يخوض اللّاعبون ميدان التّباري الرّياضيّ، فيجهدون في تحقيق الفوز في المباريات التي يؤدّونها، وقد حدّدت إحدى خصائص الألعاب الرّياضيّة، بأنّه يجب أن يفضي اللّعب في المباراة الرّياضيّة، إلى نتيجة تكون معيّنة في الهزيمة أو النّصر، وهذه النّتيجة، توافق مفهوم المباريات الرّياضيّة التي ترتكز على أساس المنافسة، فالرّياضة في حدّ ذاتها هي "نتاج ثقافيّ للطّبيعة التّنافسيّة للإنسان من حيث هو كائن اجتماعيّ ثقافيّ"، ونستخلص من التّعريف الذي وضع لإيضاح طبيعة النّشاط الرّياضيّ، أنّ الرّياضة هي نشاط تنافسيّ يتأسّس على اللّعب، وهي "نوع من الأنشطة المحكمة الإطار، لها مجموعة من القوانين التي تنظّم سير اللّعب، وعادة ما يشترك فيها اثنان أو أكثر، للوصول إلى أهداف سبق تحديدها، وينتهي اللّعب عادة بفوز أحد الفريقين"، وقد عمدت اتّحادات الألعاب الرّياضيّة في العالم، إلى أن تضع القواعد التي تنظّم المنافسات الرّياضيّة، وكان مسار المباريات، لا ينتهي في بعض الأحيان، إلى خاتمة تلائم مغزى التّنافس الرّياضيّ، ولا تتيح تحقّق القواعد التي ينهض عليها ذلك النّشاط التّنافسيّ الرّياضيّ، الذي يتطّلب تحديد الفائز والخاسر في المباراة الرّياضيّة، وهذه الخاتمة التي تناقض مفهوم المنافسة في الرّياضة، هي نتيجة التّعادل التي تنتهي المباراة إليها، وإذا كانت هذه النّتيجة، لا توافق مغزى التّنافس الرّياضيّ، فإنّ اتّحادات الألعاب الرّياضيّة العالميّة، أضافت إلى لوائح قوانين الألعاب التي تشرف على إدارتها، القواعد التي يستند إليها في معالجة هذا الوضع الحاصل، وهو نتيجة التّعادل في المباريات، وقد قطع الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم "الفيفا"، مساراً طويلاً في معالجة هذه الحالة، فأوجد قاعدة ضربات الجزاء التّرجيحيّة، وتسمّى أحياناً اختصاراً بضربات التّرجيح، وهي طريقة أوجدها ذلك الاتّحاد الدّوليّ، لتحسم بها نتيجة المباراة التي تنتهي إلى التّعادل، في منافسات لعبة كرة القدم.

إنّ الفريقين المتباريين، اللذين يمضيان الوقت الأصليّ والإضافيّ الذي تستغرقه مباراة كرة القدم، من دون أن يتمكّن أحدهما من أن يحسم نتيجة المباراة لصالحه، يذهبان إلى تطبيق قاعدة ضربات الجزاء التّرجيحيّة، إذ يمنح كلّ فريق فرصة تسديد خمس ركلات جزاء، وتختلف ضربات التّرجيح عن ركلات الجزاء، التي يكون الهدف المسجّل بواسطتها، مدرجاً في عداد الأهداف التي تحرز في أثناء المباراة، وأمّا ضربات الجزاء التّرجيحيّة، فلا تدرج الأهداف المسجّلة بواسطتها، في عداد الأهداف التي تحرز في المباراة، فالفارق جليّ بين ضربات الجزاء وركلات التّرجيح، إذ ركلة الجزاء هي "إحدى الضّربات الحرّة  في قوانين كرة القدم، وتأتي كعقاب للاعب في حال ارتكاب الخطأ"، وتمنح ركلة الجزاء في أثناء زمن المباراة الأصليّ أو الإضافيّ، بيد أنّ كلا الرّكلتين، التّرجيحيّة والجزاء، تنفّذ عن بعد 11 متراً عن خطّ المرمى، وهذه القاعدة في تنفيذ الرّكلات في مباريات كرة القدم، أصبح لها سيرة تاريخيّة تروى، ولنبدأ من عام 1890، حيثّ اعتمدت قاعدة تنصّ على تنفيذ فكرة ركلة الجزاء، ثمّ نتابع لنصل إلى عام 1906، الذي أضيفت فيه قاعدة إلى لائحة قانون المباريات في لعبة كرة القدم، حيث نصّت تلك القاعدة على أنّ المباراة التي تنتهي إلى التّعادل، يلعب الفريقان المتباريان فيها، وقتاً إضافيّاً مدّته نصف ساعة، موزّعة على شوطين متساويين في الوقت, وفي حالة استمرار التّعادل، يستمرّ الفريقان على اللّعب، حتّى يسجّل أحدهما هدف الفوز، حيث تنتهي حينئذ المباراة.

ظلّت تلك القاعدة يراعى تنفيذها في غضون فترة قاربت العقدين من الزمّن، ونظراً للمآخذ العديدة التي يتضمّنها التّطبيق العمليّ لتلك القاعدة، حيث أنّ زمن المباراة قد يطول إلى وقت، لا يكون في وسع اللّاعبين والجمهور، أن يتابعوا فيه ذلك التّنافس الرّياضيّ، ارتئي في عام 1925، أن يلعب الفريقان وقتاً إضافيّاً، تكون مدّته نصف ساعة موزّعة على شوطين اثنين, وفي حالة استمرار التّعادل في نتيجة المباراة، يلعب الفريقان في وقت إضافيّ، يحدّد ب30 دقيقة أيضاً, ولكنّ إذا سجّل أحد الفريقين هدفاً، تنتهي عندئذ المباراة، وأمّا اذا استمرّ التّعادل مرّة ثالثة، فانّ المباراة تقام تارة أخرى في موعد قادم، وهذه الطّريقة المتّبعة في حسم نتيجة المباراة، تسمّى قانون المباراة المعادة، وقد استمرّ تطبيق هذه القاعدة حتّى عام 1978، حيث دخلت قاعدة ركلات الجزاء التّرجيحيّة في لائحة قوانين كأس العالم لكرة القدم، وهي الطّريقة التي أشرت إليها في مستهلّ حديثي الحاليّ.

ظلّت قاعدة الضّربات التّرجيحيّة، تطبّق في مباريات كرة القدم، حتّى برزت قاعدة الهدف الذّهبيّ، التي استخدمت لتحديد الفائز في المباراة، التي تكون نتيجتها التّعادل بين الفريقين، بعد انتهاء الوقت الأصليّ للمباراة، إذ يلعب الفريقان وقتاً إضافيّاً قدره 30 دقيقة، وموزّعاً على شوطين اثنين، وأيّ فريق يستطيع أن يحرز هدفاً في هذا الوقت الإضافيّ، يعتبر هذا الفريق فائزاً في هذه المباراة، التي تنتهي عندئذ، من دون أن تمنح فرصة إضافيّة إلى الفريق المنافس الآخر، كي يحاول فيها أن يعدّل النّتيجة، وقد اعتمدت هذه الطّريقة، كي تحدّ من محاولات تنفيذ ضربات الجزاء التّرجيحيّة، التي كانت تجري في أدوار البطولات، التي تقام وفق طريقة خروج المغلوب.

بدئ في تطبيق قاعدة الهدف الذّهبيّ، في بطولة كأس الأمم الأوروبيّة لكرة القدم، في عام 1996، وقد طبّقت قاعدة الهدف الذّهبيّ رسميّاً، في البطولات التي يشرف عليها الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم، في تلك المباراة التي جمعت بين فريقي الأوروغواي وأستراليا في كأس العالم للشّباب، وكانت تسمّى تلك الطّريقة آنئذ بالـSudden Death ، وهي تعني الموت المفاجئ، ونظراً لأنّ هذا المصطلح احتوى معاني ومغازي سيّئة وسلبيّة، اضطرّ الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم إلى أن يعدّل اسم هذه القاعدة، حيث أطلق عليها اسم الهدف الذّهبيّ، وقد استمرّ تطبيق هذه القاعدة حتّى عام 2004، حيث قرّر الفيفا إلغاء هذه القاعدة، والرّجوع إلى اعتماد الطّريقة السّابقة في تنفيذ ضربات الجزاء التّرجيحيّة.

كان الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم عمد إلى أن يقيّم النّتائج، التي أسفر عنها تطبيق قاعدة الهدف الذّهبيّ، في البطولات التي ينظّمها، وبينما كان ذلك الاتّحاد الدّوليّ، ينظر في الطّريقة المناسبة لمعالجة أحوال المباريات التي تنتهي بالتّعادل، اعتمد الاتّحاد الأوروبيّ لكرة القدم في عام 2002، قاعدة الهدف الفضّيّ بدلاً من قاعدة الهدف الذّهبيّ، وقد استخدم الاتّحاد الأوروبيّ هذه القاعدة، في بطولة أمم أوروبا لكرة القدم في عام 2004، والتي أقيمت في البرتغال، وهذه القاعدة تنصّ على منح الفريق الذي سجّل هدفاً في مرماه، في الأشواط الإضافيّة، فرصة تعديل النّتيجة، وتدارك الخسارة، حتّى نهاية الشّوط الإضافيّ الذي أحرز فيه ذلك الهدف، وإذا لم يتمكّن ذلك الفريق الذي مني مرماه بهدف، أن يعدّل نتيجة المباراة، يعتبر ذلك الفريق حينئذ خاسراً، إلّا أنّ الاتّحاد الأوروبيّ لكرة القدم، أنهى تطبيق تلك القاعدة، نظراً لأنّ الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم، لم يقرّ بتطبيق تلك القاعدة، ولم يعمّمها على البطولات التي ينظّمها، وقد انتهي من تطبيق تلك القاعدة في عام 2005، فتغيّرت الطّرق المتّبعة في حسم نتائج مباريات كرة القدم، وكانت تتنوّع تلك القواعد التي وضعت، لتلافي تلك الحالة التي تنتهي فيها المباراة إلى نتيجة التّعادل، بيد أنّ مع تنوّع وتبدّل تلك القواعد، ظلّ البحث جارياً عن الطّريقة المناسبة لتحقيق مغزى التّنافس الرّياضيّ، وقد روعي ألّا تلحق تلك الطّرق المستحدثة، الضّرر بسائر المبادئ التي تقوم عليها المباريات الرّياضيّة.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (4)

سنة النّشر 2008

لم يكن النّشاط الفنّيّ في البلاد العربيّة في مأمن من الوقوع في أشراك تلك الدّعاوي الباطلة، التي يذيعها أولئك الأدعياء الذين ينسبون أنفسهم خبّاً وغشّاً إلى زمرة الفنّانين الأقحاح، بل إنّ تفاقم تحكّم هؤلاء الأدعياء في مناشط الفنّ في الأقطار العربيّة، وإلهاجهم بذكر تلك الوصايا التي تتضمّنها دعاويهم الباطلة، يكادان أن يثبتا تلك الزّعمات، التي تذهب إلى تأكيد انسداد سبل النّجاة والخلاص من بلايا تلك الدّعاوي، التي تغشى النّكباتُ التي تنجم عنها ضروبَ الفنّ، الذي تتفاوت أنواعه المختلفة، في القدرة على إحباط مسعى تلك الدّعاوي الفاسدة إلى إخفاء سطوة نفوذها، وتورية تأثيرها في تلك الكيفيّة المثلى، التي يتوجّب أن يتّسم بها تحقيق الأعمال الفنّيّة، حيث قد يتأتّى لتلك الدّعاوي أن تتغلغل متخفّية في صنف محدّد من أنواع النّشاط الفنّيّ، فتحوّر طبيعة ذلك الصّنف الفنّيّ لتوافق تلك المبادئ الزّائفة، التي يروّجها أولئك  الأدعياء، بينما يظهر في بعض الأحايين أثر طغيان تلك الدّعاوي جليّاً، في صنوف أخرى من أنواع النّشاط الفنّيّ، وتكاد حالة الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة، أن تكون المثال الأبرز لشدّة طغيان تأثير تلك الدّعاوي الفاسدة، في طريقة إنجاز الأعمال الفنّيّة، إذ بدت صورة ذلك التّأثير ناصعة في معظم الأعمال الموسيقيّة، التي تنتشر في البلدان العربيّة، فغشت الدّياجي أجواء ذلك النّوع من النّشاط الفنّيّ، وادلهمّ فيها القتام طامساً أنوار ذلك الفنّ الموسيقيّ الرّفيع.

لم يكن شأن فنّ الموسيقا في سورية، يختلف عن أحوال تلك الأنشطة الفنّيّة الموسيقيّة، التي تجري في سائر البلاد العربيّة، حيث ما برحت الدّياجير تطبق أيضاً معالم فنّ الموسيقا في سورية، إلى أن قيّض لتلك المناشط الفنّيّة الموسيقيّة، التي تجري في هذا القطر العربيّ السّوريّ، أن يسطع في أطوائها نور التمع في ذلك الظّلام الحالك، الذي  يغشى آفاق ذلك الفنّ الجليل، فانطلق ذلك الضّياء يشتقّ درب الإبداع الفنّيّ الموسيقيّ، ويقشع تلك الدّياجير الدّامسة، ويهدي السّالك في رحاب ذلك الفنّ إلى الينابيع الثّرّة، التي تنبجس فيها بدائع الفنّ الموسيقيّ، التي يقبل إليها الظّامئ إلى تلك الرّوائع الفنّيّة الموسيقيّة، فيستعذب الصّور التي تلوح فيها ألحانها، ويستسيغ الأشكال التي تتبدّى فيها أنغامها، ويفتتن بروعة تلك الصّيغ الفنّيّة التي انبنت عليها تلك الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة، التي تنقع عطشه إلى النّتاج الفنّيّ الموسيقيّ البديع.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (3)

سنة النّشر 2008

يجهد الفنّان متشدّداً في الحفاظ على الأصالة التي تميّز شخصيّته، لتغدو أصالته الذّاتيّة إطاراً لامّاً للعناصر المندرجة في قوام عمليّة الإبداع الفنّيّ، والتي يحيط ذلك الإطار بها، ويحفظها من التّشتّت والتّفرّق، ويردّ عنها الموادّ الدّخيلة التي تفسد عمليّة الخلق الفنّيّ، وتخلّ بانسجام تلك العناصر الفريدة التي تحوزها شخصيّة ذلك الفنّان، فيلائم عمليّةَ الخلق الفنّيّ ذلك الإطارُ، الذي يتميّز بامتلاكه خاصيّة فريدة قلّ نظيرها، وهي تتمثّل في مؤامته للعمليّة الفنّيّة الإبداعيّة، فكأنّما استمدّ ذلك الإطار قوامه من صميم تلك العمليّة الإبداعيّة التي يزاولها ذلك الفنّان، حتّى جاز القول أنّ عمليّة الخلق الفنّيّ قد رشحت بذلك الإطار، ليوافق تلك العناصر المندرجة في أطواء تلك العمليّة الإبداعيّة الفنّيّة، فتأتلف تلك العناصر في ترابط محكم، من دون أن يفرط عقد اجتماعها الوثيق التنافرُ والتّضادُّ، اللذين لا يتأتّى لهما أبداً أن يسريا في ذلك الائتلاف الوطيد.

إنّ عمليّة الخلق الفنّيّ، هي عصيّة على أن تلجم بقيد يمنعها عن مضيّها في مدارج الفنّ الرفيع، فليس في وسع أحد أن يحرفها عن نهج تلك السّنن الفنّيّة القويمة، وتلك العمليّة الفنّيّة الإبداعيّة، هي أيضاً منيعة على أن تحاط بحدّ إلاّ ذلك الإطار الذي ينبثق من صميمها، ويأخذ الإنسان عجب عِجاب من أولئك الأشخاص، الذين يدّعون بقدرتهم على الابتكار الفنّيّ، والمندسّين في طائفة الفنّانين الأفذاذ، حيث ما برح أولئك الأدعياء يأتون بقواعد غريبة تشذّ عن أسس الفنّ، ويضعون قيوداً مفتعلة تجافي طبيعته، ويسعون إلى أن يلزموا الفنّانين الارتهان والتّقيّد بتلك القواعد الشّاذّة، التي تطفئ جذوة ابتكارهم الفنّيّ، وتهمّد حميّا نشاطهم الإبداعيّ الفنّيّ، وما فتئ أولئك الأدعياء يقحمون تلك القواعد الباطلة في قوام عمليّة الخلق الفنّيّ، الذي استضرّ بتلك القواعد الشّاذّة التي هدفت إلى أن تزيّف طبيعته، وتحوّر حقيقته، ولا يعدم هؤلاء الأدعياء أنصاراً يمشون في ركابهم، ويعضدون مذاهبهم، ويروّجون دعاويهم الباطلة التي ما برح أولئك الأدعياء يدسّونها في صنوف الفنون كافّة، ويشيعونها في بلدان شتّى، وقد كانت تلك الأمصار تتباين في مقدار ابتلائها بتلك النّكبات، التي تتسبّب بحدوثها تلك الدّعاوي، التي ما برحت تلحق الأضرار بصنوف الفنون كلّها.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (2)

سنة النّشر 2008

                      شموخ الإبداع وسمو الرّسالة

                             الموسيقار صلحي الوادي

                           التّواضع الخلاّق والإخلاص الصّادق

ترسخ سمة الأصالة في الأسلوب، الذي ينتهجه الفنّان الفذّ في إنجازه أعماله الفنّيّة، التي تؤثّل فيها تلك الأصالة طابع التّميّز الذي يفرد نتاج ذلك الفنّان عن البدائع الفنّيّة التي يبتكرها سائر الفنّانين، فكأنّما تتزيّا شخصيّته برداء فنّيّ          قشيب، موشّى بالخرز الفريد، ومرصّع بالشّذر النّادر، فيصبح ذلك الفنّان نسيج وحده في إبداعه روائعه الفنّيّة، ويغدو منقطع النّظير بين أقرانه من  الفنّانين، وتقي ذلك الفنّان المتفرّد في مكانته الفنيّة، سمةُ الأصالة التي يتميّز بها أسلوبه الفنّيّ، من أن يتردّى في مهاوي تقليد أساليب الفنّانين، الذين يطالع أعمالهم الفنّيّة، فيتمثّل ذلك الفنّان الأصيل نتاج سائر الفنّانين، من دون أن يسلك تلك الأساليب ذاتها التي صاغوا عليها أعمالهم الفنّيّة، التي يقف عليها ذلك الفنّان  الفذّ، الذي تردّه أيضاً تلك الأصالة عن وقوعه في زلّة الارتهان بالمعايير الباطلة الشّائعة، التي قد يسعى بعض النّاس إلى أن يقيّم بها الأعمال الفنّيّة، فتجنّبه تلك الأصالة الأخذ بالمقاييس التي تخالف قواعد الفنّ الرّفيع، فلا يتقيّد ذلك الفنّان البتّة بها، مهما كان انتشار تلك المعايير واسعاً بين الأقوام.

لا يأخذ الفنّان الأصيل بسنن التّميّز عن سائر الفنّانين تصنّعاً أو تكلّفاً، فهو لا يتقصّد أن يأتي بالنّتاج الطّريف الغريب، والعمل الملغز العجيب الذي يعيي الفكر ويحيّر الخاطر، من دون أن يفضي بمن يتأمّل ذلك النّتاج الفنّيّ إلى التّقلّب في نعماء الفنّ الرّفيع، فإذا عمد ذلك الفنّان إلى أن يؤكّد تفرّد نتاجه الفنّيّ عن سائر أعمال الفنّانين، إلاّ أنّه يأبى أن يتّبع سبيل الشّذوذ عن النّهج الفنّيّ القويم، فكثيراً ما يلتبس على أولئك الأشخاص الذين يتكلّفون السّعي إلى إبداع الأعمال الفنّيّة، طابع تلك الأصالة التي تفتقدها شخصيّاتهم، فيظنّون ظنّاً خاطئاً أنّهم لن يتيسّر لهم أن يعبروا عن تلك الأصالة التي يدّعون امتلاكها، إلاّ إذا تنكّروا لمبادئ الفنّ، الذي لا يبرحون يشتطّون في خروجهم على أسسه المثلى، ويتمادون في معارضة سننه الرّشيدة، من دون أن يعلموا أنّ سمة الأصالة إذا كانت راسخة في شخصيّة الفنّان، فلن يتأتّى لها أن تنطلق من إسار الخفاء الذي يحجبها، إلاّ إذا استرشد ذلك الفنّان بأنوار مبادئ الفنّ، ومضى في إنتاجه أعماله الفنّيّة على هدي تلك القواعد الفنّيّة القويمة، فتتبدّى تلك الأصالة حينئذ جليّة وتتكشّف ظاهرة في ذلك النّتاج الفنّيّ الذي يبتدعه ذلك الفنّان.

يستمسك الفنّان النّابغ بعروة الأصالة صوناً وحفظاً لطابع الإبداع الفنّيّ، الذي جُبلِت عليه شخصيّته الفنّيّة، وهو ينافح ويذود عن أصالته الفنّيّة الذاتيّة، من دون أن تفتر عزيمته أو توهن إرادته، ليشدّد منعة رسالته السّامية التي يروم تحقيقها في هذه الحياة التي يعيشها، فلا تنفصم أبداً الرّابطة الوثقى التي تؤلّف بين وجود ذلك الفنّان وممارسته نشاطه الفنّيّ، فيندفع في تحقيق القيم الفنّيّة التي تنصّ عليها مبادئ الفنّ، لأنّه يأبى أن يتنكّر لحقيقة أصالته الشّخصيّة المتميّزة، التي تحوط بروزه في مناشط الإبداع الفنّيّ، وهو ينتحم أيضاً على تحقيق رسالته النّاشبة جذورها في مبادئ وقيم الفنّ الأصيل، والتي غدت صوى هادية لتلك السّنن التي تمضي فيها عمليّة إبداعه الفنّيّ، الذي يتمخّض عن الأعمال الرّائعة، التي توثّق ارتباطه بهذا العالم الذي يحيا فيه، بل إنّ ذلك الفنّان يسدي إلى سائر النّاس صنيعاً حميداً، إذ أشركهم معه في الشّعور بذلك الارتباط الوثيق بذلك العالم، الذي ينضوي إليه أولئك القوم، أوليس النّتاج الفنّيّ الرّفيع يرهف شعور الإنسان الذي يتذوّقه، وينير بصيرته التي تتطلّع لاستكناه حقيقة هذا العالم، الذي يعيش فيه ذلك الإنسان، الذي ما إن يتأتّى له أن يلمّ بكنهه حتّى تنشأ بينه وبين هذا العالم تلك الوشائج، التي لا يهي مطلقاً رباطها الذي يجمع بينهما، فتتبدّد متلاشية بينهما دواعي التّناكر، الذي كان حال دون أن تقوم تلك الرّابطة المتينة التي تؤلّف بين هذا الإنسان وذلك العالم.



كنت أمضي أوقاتاً طويلة مع أفراد أسرتي في مناقشة المسائل والقضايا الكثيرة والمتنوّعة، التي تتّصف بأهمّيّة بارزة في حياة النّاس، وأذكر أنّي قد تحاورت في أحد الأيّام مع والدي، في مسألة مراحل الحياة التي يمرّ بها البشر، فقال لي والدي حديثاً طويلاً عبّر فيه عن رأيه في هذا الموضوع، وأورد الآن من كلام والدي، بعضاً من الكلمات والعبارات التي كان ذكرها، إذ قال والدي: إنّ سنّة الحياة، أن يمرّ الإنسان بمراحل عديدة خلال العمر الذي يعيشه، إلّا أنّه يستطيع في بعض الأحيان، أن يمتلك قدراً معيّناً من استطاعة التّحكّم في تحديد المدّة، التي تستمر فيها مرحلة محدّدة، فإذا نظرنا في مرحلة الشّباب، فإنّ الإنسان يستطيع بقدر محدّد من الاستطاعة، أن يعيّن طول الفترة الزّمنيّة، التي يستغرقها هذا الطّور من أطوار الحياة التي يمرّ بها النّاس، وتظهر قدرة الإنسان على التّحكّم في تحديد طول هذه المرحلة، بحسب أحوال المعيشة والعادات الصّحّيّة والغذائيّة التي يتّبعها، فيستطيع أن يوسّع أمد مرحلة الشّباب، الذي يتميّز بخصائص، تعلو في نظر النّاس.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (36)

سنة النّشر 1987

لم يكن يتاح أن أقيم لمشاعري سدّاً، ولم يتأت لي أن أضع لها حدّاً، فكانت تقلّني أجنحة الخيال وتنطلق بي في لجّة الحبّ، حتّى أدرك تلك الذّرى السّامقة، في مراتب الوجدان ومراقي الكيان، وما إن أتبوّأ تلك القلال الشّامخة، وأعتلي تلك السّدّة الرّفيعة، حتّى تميد بي نشوة العشق، وتنبعث في نفسي نزيّة الشّوق، فأهوى إلى قيعان سحيقة، وأتردّى في وهاد عميقة، وأغضّ طرفي عن حلم غابر، وأصرف نفسي عن مطمح دابر، وربّما ألفيت في عشرتي مع نادية، المؤالفة والمؤانسة اللتين تلطّفان وطأة وحشتي، ونحن نخوض في غمار الحياة، إلاّ أنّي ما برحت أروغ عن هذا الاعتقاد، حتّى أحاطت بنفسي حبائل العاطفة وأشراك الهوى، فبدأت أذعن لهذا الخاطر، وقد كان تفرّد فكري بالآراء والمعتقدات التي اعتنقتها، سدّ المعابر التي تصلني بالأشخاص الآخرين، الذين يتذرّعون بعلائق الفكر، إلى أن يوثّقوا عرى الألفة بينهم وبين سائر النّاس، فانطلقت في مدارج العاطفة، حتّى ألفيت نفسي أعيى بالإحاطة بحقيقة تلك الدّوافع، التي تحفز المشاعر إلى أن تنبعث في ثورانها المضطرم، وأعجز عن أن أدرك تلك الطّرائق، التي توطّد بها نفوذها على النّفس، فكنت أتيه في رحاب تلك العاطفة، من دون أن أحدّد وجهة، أسعى إلى أن أبلغها، وكان أفضل لي وأليق بي، أن أقحم نفسي في أصقاع الذّهن البارد، وأكناف الخاطر الفاتر، عوضاً من أن أرتاد حمم اللّواعج المحتدمة، التي تزكي لهيبها العواطف الجيّاشة، ولم أهتد إلى سواء السّبيل، فباتت تنازعني رغائب شتّى ومآرب عديدة، من دون أن أضبط أمري وأبتّ قراري.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (35)

سنة النّشر 1987

أنتشت بذور العاطفة، وتفتّحت براعمها في نفسي منذ شرخ شبابي، وخفقت ألوية الهوى في صدري، الذي هبّت فيه رياح الغرام، فعصفت في كياني الأعاصير الهوجاء، وقلعت دعائم سكينتي التي تبدّدت في مهبّ تلك الزّوابع النّافخة، واختلجت في صدري غمرات العشق، إلّا أنّني لم أحِدْ عن نهج الهيام؛ ولم أسفّ إلى الملاذّ الدّنيئة في عالم ذلك الغرام العارم، وقد سنّت شرائع الأخلاق القواعد، التي تحدّ بها غلواء المشاعر، وأوجبت الأعراف الطّرائق التي تضبط بها سورة العواطف الجامحة، وأحاطت النّفس بسياج الفضائل، التي خطّت حدود الاستقامة، وتخوم الرّشاد، وطوّقت رغائب الإنسان بدلائل الهداية، التي إن أعرض النّاس عنها ترامت أحوالهم إلى الخسران، وآلت مساعيهم إلى الخذلان، وألمح بعض الأقوام، يصدف عن غمرات العاطفة وبرحائها، فلا أجد أمارة على إثارة ظاهرة في تلك الطّرائق الرّتيبة السّاكنة، التي اعتادوا أن يسلكوها، في سعيهم إلى أن يخوضوا في خضم هذه الحياة؛ وطالما كان أفراد من هؤلاء الأقوام، يتردّون متعثّرين، إذ يقعون ضحايا محاولتهم استجلاء تلك الملاذّ الكامنة في أكناف العواطف، فيدأبون في أن يتنّسموا رحيق الهوى، وعرفه الطّيّب العطر، فإن أسكر حواسهم، بدلاً من أن ينبّه نفوسهم إلى مآثر البرّ، تقع فعالهم في حمأة الفساد السّافر والضّلال الظّاهر، وينزلقون إلى درك الخطايا والرّذائل؛ فمن دلائل الأنفة والعزّة، أن ندنو من نيران الغرام المتّقدة، من دون أن تلذع أيدينا سياط شعلها المتأجّجة، ولا تلفع جباهنا ألسنة لهبها المتوهّجة، ولِمَ أكترث لتلك العاطفة، وقد نضبت في نفسي جداول الأمل، وجفّت مسايل الرّجاء، وغدوت على مرّ الأيّام، أوهن قدرة على مسايرة تلك اللّواعج التي تبهظ النّفس، وأوهى عزيمة على مجاراة ذلك الجوى الذي يفدح الحسّ.



مقتطفات من كتاب قطاف المعازف (1)

سنة النّشر 2008

المقدّمة

أسهب النّاس كافّة في عصور شتّى في الحديث عن شدّة تأثير الموسيقا الطّاغي في نفوس البشر، الذين كثيراً ما تؤكّد أغلبيّتهم عجزها عن أن تفي ذلك التّأثير حقّه، من البيان والإيضاح، إذ اعتقد أفراد تلك الأكثريّة من هؤلاء النّاس، أنّ ليس في وسعهم، أن يصفوا وصفاً دقيقاً تلك الآثار التي تحدثها الموسيقا في نفوسهم، وإذا تجاوزت حاليّاً البحث في أمر ذلك الاعتقاد، الذي وقر في أفئدة أولئك النّاس، الذين شاعت بينهم تلك الفكرة، التي تصوّر عجزهم عن أن يجلوا ذلك المدى، الذي يبلغه تأثير تلك الموسيقا في أنفسهم، فإنّي أجتزئ الآن، بأن أؤكّد أنّ أحد الأسباب، التي حفزتهم إلى تكوين تلك الفكرة الرّاسخة في عقولهم، يتمثّل في افتقار أولئك النّاس إلى مقاليد التّعبير عن ذلك الانفعال، الذي تثيره في نفوسهم تلك الموسيقا، وعلى قدر قوّة ذلك الاعتقاد الرّاسخ في أفئدة هؤلاء النّاس، فإنّهم يظنّون أيضاً ظنّاً قويّاً، أنّ تلك المسائل التي تفرّعت عن قضايا الفنون المتنوّعة، قد بتّ فيها وحسم النّقاش في أمرها، إذ اعتقدوا أنّ الأبحاث الفكريّة المنجزة، التي تطرّق فيها البحّاثة إلى الخوض في غمار تلك القضايا، قد قتلتها خُبْراً، وأشبعت معالجتها، وإذا كان يتركّز اعتقاد النّاس خصوصاً في تلك القضايا التي تتّصل بشؤون الفنّ الموسيقيّ، فإنّ هيهات أن تسفر قضايا ذلك الفنّ عن كافّة سرائرها الخبيئة، ولن تهيّئ مسائل ذلك الفنّ لمن يطّلع عليها، أن يهتدي في يسر إلى أن يستخلص من مناقشته قضايا ذلك الفنّ الموسيقيّ، الرّأي المرجوح الذي يبلوّر المسائل التي تتعلّق بشؤون ذاك الفنّ الموسيقيّ.

إنّ في وسعي أن أؤكّد أيضاً أن بعض قضايا أصناف الفنون المتنوّعة، تظلّ أوجه عديدة منها مبهمة، إذ استعصى على النّاس أن ينيروها تمام الإنارة، في مناقشتهم مسائل تلك الفنون المتنوّعة، وإذا كان بعض من القضايا الفنّيّة قد حسم الجدل فيها منذ أمد بعيد، فإنّ سائر قضايا تلك الفنون المتنوّعة، ما زال يستعصي على النّاس أن يقرّوا رأيهم فيها، وإذا سلّم أولئك الأفراد بذلك المآل الذي صارت إليه تلك القضايا التي لم يبتّ في شأنها، فإنّهم سرعان ما يسمونها بالعسر، ويكادون يسلون عنها من دون أن يلتفتوا إليها، حتّى أنّهم إذا اتّفق لهم أن يقفوا عليها ذات مرّة، فغالباً ما يفجأ هؤلاء النّاس وجود ذلك النّوع من القضايا، التي علّق الحكم في شأنها، وعلى قدر إحساسهم الشّديد بتلك الفجاءة التي أخذتهم، فإنّهم يتوغّلون في تضخيم ذلك العسر الموهوم، الذي يسمون به تلك القضايا التي قد باغتهم وجودها، وإذا أحجمت الآن عن البحث في الأسباب، التي تدفع أولئك النّاس إلى أن يدهشوا من وجود تلك القضايا الفنّيّة، التي علّق الحكم فيها، وقد هالت ضخامتها المزعومة أولئك النّاس، مثلما فجأهم وجودها، فإنّي ركّزت اهتمامي في هذا الكتاب، بعرض ومناقشة بعض من تلك المسائل التي تتعلّق بشؤون الفنّ الموسيقيّ، على أنّي وطّدت عزمي على أن أخوض في مناقشة سائر تلك القضايا في كتب أخرى، آمل أن أخطّها في قادم الأيّام.

إنّي أعتقد أنّ الشّروع في البحث المعمّق في شؤون الفنّ الموسيقيّ الجادّ، ينزع من مسائل ذلك الفنّ سمة العسر، ويرفع عنها غشاية الغموض، وذاك الجدل الذي يدور بين النّاس في شأن تلك القضايا الفنّيّة، يؤكّد قدرة أولئك القوم على إنارة مسائل ذاك الفنّ الموسيقيّ، وقد ضممت إلى هذا الكتاب أيضاً المقالات التي كنت نشرتها في الصّحف منذ سبعة عشر عاماً، وقد تحدّثت عن شؤون الفنّ الموسيقيّ الجادّ في تلك المقالات، التي ائتلفت مع الأبحاث التي أنشرها أوّل مرّة في هذا الكتاب، الذي أقدّم على صفحاته بعض قضايا الفنّ الموسيقيّ، وإنّي على يقين من أنّ تأمّل النّاس في تلك القضايا، سيحفّزهم إلى الإسهام في إيضاح وتبيين كافّة أوجه مسائل ذاك الفنّ الموسيقيّ الجادّ، ولم أكد أستعدّ لتنفيذ طباعة هذا الكتاب، حتّى كان حدث أليم قد وقع في عالم الفنّ وحياة النّاس قاطبة، وإذا لم أستطع أن أفي حقّ هذا الحدث الجلل، في أن أسهب مستفيضاً في التحدّث عنه في هذا الكتاب، فلأنّي لم أكد أفرغ من تهيئة هذا الكتاب للطّباعة، حتّى أصاب حدث فاجع البلاد العربيّة التي نُكِبت في وفاة الموسيقار صلحي الوادي، بعد أن حال المرض الذي ألمّ به دون أن يواصل مزاولة نشاطه الفنّيّ الموسيقيّ، طيلة السّنوات الخمس الماضية، إلّا أنّ الفقيد الكبير الذي فُجع الناس بوفاته أيضاً في أقطار الدّنيا قاطبة، أشاد بناء فنّيّاً ضخماً، وأنشأ مؤسّسات فنّيّة شامخة ستصمد راسخة في الحياة الفنّيّة، وإذا كانت إحدى المزايا الجليّة التي تتحلّى بها المؤسّسات العظيمة، تتمثّل في استمرار بقائها وثبات دوامها، مهما تعرّضت للمحن والهزائز، حتّى وإن انقطع بانيها عن أن يشرف شخصيّاً عليها، وتلك الميزة التي ذكرتها آنفاً، على الرّغم من أنّها تعتبر معروفة في بدائه العقول، ولا يجد الإنسان داعياً إلى أن يثبتها، فإنّها تؤكّد عظمة الشخص الذي بنى تلك المؤسّسات، وأقام هذا البنيان الفنّيّ المنيف، وإن كانت الإفاضة في الحديث عن الأعمال الجليلة، التي أنجزها المرحوم الموسيقار صلحي الوادي، لا تسعها المجلّدات العديدة الضّخمة، فإنّي أعتزم على أن أعاود الخوض في الحديث عن تلك الأفعال المجيدة، في الأيّام القريبة القادمة.



مقتطفات من رواية أناشيد الألم (34)

سنة النّشر 1987

تطرّقنا إلى تلك الأحاديث التي تنفكّ فيها القيود عن الذّهن، ليبدو فيها الفكر بيّن المعالم، وتظهر النّفس جليّة الطّويّة، فاستدلّ كلّ منّا على أحوال جليسه، بأنوار الخواطر التي تلمع في آفاق فكره ورحاب ذهنه، وتعرّف كلّ منّا على دخيلة محاوره، بسنا تلك الهواجس التي تنطوي نفسه عليها، فاهتدى كلّ منّا بذلك الضّياء النّاصع، واللّمعان السّاطع، اللذين أنارا تلك المشاعر، التي تختلج في قرارة نفس ذلك المؤانس الذي بدّد وحشته.

عمدنا إلى أن ننهض عن مقاعدنا، لنهمّ بمبارحة هذا المطعم، ولم نكد نشرع في أن نسير على الرّصيف، حتّى وشكان ما باغتتنا ريح صرصر، فتدانينا وكأنّنا سعينا في أن نتقارب في مسيرنا، كي نطرح عنّا ذلك الفزع الذي دهمنا وألمّ بنا، بعد هذه السّكينة التي أخلدنا إليها، وتعجّلنا في المشي، وسايرتها حتّى بدأت مشارف بيتها تلوح لنا من بعيد، فودّعتها بكلمات جاهرتها فيها برجيتي أن أراها عن قريب، فأكّدت بابتسامة نيّرة، وعدَها بتحقيق رغبتي في أن ألتقي بها، وسرت عائداً إلى منزلي، فأخذت تشتدّ عليّ وطأة البرد القارس، فأيقنت بأنّي أمشي بمفردي، بعد أن كان يثير السّير مع نادية في نفسي، المشاعر الحارّة والأحاسيس الدّافئة، فعمدت إلى استحضار صورتها في ذهني، فأحسست عندئذ بالدّفء والطّمأنينة.

ارتميت على سريري فاتر الهمّة، منطفئ الحماس، وتبصّرت في مشاعري التي حرّرت إرادتي من تلك القيود التي كبّلتها، وأعتقت نفسي من عبوديّة الشّهوات، وخلّصتها من الارتهان بتوافه الأحداث؛ وأرى سائر الأنام، يقبسون من مسارج العاطفة لهبها المتوهّج، ليوقدوا به نيران حماسهم، فيسعون في أن يثيروا عزائمهم الخادرة، ويبعثون مرائرهم الفاترة، فألفيت أولئك النّاس في تهالكهم على ثمار تلك العاطفة، كأنّهم يستعيضون بها عن مغانم سلبت منهم، وعن مكاسب حجبت عنهم، فينعمون بهناءة تلك المشاعر الحانية، حتّى تدهمهم دجم العشق وغمرات الولع، فيهنون في استكانة ذليلة، ويبثّون الشّكوى، وينفثون النّجوى، وهذا شأن الإنسان، تقلّه أحلامه إلى سعير جواه، وتطرح به يقظته إلى قيظ تلك الوقائع التي تطرأ عليه.



إنّ الأحداث التي أفضى إليها ذلك التّصرّف الذي أتاه لاعب منتخب الأورغواي تجاه أحد لاعبي الفريق الإيطاليّ، لم تتمّ فصولاً، فما زالت الأنباء تأتي متواترة، لتصف مجرى الوقائع المتتالية، التي اتّخذتها مسألة ذلك الفعل الذي جاء به لاعب منتخب الأورغواي، عندما احتكّ بلاعب منتخب إيطاليا، في إحدى مباريات بطولة كأس العالم لكرة القدم، التي تجري في هذا الأوان في عام 2014، في المدن البرازيليّة، والأخبار جاءت متسارعة، لأنّ الأحداث توالت في عجلة ظاهرة، فذكر في التّقارير الصّحفيّة، أنّ اللّاعب الأوروغويانيّ قدّم اعتذاراً، إذ عبّر عن ندمه على ارتكابه ذلك الخطأ ضدّ اللّاعب الإيطاليّ، وسلوك الاعتذار في حدّ ذاته هو فضيلة رفيعة، نوّه به كثيراً، المصلحون الاجتماعيّون والمفكّرون، وهو أيضاً سلوك، كان يفتقده أشخاص عديدون طوال التّاريخ البشريّ، ويجب ألّا يستخفّ أحد من النّاس بهذه القيمة العالية من القيم الأخلاقيّة، التي تتأصّل في سلوك الاعتذار، الذي يُحتّم ألّا يقلّل من أهمّيّته أيضاً.

إنّ الأحداث المتسارعة التي أعقبت وقائع مباراة منتخبي إيطاليا والأوروغواي، قد أفضت إلى ذلك المآل الذي تبدّى في موقف الاعتذار، الذي اتّخذه لاعب منتخب الأورغواي، وقد يخطر في ذهن بعض النّاس، التّساؤل عن سبب وصفي تلك الأحداث، بأنّها حلّت متسارعة، ولا ريب في أنّ الإجابة عن هذا السّؤال، يتكفّل بها التّاريخ، الذي يخبرنا بأنّه ما زالت توجد قضايا ومسائل عالقة بين الشّعوب، لم تغلق ملفّاتها بعد، وهي ظلّت على هذه الحالة مدّة بلغت أحياناً مئات السّنوات، وبعض تلك القضايا والمشاكل ظلّت مدداً أقلّ، في حالة انتظار ذلك الأوان الذي تحسم فيه، وأمّا علّة ذلك التّأجيل في حسم تلك الخلافات النّاشبة بين عدد من شعوب العالم، فهي انتظار سلوك الاعتذار الذي كان يطالب بعض أطراف ذاك الخلاف، أن يبدر من خصومهم الذين يجابهونهم في تلك القضايا التي يتنازعون فيها، والأمثلة التّاريخيّة كثيرة، وبعض تلك القضايا أصبحت أزمة مستفحلة أحياناً، ولكنّ تاريخ الرّياضة نفسه، يخبرنا عن مسائل لم تحسم وقضايا لم تغلق، بسبب انتظار النّاس أن يعمد الرّياضيّون الذين ارتكبوا المخالفات في ميادين الرّياضة، إلى الاعتذار عن ارتكابهم تلك الأخطاء التي بدرت منهم، وإذا كان الشّيء بالشّيء يذكر، فإنّه يكاد يكون المثال الأشهر في هذا الموضوع، هو مثال اللّاعب الأمريكيّ اللّاتينيّ الذي تحدّثت عنه في مقالتي السّابقة، وقد اخترت هذا المثال، لأنّه كان اسم هذا اللّاعب، مدار أشهر قضية، ظلّ يتناقش فيها النّاس منذ أمد بعيد، بسبب امتناعه عن تقديم الاعتذار عن ذاك الخطأ الذي ارتكبه ضد أحد لاعبي دولة أوروبيّة، في إحدى المباريات النهائيّة في بطولة كأس العالم في عام 1986، والتي جرت في المكسيك.

ما زال أفراد عديدون من شعب تلك الدّولة الأوربيّة، التي ارتكب ضد منتخبها الوطنيّ لكرة القدم، ذلك اللّاعب الأمريكيّ اللّاتينيّ مخالفة صريحة، يؤاخذون ذلك اللّاعب الذي ينتمي إلى أحد منتخبات دول أمريكا الجنوبيّة، وما برحوا ينحون عليه باللّائمة لارتكابه تلك المخالفة، وهؤلاء الأشخاص لن يغفروا له خطأه الذي اقترفه، إلّا إذا قدّم اعتذاره لارتكابه ذلك التّصرّف الخاطئ، وكي أكون دقيقاً في حديثي، فإنّي أذكر هذا الكلام استناداً إلى معلومات، اطّلعت عليها منذ وقت ليس بعيداً، والأخبار التي أتيح لي أن أتابعها وأستقيها من عدّة مصادر متنوّعة، لم تظهر حدوث أيّ تغيير في الموقف الذي اتّخده ذلك اللّاعب الأمريكيّ الجنوبيّ، في امتناعه عن الاعتذار إلى أفراد ذلك الشّعب الأوروبيّ، وكي أكون أكثر دقّة أيضاً، فإنّي أذكر أنّه توجد فئة من مواطني تلك الدّولة الأوروبيّة، ما زالت تشدّد بقوّة مؤاخذتها ذلك اللّاعب الأمريكيّ اللّاتينيّ، لعدم اعتذاره عن الخطأ الذي ارتكبه، ولا أدري إن كان ينتاب نفوس بعض أفراد ذلك الشّعب الأوروبيّ، شعور غير الإحساس بالمؤاخذة، التي أنا متيقّن بأنّ فئة من أفراد ذلك الشّعب عبّرت عنها صراحة.

لا ريب في أنّ اللّاعب الأوروغويانيّ قد أتى التّصرّف الجيّد في اعتذاره إلى اللّاعب الإيطاليّ، وهو أعلن توبة نصوحاً، وعبّر عن ندمه عن ارتكابه ذلك الخطأ، وإذا كان لاعب منتخب الأورغواي تصرف بتلك المبادرة الحسنة، فإنّ اللّاعب الإيطاليّ فعل تصرفاً حميداً أيضاً، إذ أنّه أعلن قبوله ذاك الاعتذار، الذي عبّر عنه ذلك اللّاعب، الذي ارتكب ضدّة الخطأ في المباراة الرّياضيّة، التي جمعت بين منتخبي بلديهما بكرة القدم، واللّاعب الإيطاليّ غفر لخصمه ذلك الخطأ الذي ارتكبه ضدّه، ولا ريب في أنّ تصرف هذين اللّاعبين، يعبّر عن القيم الرّياضيّة المثلى، التي يجب أن تتأصّل في نفوس النّاس كافّة، وإذا تحدّثت عن سلوك الاعتذار، فأعتقد أنّه يجب أن يتنبّه النّاس في المجتمع العربيّ، إلى القيمة الأخلاقيّة الرّفيعة التي يتّسم بها ذلك النّمط من السّلوك، كي تتعزّز عندهم الرّكائز الأساسيّة التي تنهض عليها الرّوح الرّياضيّة، فتلك المعاني التي ينطوي عليها ذلك التّنافس الجاري بين اللّاعبين، هي غزيرة ومتنوّعة، ويجب على من يتابع تلك المباريات الرّياضيّة، ألّا تغيب عن ذهنه المتنبّه واليقظ، تلك المغازي التي يتضمنّها ذلك التّباري الرّياضيّ.