيقّنت من أنّه لا بدّ من أن تتداعى باصدامها بها، الأجسام الجامدة القاسية والدّعائم المتينة الصّلبة.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (65)

سنة النّشر 1987

تشعّب مقالي معها في البدء إلى الكلام عن شواغل أيّامي الماضية، فحدّثتها عمّا تتصوّره من تلك العوائق التي حالت بيننا، ولم تكن في حقيقة الأمر إلّا تلك الشّؤون، التي سعيت في أن أدعم بها أسباب ابتعادي عنها فترة وجيزة من الزّمن، إلّا أنّها تداعت بغتة حاليّاً، لعدم تمكّني من الصّبر على استمرار ذلك التّنائي الذي فرّق بيننا.

أمعنت النّظر في ملامحها بعدما فرغت من حديثي، فألفيتها تنفث من فاهها زفرة حارّة، وظهرت في جبهتها معالم القلق، وما إن أدركتْ ذلك الجزع والحيرة اللذين انتاباني، وأنا أنصت لتلك الأنّات الشّاكية التي تنسلّ من لجّة خواطرها، حتّى سارعت إلى الحديث قائلة:

دهمني أمر طارئ فيما مضى من الأيّام، أثار في نفسي بواعث القلق، إذ ألمّت بوالدي أعراض المرض، فرأيت أفول نضرته، وذبول بشرته، وذهول نظرته، ودأبت في أن أخفّف عنه ذلك العناء الذي يكابده، فعكفت على تحقيق تلك المهامّ العاجلة، والتّصدّي لتلك الوقائع المستجدّة.

تلقّيت بأذن مصغية كلماتها التي أفصحت فيها عن تلك الهموم التي اعترتها، ولم تكد تنهي حديثها، حتّى بادرت إلى أن أقول لها:

آمل أن ينعم سريعاً بالإبلال من أوصاب المرض، ويهنأ بالفرجة من تلك الغموم.

مقتطفات من رواية أناشيد الألم (64)

سنة النّشر 1987

فتنتني لهجتها المنمّقة بعذوبة الألفاظ، ورقّة العتاب على امتداد ذلك الغياب الذي حال بيننا، وقد خمنّت سبب غيابي عنها بعض الوقت، بذلك الاعتقاد الخاطئ، وفي جليّة الأمر لم تبرح صورتها قط خيالي، ولم ينقطع اتّصالها بي مطلقاً، وقد سعيت إلى ملاقاتها الآن، لأتحرّر من قيد العواطف، وإسار اللّواعج، اللذين أوثقتني بهما، ولا أدري حقيقة تلك الجلادة التي تمدّني بنفحات منها، ولا أعلم كنه ذلك البأس الذي تهبه لي، حينما أغدو بالقرب منها، حتّى أنّي أصبح متحرّراً من سلطان نفوذها وقوّة تأثيرها في نفسي، وهذه الحالة التي أمسي فيها، لا أعلّلها بما تسكنّه رؤيتي لها من هيجان مشاعري، وما تهدّئه من حدّة انفعالي وفوران خواطري، وهي أشياء تنمو بدوام الهجر وتعظم بطول الغياب، فيجيء التقائي بها انشراحاً لنفسي، وانفراجاً لأحاسيسي من الاضطراب، إلّا أنّ كلّ تلك الأفكار، لا توضّح كنه علاقتي مع نادية، ولا تفسّرها تلك الآراء التي تذهب إلى أن ترجّح شأن البعاد على سائر الأسباب، في إذكاء أوار اللّواعج، فلا أقرّ تلك المعتقدات والأفكار، ولا أدين أو أذعن لها، وإن أشادت بها البراهين كافّة، ونوّهت بها الأدلّة كلّها، لأنّني كنت أستمدّ من نادية تلك القدرة على تشديد عزيمتي على أن أجاريها، فتهيّئ لي الوسائل التي أتذرّع بها إلى أن أسايرها في تلك العلاقة النّاشئة بيننا، فكانت تثبّت إرادتي بهباتها الجزيلة، وتمتّن مريرتي بعطيّاتها الجليلة، إذ  نفحتني بمدد من القوّة، التي أعزّز بها ثبات تلك الشّمائل التي أتخلّق بها، من دون أن تقتّر عليّ في نفحاتها، أو تمنّ عليّ بعطائها، فكان خير لها أن تراني إنساناً صحيح الفكر، قويم الجسم، يفصح عن إعجابه بها، ويصرّح بمودته لها، عوضاً من أن يهيم بها امرؤ مختلّ الفكر، معتلّ الحسّ، تفتك به تباريح ذلك الهوى الذي يضرم مشاعره، وتتيّمه غمرات ذلك العشق الذي يوقّد نيران الجوى في كيانه، فجعلتني إنساناً سويّاً يجهر بعاطفته نحوها، فترى الدّلائل على إعجابي بها مشعّة في بريق تلك العبرات التي تترقرق في عينيّ، وتتيقّن بحقيقة مشاعري، من ذلك الوجد الذي تسفر عنه أسارير وجهي، فآثرت أن تبصرني على تلك الهيئة من الأنفة والعزّة، بدلاً من أن تراني امرأ برحّت به أدواء العشق، فلا تمرّغ جبيني علل الغرام في غمار الهوان، ولا تقرّح أجفاني قطرات الدّمع المتحدّرة، فنفحت كياني تلك القوّة التي أمتّن بها إرادتي، لتمتّع نفسها، وتسرّ خاطرها، وتبهج فؤادها، برؤية مخايل مودّتي متجلّية في وجهي، ولا تفجع ذات يوم بغيابها ولا تمنى بضياعها.