مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (62)

سنة النّشر 2009

كان بعض أهالي الطّلبة يعارضون أبناءهم في عزمهم على متابعتهم دراسة العلوم الموسيقيّة، وإذا كان الموسيقار صلحي الوادي قد تشكّى من أولئك الأهالي الذين يحولون دون أن يواصل أبناؤهم التّحصيل العلمي الموسيقيّ، فإنّه لم يفته أن يشكر أولياء الطّلّاب الذين يشاركون في تنفيذ تلك الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة، التي يؤدّيها ذاك المعهد العربيّ للموسيقا إلى الجمهور، وإذا كنت سأذكر الشّواهد التي أملكها من النّصوص والوثائق والمراجع المكتوبة، فإنّي أذكر كما يعلم جيّداً كلّ من حضر حفلات الفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة السّوريّة، وفرقة موسيقا الحجرة، أنّ الموسيقار صلحي الوادي كان في ختام تلك الحفلات الموسيقيّة، يشكر دائماً أهالي الطّلبة الذين يشاركون في العزف في تلك الحفلات، إذ كان يكبر تفهّمهم قدر ذلك النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، الذي يقتضي تحقّقه أن يتيحوا لأولادهم مثابرتهم على مزاولته، فقد قال الموسيقار صلحي الوادي في سياق حديثه عن الأنشطة التي يقدّمها ذاك المعهد: "أخيراً لا أنسى التّوجّه بالشّكر للأهالي الكرام الذين يأتون بأولادهم لدراسة الموسيقا وينتظرونهم السّاعات الطّويلة، ويحثّونهم على التّعامل الجدّيّ مع الموسيقا، لقد اختلفت الأمور كثيراً عمّا كانت عليه في السّابق، وحسبنا هذا الأمر كدافع للاستمرار وكمؤشّر على صحّة خطانا، وأنّ الجيّد له جماهيره، وليس صحيحاً ما يقال في اتّجاه غير هذا الاتّجاه".

لا يشقّ على من يتتبّع ذلك التّدرّج الذي تبلورت به فكرة إنشاء المعهد العالي للموسيقا، أن يرى تلك الحاجة إلى أن تبنى مؤسّسة فنّيّة علميّة، تتيح للطّلبة أن يواصلوا فيها تحصيلهم العلوم الموسيقيّة، بيد أنّ ذاك المعهد يسدي صنيعاً آخر، يتمثّل في وضعه حدّاً لهدر تلك المواهب الموسيقيّة، ولنزف تلك القدرات الفنّيّة الرّفيعة، التي يهاجر أصحابها من بلدهم سورية، قاصدين سائر دول العالم، حيث يتابعون تحصيلهم العلوم الموسيقيّة، ليزيدوا في ذاك المقدار الكبير الذي تخسره الأمّة العربيّة من جهود أبنائها، الذين يرحلون عنها، وقد تحدّث الموسيقار صلحي الوادي عن تلك الفوائد التي تعود من إنشاء المعهد العالي للموسيقا، إذ قال: "لنبدأ من أحلامنا عمّا كان يجب أن يكون عليه المعهد في البداية: 1961 كما ذكرت... انطلقنا نحمل أحلاماً كانت أكبر من الواقع، ولا تتناسب مع بنية المجتمع آنذاك.. فالمجتمع طور النّموّ وبنيته غير ثابتة، ويؤلّف هذه البنية عقليّة خاصّة وعادات وتقاليد من نوع ما لا تنسجم مع طروحاتنا، ومن ناحية أخرى الطّالب الذي تابع الدّراسة إن سمح له فإنّه يترك المعهد بعد فترة بحثاً عن عمل أو مصدر رزق أو يسافر للاختصاص دون عودة.. وكم هو مؤسف أن لا نحصد الثّمار التي نزرعها.. ففي لحظة نضوجها وعطائها يقطفها غيرنا.. وذلك لأنّ كثيراً من الشّباب الذين أوفدوا وعادوا، صدمهم الواقع في مجتمع لم يجد قيمه بعد، مادّيّة كانت أم روحيّة.. وأعتقد أنّ سفر الطّالب في سنّ مبكّرة قد يفقده انتماءه إلى وطنه الأمّ.. وهذا سبب خسارة كبيرة للمعهد.. إضافة إلى أنّ واقع المعهد العربيّ للموسيقا أيضاً لا يساعد على التّوسّع والإغناء... أمّا الآن ومع افتتاح المعهد الجديد "المعهد العالي للموسيقا" فسنتلافى مشكلة إيفاد الطّلّاب حيث سيتابعون دراستهم العليا هنا في بلدهم، ولم يعد بحاجة لأن يحمل آلته ويرحل..".

غلاف كتاب إنعام الأنغام

الملصق الإعلانيّ المنشور بمناسبة صدور كتاب إنعام الأنغام

 



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (52)

سنة النّشر 2009

كان الموسيقار صلحي الوادي يستذكر دائماً أولئك الأساتذة، الذين أوكلت إليهم مهمّة تدريس الطّلّاب في المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، حيث ظلّ يمدح تلك الرّعاية التي أولوها أصحاب المواهب الموسيقيّة الدّارسين في ذاك المعهد، ويشيد بعنايتهم بشدّ أزر أولئك الطّلّاب، فلم يكن يستأثر الفنّان صلحي الوادي على أولئك الأساتذة، بعزوه تلك الممادح التي يزهو بها ذلك المعهد، إلى نتاج تلك الفعال التي أتاها الموسيقار صلحي الوادي، بل كان يلحّ دائماً على أن يوفّي زملاءه العاملين في ذلك المعهد، قسطهم من ذاك التّقريظ الذي يُخصّ به ذلك النّشاط الذي يجيئه ذلك المعهد، فلم يكن يغيب عن باله أن يبرز تلك الجهود التي كان يبذلها العاملون في ذاك المعهد، كلّما تسنّى له الإخبار عن تلك الأعمال التي يأتيها ذلك المعهد، حيث تحدّث عن تلك المناشط التي قدّمها المعهد قائلاً: "أودّ إضافة بعض الأمور التي أعتقد أنّها هامّة في مسيرة عملنا، ولا يخفى على أحد كيفيّة تفسيرها، وتفسير دورها في عملنا، إنّه في المعهد العربيّ للموسيقا ومنذ تأسيسه عام 1960 عدد من الأساتذة ما زالوا يعملون فيه حتّى اليوم، مثل الأستاذ خضر جنيد، والسّيّدة إلهام أبو السّعود، والسّيّدة سنثيا الوادي، كذلك فإنّ العدد الأكبر من الكادر التّدريسيّ الموجود حاليّاً، هم من طلبة المعهد الذين درسوا فيه، وأوفدوا للتّخصّص وعادوا، صحيح أنّه يوجد هناك خسارة تجلّت في عدد من الذين لم يعودوا لأنّهم وجدوا أنّ القطر غير جدير بمواهبهم، وفضّلوا عليه العمل في الخارج، هذه اختيارات شخصيّة، لا أودّ الحديث عنها، أو إدانتها، ولكنّ المهمّ أنّ هذه الحالات أصبحت هي الأقلّ وغالباً ما يعود الذين نوفدهم ويساهمون معنا في العمل. كذلك أودّ أن أشكر هؤلاء الأساتذة الذين كانوا أوفياء لمؤسّسة هي من صلب مؤسّساتنا القوميّة، وبالتّالي فإنّهم يقدّمون بهذا الولاء ولاء لوطنهم، حين عادوا إليه، وقدّموا علومهم للصّغار الذين كانوا في يوم من الأيّام مثلهم، طبعاً لا أنسى أهمّيّة وجود الأساتذة الخبراء السّوفيّيت الذين عملوا معنا منذ أسّسنا معهدنا، حين قدم الخبير الأوّل السّيّد "يوري أوجوكين"، وقد درّس عدداً كبيراً من الطّلّاب، ولا زال السّوفييت يقدّمون جهوداً مشكورة".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (42)

سنة النّشر 2009

كان الموسيقار صلحي الوادي دائماً ممتلئاً بالحيويّة، إذ دأب في ممارسة نشاطه الفنّيّ الموسيقيّ، مهما كانت قسوة وعسر تلك الحقب الزّمنيّة التي كان يعمل فيها، فلم يكن يداخله قط القنوط، ولم يدرك همّته العالية الفتور، فكان يدفع بالنّشاط الفنّيّ صعداً في معارج السّموّ والرّفعة، ولا ريب في أنّ اعتقاده الوثيق في تلك القيم الفنّيّة، التي سعى إلى أن يحقّقها في الأنشطة الفنّيّة التي زاولها، قد أفعم نفسه بتلك الحيويّة، التي ظهر أثرها جليّاً في تلك التّصرّفات التي كانت تبدر منه، فكان ينكر تلك الفكرة التي تصوّر فتور همّته، وانحسار تلك الحيويّة عن كيانه، وكان ينفي أن يكون سعيه إلى النّهوض بالفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، قد أحبط، فعمد إلى أن يدحض تلك الزّعمات التي صوّرت إخفاق تلك المساعي التي أتاها، وأبطل ادّعاء بعض النّاس بافتقار البلد إلى فرقة موسيقيّة يتاح له أن يقودها، إذ صرّح قائلاً: "هذا ليس صحيحاً.. المتتبّع لنشاطات المعهد يمكن أن يرى عكس ذلك.. لا أقول أنّها تعثّرت (المساعي إلى تغيير نظرة النّاس إلى الموسيقا).. صحيح أنّني كنت أحمل يومها اندفاع الشّباب ورغبته بأن يحقّق كلّ أحلامه بساعات.. وصحيح أنّني كنت أحمل فكرة /الصّعب تستطيع أن تفعله والمستحيل يأخذ فترة أكبر/.. ولا زلت أحمل هذه الفكرة، عام 1956 شكّلت أوّل فرقة موسيقيّة في دمشق واستمررت مع تضخيم الفرقة وتقديم برامج تلفزيونيّة حتّى عام 1972.. وحين وجدت أنّ الدّولة غير مستعدّة لوضع ميزانيّة فرقة سيمفونيّة، وجّهت اهتمامي للفرقة الموسيقيّة التي نبنيها حول طلبة المعهد وأساتذته.. والفرقة مكوّنة الآن من 44 عازفاً وعازفة.. وهي أعلى مستوى من مرّات سابقة جرى فيها تكوينها.. إذاً المحاولة قد تكون تعثّرت بفعل الاصطدام بالواقع الثّقافيّ لكنّها لم تتوقّف".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (32)

سنة النّشر 2009

إنّ فحص الطّلبة المقدمين على الانتساب إلى المعهد العالي للموسيقا بدمشق، كان يجري على صورة السّبر الدّقيق لإمكانيّات أولئك الطّلّاب، الذين لم يكن الموسيقار صلحي الوادي يتهاون مطلقاً في إلزامهم أن يحقّقوا الشّروط المثلى، التي تيسّر لهم الانتساب إلى ذلك المعهد، الذي دأب في الحفاظ على تلك المكانة الفنّيّة العلميّة الرّفيعة التي يحلّ بها، وإن كان بعض الصّحفيّين في سورية، اعترضوا في كتاباتهم الصّحفيّة على الموسيقار صلحي الوادي، في تشدّده في مراعاة تلك الأسس المثلى، التي ينهض عليها اختبار قبول أولئك الطّلبة في المعهد العالي للموسيقا، فإنّ الفنّان صلحي الوادي لم يكن ليرتدّ عن تلك الطّريقة القويمة، التي أخذت بها إدارة المعهد في اختبار أولئك الطّلبة، إذ أوضح أنّ "الحفلات التي يقدّمها المعهد ونشاطاته المختلفة، تغطّى دائماً تغطية كاملة من قبل شباب ألمس من قراءة كتاباتهم حبّهم العميق للموسيقا، وإدراكهم لأهمّيّة الحركة الموسيقيّة في بلادنا، في العام الماضي تمّ إنشاء المعهد العالي للموسيقا ومنذ اللّحظة الأولى لإنشاء هذا المعهد، وجدنا الصّحافة مهتمّة به وحريصة على أن يسير بالطّريق الحسن. كتب خيري عبد ربه منتقداً بلهجة ظريفة أنّه لو تقدّم بتهوفن لاختبار الدّخول هذا، لطردته لجنة الاختبار بحجّة أنّه غير لائق لدخول المعهد. والحقيقة أنّ اختبارات الدّخول لمعهد عال للموسيقا يجب أن تكون بمستوى عال جدّاً، وهذا النّقد لم يمنع الأستاذ خيري أن يضمّ صوته إلى صوتنا حين وجدنا على حقّ في يوم آخر.. وخلال عام واحد من إنشاء المعهد العالي للموسيقا كرّست عدّة صحف مقالات عديدة لتتحدّث عن المعهد، السّيّدة لمى خير بك كتبت مقالات مطوّلة عن المعهد، السّيّدة رواد إبراهيم غطّت قضايا المعهد تغطية كاملة في جريدة (البعث). وجريدة (الثّورة) لم تتوقّف عن نشر مقالات عديدة عن حفلاتنا ونشاطاتنا. ولا ننسى المقال الرّائع الذي كتبه الدّكتور إسكندر لوقا حول حفلتنا الأوركستراليّة. وكذلك الدّكتور صادق فرعون في صحيفة تشرين. أقول ذلك وأعتبر أنفسنا في الحقل الثّقافيّ الموسيقيّ محظوظين بزملائنا الصّحفيّين الذين لم يقصّروا أبداً في ذمّنا عند اللّزوم، وإطرائنا حين رؤوا ذلك مناسباً".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (22)

سنة النّشر 2009

اكتملت مراحل التّعليم الموسيقيّ، الذي يتيح لأصحاب المواهب الموسيقيّة، أن يتوغّلوا في تحصيلهم العلوم الموسيقيّة، وخاصّة في ذاك الأوان الذي ينتسبون فيه إلى المعهد العالي للموسيقا، فلم تعد مسيرة التّحصيل العلميّ تتخلّلها فترات، ينقطع فيها الطّلبة عن متابعة تلقّفهم مبادئ العلوم الموسيقيّة، فلا يخلخلها غياب المراحل التّعليميّة، التي تلائم تلك المراتب المتعالية التي يدرج فيها الطّلبة في دراستهم العلميّة، وأنشئت الأقسام الدّراسيّة في المعهد العالي للموسيقا، لتلبّي حاجة أولئك الطّلاّب إلى تلقّي العلوم الموسيقيّة، ولم يغب عن ذهن القيّمين على إدارة المعهد، تلك المكانة التي يشغلها المعهد العالي للموسيقا بسورية، حيث حلّ في طليعة المعاهد التي تدرّس العلوم الموسيقيّة في الوطن العربيّ، نظراً إلى قلّة انتشار تلك المعاهد الفنّيّة العلميّة في البلاد العربيّة، فوضعت إدارة المعهد في حسبانها أيضاً، احتضان أصحاب المواهب الموسيقيّة من سائر الأقطار العربيّة، ليغدو ذلك المعهد صرحاً فنّيّاً علميّاً، ينشر الإشعاع الفنّيّ العلميّ الموسيقيّ في أرجاء الأقطار العربيّة الرّحيبة، وقد كان الفنّان صلحي الوادي ذكر أنّ: "المعهد العربيّ للموسيقا له دور تأسيسيّ في حركة التّعليم الموسيقيّ. فهناك يدخل الطّفل وعمره سبع سنوات، وقد يستمرّ في ذلك المعهد مدّة عشر سنوات، وبالتّالي يشكّل هذا المعهد المرحلة التّحضيريّة للمعهد العالي للموسيقا، أي يرفد المعهد العالي بالطّالب الموسيقيّ المتعلّم، ليتلقّى التّدريبات، التي تصقل وتنمّي طاقات هذا الشّابّ، كي يتخرّج منه موسيقيّاً متكاملاً، والواقع أنّه بهذه الطّريقة أنشأت وزارة الثّقافة معهداً يأخذ طفلاً في السّابعة من عمره يتخرّج وقد بلغ الثّانية والعشرين أو الثّالثة والعشرين من عمره، فتكون وزارة الثّقافة قد تعهّدت بتكوين فنّان موسيقيّ منذ طفولته وحتّى شبابه. إنّ الأنظمة المطبّقة في الكلّيّات الأخرى، وفي المعهد المسرحيّ حول قبول طلّاب من الأقطار العربيّة الشّقيقة، واردة أيضاً بالنّسبة للمعهد العالي للموسيقا".

أدرك الموسيقار صلحي الوادي جيّداً الحاجة الماسّة إلى أن يعمّ تدريس مبادئ العلوم الموسيقيّة أرجاء سورية كافّة، حيث ذكر: "للتّأكيد على ضرورة نشر الثّقافة الموسيقيّة وتعميمها على صعيد القطر العربيّ السّوريّ بكامله، بمعنى ألّا يقتصر الأمر على دمشق وحدها، قالت الدّكتورة نجاح العطّار وزيرة الثّقافة أمام مجلس الشّعب السّوريّ: [إنّنا لا ننسى أنّ حلب هي بيت الموسيقا، وإنّنا معنيّون بإنشاء معهد عال للموسيقا في حلب... وأضافت في سياق ذلك: إنّنا نحلم في أن نفتتح فروعاً للمعهد المذكور في المحافظات كافّة]".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (21)

سنة النّشر 2009

أخذ المعهد العالي للموسيقا يتوسّع شيئاً فشيئاً في افتتاحه الأقسام الدّراسيّة الجديدة، كلّما توفّرت الإمكانيّات التي تهيّئ له أن يزيد عدد المناهج الدّراسيّة، وكان القيّمون على إدارة المعهد، يمدّون أبصارهم مستطلعين الآفاق التي يتحتّم أن تبلغها تلك المناهج الدّراسيّة، وكانوا يقيسون المدى الذي تبلغه ملاءمة تلك الوسائل التي توجد في المعهد العالي للموسيقا، لتحقيق تلك المطامح التي ترنو إليها الأجيال الدّارسة للعلوم الموسيقيّة، ولم تألُ إدارة ذلك المعهد جهداً في توفير تلك الإمكانيّات التي تيسّر لهم تحقيق تلك المطامح، فكان الموسيقار صلحي الوادي أفصح عن أنّ "في المعهد أقسام متعدّدة، منها الأقسام التي تُعنى بالعزف الآليّ وتُعنى بتعليم العزف على الآلات الغربيّة، والشّرقيّة التي ذكرت. ومنها الأقسام التي تعنى بالشّؤون النّظريّة: علم الهارمونيّ أو الانسجام الصّوتيّ، علوم ونظريّات الموسيقا العربيّة، التّاريخ الموسيقيّ بقسميه العربيّ والعالميّ. وفرع للعزف الجماعيّ وهو يشمل التّكوينات أو الفرق العربيّة والعالميّة والجوقات العربيّة والعالميّة... إضافة إلى فرع مهمّ يختصّ بعلم التّعليم الموسيقيّ "بيداغوجي" وهو قسم يساهم في تربية معلّم الموسيقا المؤهّل. أمّا بالنّسبة للكادر التّدريسيّ فقد افتتحنا صفّاً واحداً لهذا العام (المعهد يتكوّن من خمسة صفوف، ومدّة الدّراسة فيه خمس سنوات يتخرّج بعدها الطّالب حائزاً على إجازة معترف بها أكاديميّاً) لذلك أخذنا حاجتنا عن هذه السّنة فقط فيما يتعلّق بالموسيقا، اعتمدنا العازف عبد السّلام سفر لتدريس العزف على النّاي، وفايز زهر الدّين لآلة العود وحميد البصريّ لآلة القانون، ولتدريب الفرقة الشّرقيّة، وفيما يتعلّق بالآلات العالميّة، فقد اعتمدنا بصورة أساسيّة على الخبراء السّوفييت العاملين بوزارة الثّقافة والمعهد العربيّ للموسيقا، بالإضافة إلى سينثيا الوادي خرّيجة الأكاديميّة الملكيّة بلندن، وسلمى قصّاب حسن خرّيجة براغ وسلمى المقدسيّ، التي أكملت دراستها العليا في فرنسا.. وهناك آخرون بانتظار الاشتراك في مجال التّعليم في المعهد مع افتتاح الصّفوف اللاّحقة، بمعدل صفّ على مدى السّنوات الأربعة المقبلة. المعهد العالي للموسيقا يرتبط مع المعهد المسرحيّ بمشروع المسرح القوميّ، الذي سينجز خلال فترة لا تزيد عن السّنتين، وبناؤه هو حجم ما هو مطلوب عادة بالنّسبة للتّعليم الموسيقيّ، فالموسيقا لا يمكن أن تدرّس إلّا إفراديّاً بين الطّالب والأستاذ، ممّا يتطلّب مساحات إفراديّة كثيرة. أمّا بالنّسبة للتّدريبات الأوركستراليّة فهذه تتطلّب مساحات كبيرة... ومنذ زمن بعيد ونحن نعمل للانتقال إلى هذا المبنى، وكلّ سنة كنّا نحاول شراء ما نحتاجه، والدّولة لم تبخل علينا إطلاقاً".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (20)

سنة النّشر 2009

إنّ تلك المسيرة التي اجتيزت سعياً إلى تحقيق قيام المعهد العالي للموسيقا في سورية، انبسطت في مدّة مديدة بلغت ثلاثة عقود، إذا حدّد مستهلّ تلك المسيرة، بدءاً من ذلك التّاريخ الذي أنشئ فيه بدمشق المعهد العربيّ للموسيقا، الذي يحمل الآن اسم الموسيقار صلحي الوادي، الذي كان يؤكّد دائماً أنّ خرّيجي ذاك المعهد العربيّ للموسيقا مهيّؤون لمتابعة دراستهم في مراحلها العليا، من دون أن يكابدوا العناء في تحصيل العلوم الموسيقيّة التي ارتفعت سويّتها في المعهد العالي للموسيقا، فذكر الفنّان صلحي الوادي أنّ: "المعهد العالي للموسيقا بدأ كفكرة عام 1973، لكنّه لم يخرج إلى حيّز الوجود إلّا بجهود وزارة الثّقافة، وبمتابعة خاصّة من الدّكتورة نجاح العطّار وزيرة الثّقافة، التي أولته اهتمامها وعملت على تقديم كلّ المساعدات اللّازمة لافتتاحه، وقد أعلن المعهد عن شروط الاختبار للمتقدّمين إلى مسابقة الانتساب، التي وضعت بشكل تحدّد فيه سويّة الطّلّاب الذين سيقبلون. وبما أنّنا مارسنا التّعليم الموسيقيّ لسنوات طويلة، فقد استطعنا أن نشترط مستوى عالياً، لقبول الطّلبة، فكان من غير الممكن أن نتساهل، أو نقبل طلبة لا يحسنون قراءة الأبجديّة الموسيقيّة "النّوطة" وعلى الرّغم من ذلك ووجهنا باعتراض من البعض الذين قالوا: إنّ المستوى الذي نطلبه أعلى من مستوى شبابنا، ولكنّ الواقع أثبت عكس ذلك، فاجتاز شباب عديدون المستوى العالي الذي طلبه المعهد في كلّ الآلات الشّرقيّة والغربيّة، ونجحوا بكلّ استحقاق. فقد تقدّم للاختبار ما يعادل 295 طالباً وكان علينا أن نحدّد عدد الطّلبة بحيث لا يكون أكثر ممّا يمكن تدريسه في صفّ واحد، أي بين (25_ 30). إلّا أنّه نظراً للعدد الكبير ممّن اجتازوا المستوى المطلوب تمّ قبول (43) طالباً وطالبة، وزّعوا على فئتين في الدّروس النّظريّة، وعلى اثنتي عشرة آلة موسيقيّة عربيّة وعالميّة، منها ثلاث آلات عربيّة: النّاي _ العود _ القانون...".

عني الموسيقار صلحي الوادي عناية كبيرة، بأن يتحقّق إدراج تدريس العزف على الآلات الموسيقيّة العربيّة، ضمن المنهج العلميّ القويم، لترتفع سويّة الأداء الفنّيّ الموسيقيّ، الذي يوكل بتحقيقه العازفون على تلك الآلات الموسيقيّة، وقد عبّر الموسيقار صلحي الوادي عن حرصه على أن تراعى تماماً، تحقّق أسس تدريس العزف الصّائب على تلك الآلات الموسيقيّة العربيّة، إذ قال: "ونحن الآن نقوم بتكليف بعض الذين لديهم خبرة أكاديميّة، وعلم واسع بالموسيقا بوضع مناهج موسيقيّة للآلات العربيّة، أمّا الآلات العالميّة فسنتعامل معها في إطار المستوى المعروفة به تلك الآلات في المعاهد العليا في العالم... ولذلك وضعنا خطّة لإنشاء مركز للبحوث، يعنى بدراسة التّكوين الخاصّ بكلّ آلة موسيقيّة عربيّة، ودراسة المناهج التّعليميّة لأنّها هي الوسيلة الأساسيّة للارتقاء بالعزف والتّلحين لتلك الآلات... هذا على الصّعيد النّظريّ، أمّا على الصّعيد العمليّ، فإنّنا نعمل على تكوين فرقتين: الأولى للموسيقا العربيّة، وتضمّ ما لا يقلّ عن 25 عازفاً وعازفة من المعهدين "العربيّ للموسيقا" و"العالي للموسيقا" مع عدد من أساتذتهم. والفرقة الثّانية هي فرقة "موسيقا الحجرة" التي أنشأها المعهد العربيّ للموسيقا منذ أمد بعيد، والتي ستدعم الآن بانتساب عدد كبير من الموسيقيّين الشّباب إلى المعهد العالي في دفعته الأولى".

 

غلاف كتاب إنعام الأنغام

الملصق الإعلانيّ المنشور بمناسبة صدور كتاب إنعام الأنغام



حظيت روايات الكاتب العربيّ السّوريّ شكيب الجابريّ، باهتمام القرّاء، الذين لم يمرّوا عليها مرور الكرام في باكورة صدورها، وقد ذكر أحد النّقّاد في سياق حديثه عن رواية "وداعاً يا أفاميا"، التي نشرها شكيب الجابريّ عام 1960، أنّ ظهور هذه الرّواية "قد أثار... بعد هذه السّنوات الطّوال من الصّمت الأدبيّ، من التّهليل والضّجيج ما ذكّر النّاس بالوقع العظيم الذي كان لروايات الجابريّ الأولى عند القرّاء العرب"(1)، والنّاقد هو محقّ في ذهابه إلى ذلك الرّأي الذي قدّر به روايات الجابريّ، الذي كان قد نشر أولى رواياته وهي نهم في عام 1937، وقد وصفت تلك الرّواية بأنّها "قصّة جريئة أثارت ضجّة وأكسبته جمهوراً من الشّباب"(2)، وهذه الرّواية التي أحدثت ضجّة بين القرّاء، قد عدّها معظم النّقّاد "البداية شبه المكتملة للرّواية العربيّة السّوريّة"(4)، ففي ذلك العام الذي صدرت فيه كان وقتاً مبكراً، بالقياس إلى أزمنة نشر الأعمال الرّوائيّة الأدبيّة العربيّة، التي تندرج في عدادها الرّواية السّورية، وقد وصفت رواية نهم بأنّها "ذائعة الصّيت واعتبرت بداية النّهضة الرّوائيّة السّوريّة"(5)، فكانت تلك الرّواية بحسب آراء الباحثين والدّارسين "حصاد أوّل موسم من مواسم الرّواية السّوريّة، من حيث تمام بنائها، وجودة صياغتها الفنّيّة، وتكامل عناصرها ووضوح مقولتها"(6)، وفي إثر صدور هذه الرّواية، لا غرو من أن يحمل الكاتب شكيب الجابريّ لقب رائد الرّواية الفنّيّة السّوريّة.

لم تقتصر تلك الرّيادة التي نال لقبها الكاتب شكيب الجابريّ، على تحقيقه الأسبقيّة الزمنيّة في أوقات نشر الأعمال الرّوائيّة الأدبيّة، بل أضيف إلى تلك الرّيادة الأسبقيّة في مراعاته الشّروط الفنّيّة، التي يجب أن تتحقّق في العمل الأدبيّ الرّوائيّ، فكان لصدور رواية نهم "تأثير بالغ في الشّارع الثّقافيّ العربيّ، كما حدث للرّوايتين الصّادرتين بعدها مباشرة"(6)، وقد وصفت أحوال القرّاء في تلقّيهم تلك الرّواية، فذكر أنّها صادفت "من الصّدى، ما امتدّ لأكثر من دولة وصحافة، ما شجّعه على المثابرة ليصدر بعد أشهر من إطلاقها، رواية قدر يلهو ثمّ قوس قزح"(7), فنالت تلك الرّواية عناية النّقّاد والقرّاء بها على السّواء، وقد اتّسع مدى التّأثير الذي أحدثته، حيث كان شاملاً حتّى بلغ النّشاط الاجتماعيّ عامّة، فكانت ضجّتها القويّة في "الأوساط الأدبيّة والثّقافيّة"(8)، وإذا تتبّعنا ظروف نشر تلك الرّواية، فقد ذكر أنّه قد "أعيد طباعة الرّواية مرّة ثانية، ولم يمض على الطّبعة الأولى سوى شهر ونصف"(9)، وأمّا النّطاق الذي امتدّ إليه تأثير هذه الرّواية، فإنّه قامت "من حولها الضّجّة القويّة في صحف سورية ومصر ولبنان... واختلف النّاس فيها الاختلاف الذي لا يختلفونه إلّا أمام النّتاج الأصيل القويّ"(10)، وكانت بحسب رأي عدد من النّقّاد "أنجح رواياته من النّاحية الفنّيّة، وذلك على الرّغم من صدورها في مرحلة مبكّرة نسبيّاً، وقد أقرّ الكاتب بذلك من حيث التّكنيك الفنّيّ، ومن حيث الأصالة المبتكرة"(11)، فوصل تأثير الرّواية إلى آماد قصيّة في ميادين الحياة الثّقافيّة والاجتماعيّة على السّواء، في ذلك الأوان من بدايات ظهور الرّواية الفنّيّة في الأدب العربيّ.

اختلفت آراء النّاس في تقييم تلك الرّواية، حيث تفرّقوا جماعات متعارضة، فكان "من مظاهر تلك الضّجّة أنّ الرّواية لقيت من ينظر إليها على أنّها كتاب ساقط، ويرمي صاحبها بالفجور، كما لقيت من يحفظها كلمة كلمة حتّى آخرها، وتلقّى الجابريّ من رسائل الشّتيمة والتّعظيم ما يملأ الكتب، وحطّته صحف ورفعته أخرى... واعتبره بعض النّاس سابقاً لأوانه، بينما نادى آخرون بإحراقه حرمة لمكارم الأخلاق، لكنّه في الحالتين قرئ بحقد وشغف أيضاً"(10)، وقد كان الإجماع الغالب، هو الاتّفاق على تقريظ تلك الرّواية، وتقدير كاتبها تقديراً رفيعاً عالياً، وقد روي عن الملك عبد الله، وكان أميراً لشرقيّ الأردن آنذاك، أنّه قال في تعليقه على رواية نهم "هذا كتاب كتب لما بعد عشرين سنة"(11)، وكان ذهب طه حسين إلى ذلك المعنى الذي رمى إليه الأمير عبد الله، إذ قال: "ما كنت أنتظر أن يُكتب مثله في العالم العربيّ قبل خمسة عشر سنة"(12)، فكان الكاتب شكيب الجابريّ سابقاً لأوانه حقّاً، لأنّه كان يتحلّى برؤية فنّيّة أدبيّة، استشرف بها آفاق التّطوّر الذي يتّجه إليه المجتمع العربيّ الذي ينضوي إليه.

إنّ وجهات النّظر التي اعتمدها النّاس في تقييمهم روايات شكيب الجابريّ، تستأهل أن يتروّى فيها ويتمعّن في تلك المرامي التي قصدتها، وكانت أكثريّة أبحاث ودراسات النّقّاد والباحثين، الذين تناولوا مؤلّفاته الرّوائيّة، قد استندت إلى كتاب قد وضعه مؤرّخ الأدباء وأديب المؤرّخين الدّكتور شاكر مصطفى، وكان ذلك الكتاب  حمل عنواناً هو "محاضرات عن القصّة في سورية حتّى الحرب العالميّة الثّانية"، وقد رأى باحث أدبيّ "أنّ المكتبة العربيّة فقيرة إلى المراجع التي تختصّ بالجابريّ وحياته وأدبه، وهنا مكمن الصّعوبة، ولعلّ جميع المراجع التي تحدّثت عن الجابريّ قد استقّت مادّتها من مرجع واحد هو كتاب "محاضرات عن القصّة في سورية" للدّكتور شاكر مصطفى وقد صدر عام 1958م"(13)، وقد كنتُ بذلت جهداً واسعاً وكبيراً وشاقّاً جدّاً، في مسعى الحصول على المصادر الإضافيّة، التي ذُكر فيها أخبار وأحاديث عن أدب وحياة الكاتب شكيب الجابريّ، وأغلب تلك المصادر، يكاد يتعذّر الحصول عليها حاليّاً بسهولة، نظراً لعدم انتشار تلك المصادر في الوقت الحاليّ، وإذا كان قد كُتِب عن مؤلّفاته الرّوائيّة، عدّة مقالات ودراسات أدبيّة، إلّا أنّ تلك الكتابات النّقديّة، على الرّغم من الأهمّيّة التي يتميّز بها بعضها، فهي لا تغني عن الرّجوع إلى المراجع والمصادر، التي استُند إليها في إنجاز تلك الأبحاث النّقديّة، وباعتقادي الشّخصيّ أنّه يعود من الاطّلاع على تلك المراجع الأساسيّة، والبحث في محتوياتها، فوائد جمّة ومنافع عديدة.

تطرّق عدد من النّقّاد إلى تناول روايات شكيب الجابريّ، في دراساتهم النّقديّة، بيد أنّ تلك الأبحاث والدّراسات التي أنشؤوها، كانت تدرج ضمن كتب، اشتملت على مواضيع ودراسات أدبيّة إضافيّة متنوّعة، فكانت تأخذ الكتابات التي خصّصوها لدراساتهم النّقديّة التي نظروا فيها إلى مؤلّفات شكيب الجابريّ، حيزاً محدّداً من كتبهم المنشورة، فلم يكن يوجد كتاب كرّس بأكمله للحديث عن ذلك الكاتب شكيب الجابريّ، ولا ريب في أنّ حجم الحيّز الذي كانت تشغله تلك الكتابات النّقديّة، لا يشكّل في ذاته، مقياساً لتقييم تلك الكتابات، إلّا أن تبقى الكتب المخصّصة كلّها للحديث عن روايات شكيب الجابريّ، تنشئ أفكاراً تكاد تكون أقرب إلى الإحاطة الشّاملة بنتاجه الأدبيّ، ومن دون أن أسهب في الحديث عن الصّعاب، التي واجهتني في بحثي عن المراجع الأدبيّة، التي تضمّنت دراسات نقدّية مخصّصة للنّظر في روايات شكيب الجابريّ، فقد كانت جهودي المبذولة في البحث عن تلك المصادر، ما تزال تنصبّ على التّنقيب عن الجرائد والمجلّات الصّادرة في تلك الفترة الزّمنيّة البعيدة، التي نشرت فيها تلك الرّوايات، وقد وفقت في أن أعثر على عدد لمجلّة المقتطف المصريّة، وهو العدد الصّادر في عام 1938، وتضمّن ذلك العدد دراسة نقديّة كرّست لرواية شكيب الجابريّ الأولى "نهم"، التي كان نشرها في عام 1937، وما إن بات ذلك العدد في يدي، حتّى سررت بحصولي على الضّالّة المنشودة، فقياساً لظروف ذلك الزّمن الذي نشرت فيه هذه الرّواية، يلاحظ أنّ النّقّاد لم يكونوا يتوانون في تناول تلك الرّواية في أبحاثهم الأدبيّة النّقديّة، ولم يتقاعسوا عن الاهتمام بها، بل إنّهم سرعان ما كانوا يبادرون إلى النّظر في تلك الرّواية، والتكلّم عنها، في فترة زمنيّة، لم تكن تبعد عن زمن صدور تلك الرّواية.

لم يكن الزّمن يطول حتّى يتاح للأبحاث والمقالات الأدبيّة التي تحدّث فيها عن روايات الجابريّ، أن ترى النّور على صفحات المجلّات المصريّة، فخلال مرور حوالي سنة واحدة على صدور رواية نهم، كانت إحدى تلك المجلّات المصريّة، تنشر مقالة أدبيّة، تحدّث فيها ناقد أدبيّ عن رواية نهم التي ألّفها الكاتب شكيب الجابريّ، وآراء ذلك النّاقد، التي وردت في هذه المقالة، كانت جديرة بأن ينظر فيها، ويتعمّق في تأمّلها مليّاً، وأمّا النّاقد الذي كتب المقالة، فهو حبيب الزّحلاويّ، الذي استهلّ حديثه عن رواية نهم بأن قال "عندما فرغت من القراءة الثّانية لهذه القصّة، سألت نفسي أصحيح أنّ مؤلّفها هو شكيب الجابريّ السّوريّ العربيّ، أم هو شخص آخر من صميم أهالي شمال أوروبا أو من قطّان قلب الجزر البريطانيّة؟"(14)، وقد حسم التّفكير في موضوع ذلك التّساؤل الذي خطر في ذهنه، إذ قال: "ثمّ عدت فقلت سيان عندي أمن عنصر ساميّ كان كاتبها أم من عنصر آريّ، أو كان الدّكتور الجابريّ يقصّ اختبارات شبابه على ضوء كهولته، فالتزم الحياد التّقليديّ فأسبغ على بطل قصّته عدّة أسماء تترنّح بين الرّوسيّة والجركسيّة والألمانيّة، أو قصّها أديب غربيّ لا يقيم للتّقاليد حرمات بغية جعل قصّته عالميّة يحسّ بها كلّ إنسان في كلّ قطر وعصر، وزمان ومكان بصرف النّظر عن عنصره وجنسه سواء أكان هذا أو ذاك، ففي قصّته "نهم" قوّة قادرة على انتزاعنا من صميم ذاتيّتنا لتقصينا عن فوضى الحياة، وتسمو بنا إلى عوالم تجعلنا نشعر بالطّمأنينة فيها إلى النّظام الذي سنّه عقل الإنسان متحدّياً الحياة في فوضى نظمها المشوّشة"(15)، وقد أنار النّاقد حبيب الزّحلاوي في عباراته التي أوردتها آنفاً، سمات هذه الرّواية، وبعض الخصائص التي اتّصفت بها.

ورد في حديث النّاقد حبيب الزّحلاوي عن رواية نهم، أنّه ذهب إلى الظّن بأنّ مؤلّف هذه الرّواية هو في سنّ الكهولة، وقد وضّح أسباب ذلك الالتباس الذي وقع فيه، وتدارك تعرّضه لذلك الوهم، بأن ذكر في ملاحظة حلّت في هامش هذه المقالة، حيث قال فيها: "عرفت أنّ المؤلّف في شرخ شبابه إنّما صوّر حالات الكهولة تصويراً حملني على الظّنّ بأنّه كهل"(16)، وقد استطاع ذلك النّاقد أن يتجرّد في مقالته الأدبيّة النّقديّة، عن الاهتمام بشخصيّة الكاتب، وحصر عنايته في الرّواية ذاتها، التي كان لها ذلك التأثير الذي وضّحه في كتابته عنها، وتابع ذلك النّاقد كلامه عن أحداث هذه الرّواية، فقال عن أسلوب الكاتب بأنّ "لمؤلّفها طرائقه الخاصّة، لا في تصوير لمحات من صور الحياة كما هي فحسب، بل في ما وسعهُ من هزّ شعورنا واستثارة أحاسيسنا فجعلنا نقاسمه انفعالات نفسه في الحالات السّارّة والمكدّرة، ونستطيب عرض هذه الصّور، لا كما هي في الأصل، بل كما يمكن أن تكون في عرف الفنّان وقد ضمّنها كثيراً من احتمالات ما في الطّبيعة، فأذهلنا عن الحواشي الفنّيّة التي لا تستمسك كثيراً بالحقائق ولا تتشبّث بها، فأيقنَّا في تبسيطه وسهولته وبساطته أنّهُ يقول الصّدق الذي لا يشوبه ريب!!"(17)، فكان التّعبير العميق عن المواضيع التي تضمّنتها الرّواية، والوصف الدّقيق لطبائع شخصيّات هذه الرّواية، أثارا ذلك الاعتقاد بأنّ الوقائع المذكورة في الرّواية هي حقيقيّة، فتأكّدت خاصّيّة الصّدق الفنّيّ، الذي يتوقّف على تحقّقه، اكتمال فاعليّة تأثير الرّواية الأدبيّة الفنّيّة في نفوس القرّاء.

عكف النّاقد على إنارة سمات شخصيّة بطل هذه الرّواية، بعد أن جلا المغازي التي تضمّنها ذلك العمل الرّوائيّ، فقال: "نهم قصّة قلب فنّان، أصبحت له شخصيّته المترفّعة الطّموح _بعد جدب وقحولة_ لا تهب الحبّ إلَّا المرأة المجهولة البعيدة، المرأة القدسيّة التي أحاطها في مخيّلتهِ الخصبة بهالة من المحاسن، قلب شابّ يودّ ألَّا يسلّم مقاليده إلَّا إلى امرأة يتخيّلها كاملة في كلّ شيء، حتّى إذا لم يجد، عمد إلى امرأة ممّن حولهُ، وأسبل عليها من مخيّلتهِ الكساء الذي يروقهُ ثمّ وضع قلبهُ الثّمل بخمرة خياله على مذبح هواها"(17)، وبعد أن أنار النّاقد حبيب الزّحلاويّ، مضامين اشتملت عليها تلك الرّواية، تابع سرد الأحداث التي تضمّنها ذلك العمل الرّوائيّ، فقال: "عشرات من النّساء طفنَ حول قلب الفنّان وتنازعنه، هجر الأولى لأنّها أغرقته بفيض نسويّتها فلاذت بالدّير، وفشلت الثّانية لأنّها ولجت طريقاً أضلّها عن قلبهِ، وهكذا الثّالثة والرّابعة إلى آخر ما لا يحصى من عدد الطُلعات المفتونات بالشّابّ الأديب الذّائع الصّيت الذي أتقن فنّ الاستهواء والاستغواء وصار كصيّاد هرم يعرف الطّريدة ويعرف بأيّ طعم تؤخذ، يفعل كلّ ذلك طمعاً في استلهام موضوع لقصّتهِ أو إضافة خبرة جديدة إلى معرفته"(18)، فتوسّع ذلك النّاقد في غوصه وتعمّقه في تبيان أطواء تلك الرّواية، بعد أنّ امتلك الاستعدادات الوافية لاستجلاء العناصر الفنّيّة التي تضمّنتها.

واصل النّاقد البحث في أعماق الشخصيّة الرّئيسيّة في هذه الرّواية، إذ عكف على أن يتعمّق في سبر أغوار شخصيّة بطل هذه الرّواية، بعد أن واكب نشوء اللّواعج والمشاعر في نفسه، فانطلق في أن يوضّحها، فذكر: "وإذ يدور قلب الفنّان دورتهُ ليتقبّل سرّ الكون في الحبّ، أو يحين الحين الشّاذّ لإيقاظ العواطف الهاجعة، يجد قلبه قد ذوى، ويلفي حيويّته غاضت أو نضبت، فتردّه الفتاة التي صدمها بضعفهِ خائباً مرذولاً في حين أنّها فتحت لهُ جوارحها وفتح لها قلبه بصدق، فيتحوّل إلى متفلسف مستقدس، ويصير رسّاماً وموسيقيّاً يرسم الدّموع والأحزان، وينشد الآهات والتّوجّعات"(19)، ووصل ذلك النّاقد بعد أن صرّح عن رأيه في مجرى أحداث الرّواية، إلى أن يعرض حصيلة تلك المواكبة التي ساير فيها توالي وقائع هذه الرّواية، وقد جهد في أن ينير نواحي عديدة من البناء الفنّيّ الذي ارتفعت فيه هذه الرّواية، من دون أن يفوته أن يتناول تلك الطّرائق التي صاغ بها الكاتب شكيب الجابريّ شخصيّات الرّواية، التي انطوت كياناتها على مشاعر عميقة خافية ومستترة.



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (19)

سنة النّشر 2009

امتلك الموسيقار صلحي الوادي رؤية واقعيّة، بحث بها في أمر تقبّل أفراد المجتمع في سورية فكرة امتهان الشّباب العمل الفنّيّ الموسيقيّ، فتبصّر في شؤون ذاك المجتمع بنظرته الموضوعيّة، على الرّغم من أنّ لا يستطيع أحد أن ينكر تأثير الأنشطة الفنّيّة الموسيقيّة، التي أدارها الموسيقار صلحي الوادي، في حضّ النّاس على أن يلاقوا تلك الفنون الموسيقيّة لقاءً حسناً، ويبدؤوا في أن يفهموا طبيعة تلك الأنشطة الفنّيّة فهماً أكثر عمقاً، من تلك الرّؤية التي كانوا يتدبّرون بها تلك الأنشطة في الأيّام الماضية، فإن آثر ألّا يتحدّث عن فاعليّة ذلك التّأثير الذي مارسته المعاهد الموسيقيّة، فإن ذلك النّكران للذّات الذي بدر من الموسيقار صلحي الوادي، لا يغمط حقّ تلك المعاهد في الظّفر بطيب الإجلال والثّناء على تلك الجهود، التي بذلها القيّمون عليها، خصوصاً بعد أن بدأ النّاس يراجعون رؤيتهم إلى ذلك اللّون من النّشاط الفنّيّ، الذي قدّمته إليهم تلك المعاهد الموسيقيّة، وقد تحدّث الموسيقار صلحي الوادي، عن ذلك التّغيير الذي طرأ على رؤية النّاس إلى الأنشطة الفنّيّة الموسيقيّة، إذ قال: "مجتمعنا في الواقع يتقبّل تدريجيّاً فكرة امتهان أولاده للفنون الموسيقيّة والمسرحيّة، أقول تدريجيّاً ولا أقول بأنّ مجتمعنا تقبّل هذه الفكرة الآن، فعدد كبير من طلبة الموسيقا ينسحبون من دراستها بعد حصولهم على الثّانويّة العامّة، ويلجؤون إلى دراسة ما يعدّونه مهناً تعود بالمادّة والقيمة الاجتماعيّة كالطّبّ والهندسة وغير ذلك من المهن.... هذا الشّيء واضح في الموسيقا وفي الفنون الدّراميّة، وإنّما هذا الشّيء حادّ جدّاً فيما يتعلّق بالباليه، إذ أنّ نسبة 80% من طالبات الباليه ينسحبن حتّى قبل الثّانويّة العامّة ممّا يشكّل خللاً في نتائج تدريس هذه المادّة، أنا لا أشكّ بأنّه سيأتي اليوم "وهذا أمر طبيعيّ للتّطوّر" الذي ستجد فيه هذه الفنون الاحترام الذي تستحقّه في المجتمع. والدّولة بالذّات طالما هي تشجّع الفنون بظاهرة إحداث المباني التّعليميّة كالمعهد العالي للموسيقا، والفنون المسرحيّة ومدرسة الباليه وإحداث دار الأوبرا، كلّ هذا خطى رائدة جدّاً بل ثوريّة في الواقع وستؤدّي حتماً إلى تقبّل المجتمع لفكرة امتهان هذه الفنون".

دعا التّحقّق الأمثل للتّحصيل الدّراسيّ للعلوم الموسيقيّة، إلى أن يتحتّم بناء معهد موسيقيّ يتيح للطّلبة أن يحصّلوا فيه العلوم الموسيقيّة، وإذا لم تكن تتوفّر العوامل التي تهيّئ للطّلّاب دراسة مبادئ التّأليف الموسيقيّ، في ذاك الأوان الذي أنشئ فيه المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، فإنّ الموسيقار صلحي الوادي كان شديد العزم على أن يبذل جهده في أن يوجد كلّ الأسباب، التي تفضي إلى التّوسّع في تدريس العلوم الموسيقيّة للطّلبة، في المراحل الدّراسيّة العليا، حيث ذكر: "رغم أنّ الملحّن المبدع يأتي في الباب الأوّل.. إلاّ أنّنا نصل إليه بحكم التّطوّر في الآخر..... ليست هذه ضمن مهامّ المعهد في مرحلته الحاليّة.. نحن في المعهد لا زلنا في مفهوم مرحلته التّحضيريّة ومرحلة البناء التّأسيسيّ في المراحل العليا فيه لم تحدث بعد.... بعد 28 عاماً (من إنشاء المعهد العربيّ للموسيقا) أما آن الأوان..؟ أقول.. إنّ هناك متطلّبات أساسيّة لافتتاح مراحل عليا.. أوّلها البناء الصّالح الذي يستطيع أن يضمّ مؤسّسة كهذه.. ثانياً الكوادر التّدريسيّة بحيث يكون كلّ أستاذ في المعهد خرّيجاً من معاهد عليا.. ونحن على الطّريق عندنا اليوم 26 أستاذاً بينهم عشرون من طلبتنا الذين أتمّوا دراستهم العليا في الخارج، وعادوا ليدرّسوا في المعهد...".



مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (18)

سنة النّشر 2009

يحزّ في صدر من يطالع ذلك الكلام الصّريح الذي ذكره الموسيقار صلحي الوادي، أن يستذكر تلك الحملات العنيفة التي شنّت عليه، حيث ادّعى موقدو نيران تلك الحملات أنّ الموسيقار صلحي الوادي يناصب العداء كلّ من يمتّ بصلة ب"الموسيقا العربيّة"، فمن يتبصّر في حديثه عن عنايته بتطوير الفنّ الموسيقيّ في سورية، يتيسّر له أن يرى في ضحة العسف والجور اللذين أوقعتهما به تلك الحملات، وهو قد اعتبر أنّ إنشاء المعهد العالي للموسيقا، سيوفّر تلك الفرصة التي يتاح فيها تنمية القدرات الفنّيّة التي يملكها أصحاب المواهب الموسيقيّة، الذين يتابعون دراستهم في ذاك المعهد، حيث يتوفّر فيه الوسائل التي تتيح إقامة المناشط الفنّيّة الموسيقيّة الفائقة، وقد تحدّث عن ذلك الموضوع، الذي تمثّل في مواصلة طلّاب العلوم الموسيقيّة تحصيلهم الدّراسيّ في المعهد العالي للموسيقا، فقال: "يمكن اختصار المسألة بأنّ طلّاب المعهد العربيّ للموسيقا ليسوا لنا، بمعنى أنّ لهم التزاماتهم الدّراسيّة في مدارسهم لذلك لا نستطيع الاستمرار في التّدريبات طوال الوقت، إنّنا نتدرّب خلال الأشهر التي تسبق الامتحانات ثمّ نقدّم حفلاً أو اثنين، في العام الماضي قدّمنا خمس حفلات، هذا بالنّسبة لحفلات الأوركسترا أمّا حفلات العازفين الأفراديّين فهي مستمرّة، الآن لدينا الطّالب في المعهد العالي للموسيقا هذا الطّالب ينتمي لنا، يمكننا تدريبه يوميّاً طوال السّنة كي نقدّم حفلة أو حفلتين، إنّما لا ننسى أنّ حفلاتنا هذه متعلّقة بمسيرة دراسة الطّالب الموسيقيّة، لهذا لا بدّ من إنشاء فرقة متخصّصة لإقامة الحفلات متفرّغة لهذا العمل، وليس فرقة تقدّم حفلات كجزء من دراستها، الفرق كبير، بعد تخرّج عدد كبير من طلبة المعهد العالي للموسيقا، ربّما تتمكّن وزارة الثّقافة من تشكيل فرقة أوركستراليّة دائمة شبيهة بفرقة المسرح القوميّ للتّمثيل، وبالتّالي تكون مهمّتها التّفرّغ للإعداد لبرامج تلو البرامج، ويجب ألاّ يغيب عن ذهننا العوائق الأساسيّة أمام تشكيل فرقة سيمفونيّة تتطلّب عدداً كبيراً من الآلات الموسيقيّة، التي تسمح طبيعة المعهد العربيّ للموسيقا بتوفيرها، فهناك آلات لا تدرّس كآلات النّفخ مثلاً، هذه الفراغات غطّيت في المعهد العالي ونحن ندرّس الآن آلات النّفخ الخشبيّة والنّحاسيّة، وبعد عدّة سنوات سيتخرّج الكثير من العازفين ليرفدوا الفرقة الموسيقيّة الحاليّة، هذا ضمن إطار العوائق التّقنيّة".