مقتطفات من رواية أناشيد الألم (24)

سنة النّشر 1987

كانت تردّني مآود الحياة ودواهيها عن مآدب مسارّها، فلم يخامرني من المشاعر إلّا تلك الغموم التي اعتلجت في صدري، فكانت لوعة الحسرة تستعر في نفسي، إلاّ أنّ ما اجتثته يد الدّهر من أزاهير البهجة، نبتت عوضاً عنه في نفسي، أيكة الحكمة وغراس الفطنة، ولم يخالطني القنوط قط، فإن اعتكرت الظّلمة والتجّت العتمة حولي، كانت أنوار الأمل تشرق بين تلك الغياهب الحالكة، لتثير في نفسي دوافع المثابرة على خوض معترك الحياة، فكان تمكّن ذلك الأمل من إثارة عزيمتي، يحاكي قدرة ضياء الشّمس على بعث الانتعاش في أديم الأرض.

عدت إلى منزلي، بعدما فرغت من أداء مهامّ عملي، فسرت الهوينى في دربي، ونسمت حولي الرّيح السّجواء، وتناثر في عرض الطّريق غثاء نديّ، رمت به سيول جارية، وغفلت عن المناظر الخلّابة والمشاهد الفاتنة التي توزّعت حولي، فلا يغترق نظري جمالها، ولا يطربني سحر بهائها، ولا ألمح إلّا صورة واحدة ظاهرة أمامي، فأحدّ إليها النّظر وأنا أتفرّس في تلك الأشكال التي تلوح لناظري، كي أميّز فيها الحقيقة من الخيال.

من شأن العديد من النّاس أن يقارن بين الأشياء المختلفة، ويوازن بين الأشكال المتنوعّة، من دون التّمعنّ في خصائصها المتباينة، والتّروّي في شؤونها المتفاوتة، وقد كانت حالي توافق شؤون أولئك الأشخاص في أحايين كثيرة، فكنت أنسب تارة هيجان مشاعري إلى عصف تلك الرّيح القاصفة في آفاق الأرض، وأقرن طوراً فورة اللّهب المتّقد في نفسي، بثوران تلك الشّهب البرّاقة في أعنان السّماء، فأخال نفسي سليل تلك الموادّ ومن نسل تلك الأجسام التي يشتمل عليها الكون، وما إن أفرغ من إكمال مراحل تجوالي، حتّى سرعان ما ينطرح عنّي العناء والتّعب، ويعود إلى نفسي صفاؤها، وأرجع إلى منزلي مؤجّج الهمّة منشرح الصّدر.

المآود: الدّواهي.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (23)

سنة النّشر 1987

انطلقت إلى مكان عملي في الصّباح، وسرت في الطّرقات، فهبّت نحوي الرّيح البليلة، ووصلت إلى تلك الوجهة التي قصدتها، وأنا موفور الهمّة والنّشاط، فعكفت على الانغماس في تأدية عمليّ، وإنجاز مهامّ وظيفتي، وجهدت في أن أتصامّ عن ذلك الصّخب المجلجل في أعماق نفسي، وقد كانت أصداؤه لا تزال تنتشر في كياني، وأسهو إلى الخرائط المبعثرة والخطوط الدّائرة، فأتيقّن بضياع جهودي عبثاً، فأطوي كلّ الأوراق أمامي، وأجمع شتات خواطري وألأم بين الصّور الظّاهرة في خيالي، فينبّهني واجب العمل إلى أن أكبح جماح شرودي، فأعود تارة أخرى إلى أن أحاول الخوض في تلك الملفّات المنتشرة، فأغوص في محتوياتها، بيد أنّي سرعان ما أتوه في حزم الأوراق التي أطالعها، فأجنح بتفكيري إلى الصّور الماثلة في ذهني، وأعاود تلك المحاولة مراراً وتكراراً على مدار السّاعة. وعندما يقيّض لي أن أستقبل أحد الزّوّار في أثناء فترة عملي، أجلس معه متحدّثاً، وأنظر إليه متنبّهاً، وأنا أخال أنّي أراه في أرجاء ذلك الخيال الذي أسرح فيه، فأحدّق إلى وجهه لأتبيّن هيئته عن يقين وثبات، وأسلك في ممرّ الكلمات ومسار الجمل، فيخامرني الشّعور بأنّي أخطو في طريق وعر، وأتسلّق عقبات كأداء، فأتكلّم معه بعبارات مبهمة، وأنطق بألفاظ عويصة، فيعزو ذلك الغموض الذي يكتنف حديثي، إلى إلحاحي على النّظر إلى تلك الأوراق المبعثرة أمامي، فينصرف عنّي وهو يقدّر عالياً مدى حماسي وغاية انغماسي في العمل الذي أزاوله، فأسخر من ذلك الرّأي الذي يعتقده، وقد كان الظّنّ الذي أوقعه على حقيقة أمري، يناقض صورة تلك الهيئة التي ظهرت فيها، وأودّعه عندما يتمّ زيارته، بابتسامتي الوادعة في مظهرها والسّاخرة  في حقيقتها.

كنت في أحايين كثيرة، عندما ألتقي الأشخاص الآخرين، لا أفاتحهم بذات صدري، ولا أكاشفهم بخواطري، فكنت أواري تلك الأفكار التي ترسّخت في ذهني على الرّغم من سدادها، وأحاول أن أحصر سناها في ذهني، من دون أن يشعّ ضياؤها إلى الأشخاص حولي، إلّا أنّ كان يتأتّى أحياناً لأنوار تلك الأفكار، أن تنسلّ أشعّتها منطلقة من ذهني، فلا تخفى على بصائر الأفراد الذين كانوا يلتقون بي، وكان كثيراً ما يحضّهم ذلك النّور المتّقد في فكري، على الدّنو إليّ والاقتراب منّي، فأردّ عن أفكاري فضول النّاس، وأدفع عنّي تطفّل الأشخاص الذين يلحّون على أن يستطلعوا خواطري، وتنتابني الخشية من أن تكسف ظلال الفضول التي ينشرها أولئك الأشخاص المتطفّلون، ضياء خواطري المتألّق، ويحجبوا نورها المتوقّد، فأحذر من أن يهمد ألقها السّاطع ويخمد ضوؤها المنير، وقد رسخ في ذهني الاعتقاد بأنّ أشعّة النّور اللّامعة الصّادرة عن سرّها المدفون، وأمرها المكنون، يوقد الخيال ويؤجّج الفكر عند الأشخاص الذين يتلقّون تلك الأنوار السّاطعة.

ما برح بريق تلك الخواطر، المنحصر في نطاق ذهني، أنفس عندي من ضياء هواجسي المتوهّج على ألسنة القوم، التي تتعاور تلك الخواطر التي تلوح في ذهني، وقد كان سنا أفكاري النّيّر، أعزّ عليّ من وميض ذلك الإعجاب الذي تفصح عنه نظرات الطّوارف، التي تستطلع تلك الهواجس التي تخطر ببالي، وحسبي أن أقدّم لأفراد النّاس الزّاد الذي يغذّي نفوسهم، وأهبهم القوت الذي ينير عقولهم، من دون أن تكدّر أياديهم ما يحتويه ذاك المرجل المغلي في فكري، ولا يتطاير نحوهم شرر أوار الخواطر المتّقد في ذهني، وإنّي لأبرّئ نفسي من دلائل الصّلف والعجرفة، وأنا أرى في تداني القوم بعضهم من بعض، تحقّق المطلب المرتجى في توطيد الألفة بين النّاس، فإن دأبت في أن أتروّى من مناهل المعرفة الفائضة في متون الكتب وبطون المجلّدات، فإنّ هذا المسعى الذي يبدر منّي، لا يسدّ مسدّ الاتّصال بالنّاس، ولا يغني عن الالتقاء بهم، وألفي بعض النّاس يحصر المنافع التي يريد أن يستحصل عليها، من العلائق التي ينشئها مع الأفراد الآخرين، في المغانم التي يلبّي بها نزواته الطّائشة، ويقصر المكاسب التي يسعى إلى أن يستخلصها من الرّوابط، التي تجمع بينه وبين سائر النّاس، على تلك الفوائد التي توافق بواعث حاجاته المتقلّبة، فتغيب عنه طبيعة تلك الروّابط التي تؤلّف بين النّاس، ويغفل عن مزاياها الجليلة، فكان أولئك الأفراد الذين يرضخون لأهوائهم المتبدّلة، في تلك العلائق التي تربطهم بتليّة البشر، ما يبرحون يسعون إلى أن يوقعوا في مكائد طمعهم وحبائل جشعهم، أولئك النّاس الذين يجتمعون معهم في تلك الرّوابط الواهية.

تتعاور: تتداول.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (22)

سنة النّشر 1987

جال في خاطري التّساؤل عن تلك الهمّة التي تثير إرادتي الخادرة وتبعث قواي الفاترة، وجهدت في أن أتبيّن حقيقة تلك الأماني التي طفقت تخادع باصرتي بأضاليلها المعتادة، وتغرّ طرفي بأباطيلها المعهودة، فألمح إشراق آمالي وقد عهدتها فيما مضى من أيامي الدّابرة، تتلاشى هباءً، وتتبدّد ضياعاً، وما برحتْ حتّى هذه الآونة، تتلظّى تلك اللّواعج الملتهبة التي اتّقدت في أيّام لهوي وصبوتي، فتلذع فؤادي، وتزيد حدّة جواي، وانكفأت إرادتي عن لهب العاطفة المتّقدة، وشعلها المضطرمة في نفسي، لتسكن في قرّ الهمود، وبرد الجمود، بينما اندفعت الأهواء المتأجّجة تقود خطاي، ولشدّ ما كابدت طيشها المشتدّ وعانيت نزقها المحتدّ.

إنّي حقّاً لغرّ مفتون بتلك الأوهام التي انطلقت في ذهني، فسعيت في أن أحبط كلّ ظنّ ينبئ بدنوّي من جوى العشق، وأفنّد كلّ الدّلائل التي تنذر بوقوعي في برحاء الهوى، وغمرات الوله، وما إن يخيّل إليّ أنّي تحرّرت من أغلال تلك العاطفة، حتّى أجد نفسي عالقاً بحبائلها، ومكبّلاً بسلاسلها، فتمضّ نفسي حسرة النّدم، وتقضّ أوصالي عبرة السّدم، وما أنفك أذعن لتلك اللّواعج الحارقة وأستكين لتلك العواطف الدّافقة.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (21)

سنة النّشر 1987

بلغنا ونحن نخطو في طريقنا مكاناً قريباً من حيّ المزرعة، فالتفتت إليّ وهي تشير إلى مشارف بيتها التي لاحت من بعيد، فأيقنت بأنّه قد آن للحظات الوداع أن تزيد تأجّج عواطفي المحتدمة، فأخذ فيض الخواطر ينثال على فكري، وهي تتدافع في مسارب الرّجاء والأمل، ولم يكن في وسع كياني الإحاطة بتلك الرّغائب، التي واكبت الأفكار التي لاحت في بالي، وتأتي هذه اللّحظات سريعة الأحداث مقتضبة الوقائع، فلا أذكر كيف حصل افتراقنا، ولا أدري بأيّة لهجة تعاهدنا على اللّقاء بعد غد أمام حديقة المزرعة، وعمدت جاهداً إلى أن أستحضر في ذهني ألفاظنا، وأستذكر كلماتنا التي تفوّهنا بها في لحظة الوداع، من دون أن أتمكّن من أجمع تلك العبارات التي نطقنا بها، فكأنّي كنت أخوض في مسلك شائك. وعدت إلى منزلي وقد تردّدت أصداء الفرح والمسرّة في نفسي. فما أشدّ تقتيرك أيّتها السّعادة السّمحة وأنت تجزلين عطاءك بهذا السّخاء.

تهالكت على فراشي مرتهك المفاصل، موهون الأوصال، وقد وددت أن أتوسّد الأماني العذبة والأحلام الهنيئة، إلّا أنّي ما برحت أتململ متقلّباً فلا أنام أو أغفو، فأظلّ يقظان وأنا أتفكّر في هذا الشّعور الذي طرأ عليّ بغتة في مساء هذا اليوم، وقد ارتعج سنا ضيائه في نفسي، فأثار في كياني الاضطراب، وبعث في جسدي الارتعاش، وقد كان تيّار الحياة في إبّان سنوات شبابي في الزّمن الغابر، يدفع في جريانه ثوران المشاعر، حينما يعتريني، ويبدّد الانفعال الذي كان يشتدّ في نفسي، فكنت أساير بيسر وسهولة لواعج الشّعور التي تتغلغل في كياني، وأدركت أسحار اللّيل متنبّهاً صاحياً، لا تنعم عيناي بغمض، ولا يخمد في ذهني ومض.

رنوت إلى رقيع السّماء الأدجن الذي تناثرت فيه قزع الغمائم، بيد أنّ ما لبثت الرّيح أن هبّت زاجرة تلك السّحائب المبعثرة، وأخذت أغصان الأشجار تنوع في مهبّ تلك الرّيح العاصفة، وانهمرت أضراب المطر متساقطة.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (20)

سنة النّشر 1987

يطبق الضّلال على ذلك الإنسان الذي يرمق وجه تلك الفتاة، فيحسب أنّ ظلال الشّقاء التي تخيّم على قسمات محيّاها، هي دلائل البهجة التي يتصوّرها في مخيّلته، ويظنّ أنّ معالم العذاب التي تجلّل ملامحها، هي مخايل المسرّة التي يتوهّمها في ذهنه، فيتخبّط ذلك الإنسان في الجهالة التي تتّضح جليّاً في أحكامه التي يطلقها عليها، إلّا أنّي لم أغفل عن سيماء ذلك العذاب والشّقاء اللذين يغشيان سحنتها، فباتت تأصرني على نادية تلك الأشجان التي تسري في نفسها، كما تفتن آيات الجمال ودلائل البهاء في معالم الطّبيعة ألباب القوم، وتستهويهم مناظرها الخلّابة.

وجدتها منشرحة النّفس منطلقة الوجه، كأنّ لم يكن قد ألمّ بها الهمّ أو طرأ عليها القلق، فبتّ أتنهّد بأنّة الشّكوى عوضاً عنها، وأصدر زفرة الحسرة بدلاً منها، وألجّ في تأثّري وانفعالي إلى أقصى مدى، وأنا أحسب أنّني كلّما ماجت في نفسي المشاعر، وهاجت في بالي الخواطر، أبدّد آنئذ كربها، وأفرّج عنها غمّها، فأثارت في نفسي بواعث القلق، وشرع يتهلّل وجهها فرحاً وسروراً.

والتفتت إليّ قائلة:

كبّدتك عناء المساهمة في الحديث الدّائر بيننا، وأصبحت مرتهنة بذلك المعروف الكريم، والخير العميم، اللذين بذلتهما لي في إصغائك وتأثّرك الجليّين، ولم أكن لأصادف في إنسان آخر سواك، مثيلاً لهذا الشّعور الذي أبديته لي.

ألقت إليّ بعباراتها، وقد رأت على وجهي دلائل الانفعال الذي أثار مشاعري، فقلت لها:

جهدت في أن أواري ذلك الإحساس الصّادق الذي انتابني، وتلك العاطفة الصّريحة التي اعترتني، لتغدو فعالي في الأيّام القادمة، الشّواهد على هذا الشّعور الذي أمحضك إيّاه.

مضينا في مسيرنا وقد أصبحنا متآلفين برابطة وثيقة بعدما تجاذبنا أطراف الحديث، وكأنّه قد تمّت لنا أسباب التّعارف فيما بيننا منذ زمن بعيد، ولا عجب في ذلك الأمر، فكان كلّ منّا، يرى خيال الآخر في طيف أحلامه، فيما انصرم من الأيّام، من دون أن يراه عياناً ويشاهد ملامحه، في زمن اليقظة، حتّى جرى لقاؤنا الآن، في هذا الوقت الحاليّ الذي نظر فيه كلّ منّا إلى سيماء الآخر، وأبصر هيئته، فلم يشعر أحد منّا بأسباب الوحشة، أو يحسّ بدواعي التّناكر تجاه من يداوله الكلام في هذه اللّحظة.



تنوّعت أشكال النّشاط البدنيّ الذي يبذل فيه الإنسان مقداراً محدّداً من الجهد في أثناء تنفيذه الحركات الجسميّة، التي تميّز ذلك النّشاط البدنيّ، و"تؤدّي العضلات الهيكليّة ذلك النّشاط الحركيّ"، حيث يتطلّب تحقيق ذلك النّمط من النّشاط "إنفاق كمّيّة من الطّاقة تتجاوز ما يصرف من الطّاقة في أثناء الرّاحة"، ويندرج في عداد أنواع ذلك النّشاط البدنيّ "أشكال الرّياضة والتّمارين الرّياضيّة وأنشطة أخرى تنطوي على حركات بدنيّة، والتي تتمّ في إطار اللّعب والمشي"، ويتبيّن في هذا التّعريف الذي أوردته آنفاً، أهمّيّة اللّعب الذي عرّف بأنّه نشاط عفويّ حرّ لا ينضبط بقواعد تنظّمه، وإذا نظّم ذلك النّشاط الحرّ وفق أسس محدّدة وأدرجت فيه أيضاً خصائص معيّنة، نبلغ حينئذ نشاط الألعابGames، التي اعتبرت "أحد أشكال الظّاهرة الحركيّة أو النّشاط البدنيّ"، وتلك القواعد التي تنظّم أنشطة الألعاب، هيّأت ذلك الشّكل من النّشاط الحركيّ ليصبح "أكثر تنظيماً من اللّعب"، فيتعيّن طابع تلك الألعاب، بصيغة متطوّرة عن التّعريف الذي يحدّد فيه نشاط اللّعب "لأنّه عندما يتّصف اللّعب ببعض الخصائص والسّمات يصبح ألعاباً"، ويعتبر وجود تلك الخصائص التي تتميّز بها الألعاب، شرطاً أساسيّاً في تحديد صفتها، وقد كان أبرز تلك الخصائص، هو قابليّة تلك الألعاب "للتّكرار حيث يمكن إعادة نفس النّشاط غير مرّة"، فالألعابهي نمط من الأنشطة التي تجري في نطاق محدّد، ومحكم الضّبط بالقوانين التي تنظّم نشاط تلك الألعاب، التي يقتضي تحقّقها أن يشارك فيها لاعبان اثنان في أقلّ تحديد، ويفضي مجرى تلك الألعاب إلى نتيجة محدّدة تكون خاتمة لهذا النّشاط، وهي تعيّن باحتمالات الفوز والخسارة أو التّعادل.

عنت الدّراسات التي تناول فيها الباحثون نشاط الألعاب، بإظهار الخصائص التي تتميّز بها تلك الألعاب، وكان عالم الاجتماع والأنثروبولوجيّ والنّاقد الأدبيّ كايوا، ذهب إلى أنيحدّد أهمّ خصائص الألعاب الأساسيّة في "السّلوك الوصفيّ، وهذا يعني إمكان وصفها لمن لا يعرفها، حتّى يمكن أن تكرّر إلى عدد من المرّات ويتضمّن الوصف قواعدها بالطّبع"، وقد عرّفت أيضاً الألعاب بأنّها "اشتراك عدد من الأفراد في نشاط اجتماعيّ منظّم بهدف اللّعب"، فنشاط الألعاب حدّد باللّعب الذي "يجري في خلال إطار اجتماعيّ، أي يجب أن يتمّ مع فرد آخر على الأقلّ، على عكس اللّعب الذي يمكن للطّفل أن يمارسه مع نفسه أو مع دميته أو كرته"، فنشاط الألعاب يجري وفق قواعد وأسس معيّنة سلفاً، حيث تنصّ تلك القواعد على تحقيق المكسب والخسارة في تأدية تلك الألعاب، وقد اعتبر ثبات القواعد والأسس والأنظمة التي تحدّد مجرى وقائع اللعبة، شرطاً ضروريّاً لتحقيق طبيعة هذه اللّعبة التي تجري في نطاق منضبط في تحديده، ولو لم تكن تتّصف تلك القواعد بالثّبات، لانتفت حينئذ خاصيّة الشّكل الذي تتميّز به كلّ لعبة عن سائر الألعاب، وفكرة ذلك الثّبات، تأكّدت في المبدأ المتداول بكثرة عند النّاس، وهو ينصّ على عدم استطاعة اللّاعبين تغيير قواعد اللّعبة، في أثناء ممارسة نشاط تلك اللّعبة، إذ كان أيّ تغيير يطرأ على تلك القواعد، يتسبّب بتبديل خصائص الشّكل، التي تتميّز بها تلك اللّعبة.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (19)

سنة النّشر 1987

وقع كلامها في نفسي وأثّر فيها أشدّ التّأثير، ولشدّ ما تألّمت وأنا أنصت لها، وكثيراً ما سمعت خلال السّنوات الماضية من عمري، أمثال تلك الأحاديث التي تنطق بها النّفوس الشّجيّة، فتخلّف في حسّي من أشكال التّأثّر والانفعال، أكثر ممّا تطبعه في ذهني من دلائل الحكمة والعظة، فيعمدني ألمها ويشقيني ضناها، لما أجده في نفسي من الأشجان المشابهة لتلك الأحزان، التي تصوّرها لي في تلك الأحاديث التي استمعت إليها، فأصغيت إلى العبارات التي تفوّهت بها نادية، وأنا أتدلّه لخطبها العظيم ومصابها الأليم، ولا أعزو شدّة تأثّري إلى شناعة تلك الأحداث وفظاعة تلك الوقائع التي جرت لها، وإنّما بعث انفعالي مقدار ما خلّفته هذه الأحداث في نفسها من الأثر، وما تصبّه في كيانها من دفقات الشّقاء، وما أظهرته في محيّاها من مخايل الألم والحزن، وكانت تتحدّث بلهجة رقيقة النّبرة بيّنة الحسرة، من دون أن تخالطها شائبة من معايب النّفس اليائسة ونقائصها المستهجنة، فلم ترتهن بمذلّة الشّكوى والتّذمّر، فتجلّدت وتصبّرت على تلك الرّزايا التي منيت بها، وطفق يبشّ وجهها متهلّلاً بابتسامة حالمة، تضيء فيها معالم المسارّ والبهجة، فتزيح أنوارها أدواء النّفس اليائسة وتزيل علل الحياة البائسة، وأتأمّل حيران هذه المفارقة العجيبة، وأكاد أسخر من تناقض فحاويها واختلاط معانيها، عندما تغدو ترنيمة الفرح، رجع الهمهمة الخافتة التي تنطلق من أعماق النّفس، وحينما تصبح أغرودة السّعادة صدى النّجوى الشّجيّة، التي ينطوي عليها الصّدر.

تدلّه: ذهب قلبه من همّ ونحوه.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (18)

سنة النّشر 1987

شحذت ذهني وأرهفت سمعي إلى ألفاظها الرّقيقة، وائتلفت حواسي كلّها محتشدة لتلقّي تلك العبارات والإيماءات التي تفصح عنها، وقد كانت تثير في مشاعري من قبل الاضطراب، بينما أسدلت الآن عليها ظلال السّكينة والهدوء، وهي تتهيّأ للحديث، وحمدت تمهّلها في انطلاقتها في الكلام، حتّى أصبح على أتمّ عدّة، وأكمل تأهّب للإصغاء إلى تلك الهمسات التي تنسكب من ثغرها، وقالت لي:

نشأت في حجر عائلتي، التي اكتنفتني ظلال رعايتها الوارفة أنا وإخوة ثلاثة، وكانت والدتي على الرّغم من تقدّمها في السّنّ، تحتفظ موهة وجهها بأثارة من ملاحة قسمات محيّاها، وأمارة من رواء ملامحها في إبّان فترة شبابها، فتدلّ بها على تلك الجهارة التي اتّسمت بها في عنفوان شبابها، فلم تعبث بتلك الأسارير يد الزّمن، وأنت في غنى عن أن تعوّل على حدّة البصيرة، وشدّة الانتباه كي تتخيّل هيئة ذلك الوجه، وما كان عليه من البهار في سالف الأيّام، وكنت أزهو مفتخرة حينما كان بعض الأقرباء يفاضل بين قسامة ملامحي وصباحة وجهها في إبّان فترة شبابها، فلا آبه للقرار القاطع الذي يستخلصونه من هذه المناقشة الدّائرة بينهم، وإنّما أفخر بمضمون ذلك الحوار الجاري في هذا النّقاش، ولا غرو من مسارعتها إلى أن تنفرد بإعطائي ذاك الاسم الذي أودعته في صفحة حياتي الأولى فأسمتني نادية، وكان والدي يكدّ في عمله على الرّغم ممّا لازمه من العلل والأسقام، وإن أغلقت دونه في كثير من الأحيان مسالك الفرجة، من غير أن يستطيع أن ينتهجها، إلّا أنّه لم ينغمس في ترداد كلمات التذمّر والشّكوى من ألم البلوى، وأتممت دراستي في المرحلة الثّانويّة، ورغبت في المثابرة على متابعة دراستي الجامعيّة.

تهدّج صوتها في ارتعاش بيّن، عندما بلغت هذا الحدّ من الحديث، وحفزني ذلك التّأثّر الذي طغى في نبرات كلماتها، على الإصغاء لها بانتباه، ثمّ ما لبثت أن تابعت حديثها قائلة:

لا أجزم بوجود رابطة تجمع بين فحوى الكلام الذي سأفضي به إليك، ومضمون الحديث الذي ذكرته آنفاً، ولن تثبت عندي حقائق تلك الأحداث التي مررت بها، قبل أن تمضي الأيّام وتنقضي الأعوام، على تلك الوقائع، وكانت نشأت في نفسي، عندما كنت في عنفوان الشّباب، بواعث العاطفة، بعد أن آنست في نفسي الميل نحو شابّ، خيّل إليّ أنّي ألقى عنده صدى عواطفي المشبوبة، وأصبحت أنشغل بمشاعري المتّقدة، من دون أن يبادر بتصرّف، أو ينطق بكلمة، يؤجّج بهما أحاسيسي ويلهب حماسي، حتّى تبيّنت في وقت لاحق، أنّهقد نشأت بيننا أسباب ذلك التّعارف، الذي لم يبلغ مرتبة التّآلف، فعمدت إلى أن أواري مشاعري، وأكتم عواطفي، من دون أن يجهر سرّها، ويتّضح أمرها، ثمّتقدّم إليّ في هذه الفترة من سنوات شبابي، أحد الأشخاص وفاتح أهلي برغبته في أن أشاركه تليَّة رحلته في هذه الحياة، فلم يجدا لي سبباً إلى رفض طلبه، فتباحثا معه في شأن الخطبة، بيد أنّني آثرت التّمنّع عن الموافقة وسلكت نحوهم سبيل المماحكة، وما فتئت تدور فيما بيننا المداولات، والمجادلات المتعدّدة، حتّى أذعنت لمشيئة والديّ، وقد كنت نشأت على إبداء البرّ والطّاعة لهما.

توقّفت عن الكلام، قاصدة أن تحدّج ببصرها في أفق ذلك الماضي الذي تستحضر منه تلك الأحداث التي تتذكّرها، ورأيتها تهمّ بمواصلة كلامها، بعد أن تهيّأت لتلقّي تلك الذّكريات التي تنثال على ذهنها، وأخذت في استئناف كلامها فقالت:

وانسقت مع مسار تلك الوقائع المستجدّة في حياتي، بعدما أطاحت آراء والديّ الحصيفة بالحجج الواهية التي أدليت بها، ولم أكن أدّخر في جعبتي لذلك النّقاش العسير الذي خضت غماره معهما، إلّا ضآلة المعرفة، وقلّة الحيلة، اللتان كانتا حصيلة خبرتي اليسيرة بالأحداث التي تظهر في مجرى الحياة، فلم يعتدّا بتلك الآراء التي أبديتها لهما، وطالت فترة الخطوبة، وقد قرّرت في أثنائها أن أنقطع عن متابعة تحصيلي الدّراسيّ، نزولاً عند رغبة ذاك الرّجل، الذي كنت أتهيّأ لأن أصبح في جناح رعايته وأغدو ثويّته، وقد كان ألحّ عليّ بأن أتوقّف عن مواصلة الدّراسة، وعزمت على أن أتجرّع غصص الكدر والغمّ، وخالطني الأمل في أن يسيغها ذاك الصّبر الذي لذت به، وما لبثت أن انبعثت في نفسي دواعي الرّيب في دخلة ذلك الرّجل، الذي سبرت نواياه في غضون مرحلة الخطوبة، وقد بدأ يتحرّر من إسر ملاحة وجهي الزّاهي، التي كانت تستميله إليّ، وتخلّص من قيد رشاقة قدّي، التي كانت تجذبه نحوي، من دون أن ينفكّ من الوثاق الذي يقيّده بمطامع الأهواء الجشعة، فبات يرى في ضنك معيشتنا معابة تنتقص من وجاهته، وتبدّت خبايا طويّته باتّضاح نوايا نفسه، فانتفل من وعوده، وتنصّل من عهوده، التي اغتررت بها، ثمّ انفصمت عرى علاقتنا، فأصبحت نفساً مسلوبة الرّجاء، منهوبة الأمل، ومثلما تطغّى الرّيح السّفواء التي تذعذع التّراب، وتذروه في أعاصيرها العاتية، بدّدت تلك الصّلة المنصرمة، أمانيّ في مهبّ تلك الغموم التي خيّمت على نفسي، وكما تمحق الأحلام تباشير اليقظة، ألفيت كلّ شيء غدا خراباً وأصبح يباباً، وعلى الرّغم من مرور سنتين على تلك الوقائع التي سردتها، إلّا أنّي لم أجد في غضون ذلك الزّمن الماضي، ظرفاً مناسباً لإكمال تحصيلي الدّراسيّ فيه، فالتزمت بالعمل في إحدى الدّوائر العامّة الحكوميّة، وأصبحت لا أملك بغية في حاضري، ولا أطمح إلى بلوغ رجيّة في غدي.

الموهة من الوجه: رونقه وحسنه.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (17)

سنة النّشر 1987

وما لبثت أن مدّت بصرها إلى ناحية بعيدة ورنت إلى أديم السّماء، وأبصرت في عينيها وميضاً برّاقاً، فبانت تلك العينان كلؤلؤتين درّيّتين تلمعان في دجنة حالكة، وتوارد إلى ذهنها خاطر عاقها عن الكلام وصرفها عن الحديث حينما همّت بمخاطبتي، فتروّت متمهّلة، إلاّ أنّه لم يغب عنّي ذلك الأمر الذي خالج فكرها وخامر ذهنها، فاتّضحت مخايله في نظراتها، وأفصحت عنه نأمة زفراتها، وجهرت بحقيقته تلك الإيماءة التي جلّلت ملامح وجهها، فدلّت بأتمّ وصف، على ذلك الخاطر الذي لاح في بالها. وقلّما يعنى النّاس بأن يحيطوا بهذا الحديث المسترسل، الذي تنطق به قسمات الوجه ونظرات الأعين، فيسهون عن فرائده، ويلقون سمعهم إلى لهجة الكلام المخادعة، فيحسبون أنّهم يتلقّفون الحقيقة الصّرفة من لسان صادق، بينما يكون يلهج بأضاليل الكلمات وحيل التّعابير، ثمّ شرعت تخاطبني بلهجة صافية النّبرة:

أخشى أن تضلّ في تقديرك جليّة أمري، فتلقي عليّ الظّنون التي لا تتيح لك أن تدرك حقيقة حالي، ويستلزم تبديد ذلك التّخوّف الذي يساورني، أن أبوح إليك بحقيقة نفسي وأجاهر بصريح شأني، إلاّ أنّني سأوجز في مقالي، فلن يخالط نفسك الضّجر حينما تصغي إلى حديثي.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (16)

سنة النّشر 1987

أصغت إلى حديثي بأذن واعية، وذهن متوقّد، فدفعتني إلى البوح بالكلام من دون أن يرتج مقالي أو يعقد لساني، وأنا كنت بطبعي أعجز عن أن أسرد تلك الخواطر التي كاشفتها بها الآن، فغدا نفوذ تأثيرها في نفسي يمتدّ إلى ذهني، وكنت فيما مضى من الزّمن، عندما أذكر الأفكار التي تلوح في بالي، تحلّ خواطري بعبارات مشوّشة الكلمات، ومضطربة الألفاظ، ثمّ تابعت حديثي قائلاً:

حسبك من هذه الخواطر ما أفضت به إليك، فإن كنت لا أقدر على كتمانها، فإنّي لا أجد في نفسي ميلاً إلى سردها، فأمسك عن البوح بها، وأرتدّ إلى الصّمت.

ولم أكد أنهي حديثي حتّى أخذت تخاطبني بلهجة رصينة، فقالت:

رأيت في كلامك، صورة نفسك، التي تبيّنتُ معالمها، ووقفت على خلجاتها، فأحاط بها فكري، واستقرّت بذهني أفكارك النّيّرة التي أفصحتَ عنها، فأشرقت في ضيائها أنوار بصيرتي، ووسّعت آفاق تفكيري، فكانت جليلة النّفع عظيمة الوقع في نفسي.

ثارت في نفسي نشوة الزّهو والعجب بعد إطرائها حديثي، وسوّغت لي دواعي الخيلاء الظّنّ أنّ لأحداث حياتي مغزى كنت أجهل قدره، وتشتمل على حكمة نفيسة لم أدرك شأنها الجليل فيما مضى من الأيّام، ثمّ استأنفت حديثها، فخاطبتني قائلة:

تشعّب حديثنا حتّى غاب عن خاطر كلّ منّا، أن يعرّف الشّخص الآخر باسمه.

وسرعان ما أجبت طلبها متبّعاً نهج الدّعابة في حديثي، فقلت لها:

إن رغبت في أن تطبعي أحرف اسمي على جرس صوتك، فعليك بأن تدعيني بباسم.

تلقّت حديثي، وهي تصغي بانتباه إلى كلماتي، ثم أخذت تكلّمني قائلة:

أخال أنّك في غنى عن معرفة حقيقة أحوالي، لتغدو بمنجاة من أن تغشى نفسك غمامة الملل وسحابة السّأم، ولن تهبك تلك المعرفة نفعاً ولن تمنحك فائدة.