مقتطفات من رواية أناشيد الألم (11)

سنة النّشر 1987

خطرت تلك الهواجس في بالي حتّى أصبحت مهفوت الفكر متحيّر الخاطر، وأكاد أمجّها وأنفر عنها في البدء، إلاّ أنّي أعود وأفتن بها، فأردّ لها وقارها، وهكذا نفسي تتبّع مسارب الخيال وتسهو عن مشاعب الواقع، وإن لججت في الإيغال في أرجاء هذا الخيال، أجد نفسي وقد أشرفت في مدية طوافها على وقائع هذه الحياة وحقائق أحداثها.

دأبت في السّير تقلّني تلك الأحلام الدّافئة، إلى أن أبصرتها تخطو في دربها تجاهي، فاعتراني من الرّبكة والحيرة، ما أخلّ بتدبيري وشوّش تفكيري. أجل أنّني ألمحها تلك الفتاة ذات الممطر الأزرق، وبدا لي وجهها الأبلج وضّاح الأسارير، وزها فيه بهاء ملامحها، وأبصرت اختلاج شفتيها وهما تحجبان تلك الابتسامة المضيئة التي يشعّ نورها من مبسمها، وينطلق إلى وجنتيها، وطالعْتُ تلك النّظرات التي تفصح عن خوافي أمرها، فألفيتها تسمو بنظرها إلى أديم السّماء كأنّها ترنو إلى مطمح رفيع وأمنية جليلة، ثمّ ألقت إليّ بنظرة، ولم تلبث أن أنحت بصرها عنّي، وبدأَتْ تتدبّر في تلك الهواجس التي تخطر في بالها، وشرعتُ أتبصّر في شأن تلك الفتاة، فترجّعت في صدري تلك الخواطر التي تسوّغ لي الاقتراب منها بحيل شتّى، وسبل عدّة، وأنا امرؤ حذر الطّبع من تلك العلاقات الطّارئة، فلا أقحم نفسي في هوراتها المائجة، ولا أتردّى في تياراتها الهائجة، فأحجم عن الخوض في غمارها مكتفياً بما ابتلى به من برحاء العاطفة، وأقنع بما تكشفه لي من سرائر الخلق ودخائل المشاعر، إلاّ أنّه ترفّعت أهوائي عن هذه الوضاعة وتنزّهت عن تلك السّفاهة، فبتّ أتودّد إليها مقتدياً بسنن الفضيلة، ومسترشداً بهداها القويم، وملتمساً لعلاها الكريم، فاتّجهت إليها وقد دفعني إلى الاقتراب منها بأس أجهل باعثه، ولم أكن لأتّسم بهذه الجراءة والجسارة إن اتّجهت إلى غير تلك النّحيّة في التصرّف، أو قصدت غير هذه الوجهة، فبتّ شخصاً طوع تلك الإرادة المبهمة تسيّرني وتذهب بي إلى حيث تشاء.

مهفوت الفكر: المتحيّر.

 

ترجّعت: تردّدت.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (10)

سنة النّشر 1987

لا مرية في أنّ الأجرام المادّيّة تخلّف أثراً من أجسامها في مختلف المطارح، التي تستقرّ بها، وتمكث فيها، وذهبت إلى الاعتقاد بأنّ كيان النّفس البشريّة، يودع أيضاً أثره في الأماكن التي يمرّ بها الإنسان، وهذا الأمر لا يقيم النّاس له علّة، ولا يفقهون له حجّة، وشأن المرء أن يستظهر بدلائل عقله، في سعيه إلى أن يتبيّن أشكال الأشياء التي توجد حوله، وفي تقصّيه حقائق الوقائع التي تحدث في مجرى حياته، من دون أن يعوّل على بصائر شعوره، إلاّ أنّه كثيراً ما يسهو عن أشياء تطبع صورها في باصرته، إلاّ أنّها لا تخلّف أثرها في شعوره، وربّما أنّه يرى الأشياء حينما يحسّ بآثارها في طيّات شعوره، فلِمَ أشعر بأنّي أرى تلك الفتاة ذات الممطر الأزرق التي صادفتها البارحة، وأنا أمشي الآن بحذاء سور حديقة المزرعة، فأرى ملامحها في أثناء مسيري على امتداد الرّصيف، ويسترعي سمعي نأمة أنفاسها، ووقع أقدامها على قارعة الطّريق، وأنظر إليها وهي تسير على مقربة منّي.

هكذا الأمر، فإنّ النّفس تخلّف في الأماكن آثاراً تبذّ بضحتها وجلائها، العلامات التي تخّلفها في المواضع الأجرام المادّيّة، ويمهّد للنّاس السّبيل إلى إدراك حقائق تلك الآثار التي يصادفونها، رهافة شعورهم، ولطافة إحساسهم، وهيهات أنّ أتّسم بتلك الصّفات، وقد سكن في نفسي الشّعور فاتراً، ولم تكن رؤيتي لخيال تلك الفتاة، إلّا لسطوع أضوائه، وتوهّج أنواره البرّاقة، فأثارت حسّي الخامل، ونبّهت شعوري الغافل، فأنّى اتّجهت بخاطري، أو التفتّ بناظري في هذا المكان، ألق أشعّته اللّامعة، فيسبل لوامع سناه فوق فؤادي المفتون، ويلفع جسدي بوهج أنواره، فأغفل عن قرّ البرد، وأذهل عن نفح الرّيح القارسة.



يتفاوت الأشخاص في مقدار الآثار التي يطبعونها في مجرى التّاريخ، الذي يشتمل على الوقائع التي تظهر تحت الشّمس، وقد يثار بين النّاس النّقاش في تحديد قيمة تلك الآثار، التي لاحت في سجّل التّاريخ، وتزداد تلك النّقاشات حدّة، إذا قصد فيها إلى المفاضلة بين الآثار التي يحدثها الأفراد، فتجري الحوارات السّاخنة، عند السّعي في ترجيح حدث محدّد على سائر الوقائع، إذ ينظر في تعيين مقدار الأهمّيّة التي قد يتميّز بها كلّ من تلك الأحداث التي يفاضل بينها، ولا ريب في أنّ الباعث على ذلك النّقاش الجاري، هو التّساؤل الذي يخطر في الذّهن، عن مسألة تحديد المعيار المستخدم في تحقيق عمليّة المفاضلة والموازنة، بين الآثار النّاتجة عن تصرّفات الأشخاص، وتحديد ذلك المعيار ليس أمراً يسيراً، بل ربّما يكون أصعب المواضيع الخلافيّة، التي يطول النّقاش فيها، لأنّه إذا حدّد أحد الأشخاص ذلك المعيار، الذي يستخدم في تلك المفاضلة التي أشرت إليها آنفاً، فإنّ ذلك التّحديد يتضمّن فكرة الإحاطة بمجرى التّاريخ، فيكون اعتماد الشّخص ذلك المعيار الدّقيق، ناجماً عن تحلّيه بالبصيرة النّيّرة، التي يدرك بها الآفاق التي يمضي إليها مسار التّاريخ، فإن اقتُرح اعتماد معيار محدّد، يستند إليه في تحقيق عمليّة المفاضلة بين الآثار التي يحدثها الأشخاص، فلا ريب في أنّ يكون ذلك المعيار معرّض للبحث والنّظر في جدارته بأن يكون ذلك المقياس، الذي يستخدم في تقدير قيمة وقائع التّاريخ.

إنّ هذه الأفكار التي أوردتها آنفاً، لا ريب في أنّها تخطر في أذهان النّاس، عند البحث عن الحدث البارز في تأثيره في هذا العالم، وقد اعتاد النّاس تقييم الأحداث التي تكون قد جرت في المراحل الزّمنيّة المحدّدة بفترات معيّنة، كاختيارهم مثلاً الأحداث التي جرت في سنة أو عقد من السّنوات، أو ربّما نصف قرن، أو قرن من الزّمان، وذلك الاختيار في تحديد الوقت، يجري في نطاق الفترة الزّمنيّة التي تكون محطّ نظر أولئك النّاس، فكانت تكثر الأحداث التي تتوالى في مجرى الزّمن، وتتفاوت فيما بينها في حجم تلك الآثار، التي تودعها في ذلك التّاريخ الذي يحتوي تلك الأحداث، وإذا كان الخلاف قد يبرز بين وجهات نظر النّاس في تقييم تلك الآثار، مثلما ذكرت سابقاً، إلّا أنّهم غالباً ما يتّفقون على تحديد مدى اتّساع وحجم تلك الآثار في مجرى التّاريخ، ويتحقّق ذلك الاتّفاق بينهم، شريطة أن يتجنّبوا البحث في تقييم تلك الآثار التي ينظرون فيها، فلا تلوح المشاكل العويصة حينئذ في تلك الحوارات الدّائرة بينهم، إذ يكتفون في تحديد حجم الأثر البارز، الذي لا يخفى ظهوره، من دون السّعي في تقييم أهمّيّة ذلك الأثر، وتلك الطّريقة في النّقاش، يتّبعها على الأغلب، العديد من الأفراد والمؤسّسات الذين يسعون في أن يعيّنوا الحدث البارز خلال مدّة محدّدة.

جرت خلال إحدى سنوات الثّمانينيّات من القرن العشرين الماضي، عمليّة اختيار للحدث الأبرز في تلك السّنة، وكانت النّتيجة التي أسفر عنها ذلك الخيار الذي أنجزته مؤسّسة أجنبيّة، قد فاجأت الكثير من الأشخاص، حيث قرّر في عمليّة ذلك الاختيار الجاري قبل ما يزيد عن الثلاثين عاماً، أن تخصّص مكان الصّدارة في ذلك العام، لآلة صنعها الإنسان، فكرّست لتلك الآلة المكانة البارزة التي تحلّ بها لتكون آلة العام، فسلّطت الأضواء عليها، بعد أن كانت حجبت الأنوار عن الشّخصيّات والمجموعات، التي قد يكون لها أثر معيّن خلال هذا العام، وأمّا تلك الآلة التي اختيرت لتكون آلة العام، فكانت جهاز الحاسوب "الكمبيوتر".

يعتبر الحاسوب أحد أهمّ الأجهزة التّكنولوجيّة التي برزت في هذا الزّمن الحاليّ، ويُعرّف ذلك الحاسوب بأنّه "آلة حاسبة إلكترونيّة ذات سرعة عالية ودقّة بالغة، ويمكنها معالجة البيانات وتخزينها واسترجاعها، وفقاً لمجموعة من التّعليمات والأوامر، للوصول إلى النّتائج المطلوبة"، وتجري معالجة تلك البيانات التي تدخل إلى الحاسوب "بمجموعة مترابطة ومتتالية من العمليّات"، وتكون تلك البيانات "منسّقة تنسيقاً منطقيّاً حسب خطّة موضوعة مسبقاً لحلّ مسألة معيّنة، بغرض الحصول على نتائج ومعلومات تفيد في تحقيق أغراض محدّدة، وتسمّى التّعليمات والأوامر بالجمل، ومجموعة هذه الجمل تسمّى برنامجاً، والذي يصمّم البرنامج يسمّى مصمّماً"، وقد هيّأ استخدام الحاسوب في أنواع عديدة من الأنشطة، تجاوز عوائق كثيرة تعترض سبيل أولئك الأشخاص، الذين كانوا يزاولون تلك الأنشطة المتنوّعة، وقد وسّع ذلك الحاسوب آفاق البحوث العلميّة والأنشطة الإنسانيّة، حتّى بلغت مدى كان يندرج في نطاق الخيال العلميّ في الأيام الماضية.

أدّى استعمال جهاز الحاسوب، إلى تغيير العديد من مظاهر تلك الأنشطة التي كانت تلوح في مجرى حياة الإنسان، بل إنّ ذلك التّغيير، امتدّ حتّى وصل إلى نظرة الإنسان إلى ذاته، إذ اعتبرت بعض المؤسّسات الثّقافيّة، أنّ الإنسان الذي لا يعرف الطّرائق الأساسيّة في استخدام الكمبيوتر، هو إنسان أمّيّ، فلم تعد تتحدّد حالة الأمّيّة، بجهل الكتابة والقراءة. وأصبح استعمال الحاسوب، هو المعيار الذي يقاس به مدى التطوّر والتقدّم اللذين تحقّقهما شعوب العالم، وإذا كان الحاسوب يحلّ المســائل الرّقميّة والمعادلات الصّعبة بسرعة فائقة، مختصراً الوقت الطّويل جدّاً، الذي كان تستغرقه في الزّمن الماضي عمليّات حلّ تلك المسائل، فإنّه أحدث فائضاً كبيراً من الزّمن أضيف إلى أوقات النّاس، وقد جرى اختراع الرّوبوت (الإنسان الآليّ)، باستخدام الكمبيوتر، فاتّسع نطاق الأنشطة والأعمال التي يستخدم فيها الحاسوب، حتّى بلغت نواحي بعيدة جدّاً من ميادين تلك الأنشطة التي يزاولها النّاس، الذين وفّر لهم الحاسوب، وقتاً ثميناً وجهداً كبيراً، كانوا يبذلونه في تلك الأعمال التي يؤدّونها.

تحقّق تطوّر متسارع جدّاً في نطاق الطرّيقة التي تعمل فيها الحواسيب، التي كانت في لحظة انطلاقها في منتصف سنوات الأربعينيّات، "أجهزة ميكانيكيّة-كهربائيّة، وهو ما يعني أنّها تستخدم المكوّنات الميكانيكيّة كجزء من عمليّة الحوسبة"، وكان شكل الحاسوب يتّصف آنذاك بالضّخامة، حيث بلغ وزن أوّل حاسوب حوالي "30" طناً، وكان يشغل في حجمه الكبير فضاء غرفة واسعة، وكانت مراحل التّطوّر التي تنقّل فيها هذا الجهاز، تقسّم إلى فترات زمنيّة، حيث كان مجموع تلك المراحل هي الأجيال التي ظهرت فيها الحواسيب المتطوّرة، فتوالت أجيال هذا الحاسوب، وتطوّرت وفق التّسلسل الزّمنيّ للأجيال المتعاقبةفكان "يبدأ كلّ جيل بتطوّر مهمّ حدث في طريقة عمل جهاز الحاسوب"، وارتكزت عمليّة تطوير الحاسوب على "زيادة سرعته، والتّقليل من حجمه، وبالإضافة إلى اختصار تكلفة إنتاج الحاسوب، وزيادة دقّة النّتائج التي تستخلص منه، وزيادة القدرة التّخزينيّة، وتسهيل عمليّة الاستخدام والتّشغيل"، ويقاس إنجاز الحاسوب "بكمّيّة العمل المفيد الذي يحقّقه، بالمقارنة مع الوقت والموارد المستخدمة"، وتمتاز الأعمال التي يستخدم فيها الحاسوب، بتقليص تلك المهامّ التي تعتمد على العنصر البشريّ، وخصوصاً في المصانع التي تطبّق فيها طرائق التّصنيع الآليّة.

 

إن ألقينا نظرة إلى ذلك الزّمن الذي اختير فيه الحاسوب "الكمبيوتر" آلة العام، في إحدى سنوات الثّمانينيّات من القرن الماضي، فإنّنا نرى فترة نشوء الجيل الرّابع من أجيال الكمبيوتر المتتالية،إذ ظهرت حواسيب ذلك الجيل الرّابع خلال فترة سنوات السّبعينيّات والثّمانينيّات من القرن العشرين، وقد برز خصوصاً في تلك الفترة الكمبيوتر الشّخصيّ، الذي قدّم حينئذ إلى الأسواق،إذ اخترع الحاسوب الشّخصيّ المُصغّر والمنزليّ في عام 1981، وقد أدرك ذلك الحاسوب نجاحاً بارزاً، في حجم المبيعات، حيث أقبل النّاس بكثرة على أن يقتنوه، فبات ذلك الحاسوب في متناول مجموعات متنوّعة وواسعة من أفراد النّاس، بالإضافة إلى التّطوّر الذي بلغه ذلك الجهاز ذاته، حيث كان يسهل على الشّخص غير المختصّ بعلوم الحاسوب، أن يستخدمه، فعلاوة على زيادة سرعة الحاسوب، فإنّ حجم ذاكرته زاد أيضاً، إذ كانت تنقسم الحواسيب إلى عدّة أنواع، بحسب قدرتها على التّخزين، وكفاءتها في إنجاز المهامّ وتحقيق أغراض الاستخدام،فأحدث الحاسوب تغييراً كبيراً في مظاهر الأنشطة العديدة التي يزاولها النّاس، وهذا التّبدّل الطّارئ على مجرى أعمالهم ومناشطهم، اقتضى أن ينفتح ذهن الإنسان عن ذلك التّغيير الحادث في العالم، الذي يجتاز عابراً نقطة التّحوّل التّاريخيّة، الذي كان في بعض ميادين الأعمال، تحوّلاً وتغيّراً جذريّين، فإن كانت مظاهر هذا العالم، الذي يعيش الإنسان فيه قد تغيّرت، فيتحتّم أنّ يتهيّأ الإنسان للعيش وفق ذلك التّبدّل، الذي طرأ على معالم تلك الأشياء التي تحيط به.



ارتبط اللّعب الذي يزاوله النّاس، بعلاقة وثيقة بالنّشاط الرّياضيّ، وقبل أن أبيّن طبيعة تلك الرّابطة التي تجمع بين سلوك اللّعب والرّياضة، فإنّي أعمد حاليّاً إلى النّظر في طبيعة اللّعب "Play" ذاته، الذي تناوله بالبحث، العديد من الدّارسين والمفكّرين والفلاسفة، الذين كانوا عنوا بتوضيح كنه نشاط اللّعب، وقد كان شيللر رأى أنّه "يكون الإنسان إنساناً حين يلعب"، إلّا أنّ النّظرة العجلى التي تلقى على سلوك اللّعب، غالباً ما يغيب عنها كنه وخصائص اللّعب، حتّى أنّه يحقّ حينئذ الاعتقاد بأنّه "ظلّت كلمة (لعب) زمناً طويلاً تعبيراً يشبه سلّة المهملات اللّغويّة، التي نلقي فيها بكلّ سلوك يظهر عليه أنّه سلوك اختياريّ، ولكنّ لا يبدو له أيّ استعمال واضح من النّاحية البيولوجيّة أو الاجتماعيّة. ويكون مثل هذا التّصنيف في غاية الغموض بالنّسبة لغرض الدّراسة العلميّة"، وإذا كانت تلك النّظرة السّطحية تحول دون أن يتناول مفهوم اللّعب، بطريقة منهجيّة دقيقة تؤدّي إلى الوقوف على حقيقته، فإنّ الوقت الذي حان لتناول هذا الموضوع وفق النّظر العلميّ، حلّ في "منتصف القرن التّاسع عشر والجزء الأخير منه" حيث كان في ذلك الأوان "تولد الصّياغات الأولى لنظريّات اللّعب بتأثير من نظريّة التّطوّر"، وقد رأى المسرحيّ والفيلسوف والشّاعر شيلر "أنّ اللّعب تعبير عن الطّاقة الفائرة، وأنّه أصل كلّ الفنون"، وقد وافق ذلك الرّأي الذي ذكره شيلر، اعتقاد الفيلسوف سبنسر الذي ذهب إلى اعتبار "اللّعب هو أصل الفنّ، وأنّه تعبير غير هادف عن الطّاقة الزّائدة"، وكان الفارق الزّمنيّ بين الوقتين اللذين صدر فيهما هذان التّعريفان، اللذان وضعهما هذان الفيلسوفان، حوالي مائة سنة.

 

إنّ اللّعب الذي يصدر عن النّاس، عدّ أيضاً "ظاهرة طبيعيّة وفطريّة لها أبعادها النفسيّة والاجتماعيّة المهمّة"، وقد أكّد عالم الاجتماع والفيلسوف زيمل تميّز ظاهرة اللّعب بتلك الخاصّيةّ الاجتماعيّة التي اعتبرها "وظيفة إعداد الأطفال لأدوار الكبار"، وقد ذهب المؤرّخ الهولنديّ هوزينجا إلى أن يعرّف مفهوم اللّعب بأنّه "كلّ ألوان النّشاط الحرّ الذي يؤدّي بوعي تامّ خارج الحياة العاديّة، باعتباره نشاطاً غير جادّ، وغير مرتبط بالاهتمامات المادّيّة، ومقتصراً على حدوده الملائمة، وينفّذ وفق قواعد مضبوطة"، وقد ذكرفي ذلك التّعريف تحفظّ، أصاب تحديداً فكرة القواعد المضبوطة، التي تضمّنها ذلك التّعريف الذي أوردته آنفاً، حيث ذكر في التّعليق على تلك الفكرة أنّه "من المعروف أنّ اللّعب نشاط عفويّ لا تحكمه قواعد أو أسس"، وهذا تحفّظ أساسيّ وجوهريّ، وسوف نلاحظ أهمّيّته عندما نعالج مفهوم الرّياضة، في وقت قادم، وقد ورد في التّعريف تأكيد فكرة النّشاط الحرّ، وبالإضافة إلى الفكرة التي تنصّ على عدم ارتباط ذلك النّشاط بالاهتمامات المادّيّة، وهاتان الفكرتان كان يلحّ على التّنويه بهما الباحثون في ظاهرة اللّعب، الذي اعتبر أنّه "النّشاط الوحيد الذي لا يهدف الإنسان حين يمارسه إلى غرض محدّد سوى المتعة النّاتجة عن اللّعب ذاته. فهو كالفنّ _ في رأي كانت _ سرور أو ارتياح بلا هدف، أو متعة خالصة من أيّ غرض"، وقد ذكر الأنثربولوجيّ وعالم الاجتماع، "كايوا" الشّروط التي يجب أن يراعى تحقّقها في السّلوك كي يتّخذ مظهر اللّعب، حيث يجب أن يكون الإنسان الذي يزاوله "حرّاً مستقلّاً، وأن يكون غير ملتزم، وغير منتج، وأن يكون مدّعياً (متظاهراً)، وغير محكوم بقواعد معلومة سلفاً"، وتتّضح في تلك الشّروط ضرورة توفّر سمتي التّلقائيّة والعفويّة في ظاهرة اللّعب، الذي يظلّ يرافق الإنسان طوال مراحل حياته المتتالية.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (9)

سنة النّشر 1987

أمضي في هذه الحديقة فترة من الوقت، أنهل خلالها من موارد الأمل ومناهل الطّموح، فتعلو همّتي التي أشدّ بها أزري وأوثّق أمري، فأثارت مشاهد الطّبيعة التي أشحذها ببصري، ما أوهته وقائع الحياة الجارية من عزيمتي وأوهنته من مريرتي، فأغرم بمفاتن تلك الطّبيعة زاخر النّفس، منشرح الصّدر.

نهضت عن مكاني أهمّ بمبارحة هذه الحديقة، فانثالت نحوي النّظرات الودودة من المتنزّهين، تخصّني بطيب التّحيّة، فكأنّ ذلك الوداع أثار في النّفوس حسرة، وبعث هذا الفراق في القلوب عبرة، وأنا كنت أحسب نفسي في حلّي وترحالي في مسارح الحياة، لا يكترث أحد لي ولا يأبه امرؤ لي.

أجل، لقد توثّقت أواصر الألفة وتوطّدت وشائج المودّة بين المتنزّهين كافّة في هذه الحديقة، تعقد رباطها أوزار العزلة وخطوب التّأمّل، فلا ينزع المرء إلى الطّبيعة إرضاء لشهوة زائلة أو رغبة متبدّلة، وإنّما يسعى إليها كي يسمو بكيانه إلى تلك المراتب الرّفيعة من طهارة الوجدان، ونزاهة الطّباع، فباتت تلك الخصال الجليلة متماثلة في نفوس البشر، فتآخي بينهم وتأصر بعضهم على بعض، فيسري الوئام فيهم، بينما نفرت الأهواء الطّائشة من هذا التّوافق، فظلّت تحكم الفرقة بين الخلاّن وتوقع العدواء بين الصّحاب.

المريرة: العزيمة.

زاخر النّفس: جذلان.

عبرة: الحزن.

     العدواء: البعد.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (8)

سنة النّشر 1987

أزفت أويقات أصيل هذا النّهار، فسعيت إلى أن أيمّم شطر حديقة المزرعة كدأبي منذ أمد بعيد عندما أفرغ من عملي، فقصدت تلك الحديقة، أخطو نحوها بهمّة ونشاط.

انتبذت ناحية قصيّة في أرجاء هذه الحديقة، التي جلست فيها على مقعد، بالقرب من الأشجار التي تساقطت عنها أوراقها، وبدأت أرنو إلى الممرّات الجرداء في هذه الحديقة، وأعكف على التّأمّل في شؤون حياتي، فأبحث متروّياً فيها، وأنحّي أستار الجهالة، لأكشف عن تلك الحقائق المستترة، فلا ألفي إلّا رقعة معتّمة، وبقعة مظلمة، تمتدّ لتحجب عن باصرتي تلك المشاهد، وأدأب في أن أهتك حجب الأسرار، وأرفع النّقاب عن سريرة نفسي، فلا أعي فيها، تلك العواطف الجيّاشة، التي تنطوي عليها، ولا أدرك تلك النّزوات التي ينثني عليها صدري، فظلّ ذلك العالم الكامن في أعماقي مظلّم الأصقاع، مبهم البقاع، فأعزو علّة جهلي به إلى نقص حصافتي وقلّة معرفتي، وإن توغّل الإنسان في أرجاء الكون الشّاسع، وتمكّن من أن يسبر غوره، ويحيط به علماً، فلن يكون في وسعه أن يدرك غايته في أن يجلو أعماق النّفس المحيّرة في أحوالها وأنماطها.

كان يئمّ تلك الحديقة جمع من النّاس يرتادون رياضها، ويختلفون إليها، ليرفّهوا عن نفوسهم، ويروّحوا عنها، وقد أذنت لهم أشعّة الشّمس الفاترة بالتنزّه والتّجوال، وتقبل النّسوة إلى هذه الحديقة وهن يصطحبن أطفالهنّ، ولا تلبث أن تنحلّ عقد ذلك الوثاق الذي يجمعهم، فينطلق الأطفال فرحين مسرورين.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (7)

سنة النشر 1987

وكم فتنت إبّان سني شبابي بجهامة العبوس الذي يظهر قتامة الوجوه، وهو أشدّ تأثيراً في مهجتي، وأملأ لعيني، من بشاشة المحيّا وبهاء الملامح، وقد تضرّمت وقدة الهموم في كياني، ونشبت حدّة النّوائب في نفسي، التي طبعت على رهافة الحسّ، وجبلت على رقّة الشّعور، ففدحني مصابها، وبهظني خطبها، حتّى رسخ في معتقدي، أنّ النّفس فطرت على الكآبة، وصيغت من جبلّة الأحزان، فيكون تعبيرها عن إحساسها بالأشجان، في أدقّ تصوير وأجلى بيان، واعتقدت أنّ سائر المشاعر التي قد تحسّ النّفس بها، هو وهم أكيد وتصوّر خاطئ، وأمّا بعد أن باعدت بيني وبين مرحلة الشّباب سنوات عدّة، فإنّي تيقّنت بأنّ كلّ شعور صريح الصّدق، ثابت الرّسوخ في النّفس، يحظى بأجلّ الاحترام وأسمى التّقدير، فاستوى في المقام ذاته عندي، شغفي ببشائر السّعادة، وولعي بشعائر الكآبة.

 

مهجتي: المهجة، النّفس.



ثابر والدي على أن يغترف من العلوم الطّبّيّة التي دأب في أن يتوغّل فيها دائماً، فطلب العلم في أقاصي المعمورة، وأماكن نائية، بعد أن اضطّلع بتلك المعارف الطّبّيّة في الجامعة السّوريّة التي تخرّج فيها، وهو لم يقتصر على الذّهاب إلى الدّول العربيّة، بل قصد أيضاً البلدان الأجنبيّة، فزار بلاداً عديدة، حضر في بعضها مؤتمرات طبّيّة، وتابع في بعضها الآخر تحصيله العلميّ في المراحل العليا من الدّراسة، وكان في عداد البلدان التي قصدها لمتابعة دراسته العليا في علوم الطّبّ، مصر حيث درس في جامعة القاهرة، وفرنسا عندما تابع دراسته في جامعة باريس، وكندا حينما استأنف تحصيله العلميّ في جامعة مونتريال، وكان والدي في جميع تلك البلاد التي كان يزورها، يلجّ به الشّوق إلى رؤية أفراد أسرته الذين يقيمون في دمشق، فكان دائم الحنين إليهم، ولم تكن توجد في ذلك الأوان الذي زار فيه تلك البلدان الكثيرة، وسائل التّواصل التي تختصر المسافات كثيراً، وتقلّص البعد جدّاً بين الأحباء، مثلما هو الحال في أيامنا الحاضرة، وكان يقرّر أن يستخدم دائماً في الأماكن التي يحلّ بها، وسيلة التّواصل المتوفّرة التي تجمعه مع أحبّته، الذين كان يضطرّ إلى أن يكون بعيداً عنهم، خلال الأسفار التي كان يزور فيها بلداناً عديدة، وكان يعمد في كثير من الأحيان إلى أن يرسل عبر البريد الجويّ رسائل إلى أفراد أسرته.

كنّا ننتظر في المنزل بشوق شديد، قراءة الأخبار التي كانت تتضمّنها الرّسائل التي كان والدي يرسلها إلينا، وقد كان في أحد تلك الأسفار، يتابع دراسته العليا في كندا، وتحديداً في جامعة مونتريال العريقة الشّهيرة، التي توجد في مدينة مونتريال، وقد واظب على أن يرسل إلينا الرّسائل من مدينة مونتريال التي كان يقيم فيها، فحرص على أن يجد فسحة من الوقت، الذي يفصل بين فترات الأعمال والمهامّ التي كان يؤدّيها في تلك الجامعة، ليعمد إلى أن يجلس في إحدى قاعات ومكاتب الجامعة، ليكتب تلك الرّسائل، التي كان يعزم على أن يرسلها إلى أقربائه في دمشق، وقد اتّفق في أحد الأوقات التي كان قرّر أن يكتب رسالة، يوجّهها إلينا، أن شاهده لفيف من الطّبيبات والأطباء الأجانب الذين كانوا ينتمون إلى جنسيّات شتّى، وكان ضمّ هذا الجمع من الأشخاص أيضاً، طبيبات وأطباء كنديّين، وقد لاحظوا جميعهم والدي منهمكاً في أن يخطّ بقلمه على ورقة كانت موضوعة أمامه على المنضدة، وقد تناهي إلى سمع والدي، كلمات تفوّه بها أحد هؤلاء الأطباء الذين كانوا يحيطون به، إذ رغب في أن يعلّق على ذلك العمل الذي كان ينجزه والدي، فذكر ذلك الطّبيب، أنّ والدي يملك موهبة رفيعة في الرّسم، وقد ظلّ يمدح قدرته الفذّة على إتقان الرّسم، ذاكراً عبارات الإطراء وكلمات الثّناء.

أكّد سائر الطّبيبات والأطباء الرّأي الذي ذكره ذلك الطّبيب، الذي ودّ أن يدلي برأيه في العمل الذي يؤدّيه والدي، الذي شكر ذلك الطّبيب على ملاحظته اللّطيفة، وعباراته الرّقيقة، ثمّ عمد والدي إلى أن يستفسر ذلك الطّبيب عن السّبب الذي دفعه إلى أن يذهب إلى ذلك الاعتقاد الذي عبّر عنه، فأجابه ذلك الطّبيب ذاكراً أنّه رأى والدي يرسم على الورقة التي كانت أمامه، فأدرك والدي فوراً ذلك الالتباس الذي وقع فيه ذلك الطّبيب، الذي أجابه والدي آنئذ موضحّاً أنّه لم يكن يرسم لوحة فنّيّة، بل كان يكتب رسالة سيوجّهها إلى أفراد أسرته الذين يقيمون في دمشق، وما لبثت أن عمّت الدّهشة ذلك الجمع من الطّبيبات والأطباء، الذين كانوا استمعوا إلى ذلك الحوار الدّائر بين والدي وصديقه الطّبيب، الذي كال المديح لموهبة والدي في الرّسم.

لا ريب في أنّ أشخاصاً كثيرين صادفوا ذلك الموقف الذي مرّ به والدي، إذ يعتقد كثير من الأجانب عندما يشاهدون عبارات مكتوبة باللّغة العربيّة، أنّهم يرون عملاً من نتاج التّصوير الفنّيّ، واللّغة العربيّة هي غنية بمفرداتها التي تمتلك معاني ومدلولات عميقة، وقد اكتمل بهاء هذه اللّغة العربيّة، بجمال الشّكل الذي تظهر به كلماتها، فاللّغة العربيّة هي جميلة بأساليب التّراكيب اللّغويّة التي تصاغ بها عباراتها، وهي جميلة أيضاً بصور حروفها، فكان بروز الخطّ العربيّ، الذي جذب إليه النّاس كافّة، قبل أن تتّضح خصائصه الجماليّة، التي اعتمد عليها الفنّانون التّشكيليّون في إنجازهم لوحات، كانت الحروف العربيّة عنصرها الأساسيّ، وقد سمّي "الخطّ كتابةلجمعالحروفبعضهاإلىبعضكماسمّيخرزالقربةكتابة لضمّبعضالخرزإلىبعض"(1)، وقد أولى العرب منذ زمن قديم الخطّ عناية فائقة، واهتماماً كبيراً منقطع النّظير، وقد ذكر أبو حيّان التّوحيديّ "إنّ للخطّ الجميل وشياً وتلويناً كالتّصوير، وله التماع كحركة الرّاقصين، وله حلاوة كحـلاوة الكتل المعماريّة"، وعنى التّوحيديّ بإبراز جمال المظهر الذي يبدو فيه الخطّ، فذكر قول هشام بن الحكم، الذي تحدّث عن الخط مبيّناً أنّ "الخطّ حلي تصوغه اليد من تبر العقل، وقصب يحوكه القلم بسلك الحذق"، فتعمّق العرب في النّظر في الطّريقة التي يستخدمون بها حروف اللّغة، بالإضافة إلى عنايتهم بإظهار حقيقة الشّكل الذي يبدو فيه الخطّ، وقد أورد التّوحيديّ كلاماً نسب إلى ابنّ عبّاس رضي الله عنه، الذي قال: "الخطّ لسان اليد، والبلاغة لسان العقل، والعقل لسان المحاسن، والمحاسن كمال الإنسان"، فكانت نظرة العرب إلى الخطّ شاملة، وعنايتهم بالمعاني التي تنطوي عليها الكلمات العربيّة، كاحتفائهم بذلك المظهر الذي يبدو فيه ذلك الخطّ العربيّ.

توالى في عصور التّاريخ العربيّ ظهور المؤلّفات الكثيرة التي اهتمّ الأدباء والكتّاب الذين وضعوها، بالحديث عن شؤون الكتابة، التي غدت موضوعاً رئيسيّاً، في العديد من الكتب القديمة والحديثة، ففي الزّمن القديم، تحدّث القلقشنديّ في كتابه الموسوعيّ الضّخم "صبح الأعشى في صناعة الإنشا" عن تلك المكانة التي يحلّ بها الخطّ عند العرب، حيث لم يقتصر على الحديث عن الكتابة في حدّ ذاتها، بل نظر أيضاً في الأقلام التي تستخدم في الكتابة، وبحث في أنواع الأحبار المستعملة، وفي المحابر، بالإضافة إلى المقالم، وقد ذكر أنّه ("قدأطنبالسّلففيمدحالكتابةوالحثّعليهافلميتركواشأواًلمادح حتّى قالسعيدبنالعاصّ: "من لميكتبفيمينه يسرى".وقال معنبنزائدة: "إذالمتكتباليدفهيرجل".وبالغمكحولفقال: "لاديةليدلاتكتب".... وبالجملةففضلُالكتابة أكثرمنأن يُحصى وأجل من أن يُستقصى")،(2)، ويؤكّد عناية العرب بإبراز الجمال الذي يتّصف به الخطّ، اقتداؤهم بتلك الحكمة السّديدة التي تذكر أنّ "الخطّ الحسن يزيد الحقّ وضوحاً"، ولا غرابة من أن يتّسع مقدار هذا الاهتمام بالكتابة عند العرب، حتّى كانوا راعوا أيضاً شؤون الأوراق التي يخطّون فوقها، فتكلّم القلقشنديّ في صفحات طوال عن أنواع الورق الذي يستخدم في الكتابة، وقد فصّل حديثه المسهب تفصيلاً دقيقاً، في موسوعته الضّخمة، التي تكلّم فيها عن أشكال الخطّ العربيّ وأنواع ذلك الورق المستعمل في الكتابة.

إنّ كلام المؤلّفين والكتّاب العرب عن أشكال وأنواع الخطّ، أفصح عن الخصائص التي يتّسم بها الخطّ العربيّ، وقد تأكدّت أيضاً المزايا التي تتحلّى بها الحروف العربيّة، في نتاج الفنّانين التّشكيليّين الذين أنجزوا لوحات كثيرة، رسموا فيها تلك الحروف، بل إنّ العديد منهم، كان يضيف الحروف العربيّة إلى لوحاته، التي كانت تضمّ عناصر عديدة، غير ذلك الخطّ العربيّ الذي ضمّوه إلى تلك اللّوحات التي عكفوا على أن يرسموها، فكانوا يدمجون تلك الحروف في لوحاتهم، التي يظهر فيها نمو المعاني العفويّ والتّلقائيّ، التي كان يفصح عنها انسجام واتّساق عناصر اللّوحة مع بعضها البعض، فكان الخطّ العربيّ يتآلف مع سائر العناصر التّشكيليّة في اللّوحة، حيث لم تكن تظهر أيّة شائبة من عيوب ومآخذ عمليّة الإقحام القسريّ، في مسعى أولئك الفنّانين التّشكيليّين في إضافة ذلك الخطّ العربيّ إلى سائر عناصر اللّوحة الفنّيّة.

لم يعسر على الفنّانين التّشكيليّين أن يظهروا خصائص الخطّ العربيّ المميّزة، التي طالما كانت تشدّ إليها بصيرة أولئك الفنّانين، وتحفزهم إلى أن يبرزوها في لوحاتهم الفنّيّة، والحرف العربي ينطق بالجمال، وقد ذكر أبو حيّان التّوحيديّ أنّ الخطّ العربيّ "هندسة روحيّة ظهرت بآلة جسديّة"، وتميّزت الحروف العربيّة عن سائر لغات العالم، التي لم تستطع أن تجاري الخطّ العربيّ، الذي كان مطواعاً في يد الفنّان، الذي لا يستعصي عليه، أن يبرزه في أشكال وتصاميم كثيرة، وهيّأت اللّيونة التي يتحلّى بها الخطّ العربيّ، لأن يظهر في أشكال شتّى، مثل الانبساط والاستدارة، فضلاً على أنّ الخطّ العربيّ يتّصف بخاصيّة التّرابط والفصل بين الحروف، وقد قال الرّسّام الإسبانيّ بيكاسو: "إن أقصى نقطة أردت الوصول إليها وجدت الخطّ الإسلاميّ سبقني اليها"، فالحرف العربيّ يتمتّع بقابليّة التّشكيل في صيغ فنّيّة عديدة جميلة، من دون أن يقيّد إعجاب النّاس بلوحات الخطّ العربيّ، بإحاطتهم بمعاني الكلمات الظّاهرة في اللّوحات الفنّيّة، والدّليل الأبرز على سداد ذلك الرّأي الذي ذكرته آنفاً، هو إعجاب الأشخاص الأجانب بلوحات الحروف العربيّة، وهذا الإعجاب يصدر من أفراد لا يعرفون معاني كلمات اللّغة، التي يعجبون بالأشكال التي تبدو فيها حروفها، وذلك الموقف الذي مرّ به والدي، يؤكّد أيضاً ذلك الرّأي الذي أفصحت عنه، وأمّا تلك الرّسالة التي كتبها والدي، وهي كانت السّبب في إثارة ذلك التّعليق اللّطيف الذي سمعه بينما كان يكتبها، فإنّنا استلمناها في دمشق بعد أن أرسلها والدي إلينا من مدينة مونتريال في كندا، وكنّا نترقّب باشتياق جمّ تلك الرّسالة، التي تناقلناها فيما بيننا وظللنا نقرؤها باستمرار.

1_ القلقشنديّ، صبح الأعشى في صناعة الإنشا.

        2- المصدر السّابق.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (6)

سنة النّشر 1987

انقسم منزلي إلى غرفتين وسيعتين، تقابلهما حجرة فسيحة، وكانت تصل بين تلك الغرف ردهة ممتدّة، وقد لاءم ذلك الأثاث الذي توزّع في مسكني، نظراتي الحائمة وهي تجول في أرجاء تلك الحجرات، فلا تستوقفها أمتعة مبهرجة، أو تستمهلها في طوافها تزايين مزخرفة، بيد أنّي مضيت على تنسيق تفاريق الفرش، مقتفياً سنن التّرتيب الدّقيق، والتّدبير الأنيق، فكنت إذا ما قصدت إلى أن أبصر ذلك الأثاث الذي فرشت به داري، تغترق نظري أجزاء ذلك الأثاث التي أرمقها.

كانت الدّار التي أشغلها، في الطّبقة الثّانية من بناء ضمّ ثلاث طبقات، تقطن فيها عائلات، لم أتزلّف إليهم برابطة، أو أتوسّل إليهم بواسطة، تعقد أسباب التّعارف فيما بيننا، فوقفوا على دخلة نفسي، بما تظهره من مكنون صدري، تلك اللّقاءات العابرة التي كنّا نتبادل فيها مع بعضنا البعض عبارات التّحيّة، وكلمات المجاملة، التي أفصحت عن صفو العشرة، التي تجمع بين الجيرة، وكانت تحيط بالبناء فسحة فيحاء، فما إن امتدّ النّهار، حتّى بدأ يفد إليها مجموعة من الأطفال والفتية، فيجدون فيها فناء رحباً يسعهم أن يلهوا فيه، فأصرف نفسي عمّا يدور في خلدي من هواجس الفكر، بأن أعكف على النّظر إليهم، فأجلس وأحدجهم ببصري، فتنعم نفسي بالانشراح وتهنأ بالرّواح، بعد انشغالها بتلك الخواطر التي تلوح في فكري، ولم يكد يتعالى صخب هؤلاء الأطفال وتشتدّ جلبتهم، حتّى ألفيت فتاة رهيفة القدّ جهيرة الحسن تقبل نحوهم، وسرعان ما خفتت أصواتهم وهمد صخبهم،  حينما ظهرت تلك الفتاة في وسط جمعهم المؤتلف، وأخذت تدعو أشقاءها الصّغار لتقودهم إلى المنزل، وهي توبّخ من يحجم منهم عن العودة معها، فتخاطبهم بلهجة لائمة حاسمة، ثمّ تتبع كلمات التّقريع، بعبارات التّقريظ الذي خصّت به طفلة صغيرة، أسلست لها قيادها، فحظيت بهذا المسلك الذي اتّبعته، على موقع أثير في نفس شقيقتها الكبرى، التي كان تصرّفها مع أولئك الأطفال الصّغار بهذه المعاملة التي بدرت منها، يدلّ على رجاحة فكرها وحسن تدبيرها، وهي تلأم بين الشّدّة والملاينة في رعايتها لهم، وأحار في سعيّ إلى أن أتفهّم شأن هذه الفتاة، التي تتّسم بتلك الدّراية والكياسة في تصرّفها، وهي لمّا تتعد طور حداثة سنّها وشرخ شبابها، وما لبث أن تفرّق شمل سائر الصّبية، وذهب كلّ منهم في دربه.

اصطحبت ليلى أشقاءها، وسارت بهم نحو منزلهم، وكان حثّها على أن تجيء إلى فناء البناء، ارتفاع ذلك الضّجيج الذي أحدثه الأطفال والصّبية، فسعت في أن تخمد تلك الضّوضاء التي كانت اشتدّت متعالية، وتلك الفتاة ليلى، هي كبرى أبناء الرّجل الكهل صالح الذي يكنّى بأبي محمود، وهو يقطن مع زوجته وأولاده السّتة في الطّبقة الأولى من البناء، واتّصلت بمنزلهم فسحة معشوشبة، تنتشر فيها غراس ناضرة، وكان صالح بعد أن يؤوب إلى منزله، بعد انتهائه من أداء فروض عمله في إحدى الدّوائر العامّة الحكوميّة، يفرغ وسعه في العناية بتقليم الأشجار في حديقة مسكنه، فيجهد دائباً في إنجاز مهامّه على مدار أيّامه، في الاعتناء بتلك الغراس النّابتة، من دون أن تصدفه عن الاهتمام بتلك الزّرائع كلالة، أو تصرفه عنها ملالة، ولم يكن يجني من المال ما يفي بتحصيل قوت معيشة عائلته، ولم يكن رزقه كفاف حوائجها، ولم يرد عن عائلته طوارئ العوز، فأحاطت بهم شدائد الفاقة، ورسفوا في قيود الحاجة، فاضطرّت زوجته إلى مزاولة مهنة الخياطة لتسهم بنصيبها في رعاية أفراد عائلتها، ولم تجد بدّاً بعدئذ من الاستعانة بابنتها الكبرى ليلى، فانصرفت تلك الفتاة عن متابعة دراستها وعكفت في منزلها لتمدّ لوالدتها يد العون والمساعدة، ولتناصرها في أعمالها وتشاطرها همومها، وتساندها في تحمّل أعباء القيام بشؤون المنزل، وقد أجادت في مزاولتها تلك المهنة، وأقبلت على عملها بنفس قانعة وإرادة طائعة، وألقيت على عاتقها تأدية تلك المهامّ الجسام، التي تعصب جبينها بصور الشّقاء، وسيماء العناء، فتشعّ صباحة وجهها وملاحة قسماتها بسناها اللاّمع، لتكسف مخايل ذلك الأسى الذي يطوّق جبهتها، فتشرق محاسن وجهها الزّاهية، وتجول في فكرها الخواطر البهيّة، فلا تردّها تلك النّظرة الحيّية التي تطالع بها الأشخاص الآخرين، ولا يحجبها ذاك الخفر الذي يغشى وجنتيها النّضرتين، ولا تكدّر نقاء فتنتها تلك الغموم التي تحوم في عينيها.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (5)

سنة النّشر 1987

وتحيّرت في شأن عاطفتي، فعزمت على أن أفنّد خواطري وأنا أخالها هاجساً يحلّ ويدبر، فما لبث أن اتّقد سعير مشاعري، فتلظّت من حرّها أحناء ضلوعي وأحشاء جوانحي، فكنت كلّما سعيت في أن أطفئ لهيب عواطفي، فإذا بها تشتدّ حدمتها، كأنّي قد نفخت في أوارها، وذكّيت ضرامها، وأجّجت شواظها، وهل تهمد جحمة النيران إن نشبت في جذوتها ريح هوجاء، أم تسعّر شعلتها المحتدّة وتضرم سياطها المتّقدة، وظللت أرمقها ببصري وهي تسير إزاء سور حديقة المزرعة حتّى توارت في دجنة الظّلام، ولم يثب لي الهدوء إلاّ بعدما انسجلت عبرتي إصحاراً بلوعتي، وارتبكت في خطوتي إجهاراً بحيرتي، وهكذا دأبي لا أرهو على نفسي وأنا أقحمها في نزوان العواطف، وأخضعها لنزقها العارم، وعدت أدراجي إلى منزلي مستوفض الخطوات، مستوقد الأحشاء.

أبلج الصّباح وضّاح التّباشير، وأجهت السّماء، بعد أن انقشعت عنها الغمائم، وبزغت في أغوارها السّحيقة أشعّة متوهّجة، تخطّ طرائقها في أديمها الممتدّ، ووشّى سنا الضّوء زجاج نافذتي بألقه البرّاق، فأرمق من خلالها شارع الرّوضة، وقد شرعت تلتجّ في أرجائه أجّة السّابلة، وترتفع في أنحائه ضجّة صاخبة.

إصحاراً: أصحر الأمر وبه، أظهره.

 

أجهت السّماء: انقشع غيمها.